Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة الذاريات: الآيات ٤٢ - ٤٥
قال الشاعر :
تَبقَى عليه والعِظامُ رَمِيمُ(١)
ورأَى عواقبَ خُلْفِ ذاك مَذَمَّةً
والرِّمَّة - بالكسر - العظام البالية، والجمع: رِمَم ورِمَام (٢). ونظيرُ هذه الآية:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] حسَب ما تقدَّم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَفِ ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَمُمْ تَمَنَّعُواْ حَتَّى حِينٍ (٨) فَعَتَّوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ فَا أُسْتَطَعُواْ مِن قِيَاءٍ وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ
قوله تعالى: ﴿وَفِ ثَمُودَ﴾ أي: وفيهم أيضاً عِبْرةٌ وآية حين قيل لهم: عيشوا
متمتِّعين بالدنيا ﴿حَّى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت الهلاك، وهو ثلاثة أيام كما في هود:
﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّامٍ﴾ [الآية: ٦٥]. وقيل: معنى ((تَمَثَّعُوا)) أي: أَسلِموا
وتمتَّعوا إلى وقت فراغ آجالِكم. ﴿فَعَنَّوْ عَنْ أَمْرِ رَيِّهِمْ﴾ أي: خالفوا أمر الله، فعقروا
الناقة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ﴾ أي: الموت. وقيل: هي كلُّ عذاب مُهلِك(٤). قال
الحسين(٥) بن واقد: كلٌّ صاعقة في القرآن فهو العذاب.
وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وابن مُحَيْصِن ومجاهدٌ والكسائي: ((الصَّعْقة))(٦)؛
يقال: صَعِقِ الرجلُ صَعْقةً وتَصْعافاً، أي: غُشِي عليه. وصَعَقتهم السماء: إذا ألقت
عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضاً صيحة العذاب(٧). وقد مضى في ((البقرة))(٨) وغيرها.
(١) لم نقف عليه.
(٢) الصحاح (رمم).
(٣) ص٢١٤-٢١٥ من هذا الجزء.
(٤) الوسيط للواحدي ١٧٩/٤، وتفسير البغوي ٢٣٤/٤، والقول الأول نسباه لابن عباس.
(٥) في النسخ الخطية: الحسن.
(٦) أخرجها عن عمر الفراء في معاني القرآن ٨٨/٣، والطبري في تفسيره ٥٤٢/٢١، وهي عن الكسائي
في السبعة ص ٦٠٩ ، والتيسير ٢٠٣ .
(٧) الصحاح (صعق).
(٨) ٣٣٠/١ - ٣٣٢.

٥٠٢
سورة الذاريات: الآيات ٤٤ - ٤٩
﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ إليها نهاراً(١).
﴿فَا أُسْتَطَعُواْ مِن فِيَاءٍ﴾ قيل: معناه: من نهوض(٢). وقيل: ما أطاقوا أن يستقِلُّوا
بعذاب الله وأن يتحمَّلوه ويقوموا به ويدفعوه عن أنفسهم؛ تقول: لا أقوم لهذا الأمر،
أي: لا أطيقه(٣). وقال ابن عباس: أي: ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في
العذاب. ﴿وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ﴾ أي: ممتنعين من العذاب حين أُهلكوا، أي: ما كان
لهم ناصر.
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَسِقِينَ
٤٦
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ﴾ قرأ حمزة والكسائيُّ وأبو عمرو: (وَقَومِ نُوحٍ))
بالخفض، أي: وفي قوم نوح آيةٌ أيضاً. الباقون بالنصب(٤) على معنى: وأهلكنا قوم
نوح، أو يكون معطوفاً على الهاء والميم في ((أَخذَتْهُمْ))، أو الهاء في «أَخَذناهُ))، أي:
فأخذتْهم الصاعقة وأخذتْ قومَ نوح، أو: (نَبَذْناهُمْ في اليمِ) ونبذنا قومَ نوح(٥)، أو
يكون بمعنى: اذكر (٦).
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَبَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
وَاَلْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَدِهِدُونَ
٤١
وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيَْهَا بِأَبَيْدٍ﴾ لمَّا بَيَّن هذه الآيات قال: وفي السماء آياتٌ
وعِبَرٌ تدلُّ على أنَّ الصانع قادر على الكمال، فعَطَفَ أمر السماء على قصة قوم نوحٍ
(١) الكشاف ٤/ ١٩ .
(٢) أخرج هذا القول الطبري ٢١/ ٥٤٣ عن قتادة.
(٣) ذكره بمعناه الفراء في معاني القرآن ٨٨/٣ .
(٤) السبعة ص٦٠٩، والتيسير ص٢٠٣ .
(٥) وهو الوجه الذي استحسنه الزجاج في معاني القرآن ٥٧/٥ وقال: لأن المعنى: فأغرقناه وجنوده
وأغرقنا قوم نوح من قبل.
(٦) كره الفراء في معانيه ٨٨/٣-٨٩ هذا التقدير، وكره أيضاً النصب على معنى: وأهلكنا قوم نوح،
والعطفَ على الهاء والميم في ((أخَذَتْهم)). وذكر هذه الأوجه مكي في مشكل إعراب القرآن ٦٨٩/٢ .

