Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة النجم: الآيات ١٠ - ١٨ معنى الوحي(١)، وهو إلقاء الشيء بسرعة، ومنه: ((الوحَى الوحَى)). والمعنى: فأوحى الله تعالى إلى عبده محمَّد # ما أوحى. وقيل: المعنى: ((فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ)» جبريلَ عليه السلام ((مَا أَوْحَى)). وقيل: المعنى: فأوحى جبريلُ إلى عبد الله محمَّدْ ﴾ ما أَوحى إليه ربُّه(٢). قاله الربيع والحسن وابن زيد وقتادة(٣). قال قتادة: أوحى الله إلى جبريل، وأَوحى جبريل إلى محمَّد(٤). ثم قيل: هذا الوحي هل هو مبهم، لا نَطَّلِع عليه نحن وتُعُبِّدْنَا بالإيمان به على الجملة، أو هو معلوم مفسَّر؟ قولان، وبالثاني قال سعيد بن جبير، قال: أَوحى الله إلى محمَّد: أَلَم أَجْدك يتيماً فآويتك! أَلَم أجدك ضالًّا فهديتك! أَلَم أجدك عائلاً فأغنيتك! ﴿أَلَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. أَلَِّ أَنْقَضَ ◌َهْرَكَ. وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٥) [الشرح: ١-٤]. وقيل: أَوحى الله إليه أنَّ الجنَّة حرام على الأنبياء حتى تدخلَها يا محمَّد، وعلى الأُمم حتى تدخلها أمَّتُك(٦). قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ اٌلْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴿١٧ أَقَتُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١) وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ٣ عِندَ سِدْرَةِ الْمُتَغَىِ ﴿ عِندَهَا جَّةُ الْأَوَى ◌َ إِذْ يَغْشَى السّذْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى ١٧ لَقَدْ رَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْقُؤَادُ مَا رَأَ﴾ أي: لم يكذب قلبُ محمَّد ﴾ ليلةً المعراج، وذلك أنَّ الله تعالى جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربَّه تعالى، وجعل الله (١) ١٣١/٥، وسلف تخريج الحديث هناك. (٢) زاد المسير ٨/ ٦٧ . (٣) أخرجه عن الربيع: الطبري ٢٢/ ٢١، وأبو الشيخ في العظمة (٣٦٨)، وعن ابن زيد وقتادة: الطبري ٢١/٢٢، وعن الحسن: أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٦٣)، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٩٣/٥. (٤) الوسيط ٤/ ١٩٥ . (٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٤٦ بنحوه. (٦) لطائف الإشارات ٣/ ٤٨٢. ٢٢ سورة النجم: الآيات ١١ - ١٨ تلك رؤية. وقيل: كانت رؤية حقيقة بالبصر(١). والأوَّل مرويٌّ عن ابن عباس(٢)، وفي ((صحيح مسلم)) (٣) أنَّه رآه بقلبه. وهو قول أبي ذرِ وجماعة من الصحابة (٤). والثاني قول أنس وجماعة(٥). وروي عن ابن عباس أيضاً أنَّه قال: أَتعجبونَ أن تكون الخُلَّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمَّد﴾(٦). وروي عن ابن عباس أيضاً أنَّه قال: أمَّا نحن بني هاشم فنقول: إنَّ محمَّداً رأى ربَّه مرَّتين(٧). وقد مضى القول في هذا في ((الأنعام)» (٨) عند قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وروی محمّد بن کعب قال: قلنا: يا رسول الله صلى الله عليك، رأيتَ ربَّك؟ قال: ((رأيته بفؤادي مرَّتين)) ثم قرأ: ((مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى))(٩). وقول ثالث: أنَّه رأى جلالَه وعظمته، قاله الحسن. وروى أبو العالية قال: سُئلَ رسول اللـه * هل رأيتَ ربَّك؟ قال: ((رأيتُ نهراً، ورأيتُ وراء النهر حجاباً، ورأيت وراءَ الحجاب نوراً، لم أَرَ غيرَ ذلك))(١٠). وفي ((صحيح مسلم))(١١) عن أبي ذرِّ قال: سألتُ رسولَ الله ﴿ هل رأيتَ ربَّك؟ قال: ((نورٌ أَنَّى أراه» المعنى: غلبني من النور (١) الوسيط ٤ / ١٩٥. (٢) أخرجه الترمذي (٣٢٨١)، والطبري ٢٢/ ٢٢ . قال الترمذي: هذا حديث حسن. (٣) برقم (١٧٦)، وهو عند أحمد (١٩٥٦). (٤) المحرر الوجيز ١٩٨/٥، وأخرجه عن أبي ذر: النسائي في الكبرى (١١٤٧٢). (٥) الوسيط ١٩٥/٤ ونسبه إلى أنس وعكرمة والحسن. (٦) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٧٥)، وابن خزيمة في التوحيد ص١٩٧ ، وصحَّحه ابن حجر في فتح الباري ٦٠٨/٨ . (٧) أخرجه الترمذي (٣٢٧٨) بنحوه، وسلف ٤٨٤/٨ . (٨) ٨/ ٤٨٣. (٩) النكت والعيون ٣٩٤/٥ وما بعده منه، وأخرجه الطبري ١٩/٢٢ عن محمد بن كعب القرظي، عن بعض أصحاب النبي # بنحوه. (١٠) النكت والعيون ٣٩٤/٥، وأخرجه عنهما ابن أبي حاتم ٣٣١٨/١٠-٣٣١٩ (١٨٦٩٧) و (١٨٦٩٨). (١١) برقم (١٧٨). ٢٣ سورة النجم: الآيات ١١ - ١٨ وبهرني منه ما منعني من رؤيته. ودلَّ على هذا الرواية الأخرى: ((رأيت نوراً))(١). وقال ابن مسعود: رأى جبريلَ على صورته مرَّتين(٢). وقرأ هشام عن ابن عامر وأهل الشام: ((مَا كَذَّبَ)) بالتشديد(٣)، أي: ما كذَّب قلبُ محمَّد ما رأَى بعينه تلك الليلة بل صدَّقه. فـ ((ما)) مفعوله بغير حرف مقدّر؛ لأنه يتعدّى مشدّداً بغير حرف. ويجوز أن تكون ((ما)) بمعنى ((الذي)) والعائد محذوف، ويجوز أن يكون مع الفعل مصدراً (٤). الباقون مخففاً، أي: ما كذب فؤادُ محمّد فيما رأَى، فأسقط حرف الصفة. قال حسان ﴾(٥): لنجوتِ مَنْجَا الحارثِ بنِ هِشامٍ لو كنتِ صادقة الذي حدَّثتني أي: في الذي حدَّثتني. ويجوز أن يكون مع الفعل مصدراً. ويجوز أن يكون بمعنى (الذي))، أي: ما كذب فؤادُ محمَّد # الذي رأَى. قوله تعالى: ﴿أَفَتُرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ قرأ حمزة والكسائي: (أَفَتَمْرُونَهُ)) بفتح التاء من غير ألف(٦) على معنى: أَفتجحدونه. واختاره أبو عبيد؛ لأنه قال: لم يُماروه، وإنَّما جحدوه. يقال: مراه حقَّه، أي: جحده(٧)، ومريته أنا، قال الشاعر: لئْن هجرتَ أخا صِدقٍ ومَكْرُمَةٍ لقد مَرَيْتَ أخاً ما كان يَمْرِيكًا(٨) (١) مسلم (١٧٨): (٢٩٢). (٢) أخرجه أحمد (٣٨٦٤)، والطبراني في الكبير (١٠٥٤٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٦٦). وفي إسناده: إسحاق بن أبي الكهتلة، ذكره البخاري في التاريخ الكبير ٤٠٠/١-٤٠١، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢٣٢/٢ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في الثقات ٢٥/٤ . (٣) السبعة ص٦١٤، والتيسير ص٢٠٤ . (٤) مشكل إعراب القرآن لمكي ٦٩٢/٢-٦٩٣، والبيان لابن الأنباري ٣٩٧/٢. (٥) دیو انه ص٤١٩ ، وورد فيه هكذا: إن كنت كاذبة الذي حدَّثتني (٦) السبعة ص٦١٤، والتيسير ص ٢٠٤ . (٧) الصحاح (مرا). (٨) الكشاف ٢٩/٤ ولم ینسبه. فنجوت ٢٤ سورة النجم: الآيات ١٢ - ١٨ أي: جحدته. وقال المبرِّد: يقال: مراه عن حقِّه، وعلى حقه: إذا منعَه منه ودفعَه عنه. قال: ومثل ((على)) بمعنى ((عن)) قول بني كعب بن ربيعة: رضي الله عليك، أي: رضي عنك(١). وقرأ الأعرج ومجاهد: ((أَفَتُمْرُونَهُ)) بضمِّ التاء من غير ألف (٢)، من أمريت، أي: تريبونه وتشكّكونه. الباقون: ((أَفْتُمَارُونَهُ» بألف، أي: أتجادلونه وتدافعونه في أنَّه رأی الله، والمعنيان متداخلان؛ لأنَّ مجادلتهم جحود. وقيل: إنَّ الجحودَ كان دائماً منهم، وهذا جدال جديد، قالوا: صِفْ لنا بيت المقدس وأُخبِرنا عن عِيرنا التي في طريق الشام(٣). على ما تقدّم(٤). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (نَزْلَةُ)): مصدر في موضع الحال، كأنَّه قال: ولقد رآه نازلاً نزلةً أخرى(٥). قال ابن عباس: رأى محمَّد ﴿ ربَّه مرَّة أُخرى بقلبه(٦). روى مسلم(٧) عن أبي العالية عنه قال: ((مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى))، ((وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرُى)) قال: رآه بفؤادِه مرَّتين. فقوله: ((نَزْلَةً أُخْرَى)) يعود إلى محمَّد ﴾؛ فإنه كان له صعود ونزول مراراً بحسَب أعداد الصلوات المفروضة، فلكلِّ عَرْجة نَزْلة(٨). وعلى هذا قوله تعالى: ((عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى)) أي: ومحمّد﴾ عند سدرة المنتهى، وفي بعض تلك النزلات. (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٩/٤ . (٢) البحر المحيط ١٥٩/٨، وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٤٦ وعزاها إلى ابن مسعود والشعبي، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٩٩/٥ وعزاها إلى النخعي. (٣) الوسيط ٤/ ١٩٧ . (٤) في سورة الإسراء، عند الآية الأولى. (٥) مشكل إعراب القرآن لمكي ٦٩٣/٢ . (٦) زاد المسير ٦٨/٨، وأخرجه عنه الطبري ٣٢/٢٢، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٩١٠). (٧) في صحيحه برقم (١٧٦): (٢٨٥). (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٤٧ . ٢٥ سورة النجم: الآيات ١٣ - ١٨ وقال ابن مسعود وأبو هريرة في تفسير قوله تعالى: ((وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)) أنَّه جبريل. ثبت هذا أيضاً في ((صحيح مسلم)) (١). وقال ابن مسعود: قال النبيُّ ﴾: ((رأيتُ جبريلَ بالأُفُق الأعلى له ستُّ مئة جناح، يتناثر من ريشه الدُّرُّ والياقوت)) ذكره =(٢) المهدويُ(٢). قوله تعالى: ﴿عِندَ سِدْرَةِ اٌلْتُنَغَى﴾ ((عِنْدَ)) من صلة ((رَآهُ)) على ما بيَّنًا(٣). والسِّذر: شجر النَّبِقِ(٤)، وهي في السماء السادسة، وجاء في السماء السابعة. والحديث بهذا في ((صحيح مسلم))؛ الأوّل: ما رواه مُرَّة عن عبد الله قال: لما أُسِريَ برسول الله ﴾ انتُهي به إلى سِدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرَج به من الأرض فيُقبَض منها، وإليها ينتهي ما يُهَبَط به من فوقِها فيُقبَض منها، قال: ((إِذْ يَغْشَى السِّذْرَةَ مَا يَغْشَى)) قال: فَرَاش من ذهب، قال: فأُعطيَ رسولُ الله ◌ِ ﴾ ثلاثاً: أُعطيَ الصلواتِ الخمسَ، وأُعطيَ خواتيم سورة البقرة، وغُفِر لمن لم يُشرِك بالله من أمَّته شيئاً المقحِمَاتُ (٥). الحديث الثاني: رواه قتادة عن أنس أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((لما رُفِعْتُ إلى سِدرة المنتهى في السماء السابعة، نَبِقِها مثلُ قِلال هَجَر، وورقها مثل آذانِ الفِيّلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، قلتُ: يا جبريل ما هذا؟ قال: أما الباطنان ففي الجنَّة، وأما الظاهران فالنيل والفرات)) لفظ الدار قطني(٦). والشَّبِقِ، بكسر الباء: ثمر السِّدْر، الواحد: نَبِقة(٧). ويقال: نَبْق، بفتح النون (١) أثر ابن مسعود أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٧٦)، والطبري ٣٠/٢٢، وأبو الشيخ في العظمة (٣٥٠)، وأما أثر أبي هريرة فهو عند مسلم (١٧٥). (٢) وأخرجه أحمد (٣٩١٥)، والنسائي في الكبرى (١١٤٧٨). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٧٠ . (٤) تفسير الطبري ٣٣/٢٢ . (٥) مسلم (١٧٣)، والمقحمات: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار. النهاية ١٩/٤. (٦) في سننه (٣٣)، وهو عند البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٢)، وأحمد (١٢٥٠٥). (٧) النهاية ١٠/٥ . ٢٦ سورة النجم: الآيات ١٤ - ١٨ وسكون الباء، ذكرهما يعقوب في ((الإصلاح)) (١)، وهي لغة المصريين، والأُولى أفصح وهي التي ثبتت عن النبيِّ ﴾. وروى الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله # يقول - وقد ذُكِر له سِذْرة المنتهى - قال: ((يسير الراكب في ظلِّ الغصن منها مئةَ سنة، أو يستظلُّ بظلِّها مئةُ راكب ــ شكَّ يحيى - فيها فَرَاش الذهب، كأنَّ ثمرها القِلال)» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن(٢). قلت: وكذا لفظ مسلم(٣) من حديث ثابت عن أنس: ((ثم ذُهِب بي إلى سِدرْة المنتَهى، وإذا ورقها كآذانِ الفيلة، وإذا ثمرها كالقِلال، فلما غشيها من أمر الله عزَّ وجلَّ ما غشِي، تغيّرت، فما أحد من خَلْق الله يستطيع أن ينعتها من حُسْنها)). واختلف لم سُمِّيت سِذْرة المنتهى على أقوال تسعة: الأوَّل: ما تقدَّم عن ابن مسعود أنَّه ينتهي إليها كلُّ ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها. الثاني: أنَّه ينتهي عِلْم الأنبياء إليها ويَعزُب عِلْمهم عما وراءها، قاله ابن عباس. الثالث: أنَّ الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها، قاله الضحاك. الرابع: لانتهاء الملائكة والأنبياء إليها ووقوفهم عندها، قاله كعب (٤). الخامس: سمِّيت سِذْرة المنتهى؛ لأنَّها ينتهي إليها أرواح الشهداء، قاله الربيع (٥) ابن أنس(٥). (١) إصلاح المنطق ليعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت ص١٩١ . (٢) الترمذي (٢٥٤١)، وفيه: هذا حديث حسن غريب اهــ وفيه أيضاً: الفنن، بدل: الغصن. (٣) برقم (١٦٢). (٤) الأقوال الأربعة ذكرها الماوردي في النكت والعيون ٣٩٦/٥، وأثر ابن مسعود أخرجه مسلم (١٧٣)، وأحمد (٣٦٦٥)، وأثر الضحاك أخرجه ابن أبي شيبة ٤٢٦/١٣، والطبري ٣٤/٢٢، وأثر كعب أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٠، والطبري ٣٣/٢٢. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٠/٤، وفيه المؤمنين، بدل: الشهداء. ٢٧ سورة النجم: الآيات ١٤ - ١٨ السادس: لأنَّه تنتهي إليها أرواح المؤمنين، قاله قتادة(١). السابع: لأنه ينتهي إليها كلٌّ من كان على سنة محمَّد ﴾ ومنهاجه، قاله عليٍّ ﴾ والربيع بن أنس أيضاً(٢). الثامن: هي شجرة على رؤوس حملة العرش إليها ينتهي عِلْم الخلائق، قاله كعب أيضاً(٣). قلت: يريد - والله أعلم - أنَّ ارتفاعَها وأعالي أغصانها قد جاوزت رؤوسَ حملة العرش، ودليله ما تقدَّم من أنَّ أصلها في السماء السادسة، وأعلاها في السماء السابعة، ثم عَلَت فوق ذلك حتى جاوزت رؤوس حملة العرش. والله أعلم. التاسع: سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ من رُفعَ إليها فقد انتهى في الكرامة. وعن أبي هريرة لما أُسريَ برسول اللـه﴾ انتهى به إلى سدرة المنتهى، فقيل له: هذه سدرة المنتهى ينتهي إليها كلُّ أحد خَلَا من أمَّتك على سنّتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماءٍ غيرِ آسِنٍ، وأنهار من لبنٍ لم يتغيَّر طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مُصَفَّى، وإذا هي شجرة يسير الرّاكب المسرع في ظلِّها مئة عام لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأمَّة كلّها، ذكره الثعلبيُّ (٤). قوله تعالى: ﴿عِندَهَا جَنَّهُ الْأَوَى﴾ تعريف بموضع جنَّة المأوى، وأنَّها عند سِدرة المنتهى(٥). وقرأ عليٍّ وأبو هريرة وأنس وأبو سَبرة الجهنيُّ وعبد الله بن الزبير ومجاهد: ((عِنْدَهَا جَنَّهُ الْمَأْوَى))(٦). يعني: جَنَّهُ المبيتُ. قال مجاهد: يريد أجنَّه(٧). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/٤ . (٢) النكت والعيون ٣٩٥/٥ دون عزوه إلى علي ﴾. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٧٠، وأخرجه الطبري ٣٣/٢٢. (٤) وأخرجه الطبري ٣٧/٢٢-٣٨ . (٥) النكت والعيون ٣٩٦/٥ . (٦) المحتسب ٢٩٣/٢، والقراءات الشاذة ص١٤٦، ولم يذكرا أبا سبرة الجهني ومجاهداً، وزادا زرَّ بن حبيش ومحمد بن كعب، وزاد ابنُ جني - أيضاً - قتادةً، ووقع في مطبوع القراءات الشاذة: ((عنده))، بدل: «عندها)). (٧) في (ظ) و (د): الجنة. ٢٨ سورة النجم: الآيات ١٥ - ١٨ والهاء للنبيٍّ ﴾(١). وقال الأخفش: أدركه، كما تقول: جنَّه الليلُ، أي: ستَره وأدركه. وقراءة العامة: ((جَنَّةُ الْمَأْوَى))، قال الحسن: هي التي يصير إليها المتَّقون (٢). وقيل: إنَّها الجنَّة التي تصير إليها أرواح الشهداء، قاله ابن عباس. وهي عن يمين العرش(٣). وقيل: هي الجنَّة التي آوى إليها آدم عليه الصلاة والسلام إلى أن أُخرج منها، وهي في السماء السابعة (٤). وقيل: إنَّ أرواحَ(٥) المؤمنين كلَّهم في جنَّة المأوى. وإنَّما قيل لها: جنة المأوى؛ لأنَّها تأوي إليها أرواح المؤمنين، وهي تحت العرش فيتنغَّمون بنعيمها، وينتسَّمون بطيب رِيْحها. وقيل: لأنَّ جبريل وميكائيل عليهما السلام يأويان إليها(٦). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السَّذْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال ابن عباس والضخّاك وابن مسعود وأصحابه: فَرَاش من ذهب(٧). ورواه مرفوعاً ابن مسعود وابنُ عباس إلى النبيِّ ﴾(1). وقد تقدَّم في ((صحيح مسلم)) (٩) عن ابن مسعود قوله. وقال الحسن: غشيها نورُ ربِّ العالمين، فاستنارت(١٠). قال القشيريُّ: وسُئل رسولُ اللهِ ﴾ ما غشيها؟ قال: ((فَرَاش من ذهب))(١١). وفي خبر آخر: ((غشيها نورٌ (١) المحرر الوجيز ١٩٩/٥ . (٢) زاد المسير ٦٩/٨، وذكره الرازي ٢٨/ ٢٩٢ دون عزو. (٣) النكت والعيون ٣٩٦/٥، وأخرجه عنه الطبري ٤٠/٢٢. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/٤، وأشار محققه إلى أن لفظة: السابعة. جاءت في إحدى النسخ: الرابعة. وكذا وردت في النسخة (ظ) عندنا. (٥) في (م): أزواح. (٦) الوسيط ١٩٨/٤ بنحوه. (٧) أثر ابن مسعود ذكره البغوي في التفسير ٢٤٨/٤، وهو جزء من الحديث المتقدم قريباً، وسلف تخريجه هناك. (٨) حديث ابن عباس أخرجه أبو يعلى (٢٦٥٦)، والطبري ٢٢/ ٤١ . (٩) برقم (١٧٣)، وسلف قريباً. (١٠) تفسير البغوي ٢٤٨/٤ . (١١) أخرجه الطبري ٤٢/٢٢ عن يعقوب بن زيد. ٢٩ سورة النجم: الآيات ١٦ - ١٨ من الله حتى ما يستطيع أحدٌ أن ينظر إليها))(١). وقال الربيع بن أنس: غشيها نورُ الربِّ، والملائكة تقع عليها كما يقع الغِربان على الشجرة(٢). وعن النبي # قال: ((رأيت السّدرةَ يغشاها فَرَاش من ذهب، ورأيت على كلِّ وَرَقةٍ مَلَكاً قائماً يسبِّح الله تعالى)) وذلك قوله: ((إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)) ذكره المهدويُّ والثعلبيُّ(٣). وقال أنس ابن مالك: ((إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)) قال: جراد من ذهب. وقد رواه مرفوعاً (٤). وقال مجاهد: إنَّه رَفْرَف أخضرُ. وعنه عليه الصلاة والسلام: ((يغشاها رَفْرَف من طير خضر))(٥). وعن ابن عباس: يغشاها ربُّ العزة(٦)، أي: أَمْرُه، كما في (صحيح مسلم) (٧) مرفوعاً: ((فلما غشيها من أمر الله ما غشي)). وقيل: هو تعظيم الأمر، كأنَّه قال: إذ يغشى السِّدرة ما أَعلم الله به من دلائل ملكوته. وهكذا قوله تعالى: ((فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى))، ((وَالمؤتفكةَ أهوى. فغشاها ما غشى)) [النجم: ٥٣] ومثله: ﴿اَلْمَقَّةُ. مَا الْمَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١-٢]. وقال الماورديُّ في ((معاني القرآن)» له (٨): فإن قيل: لم اختيرت السِّدْرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأنَّ السِّدْرةَ تختصُّ بثلاثة أوصاف: ظلّ مديد، (١) أخرجه مسلم (١٦٢) عن أنس بن مالك بنحوه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/٤، وأخرجه عنه الطبري ٤٣/٢٢. (٣) وأخرجه الطبري ٤٢/٢٢ عن عبد الرحمن بن زيد. قال ابن حجر في الكافي الشاف ص ١٦٠- ١٦١: وعبد الرحمن ضعيف، وهذا معضل. (٤) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ١٢٦/٦ . (٥) الكشاف ٢٩/٤، ولطائف الإشارات ٤٨٣/٣، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص١٦١ : لم أجده. (٦) أخرجه الطبري ٤٢/٢٢ . (٧) برقم (١٦٢) عن أنس بن مالك ﴾، وتقدم. (٨) النكت والعيون ٣٩٦/٥، والعبارة من قوله: قال الماوردي ... إلى قوله: صوب الله رأسه في النار. جاءت في النسخ الخطية قبل تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَيِّدِ الْكُرّ﴾، والمثبت من (م) وهو الصواب. ٣٠ سورة النجم: الآيات ١٦ - ١٨ وطعم لذيذ، ورائحة ذكيَّة، فشابهت الإيمانَ الذي يَجمع قولاً وعملاً ونيّةً، فظلُّها من الإيمان بمنزلة العمل؛ لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النيّة؛ لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول؛ لظهوره. وروى أبو داود في ((سننه))(١) قال: حدَّثنا نصر بن علي قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن عثمان بنِ أبي سليمان، عن سعيد بن محمد بن جُبَير بن مُطْعِم، عن عبد الله بن حُبْشي، قال: قال رسول الله﴾: «مَن قَطَعَ سِدْرةً صَوَّب اللهُ رأسَه في النار)) وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هذا الحديث مختصر، يعني: من قطع سِذْرة في فلاة - يستظلُّ بها ابنُ السبيل والبهائم - عَبَثاً وظلماً بغير حقٍّ يكون له فيها، صَوَّب اللهُ رأسَه فِي النار. قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى﴾ قال ابن عباس: أي: ما عَدل يميناً ولا شمالاً، ولا تجاوز الحدَّ الذي رأى(٢). وقيل: ما جاوز ما أُمر به. وقيل: لم يمدَّ بصرَه إلى غير ما رأى من الآيات. وهذا وصف أدب للنبيِّ # في ذلك المقام، إذ لم يلتفت يميناً ولا شمالاً(٣). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ قال ابن عباس: رأى رَفْرَفاً سدَّ الأفق(٤). وذكر البيهقي عن عبد الله قال: ((رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى))(٥): رأى رَفْرَفاً (١) برقم (٥٢٣٩)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٨٥٥٧)، من طريق مخلد بن يزيد، عن ابن جريج، به. قال المنذري في مختصر السنن ٩٩/٨ : وحبشي: بضم الحاء المهملة، وسكون الباء الموحدة، وكسر الشين المعجمة، وياء النسب. اهـ وأخرجه أيضاً أبو داود (٥٢٤٠) عن عروة بن الزبير مرسلاً. (٢) أخرجه الطبري ٤٤/٢٢، والحاكم ٤٦٩/٢ وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم. (٣) تفسير البغوي ٢٤٩/٤ . (٤) المحرر الوجيز ٢٠٠/٥ . (٥) بعدها في (م) و (د): قال ابن عباس. ولم ترد هذه العبارة في (ظ) وهو الصواب، وهي كذا في دلائل النبوة للبيهقي ٣٧٢/٢ والنقل منه، والحديث عند البخاري (٤٨٥٨). ٣١ سورة النجم: الآيات ١٧ - ١٨ أخضرَ سدَّ أفق السماء. وعنه قال: رأى رسولُ اللـه﴾ جبريل عليه السلام في حُلَّة رفرف أخضر، قد ملأ ما بين السماء والأرض. قال البيهقيُّ(١): قوله في الحديث: ((رأى رَفْرَفاً)) يريد جبريل عليه السلام في صورته على رفرف. والرفرف: البساط. ويقال: فِراش(٢). ويقال: بل هو ثوب كان لباساً له، فقد روي أنَّه رآه في حُلَّةٍ رفرفٍ. قلت: خرَّجه الترمذيُّ(٣) عن عبد الله قال: ((مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)) قال: رأى رسول الله﴾ جبريل عليه السلام في حُلَّة من رفرف، قد مَلَأَ ما بين السماء والأرض قال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ((دَنَا فَتَدَلَّى)) أنَّه على التقديم والتأخير، أي: تدَّى الرفرفُ لمحمَّد ﴿ ليلةَ المعراج فجلس عليه، ثم رُفع فدنا من ربِّه. قال: ((فارقني جبريلُ، وانقطعت عنِّي الأصواتُ، وسمعتُ كلامَ ربِّي)) فعلى هذا الرَّفْرَفُ: ما يُقْعَد ويُجلَس عليه كالبساط وغيره. وهو بالمعنى الأوَّل: جبريل. قال عبد الرحمن بن زيد ومقاتل بنُ حيَّان: رأى جبريل عليه السلام في صورته التي يكون فيها في السماوات(٤). وكذا في ((صحيح مسلم)) عن عبد الله قال: ((لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)) قال: رأى جبريلَ في صورته له ستُّ مئة جناح(٥). ولا يبعد مع هذا أن يكون في حُلَّةٍ رفرفٍ، وعلى رفرفٍ، والله أعلم. وقال الضخَّاك: رأى سِدْرةَ المنتهى. وعن ابن مسعود: رأى ما غشيَ السِّدرة من فَرَاش الذهب، حكاه الماورديُّ(٦). وقيل: رأى المعراج. وقيل: هو ما رأى تلك (١) في دلائل النبوة ٢/ ٣٧٢ . (٢) النهاية ٢/ ٢٤٢- ٢٤٣. (٣) برقم (٣٢٨٣)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١١٤٦٧)، وأحمد (٣٧٤٠). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/٤ ونسبه لابن زيد، وأخرجه عنه الطبري ٤٦/٢٢. (٥) سلف ص ٢٥ من هذا الجزء. (٦) في النكت والعيون ٥/ ٣٩٧، وسلف تخريجه عنه ١٧ / ٩٦ . ٣٢ سورة النجم: الآيات ١٨ - ٢٢ الليلة في مَسْراه في عوده وبدئه(١). وهو أحسن، دليله: ﴿لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَكِتَأْ﴾ [الإسراء: ١]، و((مِن)) يجوز أن تكون للتبعيض، وتكون ((الْكُبْرَى)) مفعولة لـ ((رأى)) وهي في الأصل صفة الآيات، ووحِّدت لرؤوس الآيات. وأيضاً يجوز نعت الجماعة بنعت الأنثى(٢)، كقوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] وقيل: ((الْكُبْرَى)) نعت لمحذوف، أي: رأى من آيات ربِّه الكبرى(٣). ويجوز أن تكون ((مِن)) زائدة، أي: رأى آيات ربِّه الكبرى. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: رأی الکبری من آیات ربِّه. وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَةِ ٥ أَلَكُمُ الذَّكَرُ ١٩٠ قوله تعالى: ﴿أَفَرََّيُّمُ الَّتَ وَالْعُزَّى وَلَهُ الْأُنْقَ ◌َ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَ (بَ) قوله تعالى: ﴿أَفْرَعَيُّ الَّتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ﴾ لما ذكر الوحي إلى النبيِّ ﴾، وذكر من آثار قُدرته ما ذكر، حاجَّ المشركين إذ عبدوا ما لا يعقِل وقال: أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أَوْحَيْنَ إليكم شيئاً كما أُوحِيَ إلى محمَّد(٤)، وكانت اللَّاتُ لثَقِيف، والعُزَّى لقريش وبني كنانة، ومنَاةُ لبني هلال. وقال هشام(٥): فكانت مناة لِهُذَيْل وَخُزَاعة، فبعث رسول اللـه ﴿ عليّاً ﴾ فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللَّاتَ بالطائف، وهي أحدث من مَنَاة، وكانت صخرةً مُربَّعة، وكان سَدَنتها من ثَقِيف، وكانوا قد بَنَوْا عليها بناءً، فكانت قريش وجميع العرب تُعظّمها. وبها كانت العرب تسمِّي: زيدَ اللَّات، وتيمَ اللَّات. وكانت في موضع منارة (٦) مسجد الطائف :٠ (١) في (د): وتدنیه. (٢) المحرر الوجيز ٢٠٠/٥ بنحوه. (٣) تفسير الرازي ٢٩٥/٢٨ . (٤) المحرر الوجيز ٢٠٠/٥ بنحوه. (٥) في النسخ الخطية: ابن هشام. والمثبت من (م) وهو الصواب، وهو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وكلامه في كتابه ((الأصنام)) ص١٤ - ١٥ . (٦) ليست في النسخ الخطية، وهي زيادة من (م) والأصنام ص١٦. ٣٣ سورة النجم: الآيات ١٩ - ٢٢ اليسرى، فلم تَزَلْ كذلك إلى أن أسلمت ثَقِيفٌ، فبعث رسولُ اللـه﴾ المغيرةَ بنَ شعبة فهدمها، وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العُزَّى وهي أحدث من اللَّات، اتخذها ظالم بن أسعد (١)، وكانت بوادي نَخْلة الشاميَّة فوق ذات عِرْق، فبنوا عليها بيتاً (٢)، وكانوا يسمعون منها الصوت. قال هشام(٣): وحدَّثني أبي، عن أبي صالح، عن ابنِ عباس قال: كانت العُزَّى شيطانةً تأتي ثلاثَ سَمُرات ببطن نَخْلة، فلما افتتح رسولُ الله ◌َ﴿ مَّةَ، بعث خالدَ بنَ الوليد ﴾ فقال: ((إيتِ بَظْنَ نخلة فإنَّك تجد ثلاثَ سَمُرات، فاعْضِد الأولى)) فأتاها فَعضَدها، فلما جاء إليه قال: ((هل رأيتَ شيئاً)) قال: لا. قال: ((فاعضِد الثانية)) فأتاها فَعضَدها، ثم أتى النبيَّ ﴾ فقال: ((هل رأيت شيئاً))؟ قال: لا. قال: ((فاعضد الثالثة)) فأتاها فإذا هو بحبشيَّ نافشةٍ شعرها، واضعةٍ يَدَيْها(٤) على عاتقها تصرفُ(٥) بأنيابها، وخلفها دُبَّة السُّلَمِيُّ وكان سادِنَها فقال: يا عُزُّ كُفْرَانِك لا سبْحانِك إِنِّي رَأَيْتُ اللهَ قَد أهانَكِ(٦) ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حُمَمَة (٧)، ثم عَضَد الشجرة، وقتل دُبَيَّة السادن، ثم أتى النبيَّ # فأخبره فقال: ((تلك العُزَّى))(٨). (١) في النسخ الخطية، سعد، والمثبت من (م) وكتاب الأصنام ص١٨. (٢) في الأصنام: بساً. (٣) في النسخ: ابن هشام. والمثبت من الأصنام ص٢٥-٢٨ ، وهو الصواب، والكلام منه. (٤) في النسخ الخطية: يدها. والمثبت من (م) وهو الموافق لما جاء في الأصنام. (٥) في النسخ الخطية: تضرب. والمثبت من (م) وهو الموافق لما جاء في الأصنام، وصَرَف النابُ: صوَّت، معجم متن اللغة (صرف). (٦) القائل: خالد بن الوليد كما في الأصنام ص٢٦ ، والكلام منه، والبيت أخرجه عنه الطبراني في الكبير (٣٨١١) عن أبي عبد الرحمن السلمي مرسلاً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧٦/٦ : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أنه مرسل. (٧) في النسخ الخطية: جمجمة. والمثبت من (م) والأصنام، والحممة، الفحم البارد. لسان (حمم). (٨) وأخرجه الفراء في معاني القرآن له ٩٨/٣ من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس = ٣٤ سورة النجم: الآيات ١٩ - ٢٢ وقال ابن جُبير: العُزَّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه(١). قتادة: بيت(٢) كان ببطن نَخْلة. ومَنَاة: صنم لخزاعة (٣). وقيل: إنَّ ((اللَّات)) فيما ذكر بعض المفسرين أخذَه المشركون من لفظ ((الله))، و((العُزَّى)) من العزيز، و((مَنَاة)) مِن مَنَى اللهُ الشيءَ: إذا قدَّره(٤). وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحُميد وأبو صالح: ((اللَّاتَّ)) بتشديد التاء(٥)، وقالوا: كان رجلاً يَلُتُّ السَّوِيق للحاجِّ - ذكره البخاري(٦) عن ابن عباس - فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. ابن عباس: كان يبيع السَّوِيق والسَّمْن عند صخرة ويصبه عليها، فلما مات ذلك الرجل، عَبَدَتْ ثَقِيفُ تلك الصخرة؛ إعظاماً لصاحب السَّويق(٧). أبو صالح: إنَّما كان رجلاً بالطائف فكان يقوم على آلهتهم، ويَلُتُّ لهم السَّوِيق، فلما مات عبدوه(٨). = مختصراً، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١١٤٨٣)، وأبو يعلى (٩٠٢) عن أبي الطفيل بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧٦/٦: رواه الطبراني، وفيه يحيى بن المنذر، وهو ضعيف. اهـ. والواقدي في المغازي ٨٧٣/٣-٨٧٤، ومن طريقه الأزرقي في أخبار مكة ١٢٧/١-١٢٨ عن سعيد بن عمرو الهذلي بنحوه. (١) أخرجه الطبري ٤٩/٢٢ . (٢) في (م): نبت. وأخرجه عنه الطبري ٥٠/٢٢ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٠، ونسبه للضحاك. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٢/٤ . (٥) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحتسب ٢٩٤/٢ . (٦) في صحيحه (٤٨٥٩)، ولتّ السويقَ، أي: بَلَّه بالماء ونحوه. والسويق: ما يتخذ من الحنطة والشعير. لسان العرب (لتت) و (سوق). (٧) أخرجه الفراء في معاني القرآن له ٩٨/٣، والطبري ٢٢/ ٤٨ بنحوه، وينظر التعليق السابق. (٨) أخرجه عنه الطبري ٤٨/٢٢ . ٣٥ سورة النجم: الآيات ١٩ - ٢٢ مجاهد: كان رجل في رأس جبل له غُنَيْمة يَسْلي منها السَّمْن، ويأخذ منها الأَقِط، ويجمع رِسْلَها، ثم يَّخذ منها حَيْساً فيطعم الحاجَّ، وكان ببطن نَخْلة، فلما مات عبدوه وهو اللَّات(١). وقال الكلبيُّ: كان رجلاً من ثَقِيف يقال له: صِرمة بن غنم(٢). وقيل: إنَّه عامر بن ظَرِب العَدْوانيّ. قال الشاعر: وكيف يَنْصُرُكُمْ مَنْ ليس يَنْتَصِرُ(٣) لا تَنْصُرُوا الّلات إِنَّ الله مُهْلِكُھَا والقراءة الصحيحة ((اللَّاتَ)) بالتخفيف، اسم صنم، والوقوف عليها بالتاء، وهو اختيار الفرَّاء. قال الفرَّاء(٤): وقد رأيت الكسائيَّ سأل أبا فَفْعَس الأَسَديَّ فقال: ذاه الذات، وقال: ((أَفَرَ أَيْتُمُ الَّلاه)). وكذا قرأ الدُّورِيُّ عن الكسائيِّ، والبَزِيُّ عن ابن كثير ((الَّلاه)) بالهاء في الوقف(٥)، ومن قال: إنَّ((اللَّات)) من الله، وقَف بالهاء أيضاً. وقيل: أصلها لاه، مثل شاه، وهي من لَاهَت، أي: اختفت، قال الشاعر: لَاهَتْ فما عُرِفت يوماً بخارجةٍ ياليتها خَرجتُ حتَّى رأيناها وفي ((الصحاح))(٦): اللات: اسم صنم كان لِثَقيف وكان بالطائف. وبعض العرب يقف عليه بالتاء، وبعضهم بالهاء، قال الأخفش: سمعنا من العرب من يقول: اللَّات (١) تفسير البغوي ٢٤٩/٤، وذكره الفاكهي في أخبار مكة ١٦٤/٥، وسَلَّأَ السَّمْنَ: طبخه وعالجه فأذاب زبده. والأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل. والرِّسل: اللبن ما كان. والخَيْس: الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن. لسان العرب (سلا) و(أقط) و (رسل) و (حيس). (٢) تفسير البغوي ٢٤٩/٤ . (٣) النكت والعيون ٣٩٨/٥، وذكر البيت هشام الكلبي في الأصنام ص١٧ ، ونسبه لشداد بن عارض الجشمي. (٤) في معاني القرآن له ٣/ ٩٧ . (٥) الحجة في القراءات السبع لابن خالويه ص٣٣٦، والنشر في القراءات العشر ١٣٢/٢ عن الكسائي وحده. (٦) مادة: (ليه). ٣٦ سورة النجم: الآيات ١٩ - ٢٢ والعُزَّى، ويقول : هي اللَّات، فيجعلها تاء في السّكوت، وهي اللَّاتِ فاعلم أنَّه جرّ في موضع الرفع، فهذا مثل: أمسٍ، مكسورٌ على كلِّ حال، وهو أجودُ منه؛ لأنَّ الألف واللام اللَّتين في اللّات لا تسقطان وإن كانتا زائدتين. وأمَّا ما