Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة الحجرات: الآية ١٢
وأَرَّقني أن لا خليلَ ألَاعِبُهْ
تطاول هذا الليل واسْودَّ جانِبُهْ
لزُغْزِع من هذا السرير جوانبهْ
فواللهِ لولا اللهُ أني أراقبهْ
وأُكْرِم بَعْلي أن تُنال مَرَاكِبُهُ(١)
ولكنَّ عقلي والحياء يَكُفُّني
ثم قال الرجل: ما بهذا أُمِرنا يا أمير المؤمنين! قال الله تعالى: ((وَلَا تَجَسَّسُوا)).
قال: صَدقت(٢).
قلت: لا يُفهم من هذا الخبر أن المرأة كانت غيرَ زوجة الرجل؛ لأن عمر لا يُقِرُّ
على الزنى، وإنما غنَّت بتلك الأبيات تذكاراً لزوجها، وأنها قالتها في مَغِيبه عنها.
والله أعلم.
وقال عمرو بن دينار: كان رجل من أهل المدينة له أختٌ فاشتكت، فكان
يعودها، فماتت فدفنها. فكان هو الذي نزل في قبرها، فسقط من كُمِّہ کیسٌ فیه دنانير،
فاستعان ببعض أهله، فنبشوا قبرها، فأخذ الكيس ثم قال: لَأَكشفنَّ حتى أنظرَ ما آل
حال أختي إليه، فكشف عنها، فإذا القبرُ مشتعلٌ ناراً، فجاء إلى أمه فقال: أخبريني
ما كان عملُ أختي؟ فقالت: قد ماتت أختك، فما سؤالُك عن عملها! فلم يَزَل بها
حتى قالت له: كانت من عملها أنها كانت تؤخِّر الصلاة عن مواقيتها، وكانت إذا نام
الجيران قامت إلى بيوتهم، فألقمت أذنها أبوابهم، فَتَجَسَّسُ عليهم وتُخرج أسرارهم،
فقال: بهذا هَلَكتْ(٣)!
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ نهى عزَّ وجلَّ عن الغِيبة، وهي
أن تذكر الرجلَ بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه، فهو البهتان. ثبت معناه في صحيح
مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللـه 8. قال: ((أتدرون ما الغِيبة))؟ قالوا: الله ورسوله
(١) سلفت هذه الأبيات ٣٠/٤ باختلاف يسير عما هنا وفي سياق غير هذا .
(٢) أورده الطبرسي في مجمع البيان ٢٦/ ٩٢ - ٩٣ ولم ينسبه ولم نقف عليه في مصادر التخريج.
(٣) لم نقف عليه ، وفي متنه نظر.

٤٠٢
سورة الحجرات: الآية ١٢
أعلم. قال: ((ذكرك أخاك بما يكره)). قال(١): أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال:
((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَنَّه))(٢) .
يقال: اغتابه اغتياباً: إذا وقع فيه، والاسم الغِيبة(٣)، وهي ذكرُ العَيْب بظَهْر
الغَيْب. قال الحسن: الغِيبة ثلاثةُ أوجه كلُّها في كتاب الله تعالى: الغِيبة، والإفك،
والبهتان. فأمَّا الغِيبة: فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه. وأمَّا الإفك: فأن تقول فيه ما
بلغك عنه. وأمَّا البهتان: فأن تقول فيه ما ليس فيه (٤) .
وعن شعبة قال: قال لي معاوية - يعني ابنَ قُرَّة - : لو مَرَّ بك رجل أقطع، فقلت:
هذا أقطع؛ كان غِيبة. قال شعبة: فذكرته لأبي إسحاق، فقال: صدق(٥).