٥٠٣
سورة الذاريات: الآيات ٤٧ - ٤٩
لأنهما آيتان. ومعنى ((بِأَيْدٍ)) أي: بقوة وقدرة. عن ابن عباس وغيره(١).
﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ قال ابن عباس: لقادرون. وقيل: أي: وإنَّا لذو سَعة، بخلقها
وخلقِ غيرها؛ لا يضيق علينا شيءٌ نريده. وقيل: أي: وإنا لموسِعون الرزقَ على
خَلْقنا. عن ابن عباس أيضاً. الحسن: وإنا لمطيقون. وعنه أيضاً: وإنا لموسعون الرزقَ
بالمطر. وقال الضحَّاك: أغنيناكم؛ دليلُه: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٦]. وقال
القُتَبي: ذو سَعةٍ على خلقنا(٣). والمعنى متقارب. وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض
سعة(٤). الجوهري: وأوسعَ الرجلُ، أي: صار ذا سَعة وغِنىّ، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلَّمَ بَيْنَهَا بِأَبَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: أغنياء قادرون(٥). فشمل جميع الأقوال.
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا﴾ أي: بسطناها كالفِراش على وجه الماء ومددناها. ﴿فَنِعْمَ
اَلْمَهِدُونَ﴾ أي: فنعم الماهدون نحن لهم. والمعنى في الجمع التعظيمُ؛ مَهَدْت
الفِراشَ مَهْداً : بَسَطْته ووظّأته، وتمهيد الأمور: تسويتُها وإصلاحها(٦).
قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: صنفين ونوعين مختلفين. قال ابن
زيد: أي ذكراً وأنثى(٧)، وحلواً وحامضاً، ونحو ذلك. مجاهد(٨): يعني الذَّكَرَ
والأنثى، والسماءَ والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والنور والظلام،
والسهل والجبل، والجِنَّ والإنس، والخير والشرَّ، والبُكْرة والعَشيَّ، وكالأشياء
المختلفة الألوان من الطعوم والأراييح والأصوات. أي: جعلنا هذا هكذا (٩) دلالةٌ
(١) أخرجه عنه وعن غيره الطبري ٥٤٥/٢١ - ٥٤٦ .
(٢) هذه الأقوال في النكت والعيون ٣٧٣/٥ - ٣٧٤، وتفسير البغوي ٢٣٤/٤ .
(٣) تفسير غريب القرآن ص ٤٢٢، وفي زاد المسير ٤١/٨ نقلاً عنه: أي لقادرون.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٥/ ٥٧ .
(٥) الصحاح (وسع).
(٦) الصحاح (مهد).
(٧) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٤٨، وينظر معاني القرآن للفراء ٨٩/٣.
(٨) أخرج قوله الطبري ٢١/ ٥٤٧ بنحوه.
(٩) في (م): كهذا.

٥٠٤
سورة الذاريات: الآيات ٤٩ - ٥٥
1
على قدرتنا، ومَن قَدَرَ على هذا فليقدر على الإعادة.
وقيل: ((ومِنْ كلِّ شَيءٍ خَلَقْنا زوجَينٍ)) لتعلموا أنَّ خالق الأزواج فرد، فلا يقدَّر
في صفته حركةٌ ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ابتداء ولا
انتهاء؛ إذ هو عزَّ وجلَّ وِتر (١) ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) ﴿لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَفِرُواْ إِلَى اللَّهِ إِنِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَآخَرٌ إِ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيْرٌ مُّبِينٌ ﴾ كَذَلِكَ مَآ أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا
، أَنَوَصَوْ بِّ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ (٥٢) فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ
سَلِحِرْ أَوْ مَجْنُهُ (g@)
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
٥٤
قوله تعالى: ﴿يَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ إِ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ لما تقدَّم ما جرى مِن تكذيب
أممهم لأنبيائهم وإهلاكهم؛ لذلك قال الله تعالى لنبيه8: قل لهم يا محمد، أي: قل
لقومك: «ففِرُّوا إِلى الله إِنِّي لكُمْ منه نذيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: فِرُّوا من معاصيه إلى طاعته.
وقال ابن عباس: فِرُّوا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم. وعنه: فِرُّوا منه إليه، واعملوا
بطاعته(٢). وقال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان(٣): ((فِرُّوا إلى الله))
اخرجوا إلى مكة. وقال الحسين(٤) بن الفضل: احترزوا من كل شيءٍ دون الله؛ فمَن
فرَّ إلى غيره لم يمتنع منه. وقال أبو بكر الورَّاق: فِرُّوا من طاعة الشيطان إلى طاعة
الرحمن. وقال الجُنَيد: الشيطان داعٍ إلى الباطل؛ ففروا إلى الله يمنعكم منه. وقال ذو
النون المصري: ففِرُّوا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الشكر. وقال عمرو بن
(١) قوله: هو عز وجل وتر، قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه عنه أحمد (٧٦٢٣)، (٨١٤٦)،
والبخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧). وفي الباب عن علي ﴾، أخرجه أحمد (٨٧٧)، وأبو داود
(١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣)، والنسائي ٢٨٨/٣ - ٢٢٩، وابن ماجه (١١٦٩).
(٢) ذكر قوله الثاني البغوي في تفسيره ٢٣٤/٤ .
(٣) هو أبو عبد الله العثماني المدني، الملقب بالديباج لحسنه، كان جواداً سخياً، ذا مروءة وسؤدد
وحشمة. توفي سنة ١٤٥ هـ. السير ٢٢٤/٦.
(٤) في (ز): الحسن.

٥٠٥
سورة الذاريات: الآيات ٥٠ - ٥٥
عثمان: فِرُّوا من أنفسكم إلى ربكم. وقال أيضاً: فِرُّوا إلى ما سبق لكم من الله، ولا
تعتمدوا على حركاتكم. وقال سهل بن عبد الله: فِرُّوا مما سوى الله إلى الله(١).
﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أُنذركم عقابَه على الكفر والمعصية.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ ﴾ أَمَرَ محمداً ﴾ أن يقولَ هذا للناس
وهو النذير. وقيل: هو خطابٌ من الله للخلق. ﴿إِنّ لَكُم مِّنْهُ﴾ أي: من محمد وسيوفه
﴿نَذِيرٍ﴾ أي: أُنذركم بأسَه وسيفه إن أشركتم بي؛ قاله ابن عباس.
قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ﴾ هذا تسليةٌ للنبيِّ ◌َ﴾، أي: كما
كذَّبك قومك وقالوا: ساحر أو مجنون، كذَّب مَن قبلهم وقالوا مِثْلَ قولهم.
والكاف من ((كَذَلِكَ)) يجوز أن تكون نصباً على تقدير: أُنذركم إنذاراً كإنذار مَن
تقدَّمني مِن الرسل الذين أَنذروا قومهم، أو رفعاً على تقدير: الأمرُ كذلك، أي:
كالأول. والأوَّل تخويفٌ لمن عصاه من الموحِّدين، والثاني لمن أشرك به من
الملحِدين(٢). والتمام على قوله: ((كَذَلِكَ))(٣)، عن يعقوب وغيره.
قوله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْاْ بِهِ،﴾ أي: أوصى أوَّلُهم آخرَهم بالتكذيب. وتواطؤوا عليه!
والألف للتوبيخ والتعجب. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ﴾ أي: لم يوصٍ بعضُهم بعضاً، بل
جمَعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحدِّ في الكفر.
قوله تعالى: ﴿فَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: أعرِض عنهم واصفح عنهم ﴿فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ عند
الله؛ لأنك أدَّيت ما عليك من تبليغ الرسالة. ثم نسخ هذا بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ
الذِّكْرَى نَنفَعُ الْمُؤْمِينَ﴾. وقيل: نسخ بآية السيف. والأوَّل قول الضخَّاك؛ لأنه قد أمر
بالإقبال عليهم بالموعظة (٤).
(١) ذكر قوله البغوي في تفسيره ٤/ ٢٣٤ .
(٢) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٢٥٠/٤ .
(٣) المكتفى في الوقف والابتداء ص٥٣٨ .
(٤) الكلام بنحوه في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٤١٩، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٨/٣،
والمحرر الوجيز ١٨٢/٥ .