سمعنا من الأكثر في اللَّاتِ والعُزَّى في السّكوت عليها فاللّه؛ لأنَّها هاءٌ فصارت تاءً في الوصل، وهي في تلك اللغة مثل: كان من الأمر كَيْتِ وكَيْتٍ، وكذلك هيهاتٍ في لغة من كسر(١)؛ إلا أنَّه يجوز في هيهاتِ أن تكون جماعة، ولا يجوز ذلك في اللَّاتِ؛ لأنَّ التاء لا تزاد في الجماعة إلا مع الألف، وإن جعلت الألف والتاء(٢) زائدتين بقي الاسم على حرف واحد. قوله تعالى: ﴿وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ﴾ قرأ ابن كثير وابن مُحيْصن وحُميد ومجاهد والسُّلَميُّ والأعشى عن أبي بكر: ((وَمَنَاءَةَ) بالمدِّ والهمز. والباقون: بترك الهمز(٣)، لغتان. وقيل: سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّهم كانوا يريقون عنده الدماء؛ يتقرَّبون بذلك إليه. وبذلك سُمِّيت منّى؛ لكثرة ما يُراق فيها من الدماء(٤). وكان الكسائيُّ وابن كثير وابن مُحَيْصن يقفون بالهاء على الأصل(٥). الباقون: بالتاء؛ اتِّباعاً لخطٌّ المصحف (٦). وفي ((الصحاح))(٧): ومناة: اسم صنم كان [لهذيل وخزاعة] بين مكّة والمدينة، والهاء للتأنيث، ويسكت عليها بالتاء، وهي لغة، والنسبة إليها: مَنَوِيٌّ. وعبدُ مَناةً بنُ (١) في (م): كسرها. (٢) في (د) و(ظ): واللام. (٣) قراءة ابن كثير في السبعة ص ٦١٥، والتيسير ص٢٠٤ . (٤) تهذيب اللغة ٥٣١/١٥، والكشاف ٤/ ٣٠. (٥) قال ابن الجزري في النشر في القراءات العشر ١٣٣/٢: وشذّ جماعة من العراقيين فرووا عن الكسائي وحده الوقف على مناة بالهاء، وعن الباقين بالتاء، ذكر ذلك ابن سوار وأبو العز وسبط الخياط، وهو غلط ... وأكّد ذلك في ٣٧٩/٢ بقوله: وما وقع في كتب بعضهم من أن الكسائي وحده يقف بالهاء والباقون بالتاء، فوهم لعله انقلب عليهم من اللات كما قدمناه في بابه. (٦) معاني القرآن للزجاج ٧٣/٥ . (٧) مادة: (منا)، وما بین حاصرتین منه. ٣٧ سورة النجم: الآيات ٢٠ - ٢٢ أُدِّ بن طابِخة، وزيدُ مناةَ بن تميم بن مُرِّ، يُمَدُّ ويقصر، قال هَوْبَر الحارثيُّ: أَلَا هلْ أَتى الثَّيْمَ بنَ عبدٍ مَنَاءةٍ على الشِّنْءِ فيما بيننا ابْنُ تَّمِيمٍ(١) قوله تعالى: ﴿الْأُخْرَى﴾ العرب [لا] (٢) تقول للثالثة: أخرى، وإنَّما الأخرى نعت للثانية، واختلفوا في وجهها فقال الخلیل : إنَّما قال ذلك؛ لوفاق رؤوس الآي، كقوله: ﴿مَشَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] ولم يقل: أُخَر. وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير، مجازها: أفرأيتم اللّات والعُزَّى الأخرى ومَنَاة الثالثة(٣). وقيل: إنَّما قال: ((ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأخْرَى)) لأنَّها كانت مرتَبة عند المشركين في التعظيم بعد اللّات والعُزَّى(٤)، فالكلام على نسقه. وقد ذكرنا عن هشام(٥): أن منَاةً كانت أولاً في التقديم، فلذلك كانت مقدّمة عندهم في التعظيم، والله أعلم. وفي الآية حذف دلَّ عليه الكلام، أي: أفرأيتم هذه الآلهة هل نفعت أو ضرَّت حتى تكون شرکاءَ لله. ثم قال على جهة التقريع والتوبيخ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ﴾ ردًّا عليهم قولهم: الملائكة بناتُ اللـه، والأصنام بناتُ اللـه(٦). قوله تعالى: ﴿يِّكَ إِذَا﴾ يعني: هذه القسمة ﴿قِسْمَةٌ ضِيرَ﴾ أي: جائرة عن العدل، خارجة عن الصواب، مائلة عن الحقِّ. يقال: ضَازَ في الحكم، أي: جَارَ، وضَازَه حقَّه يَضِيزه ضَيْزاً - عن الأخفش - (١) ذكره أيضاً أبو العلاء المعري في الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ ص٦٣، والشِّرْءُ: البغض. لسان العرب (شناً). (٢) ليست في النسخ الخطية، والمثبت من (م)، وهو الصواب. (٣) زاد المسير ٧٢/٨ - ٧٣ . (٤) النكت والعيون ٣٩٨/٥ . (٥) في النسخ: ابن هشام، والصواب ما أثبتناه، وكما أسلفنا، وهو هشام بن محمد بن السائب، واشتهر بابن الكلبي، وكلامه في الأصنام ص١٣ . (٦) المحرر الوجيز ٢٠١/٥. ٣٨ سورة النجم: الآية ٢٢ أي: نقصه وبخَسَه. قال: وقد يهمز فيقال: ضأزه يَضْأَزُه ضَأُزاً وأنشد: فَإِنْ تَنْأَ عَّا نَنْتقِصْكَ وإنْ تُقِمْ فِقِسْمُكَ مَضْؤوزٌ وأنفُكَ رَاغِمُ(١) وقال الكسائيُّ: يقال: ضازَ يَضِيز ضَيْزاً، وضازَ يَضُوز ضَوْزاً، وضَأَزْ يَضْأز ضأزاً: إذا ظلم وتعدَّى وبخَس وانتقص(٢). قال الشاعر: ضَازَتْ بنو أسدٍ بِحُكمِهِمُ إِذْ يجعلون الرأسَ كالذَّنَبِ(٣) قوله تعالى: ((قِسْمَةٌ ضِيزَى)) أي: جائرة، وهي فُعْلى، مِثل: طُوبَى وحُبْلى، وإنَّما كسروا الضاد؛ لتسلم الياء؛ لأنه ليس في الكلام ((فِعْلى)) صفةٌ، وإنَّما هو من بناء الأسماء كالشِّغْرى والدِّفْلى. قال الفرَّاء: وبعض العرب تقول: ضُؤْزی وضِئْزى بالهمز. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد: أنَّه سمع العرب تهمز ((ضِيزى))(٤). قال غيره: وبها قرأ ابن كثير، جعله مصدراً، مثل ذِكرى(٥)، وليس بصفة، إذ ليس في الصفات ((فِعْلى))، ولا يكون أصلها ((فُعْلى))، إذ ليس فيها ما يوجب القلب، وهي من قولهم: ضأزته، أي: ظلمته. فالمعنى: قسمة ذات ظلم. وقد قيل: هما لغتان بمعنّى. وحكى فيها أيضاً سواهما: ضَيْزَى وضَأُزى، وضُوزَى وضُؤْزى(٦). وقال المؤرِّج: كرهوا ضمَّ الضاد في ضِيزى، وخافوا انقلاب الياء واواً، وهي من بنات الواو، فكسروا الضاد لهذه العلَّة، كما قالوا في جمع أبيض: بِيضٌ، والأصل بُوضٌ، (١) الصحاح (ضيز)، وذكر البيت أيضاً الأزهري في تهذيب اللغة ٥٢/١٢، والماوردي في النكت والعيون ٣٩٩/٥، وجاء في الصحاح: فحقك، وفي التهذيب: فحظك، بدل: فقسمك، وفي النسخ الخطية: تغب، بدل: تقم. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٠ . (٣) القائل امرؤ القيس كما ذكر ذلك السيوطي في الدر المنثور ١٢٧/٦ وعزاه إلى الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما، وورد في الدر: يعدلون، بدل: يجعلون. (٤) الصحاح (ضيز)، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٩٨/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٢٠١/٥، والقراءة في السبعة ص ٦١٥، والتيسير ص٢٠٤. (٦) معاني القرآن للزجاج ٧٣/٥ . ٣٩ سورة النجم: الآيات ٢٣ - ٢٦ مثل: حُمْر وصُفْر وخُضْر. فأمَّا من قال: ضاز يَضُوز، فالاسم منه: ضُوزَى مثل شُورَی(١). قوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَةٌ سَيْثُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤَّكُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنَّ إِن يَتَِّعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّتِهِمُ الْخُدَ (٣ أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَعَّى ◌َ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُوْلَى ٥َ وَكَم مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِ شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى قوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَةُ سَيْتُمُوهَا﴾ أي: ما هي - يعني هذه الأوثان ـ((إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا)) يعني: نَحتُّموها وسمَّيتموها آلهةً. ﴿أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ﴾ أي: قَلَّدتموهم في ذلك. ﴿مَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: ما أنزل الله بها من حجّة ولا برهان . ﴿إِن يَتَبِعُونَ إلَّاّ الظَّنَّ﴾ عاد من الخطاب إلى الخبر (٢)، أي: ما يتّبع هؤلاء إلَّ الظَّنَّ. ﴿وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ﴾ أي: تميل إليه. وقراءة العامة: ((يَتَّبِعُونَ)) بالياء. وقرأ عيسى بن عمر وأيوب وابن السَّمَيْفَع (تَتَّبِعُونَ)) بالتاء على الخطاب. وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس(٣). ﴿وَلَقَدْ جََّهُم مِّن نَّبِّهِمُ الْمُدَى﴾ أي: البيان من جهة الرسول أنَّها ليست بآلهة(٤). ﴿أَمّ لِلْإِنسَانِ مَا تَعَّ﴾ أي: اشتهى، أي: ليس ذلك له(٥). وقيل: ((لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى)) [من البنين، أي: يكون له دون البنات(٦). وقيل: ((أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى)) من غير جزاء! ليس الأمر كذلك. وقيل: ((أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى)) من النبوّة أن تكون فيه دون غيره(٧). وقيل: ((أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٠ ولم ينسبه للمؤرِّج. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٥١ . (٣) الكشاف ٣١/٤، وتفسير الرازي ٣٠٠/٢٨ دون عزو، والبحر المحيط ١٦٢/٨-١٦٣. (٤) تفسير البغوي ٤ / ٢٥١ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٣/٤ . (٦) النكت والعيون ٣٩٩/٥. (٧) النكت والعيون ٣٩٩/٥، وما بين حاصرتين ليست في (د). ٤٠ سورة النجم: الآيات ٢٣ - ٣٠ تَمَنَّى))] من شفاعة الأصنام (١)، نزلت في النضر بن الحارث. وقيل: في الوليد بن المغيرة(٢). وقيل: في سائر الكفار. ﴿فَلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا ما تمنَّى أحد(٣). قوله تعالى: ﴿وَكَرٍ مِّن مَّلَكٍ فِى السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَرْضَى﴾ هذا توبيخ من الله تعالى لمن عَبَدَ الملائكة والأصنام، وزعم أنَّ ذلك يقرِّبه إلى الله تعالى، فأعلم أنَّ الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا لمن أذنَ أن يشفع له (٤). قال الأخفش: الملَك واحد، ومعناه جمع، وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]. وقيل: إنَّما ذكر ملكاً واحداً؛ لأنَّ (كُمْ)) تدلُّ على الجمع(٥) . . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَكَةَ تَسْمِيَةَ آلْأُنثَىِ (٧) وَمَا لَمُ بِهِ، مِنْ عِلٍَّ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَِّنُّ وَإِنَّ الَّنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحِّ شَيْئًا (١٨) فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْوِّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ٢٣٠ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَهْتَدَى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَؤْ﴾ هم الكفار الذين قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله. ﴿لَيُسَتُّونَ الْمَكَةَ تَسِيَةَ آلْأُنَ﴾ أي: كتسمية الأنثى، أي: يعتقدون أنَّ الملائكة إناث، وأنَّهم بناتُ اللـه (٦). ﴿وَمَا لَهُ بِهِ، مِنْ عِّرْ﴾ أي: إنَّهم لم يشاهدوا خلقه الملائكةَ، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله :﴿، ولم يَرَوْهُ في كتاب. (١) الوسيط ٢٠٠/٤. (٢) الكشاف ٤/ ٣١ . (٣) الكشاف ٣١/٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٣/٤. (٥) معاني القرآن للفراء ٩٩/٣ . (٦) الوسيط ٤/ ٢٠٠ .