وروى أبو هريرة أن الأسلميَّ ماعزّا جاء إلى النبيِّ #، فشهد على نفسه بالزِّنى،
فرجمه رسول الله ﴾، فسمع نبيُّ اللـه ﴾ رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر:
انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رُجِم رَجْمَ الكلب؛ فسكت
عنهما. ثم سار ساعة حتى مرَّ بچِيفةِ حمارٍ شائلٍ برجله، فقال: ((أين فلان وفلان))؟
فقالا: نحن ذا يا رسول الله، قال: ((انزلا فَكُلا من جِيفة هذا الحمار)) فقالا: يا نبيَّ
الله، ومَن يأكل من هذا! قال: ((فما نلتما من عِرْض أخيكما أشدُّ من الأكل منه،
والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها))(٦).
(١) في (م) : قيل.
(٢) صحيح مسلم (٢٥٨٩)، وسلف ١٢٢/٧ .
(٣) الصحاح (غيب) .
(٤) النكت والعيون ٣٣٤/٥ - ٣٣٥.
(٥) أخرجه الطبري ٣٧٩/٢١، وأبو إسحاق هو الهمداني .
(٦) أخرجه أبو داود (٤٤٢٨)، وابن حبان (٤٣٩٩) مطولاً، وفيه عبد الرحمن بن الصامت ، قال البخاري
- كما في تهذيب التهذيب - : لا يعرف إلا بهذا الحديث. وقال الذهبي في الميزان ٥٦٩/٢ - ٥٧٠ :
له حديث واحد في شهادة الأسلمي على نفسه بالزنا ، تفرد عنه أبو الزبير ، وعنه ابن جريج ، فلا يُعرف
مَن هذا . اهـ .

٤٠٣
سورة الحجرات: الآية ١٢
السادسة: قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ مَثَّل الله الغِيبة
بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحيَّ لا يعلم بِغيبة مَن اغتابه.
وقال ابن عباس: إنما ضرب الله هذا المثل للغِيبة؛ لأن أكل لحم الميت حرام
مستقذَر، وكذا الغيبةُ حرامٌ في الدِّين، وقبيحٌ في النفوس. وقال قتادة: كما يمتنع
أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيًّا. واستُعمِل أكلُ
اللَّحم مكان الغِيبة؛ لأن عادة العرب بذلك جارية. قال الشاعر:
وإن هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لهم مَجْداً (١)
فإن أكلوا لحمي وفَرتُ لحومَهمْ
وقال ﴾: (ما صام مَن ظلَّ يأكل لحوم الناس))(٢). فشبَّه الوقيعة في الناس بأكل
لحومهم. فمن تنقَّص مسلماً أو ثَلَمَ عِرْضَه، فهو كالآكل لحمَه حيًّا، ومَن اغتابه، فهو
كالآكل لحمَه ميتاً .
وفي كتاب أبي داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾: ((لمَّا عُرج بي؛
مررت بقوم لهم أظفارٌ من نحاس يَخْمِشُون وجوههم وصدورهم، فقلت: مَن هؤلاءِ يا
جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم))(٣).
وعن المستورد أن رسول الله ﴾ قال: ((مَن أكل بِرَجُلٍ مسلم أَكْلة، فإن الله
يطعمه مِثلَها من جهنم، ومَن كُسي ثوباً بِرَجُلٍ مسلم، فإن الله يكسوه مثلَه من جهنم،
ومَن قام(٤) بِرَجُلٍ مَقامِ سُمْعة ورياء، فإن الله يقوم به مَقام سُمْعة ورياء يوم القيامة))(٥).
وقد تقدَّم قوله﴿: ((يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا
(١) النكت والعيون ٥/ ٣٣٥، وأورده أيضاً ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٧٣٩/٢، وابن عبد ربه في العقد
الفريد ٣٦٨/٢، وابن الأثير في المثل السائر ١٧٤/٢ ونسبوه للمُقَنَّع الكِتْدي.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٤ عن أنس بن مالك ، وفيه يزيد بن أبان؛ وهو ضعيف. والربيع بن صَبيح؛
وهو صدوق سيِّئ الحفظ. كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب.
(٣) سنن أبي داود (٤٨٧٨)، وهو عند أحمد (١٣٣٤٠).
(٤) المثبت من (ق)، وهو الموافق للمصادر، وفي غيرها: أقام.
(٥) سنن أبي داود (٤٨٨١)، وهو عند أحمد (١٨٠١١).