٥٠٦
سورة الذاريات: الآيات ٥٥ - ٦٠
وقال مجاهد: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)): فأعرض عنهم(١).(فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ)) أي: ليس
يلومك ربُّك على تقصيرٍ كان منك(٢). ((وَذَكِّرْ)) أي: بالعِظة؛ فإنَّ العِظة (تَنْفَعُ
المُؤْمِنِينَ)). قتادة: ((وَذَكِّرْ)) بالقرآن(٣) ((فَإِنَّ الذِّكْرَى)) به («تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ)). وقيل: ذكِّرهم
بالعقوبة وأيام الله (٤). وخصَّ المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بها.
مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (@)
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ ﴿﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ
وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (@)
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى
(@
ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَيِهِمْ فَلاَ يَسْتَعِْلُونِ
يُوعَدُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قيل: إنَّ هذا خاصٌّ فيمن سبق
في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى: وما خلقتُ
أهل السعادة من الجنِّ والإنس إلَّا ليوحِّدون. قال القشيريّ: والآية دخلها التخصيصُ
على القطع؛ لأن المجانين والصبيان ما أُمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة،
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ومن
خُلق لجهنم لا يكون ممَّن خُلق للعبادة، فالآية محمولةٌ على المؤمنين منهم؛ وهو
كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ◌َمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] وإنما قال فريق منهم. ذكره
الضحاك والكلبي والفرّاء والقتبي(٥).
وفي قراءة عبدِ الله: ((وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ))(٦).
(١) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٥١ .
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٩/٣.
(٣) النكت والعيون ٣٧٤/٥، والأول ذكره عن مجاهد.
(٤) معاني القرآن للزجاج بنحوه ٥٨/٥ .
(٥) ذكر قولهم الواحدي في الوسيط ١٨١/٤، وقول الفراء في معاني القرآن له ٨٩/٣، وقول القتبي في
: تأويل مشكل القرآن له ص ١١٧ - ١١٨ .
(٦) القراءات الشاذة ص ١٤٥ .

٥٠٧
سورة الذاريات: الآيات ٥٦ - ٦٠
وقال عليٍّ ﴾: أي: وما خلقت الجنَّ والإنس إلَّا لآمُرَهم بالعبادة. واعتمد
الزجَّاج على هذا القول(١)، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا
وَحِدًّاً﴾ [التوبة: ٣١].
فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيَّته والتذلَّلِ لأمره ومشيئته؟ قيل:
قد تذلَّلوا لقضائه عليهم؛ لأن قضاءه جارٍ عليهم لا يقدرون على الامتناع منه، وإنما
خالفه(٢) مَن كفر في العمل بما أمره به، فأما التذلَّلُ لقضائه فإنه غير ممتنع منه.
وقيل: ((إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) أي: إلَّا ليُقَرُّوا لي بالعبادة طوعاً أو كرهاً؛ رواه عليّ بن
أبي طلحة عن ابن عباس(٣). فالكره ما يُرَى فيهم من أثر الصَّنعة. مجاهد: إلَّا
ليعرفوني. الثعلبي: وهذا قولٌ حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لَمَا عُرف وجودُه وتوحيده.
ودليلُ هذا التأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَفَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٤) [الزخرف: ٨٧]
﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]،
وما أشبه هذا من الآيات. وعن مجاهد أيضاً: إلَّا لآمرهم وأنهاهم. زيد بن أسلم:
هو ما جُبِلوا عليه من الشِّقوة والسعادة(٥)؛ فخَلَقَ السعداءَ من الجنِّ والإنس للعبادة،
وخلق الأشقياءَ منهم للمعصية. وعن الكلبيّ أيضاً: إلَّا ليوحّدون، فأمَّا المؤمن
فيوحِّدُه في الشِّذَّة والرَّخاء، وأما الكافر فيوحِّده في الشدّة والبلاء دون النعمة
والرَّخاء؛ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َّوْجٌ كَالُلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾(٦)
[لقمان: ٣٢] الآية. وقال ◌ِكْرمة: إلَّا ليعبدون ويطيعون، فأُثيبُ العابد وأعاقب
الجاحد. وقيل: المعنى: إلَّا لأستعبدهم. والمعنى متقارب؛ تقول: عبدٌ بَيِّن العُبُودة
(١) معاني القرآن للزجاج ٥٨/٥، وقول علي # في تفسير البغوي ٢٣٥/٤، والمحرر الوجيز ١٨٢/٥.
(٢) في (م): خالفهم، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في تفسير الطبري ٥٥٥/٢١ .
(٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٥٤ .
(٤) تفسير البغوي ٢٣٥/٤ .
(٥) النكت والعيون ٣٧٤/٥، وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري ٥٥٣/٢١ - ٥٥٤ .
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٣٥ دون نسبة.

٥٠٨
سورة الذاريات: الآيات ٥٦ - ٦٠
والعبوديَّة، وأصل العبودية الخضوعُ والذَّلّ. والتعبيد التذليل؛ يقال: طريق معبَّد(١).
قال(٢):
وظِيفاً وَظِيفاً فوقَ مَوْرٍ مُعَبَّدٍ
والتعبيد الاستعباد، وهو أن يتَّخذَه عبداً، وكذلك الاعتباد. والعبادة: الطاعة،
والتَّعْبُّد التَّنسك(٣). فمعنى (لِيَعْبُدُون)): لِيَذِلُّوا ويخضعوا ويعبدوا.
﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾ ((مِنْ)) صِلة، أي: رِزقاً، بل أنا الرزّاق والمعطي. وقال ابن
عباس وأبو الجوزاء: أي: ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها(٤). وقيل:
المعنى: ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم(٥).
﴿إِنَّ اللََّ هُوَ الرَّزَّقُ﴾ وقرأ ابن مُحيصِن وغيرُه: (الرَّازِقُ))(٦). ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
أي: الشديد القويّ.
وقرأ الأعمش ويحيى بنُ وثَّاب والنَّخَعي: ((المَتِينِ)) بالجرِّ على النعت
لـ «القوَّةِ))(٧).
الباقون بالرفع على النعت لـ ((الرزّاق))، أو (ذُو)) مِن قوله: ((ذُو القُوَّةِ)) أو يكون
خبرَ ابتداءٍ محذوف؛ أو نعتاً لاسم ((إنّ)) على الموضع، أو خبراً بعد خبر (٨). قال
(١) الصحاح (عبد).
(٢) هو طرفة، والبيت في ديوانه ص ٢٢، وسلف ٣٤١/١.
(٣) الصحاح (عبد).
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ٢١/ ٥٥٥ عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ونسبه الماوردي في النكت والعيون
٥/ ٣٧٥ لأبي الجوزاء.
(٥) النكت والعيون ٣٧٥/٥ .
(٦) القراءات الشاذة ص ١٤٥.
(٧) ذكرها عن الأعمش ويحيى بن وثاب ابن جني في المحتسب ٢٨٩/٢، وذكرها ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص١٤٥ عن یحیی بن وثاب.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٥٢ .

٥٠٩
سورة الذاريات: الآيات ٥٨ - ٦٠
الفرَّاء(١): كان حقه: المتينة؛ فذكَّره لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرَم المحكَم الفَتْلِ؛
يقال: حبل متين. وأنشد الفرَّاء:
لكُلِّ دهرٍ قدلَبِسْتُ أَثْوُبا حتى اكْتسَى الرَّأْسُ قِنَاعاً أَشْيبًا
مِن ريطةٍ واليُمْنَةَ المُعَصَّبا(٢)
فذكَّر المعصَّب؛ لأن اليمنة صنفٌ من الثياب؛ ومن هذا الباب قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ
جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: وَعْظٌ، ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] أي:
الصياحُ والصوت.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا من أهل مكة(٣) ﴿ذَنُبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ
أَصْحَيِهِمْ﴾ أي: نصيباً من العذاب مثلَ نصيبٍ الكفار من الأمم السالفة. وقال ابن
الأعرابي: يقال: يومٌ ذُنُوب، أي: طويل الشرِّ لا ينقضي. وأصل الذَّنُوب في اللغة
الدَّلوُ العظيمة(٤)، وكانوا يستقون الماء، فيقسمون ذلك على الأنصباء؛ فقيل للذَّنُوب
نصیبٌ مِن هذا(٥)، قال الراجز:
لما ذَنُوبٌ ولكم ذَنُوبُ فإِنْ أَبَيتُمْ فلنا القَلِيبُ(٦)
وقال علقمة :
(١) في معاني القرآن ٣/ ٩٠ .
(٢) البيت الأول والثالث في معاني القرآن للفراء ٣/ ٩٠، وتفسير الطبري ٥٥٦/٢١.
والأبيات ضمن أرجوزة نسبت لمعروف بن عبد الرحمن، كما ذكر محقق ديوان حميد بن ثور ص ٦١ .
الريطة: المُلاءة من قطعة واحدة. واليُمْنَة، بضم الياء وفتحها: بُرد يمني. والمعصَّب: ضرب من البرود
يصبغ غزله ثم ينسج. شرح الديوان.
(٣) تفسير البغوي ٢٣٦/٤ .
(٤) تهذيب اللغة ١٤ / ٤٤٠، ٤٣٩.
(٥) الكلام بنحوه في تفسير غريب القرآن ص ٤٢٣، والكشاف ٢١/٤ .
(٦) معاني القرآن للفراء ٩٠/٣، وتفسير الطبري ٥٥٧/٢١، والكشاف ٢١/٤، واللسان (ذنب) دون
نسبة.

٥١٠
سورة الذاريات: الآيات ٥٩ - ٦٠
وفي كلِّ يوم قد خَبَظْتَ بنِعْمةٍ فحُقَّ لِشَأُسٍ مِن نَدَاك ذُنُوبُ(١)
وقال آخر (٢) :
لكلِّ بَني أَبٍ منها ذُنُوبُ
لَعَمْرُكَ والمنايا طارِقاتٌ
الجوهري: والذَّنُوب: الفرس الطويل الذَّنب، والذَّنُوب: النصيب، والذَّنُوب:
لحم أسفل المَثْن، والذَّنُوب: الدَّلو الملأى ماءً. وقال ابن السِّكِّيت: فيها ماءٌ قريب
من المَلء، يؤنَّث ويذكَّر، ولا يقال لها وهي فارغة: ذَنُوب، والجمع في أدنى العدد
أَذْنِبة، والكثير ذَنائِب، مثل: قَلُوص وقَلَائص(٣).
﴿فَلَ يَسْتَعِْلُونِ﴾ أي: فلا يستعجلوا نزول العذاب بهم؛ لأنهم قالوا: يا محمد
((فأتنا بما تَعِدُنا إِنْ كُنتَ مِن الصَّادقين)) [الأعراف: ٧٠]. فنزل بهم يومَ بدرٍ ما حقَّق الله
تعالى به وعدَه، وعجّل به انتقامه(٤)، ثم لهم في الآخرة العذابُ الدائم، والخزيُ
القائم الذي لا انقطاع له ولا نفاد، ولا غاية ولا آباد.
تم تفسير سورة الذاريات، والحمدُ لله
(١) ديوان علقمة الفحل ص٤٨ . وشأس أخوه.
(٢) هو أبو ذؤيب الهذلي والبيت في ديوان الهذليين ١/ ٩٢ .
(٣) الصحاح (ذنب).
(٤) النكت والعيون ٣٧٥/٥.