٤٠٤
سورة الحجرات: الآية ١٢
المسلمين))(١). وقولُه للرجلين: ((ما لي أرى خُضرة اللحم في أفواهكما))(٢).
وقال أبو قِلابة الرَّقَّاشي: سمعت أبا عاصم يقول: ما اغتبت أحداً مذ عرفت ما
في الغيبة(٣). وكان ميمون بن سِياه لا يغتاب أحداً، ولا يَدَع أحداً يغتاب أحداً عنده،
ینهاه؛ فإن انتهى؛ وإلا قام(٤) .
وذكر الثعلبيُّ من حديث أبي هريرة قال: قام رجل من عند النبيِّ #، فرأوا في
قيامه عجزاً فقالوا: يا رسول الله، ما أعجز فلاناً! فقال: ((أكلتم لحم أخيكم
واغتبتموه))(٥) .
وعن سفيان الثوري قال: أدنى الغِيبة أن تقول: إن فلاناً جَعْدٌ قَطَطَ (٦)، إلا أنه
يكره ذلك. وقال عمر بن الخطاب : إياكم وذِكْرَ الناس، فإنه داء، وعليكم بذكر
الله، فإنه شفاء. وسمع عليُّ بن الحسين رضي الله عنهما رجلاً يغتاب آخر، فقال:
. إياك والغِيبةَ، فإنها إدام كلاب الناس(٧). وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك فلان
حتى رحمناك، قال: إياه فارحموا. وقال رجل للحسن: بلغني أنك تغتابني! فقال: لم
يبلغ قَدْرُك عندي أن أُحكِّمكَ في حسناتي.
السابعة: ذهب قوم إلى أن الغيبة لا تكون إلا في الدِّين، ولا تكون في الخِلقة
(١) تقدم في المسألة الرابعة .
(٢) تقدم في المسألة الأولى .
(٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٣٣٦/٤ بنحوه عن أبي عاصم، وهو الضخَّاك بن مَخْلد؛ روى له
الجماعة.
(٤) أخرجه أبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (١٧٧)، وأبو نعيم في الحلية ١٠٧/٣، وميمون بن سيّاه
البصري كنيته أبو بحر ، من رجال البخاري والنسائي .
(٥) أخرجه أبو يعلى الموصلي (٦١٥١)، والطبري ٣٧٩/٢١، والطبراني في الأوسط (٤٦١) وفيه محمد
ابن أبي حميد ، ويقال له : حماد ، وهو ضعيف كما في الميزان ٥٣١/٣، والتقريب .
(٦) القطط : القصير الجعد من الشَّعر .
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٩٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٩٩/٤١.

٤٠٥
سورة الحجرات: الآية ١٢
والحَسَب. وقالوا: ذلك فعل الله به. وذهب آخرون إلى عكس هذا فقالوا: لا تكون
الغِيبة إلا في الخَلْقِ والخُلُق والحسَب، والغِيبة في الخَلْقِ أشدُّ؛ لأن مَن عَيَّب صنعة
فإنما عيَّب صانعها.
وهذا كلُّه مردود، أما الأوّل فيردُّه حديث عائشة حين قالت في صفيةً: إنها امرأة
قصيرةٌ، فقال لها النبيُّ﴾: ((لقد قلت كلمة لو مُزِج بها البحر لمزجته)). خرجه أبو
داود. وقال فيه الترمذيُّ: حديث حسن صحيح(١)؛ وما كان في معناه حسب ما تقدم.
وإجماع العلماء قديماً على أن ذلك غِيبةٌ إذا أُريد به العيب.