سورة ((والطور))
مكية كلُّها في قول الجميع، وهي تسعٌ (١) وأربعون آية
روى الأئمة عن جُبير بن مُطْعِم قال: سمعتُ رسول الله # يقرأ بالظُور في
المغرب. متفق عليه(٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿وَالْطُّورِ ) وَكِنَبِ مَسْطُورٍ ﴿ فِ رَقِ مَّشُورِ ﴿ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ﴾ وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ ٣ مَّا لَهُ مِن
دَافِعٍ
٨
قوله تعالى: ﴿وَالُورِ﴾ الظُور اسمُ الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى(٣)، أقسم
الله به تشريفاً له وتكريماً وتذكيراً لِمَا فيه من الآيات، وهو أَحدُ جبال الجنة.
وروى إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدَّثنا
كثير بنُ عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدِّه أنه قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾:
«أربعةُ أجْبُلٍ من جبال الجنة، وأربعةُ أنهار من أنهار الجنة، وأربعة مَلَاحم من
مَلَاحم الجنة)) قيل: فما الأَجْبُل؟ قال: ((جَبَلُ أُحُد يحبُّنا ونحبُّه، والطُورُ جبلٌ
من جبال الجنة، ولُبْنان جبلٌ من جبال الجنة، والجوديّ جبلٌ من جبال الجنة))(٤)
(١) في النسخ الخطية: ثمان ، وذكر هذا القول الزمخشري في الكشاف ٢٢/٤ بصيغة التضعيف ،
والمثبت من (م) وهو الموافق لما في التفاسير .
(٢) صحيح البخاري (٧٦٥)، وصحيح مسلم (٤٦٣)، وهو عند أحمد (١٦٧٣٥).
(٣) معاني القرآن للزجاج ٦١/٥، وتفسير البغوي ٢٣٦/٤، والكشاف ٢٢/٤ .
(٤) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٨٠/١ - ٨١، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٠٨٠ ، والطبراني في
الكبير ١٨/١٧ (١٩) من طريق كثير بن عبد الله، به. ولم يذكر ابن عدي والطبراني جبل الجودي،
ووقع بدله عند ابن شبة: وَرْقَان ، وإسناده ضعيف جداً. كثير بن عبد الله ضعفه ابن معين وأحمد =

٥١٢
سورة الطور: الآيات ١ - ٨
وذكر الحديث، وقد استوفيناه في كتاب ((التذكرة))(١).
قال مجاهد: الظُور هو بالسريانية: الجبلُ(٢)، والمراد به طور سيناء. وقاله
السُّدِّي(٣). وقال مقاتل بن حيَّان: هما طوران؛ يقال لأحدهما: طُورُ سِيناء، والآخر
طورُ زيتا (٤)؛ لأنَّهما يُنبِتان التين والزيتون(٥). وقيل: هو جبل بمَذْيَن، واسمه:
زَبير.(٦) قال الجوهريُّ: والزَّبير: الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى عليه السلام(٧).
قلت: ومدينُ بالأرض المقدَّسة، وهي قرية شعيبٍ عليه السلام.
وقيل: إن الظُور كلُّ جبل أنبت، وما لا يُنبِت فليس بطور. قاله ابن عباس(٨). وقد
مضى في ((البقرة)) مستوفى (٩).
قوله تعالى: ﴿وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ أي: مكتوب، يعني القرآنَ يقرؤه المؤمنون من
المصاحف، ويقرؤه الملائكة من اللَّوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ .
= وأبو حاتم والنسائي، وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جدّه نسخة
موضوعة، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. اهـ. وأبوه عبد الله بن عمرو مجهول، فقد
تفرد بالرواية عنه ابنه كثير. ميزان الاعتدال ٢/ ٤٦٧ و٤٠٦/٣-٤٠٧ .
(١) ص ٤٤٥ - ٤٤٦ .
(٢) تفسير مجاهد ٦٢٣/٢، وأورده الطبري ٢١/ ٥٦١، وحكى ابن عطية عن الطبري إيراده قول مجاهد،
ثم تعقبه بقوله: وهذا ضعيف لأن ما حكاه في العربية يقضي على هذا، ولا خلاف أن في الشام جبلاً
يسمى بالطور، وهو طور سيناء .
(٣) النكت والعيون ٥/ ٣٧٧ .
(٤) طور زيتا : هو جبل بقرب رأس عين قنطرة الخابور ، على رأسه شجر زيتون ، يسقيه المطر ، ولذلك
سمي طور زيتا . معجم البلدان ٤ / ٤٧ - ٤٨ .
(٥) قول مقاتل في المحرر الوجيز ١٨٥/٥ مختصر بلفظ : هما طوران .
(٦) مراح لبيد ٣٢٧/٢، وفي النكت والعيون عن مقاتل: يسمى هذا الطور زبير.
(٧) لم نقف عليه من كلامه، وذكره ابن الأثير في النهاية (زبر) دون نسبة. وأورده الزَّبيدي أيضاً في تاج
العروس دون نسبة وقال: أجمع المفسرون على أن جبل المناجاة هو الطور.
(٨) النكت والعيون ٣٧٦/٥ .
(٩) ٢ / ١٦٤ .

٥١٣
سورة الطور: الآيات ٢ - ٨
فِي كِتَبٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨]. وقيل: يعني سائرَ الكتب المنزَّلة على الأنبياء.
وكان كلُّ كتاب في رَقِّ ينشره أهله لقراءته. وقال الكلبي: هو ما كتب الله لموسى
بيده من التوراة وموسى يسمع صَرِيرَ القلم(١). وقال الفراء: هو صحائف الأعمال،
فمِن آخذٍ كتابَه بيمينه، ومِن آخذٍ كتابَه بشماله(٢)، نظيره: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا
يَلْقَنَهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا الضُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠]. وقيل: إنه
الكتاب الذي كتبه الله تعالى لملائكته في السماء، يقرؤون فيه ما كان وما يكون(٣).
وقيل: المراد ما كتب الله في قلوب الأولياء من المؤمنين، بيانُه: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى
قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
قلت: وفي هذا القول تَجوُّز؛ لأنه عبَّر بالقلوب عن الرَّق. قال المبرِّد: الرَّقُّ: ما
رُقِّق من الجِلد ليُكتب فيه، والمنشور: المبسوط. وكذا قال الجوهري في
الصحاح (٤)، قال: والرَّق - بالفتح -: ما يُكتب فيه وهو جلدٌ رقيق، ومنه قوله تعالى:
﴿فِى رَقْ مَّنثُورٍ﴾. والرَّق أيضًا: العظيم من السَّلاحِف. قال أبو عبيد(٥): وجمعه رُقُوق.
والمعنى المراد ما قاله الفراء، والله أعلم. وكلُّ صحيفة فهي رَقٌّ لِرِقّة حواشيها، ومنه
قول المتلمّس :
رَقُّ أُتيح كتابُها مَسطورُ(٦)
فكأنَّما هي من تَقَادُمِ عَهْدِها .
وأمَّا الرِّق : - بالكسر - فهو المِلْك(٧)، يقال: عبدٌ مرقوق. وحكى الماورديُ(٨)
(١) أورده البغوي في تفسيره ٢٣٦/٤ .
(٢) معاني القرآن للفراء ٩١/٣، ونقله المصنف بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٣٧٧/٥ .
(٣) النكت والعيون ٣٧٧/٥ .
(٤) مادة (رقق) .
(٥) في (د) و(م) : أبو عبيدة .
(٦) النكت والعيون ٣٧٧/٥ .
(٧) الصحاح (رقق) .
(٨) في النكت والعيون ٣٧٧/٥ .

٥١٤
سورة الطور: الآيات ٣ - ٨
عن ابن عباس: أن الرَّق - بالفتح - ما بين المشرق والمغرب.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ قال عليٍّ وابن عباس وغيرهما: هو بيت في
السماء حِيَال الكعبة، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، ثم يخرجون منه، فلا يعودون
إليه(١). قال عليٍّ﴾: هو بيت في السماء السادسة(٢). وقيل: في السماء الرابعة(٣).
روى أنس بن مالك، عن مالك بن صَعْصَعة قال: قال رسول الله ﴾: «أُتيَ بي إلى
السماء الرابعة، فرُفِع لنا البيتُ المعمور، فإذا هو حِيالُ الكعبة، لو خَرَّ خَرَّ عليها،
يدخله كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَك، إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه)) ذكره الماورديُّ(٤) .
وحكى القشيريُّ عن ابن عباس : إنه في السماء الدنيا. وقال أبو بكر الأنباري:
سأل ابن الكَوَّاء عليًّا ﴾ قال: فما البيت المعمور؟ قال: بيتٌ فوق سبع سماوات
تحت العرش يقال له: الضُّراح(٥). وكذا في ((الصحاح)): والصُّراح - بالضم - بيت في
السماء، وهو البيت المعمور عن ابن عباس(٦). وعُمْرانه: كثرةُ غاشيته من الملائكة.
وقال المهدويُّ عنه: حِذاء العرش.
والذي في صحيح مسلم، عن مالك بن صعصعة عن النبيِّ# في حديث
الإسراء: ((ثم رُفع لي (٧) البيتُ المعمور، فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت
(١) تفسير أبي الليث ٣/ ٢٨٢، والنكت والعيون ٣٧٧/٥، وأخرجه عنهما الطبري ٢١/ ٥٦٤ .
(٢) أخرجه الطبري ٢١ / ٥٦٣.
(٣) تفسير أبي الليث ٢٨٢/٣ وروى البخاري (٣٢٠٧) و(٣٨٨٧) ومسلم (١٦٤) من حديث أنس بن مالك
عن مالك بن صعصعة أنه في السماء السابعة.
(٤) في النكت والعيون ٥/ ٣٧٧، وفيه: السماء السابعة : بدل : السماء الرابعة، وهي رواية عن أنس كما
ذكر الحافظ في الفتح ٣٠٩/٦، وقال: أكثر الروايات أنه في السماء السابعة.
(٥) أخرجه الطبري ٥٦٣/٢١، وأورده السيوطي في الدر المنثور ١١٧/٦ وعزاه لابن الأنباري في
المصاحف .
(٦) الصحاح (ضرح)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٩٩٧) عن ابن عباس بلفظ : إن في السماء بيتاً
يقال له : الضراح ، وهو فوق البيت العتيق من حياله ...
(٧) في (د) و(م) : إليّ.

٥١٥
سورة الطور: الآيات ٤ - ٨
المعمور، يدخله كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَك، إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما
عليهم))(١) وذكر الحديث.
وفي حديث ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله :﴿ قال: ((أُتِت بالبُرَاق))
الحديث، وفيه: «ثم عُرِج بنا إلى السماء (٢) السابعة، فاستفتح جبريل عليه السلام،
فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمدٌ ﴿. قيل: وقد بُعِث إليه؟
قال: قد بُعِث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسنداً ظهرَه إلى البيت
المعمور، وإذا هو يدخله كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَك لا يعودون إليه))(٣).
وعن ابن عباس أيضاً قال: لله في السماوات والأرضين خمسةَ عشرَ بيتاً، سبعةٌ
في السماوات، وسبعة في الأرضين، والكعبة، وكلُّها مقابلة للكعبة .
وقال الحسن: البيت المعمور هو الكعبة؛ البيت الحرام؛ الذي هو معمور من
الناس، يعمره الله كلَّ سنة بستُّ مئة ألف، فإن عجز الناس عن ذلك أتمَّه الله
بالملائكة، وهو أوّل بيت وضعه الله للعبادة في الأرض(٤).
وقال الربيع بن أنس: إنَّ البيت المعمور كان في الأرض موضعَ الكعبة في زمان
آدم عليه السلام، فلمَّا كان زمانُ نوح عليه السلام أمرهم أن يحجّوا، فأَبَوا عليه
وعصَوه، فلمَّا طغى الماء، رُفِع، فجُعل بحِذائه في السماء الدنيا، فيَعمرُه كلَّ يوم
سبعونَ ألفَ ملَك، ثم لا يرجعون إليه حتى يُنفخ في الصور، قال: فبوَّأ الله جلَّ وعزَّ
الإبراهيمَ مكانَ البيت حيث كان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ
(١) صحيح مسلم (١٦٤): (٢٦٤)، وعلقه البخاري (٣٢٠٧) وهو عند أحمد (١٧٨٣٦). وينظر كلام
الحافظ ابن حجر ٢١٥/٧ على رواية قتادة. وقوله : آخر ما عليهم؛ قال النووي في شرح صحيح مسلم
٢٢٥/٢: روي برفع الراء ونصبها، فالنصب على الظرف، والرفع على تقدير : ذلك آخر ما عليهم
من دخوله ، والرفع أوجه.
(٢) لفظة : السماء، ليست في (د) و(م) .
(٣) أخرجه أحمد (١٢٥٠٥)، ومسلم (١٦٢) : (٢٥٩) واللفظ له .
(٤) أورده الماوردي في النكت والعيون ٣٧٨/٥ عنه بلفظ : البيت المعمور هو البيت الحرام .