وأمَّا الثاني فمردودٌ أيضاً عند جميع العلماء؛ لأن العلماء مِن أوَّل الدهر من
أصحاب رسول الله® والتابعين بعدهم لم تكن الغيبة عندهم في شيء أعظمَ من
الغيبة في الدِّين؛ لأن عيب الدين أعظمُ العيب، فكلُّ مؤمن يَكره أن يُذكر في دينه أشدَّ
ممَّا يكره في بدنه. وكفى ردًّا لمن قال هذا القولَ قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إذا قلت
في أخيك ما يكره، فقد اغتبته ... )) (٢) الحديث. فمن زعم أن ذلك ليس بغيبة، فقد ردًّ
ما قال النبيُّ # نصًا. وكفى بعموم قول النبيِّ ﴾: «دماؤكم وأموالكم وأعراضكم
عليكم حرام))(٣) وذلك عامٌّ الدِّين والدنيا. وقولِ النبيِّ﴾: (مَن كانت عنده لأخيه
مَظْلِمَة في عِرضه أو ماله، فليتحلَّله منه))(٤). فعمَّ كلَّ عِرْض؛ فمن خصَّ من ذلك شيئاً
دون شيء فقد عارض ما قال النبيُّ ..
الثامنة: لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن على مَن اغتاب أحداً التوبةً(٥) إلى
الله عزَّ وجلَّ. وهل يَستحلُّ المغتابَ؟ اختلف فيه :
(١) سنن أبي داود (٤٨٧٥)، وسنن الترمذي (٢٥٠٢) و(٢٥٠٣)، وسلف في المسألة الرابعة في تفسير
الآية قبلها .
(٢) سلف في المسألة الخامسة .
(٣) هو قطعة من حديث عمرو بن الأحوص أخرجه الترمذي (٢١٥٩) وقال: حديث حسن صحيح .
(٤) سيأتي في المسألة الآتية مطولاً.
(٥) في (م) : وأنه من اغتاب أحداً عليه أن يتوب .

٤٠٦
سورة الحجرات: الآية ١٢
فقالت فرقة: ليس عليه استحلالُه، وإنما هي خطيئةٌ بينه وبين ربه. واحتجَّت بأنه
لم يأخذ من ماله ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك بمظْلِمة يستحلُّها منه،
وإنما المظلِمةُ ما يكون منه البدل والعِوض في المال والبدن.
وقالت فرقة: هي مَظْلِمة، وكفارتُها الاستغفارُ لصاحبها الذي اغتابه. واحتجَّت
بحديث يُروى عن الحسن قال: كفارةُ الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته (١).
وقالت فرقة: هي مَظْلِمةٌ، وعليه الاستحلالُ منها. واحتجَّت بقول النبيِّ ﴾:
((مَن كانت لأخيه عنده مَظْلِمة في عِرض أو مال، فليتحلَّله منه من قبل أن يأتي يوم
ليس هناك دينارٌ ولا درهم، يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ، أُخِذ من
سيئات صاحبه، فزيد على سيئاته)). خرَّجه البخاريُّ من حديث أبي هريرة ﴾ قال:
قال رسول الله ﴾: ((مَنْ كانَتْ له مَظْلِمٌ لأخيه من عِرْضه أو شيءٍ، فليتحلَّلْه منه اليومَ
قبلَ ألَّا يكون(٢) دينارٌ ولا درهم، إن كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بِقَدْر مَظْلِمَتِهِ، وإن
لم يكن له حسناتٌ، أُخِذَ من سيئات صاحبه، فحُمِلَ عليه))(٣).
وقد تقدّم هذا المعنى في سورة آل عمران (٤) عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقد رُوي من حديث عائشة أن امرأة
دخلت عليها، فلما قامت، قالت امرأة: ما أطولَ ذيلَها! فقالت لها عائشة: لقد
اغتبتيها فاستحلِّيها(٥). فدلَّت الآثار عن النبيِّ ◌َ﴾ أنها مَظْلِمة يجب على المغتاب
استحلالُها.
(١) لم نقف عليه وقد أخرجه الحارث في مسنده (١٠٨٠ - بغية الباحث)، والخطيب البغدادي في تاريخه
٣٠٣/٧ من حديث أنس . قال المناوي في فيض القدير ٧/٥: قال الغزالي: وهذا الحديث يحتج
به للحسن في قوله : يكفيك من الغيبة الاستغفار دون الاستحلال .
(٢) بعدها في (م) : له .