٥١٦
سورة الطور: الآيات ٤ -٨
أَنْ لَا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لَِِّّفِينَ وَالْقَآِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾(١) [الحج: ٢٦].
﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ يعني السماءَ؛ سمَّاها سقفاً؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت،
بيانه: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا نَحْفُوظَا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وقال ابن عباس: هو العرش،
وهو سقف الجنة. ﴿وَالْبَحْرِ الْسَسْجُورِ﴾ قال مجاهد: المُوقَد(٢). وقد جاء في الخبر: ((إن
البحر يُسجَر يوم القيامة فيكون ناراً))(٣). وقال قتادة: المملوء(٤). وأنشد النَّخْويون
للنَّمِر بن تَوْلَب:
إذا شاء طالعَ مَسْجُورةً تَرَى حَولَها النَّبْعَ والسَّاسَمَا(٥)
يريد وَعْلًا يطالع عيناً مسجورة مملوءة .
فيجوز أن يكون المملوءُ ناراً، فيكون كالقول المتقدِّم. وكذا قال الضحاك وشِمْر
ابن عطية ومحمد بن كعب والأخفش(٦): إنه (٧) المَوْقِد المحميُّ بمنزلة التَّنُّور
المسجور. ومنه قيل: لِلْمِسْعَر: مِسْجَر، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَلْبِحَارُ
سُجِرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: أُوقِدت، سَجَرتُ التَُّّور أسجُرُهُ سَجْراً، أي: أحميتُه(٨).
(١) النكت والعيون ٣٧٨/٥ .
(٢) تفسير مجاهد ٢/ ٦٢٤، وأخرجه الطبري ٥٦٨/٢١ .
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأورد الواحدي في الوسيط ١٨٥/٤، والبغوي في تفسيره ٢٣٧/٤،
والزمخشري في الكشاف ٢٢/٤ - ٢٣ - واللفظ له - وابن الجوزي في زاد المسير ٤٨/٨: ((إن الله
تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها ناراً تسجر بها نار جهنم)).
(٤) أخرجه الطبري ٥٦٨/٢١ .
(٥) أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٣٠/٢، والطبري ٥٧٠/٢١، والبغدادي في الخزانة ٩٥/١١.
قوله: النبع : هو شجر للقِسِيٍّ وللسهام. والسَّاسَم: شجر يعمل منه القِسيّ. القاموس (نبع) و(سسم).
وسلف عند تفسير الآية (٧٢) من سورة غافر.
(٦) أورد قول الضحاك ومحمد بن كعب البغوي في تفسيره ٢٣٧/٤، وقول شمر الطبري ٠،٥٦٨/٢١
وقول الأخفش الطبرسي في مجمع البيان ٢٧/ ٢٧ .
٠٠
(٧) في (م) : بأنه .
(٨) الصحاح (سجر).

٥١٧
سورة الطور: الآيات ٦ - ٨
وقال سعيد بن المسيِّب: قال عليٍّ ه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر. قال
ما أراكَ إلا صادقاً. وتلا: ﴿وَالْبَحْرِ الْسَسْجُورِ﴾، ﴿وَإِذَا أَلْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾ [التكوير: ٦]
مخفّفة(١). وقال عبد الله بن عمرو: لا يُتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم(٢). وقال
كعب: يُسجَر البحر غداً فيُزاد في نار جهنم (٣). فهذا قول.
وقال ابن عباس: المسجور الذي ذهب ماؤه. وقاله أبو العالية(٤). وروى عطية
وذو الرُّمَّة الشاعر عن ابن عباس قال: خرجت أَمَة لتسقيَ فقالت: إن الحوض
مسجورٌ، أي: فارغ(٥)، قال ابن أبي داود: ليس لذي الرُّمَّة حديثٌ إلا هذا. وقيل:
المسجور، أي: المفجور، دليله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]، أي: تَنْشِفُها
الأرض فلا يبقى فيها ماء.
وقول ثالث قاله عليٍّ ه وعكرمة، قال أبو مَكين: سألت عكرمة عن البحر
المسجور فقال: هو بحر دون العرش. وقال عليٍّ: تحت العرش؛ فيه ماء غليظ
يقال(٦) له: بحر الحيوان يُمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً، فينبتون
في قبورهم(٧). وقال الربيع بن أنس: المسجور: المختلط العذب بالمِلْح(٨).
قلت: وإليه يرجع معنى ((فُجِّرَتْ)) في أحد التأويلين، أي: فُجِّرَ عذبُها في
(١) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٦٨، وقرأ من السبعة: سُجِرت، بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو . ينظر السبعة
ص٦٧٣ ، والتيسير ص ٢٢٠ .
(٢) سلف قول ابن عمرو في البحر: هو نار ١٥/ ٤٤٢ وهو عند الترمذي (٦٩).
(٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٣٢)، وأبو نعيم في الحلية ٣٧٥/٥ بنحوه .
(٤) أخرج قول ابن عباس الطبري ٥٦٩/٢١ . وأورد قول أبي العالية البغوي في تفسيره ٢٣٧/٤، وابن
الجوزي في زاد المسير ٤٨/٨ .
(٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٦ عن ذي الرمة عن ابن عباس ، وعزاه للشيرازي في الألقاب .
(٦) في (م) : ويقال .
(٧) الوسيط ١٨٥/٤، وتفسير البغوي ٢٣٧/٤ بنحوه، وأخرجه الطبري ٢١/ ٥٧٠ عن علي بلفظ :
(والبحر المسجور) قال : بحر في السماء تحت العرش. وأبو مكين: هو نوح بن ربيعة البصري، روى
له أبو داود والنسائي وابن ماجه. تهذيب الكمال.
(٨) تفسير البغوي ٢٣٧/٤، وزاد المسير ٤٨/٨ .

٥١٨
سورة الطور: الآيات ٦ - ١٦
مالحها، والله أعلم. وسيأتي(١). وروى عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال:
المسجور: المحبوس(٢).
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَيِّعٌ﴾ هذا جواب القسم، أي: واقع بالمشركين. قال جُبَير بن
مُظْعِم: قدمت المدينة لأسأل رسول اللـه * في أُسارى بدر، فوافيتُه يقرأ في صلاة
المغرب: ((وَالظُورِ)) إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ . مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ فكأنما صُدع
قلبي، فأسلمت خوفاً من نزول العذاب، وما كنت أظنُّ أن أقوم من مقامي حتى يقع
بي العذاب (٣).
وقال هشام بن حسان: انطلقت أنا ومالكُ بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ:
((وَالُورِ)) حتى بلغ: ((إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَالَهُ مِنْ دَافِعٍ))، فبكى الحسن وبكى
أصحابه، فجعل مالك يضطرب حتى غُشِي عليه.
: ولمَّا وُلِّي بِكَّارٌ القضاء، جاء إليه رجلان يختصمان، فتوجهتْ على أحدهما
اليمين، فرغب إلى الصُّلح بينهما، وأنه يُعطي خصمه من عنده عوضاً من يمينه، فأبى
إلا اليمين، فأحلفه بأوّل ((وَالظُورِ)) إلى أن قال (٤) له: قل: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَيِعٌ﴾ إن
کنتُ کاذباً، فقالها، فخرج، فگُسِر من حينه.(٥)
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا ﴾ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَبْرً ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَيِدٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِ خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴿ يَوْمَ يُدَقُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَغًا
هَذِهِ النَّارُ الَّتِ كُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿ أَفَسِحْرُّ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ
(٣
أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوّنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَّهُ مَوْرًا﴾ العامل في (يوم)) قوله: ((وَاقِعٌ))، أي: يقع
(١) عند تفسير الآية (٦) من سورة التكوير، والآية (٣) من سورة الانفطار.
(٢) أخرجه الطبري ٥٦٩/٢١ .
(٣) تفسير البغوي ٢٣٧/٤ والنكت والعيون ٣٧٩/٥، والكشاف ٢٣/٤ . وسلف في أول السورة مختصراً.
(٤) في (م) : قاله .
(٥) لم نقف على الخبرين ، وبكّار: هو ابن قتيبة، أبو بكرة، قاضي القضاة بمصر. توفي سنة (٢٧٠ هـ)
سير أعلام النبلاء ١٢ / ٥٩٩ .

٥١٩
سورة الطور: الآيات ٩ - ١٦
العذاب بهم يوم القيامة، وهو اليوم الذي تمور فيه السماء(١). قال أهل اللغة: مار
الشيءُ يَمورُ مَوْرًا، أي: تحرَّك وجاء وذهب؛ كما تَتَكفَّأُ النخلةُ العَيْدانة، أي:
الطويلة، والتموُّر مثله. وقال الضحاك: يموج بعضها في بعض. مجاهد: تدور
دوراً (٢). أبو عبيدة (٣) والأخفش: تَكَفَّأ، وأنشد للأعشى (٤):
كأنَّ مِشْيَتَها من بيت جارتها
مَوْرُ السَّحابة لا رَيْثُ ولا عَجَلُ
وقيل : تجري جریاً، ومنه قول جرير:
بِدِجِلَةَ حتَّى ماءُ دِجلةَ أَشْكَلُ (٥)
وما زالتِ القَتْلَى تَمُورُ دماؤها
وقال ابن عباس: تمور السماء يومئذ بما فيها وتضطرب (٦). وقيل: يدور أهلها
فيها ويموج بعضهم في بعض.
والمَوْر أيضاً: الطريق. ومنه قول طَرَفة:
... فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدٍ(٧)
والمَوْرُ: المَوْجِ. وناقةٌ مَوَّارة اليد، أي: سريعة. والبعير يمور عَضُداه: إذا تردَّدا
في عَرْض جنبه، قال الشاعر :
على ظَهْرٍ مَوَّارِ المِلَاطِ حِصَانِ
(١) ينظر مشكل إعراب القرآن ٦٩٠/٢.
(٢) أخرج قول الضحاك ومجاهد الطبري ٢١ / ٥٧٢ - ٥٧٣ .
(٣) في مجاز القرآن ٢٣١/٢.
(٤) في (ز) و(ظ) و(ف) : الأعشى ، والمثبت من (د) و(م)، وهو الموافق لما في الصحاح (مور) والكلام
منه ، والبيت في ديوان الأعشى ص ١٠٥ ، وفيه : مرُّ ، بدل : مور .
(٥) النكت والعيون ٣٧٩/٥، والبيت في ديوان جرير ص ٣٦٧، والأشكل: ما فيه حمرة وبياض مختلط .
القاموس (شكل).
(٦) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٧٢ بلفظ: ﴿يَوْمَ تَهُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا﴾ قال: يقول: تحريكاً .
(٧) ديوان طرفة ص ٢٢ ، والبيت بتمامه: تباري عِتاقاً ناجيات وأتبعت وظيفاً وظيفاً فوق مَوْرٍ معبَّد.
وسلف ٣٤١/١ .

٥٢٠
سورة الطور: الآيات ٩ - ١٦
المِلاط: الجَنْب. وقولهم: لا أدري أغارَ أم مَارَ (١)، أي: أتى غَوراً، أم دار
فرجع إلى نجد. والمُور - بالضم - الغبار بالريح(٢).
وقيل: إن السماء هاهنا الفَلَك، ومورُه اضطرابُ نُظُمِه، واختلافُ سيره. قاله
ابن بحر(٣).
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيًْا﴾ قال مقاتل: تسير عن أماكنها حتى تستويَ بالأرض. وقيل:
تسير كسير السحاب اليوم في الدنيا، بيانه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَ
السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وقد مضى هذا المعنى في ((الكهف))(٤).
﴿فَوَّيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ((وَيْلٌ)): كلمة تقال للهالك، وإنما دخلت الفاء لأن في
الكلام معنى المجازاة(٥). ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي: في تردُّد في الباطل، وهو
خوضُهم في أمر محمد بالتكذيب. وقيل: في خوض في أسباب الدنيا يلعبون، لا
يذكرون حساباً ولا جزاءً. وقد مضى في ((براءة))(٦).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ﴾ (يَوْمَ)) بدل من يومئذ(٧). و((يُدَعُونَ)): معناه يُدفعون
إلى جهنم بشدّة وعنف، يقال: دَعَعْتُه أدُغُه دغًا، أي: دفعته، ومنه قوله تعالى:
﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ اَلْيَنِيِمَ﴾ (٨) [الماعون: ٢]. وفي التفسير: إن خزنة جهنم يَغُلُّون
أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيَهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم في النار دفعًا
(١) مجمع الأمثال للميداني ٢٩٣/٢ .
(٢) الصحاح (مور) و(ملط) .
(٣) النكت والعيون ٣٨٠/٥ .
(٤) ١٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٥٤ .
(٦) ٢٩٦/١٠ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٤/٤، ومشكل إعراب القرآن ٦٩٠/٢.
(٨) الصحاح (دعع) .