(٣) صحيح البخاري (٢٤٤٩)، وسلف ٧٦/٢ .
(٤) ٥/ ٤١٣ - ٤١٤ .
(٥) أخرجه أبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (١٩٣)، والبيهقي في الشعب (٦٧٦٨) بنحوه.

٤٠٧
سورة الحجرات: الآية ١٢
وأمَّا قول مَن قال: إنما الغيبة في المال والبدن، فقد أجمعت العلماء على أن
على القاذف للمقذوف مَظْلِمةً؛ يأخذه بالحدِّ حتى يقيمه عليه، وذلك ليس في البدن
ولا في المال، ففي ذلك دليلٌ على أن الظلم في العِرض والبدن والمال، وقد قال الله
تعالى في القاذف: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. وقد
قال رسول الله ﴾: ((مَن بَهَتَ مؤمنًا بما ليس فيه، حبسه الله في طِينة الخَبال))(١).
وذلك كلُّه في غير المال والبدن.
وأمَّا مَن قال: إنها مَظْلِمة، وكفارةُ المَظْلِمة أن يستغفر لصاحبها، فقد ناقض؛ إذ
سمَّاها مظلمة، ثم قال: كفارتها أن يستغفر لصاحبها؛ لأن قوله: مَظْلِمة، تُثبِت ظُلامة
المظلوم، فإذا ثبتت الظُّلامة لم يُزلها عن الظالم إلا إحلالُ المظلوم له. وأمَّا قولُ
الحسن فليس بحجّة، وقد قال النبيُّ ﴾: ((مَن كانت له عند أخيه مَظْلِمةٌ في عِرْضٍ أو
مالٍ، فليتحللها منه)).
وقد ذهب بعضهم إلى ترك التحليل لمن سأله، ورأى أنه لا يُحلُّ له ما حرَّم الله
عليه، منهم سعيد بن المسيّب قال: لا أحلِّلُ مَن ظلمني. وقيل لابن سيرين: يا أبا
بكر، هذا رجل سألك أن تحلِّله من مَظْلِمةٍ هي لك عنده، فقال: إني لم أحرِّمها عليه
فأُحلَّها، إن الله حرّم الغِيبة عليه، وما كنت لأُحلَّ ما حرّم الله عليه أبدًا(٢) .
وخبرُ النبيِّ * يدلُّ على التحليل، وهو الحجة والمبيِّن. والتحليلُ يدلُّ على
الرحمة، وهو من وجهٍ العفو، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ﴾.
[الشورى: ٤٠].
التاسعة: ليس من هذا الباب غِيبةُ الفاسق المعلِن به المجاهِر، فإن في الخبر:
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٤٣٥)، وأبو نعيم في الحلية ٢١٩/١٠، والبيهقي في الشعب
(٦٧٣٦)، والخطيب البغدادي في تاريخه ٨/ ٢٠٠ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مطولاً وبنحوه.
والخّبال : هو عُصارة أهل النار . النهاية (خبل).
(٢) أورده النحاس في إعراب القرآن ٢١٥/٤.

٤٠٨
سورة الحجرات: الآية ١٢
((مَن ألقى جِلْباب الحياء، فلا غِيبة له))(١). وقال﴾: ((اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره
الناس))(٢). فالغيبة إذًا في المرء الذي يستر نفسه.
ورُويَ عن الحسن أنه قال: ثلاثة ليست لهم حُرْمة: صاحبُ الهوى، والفاسقُ
المعلِن، والإمام الجائر(٣). وقال الحسن لمَّا مات الحجّاج: اللهم أنت أَمتَّه فاقطع
عنا سنته - وفي رواية: شَيْنه - فإنه أتانا أُخَيْفِشَ أُعَيْمِش، يمدُّ بيد قصيرة البَنان، واللهِ
ما عَرِق فيها غبارٌ في سبيل الله، يُرَجِّل جُمَّته، ويَخْطِر في مِشْيته، ويَصْعَد المِنبر فَيَهْدِر
حتى تفوته الصلاة، لا من الله يَتَّقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله، وتحته مئةُ
ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاةَ أيها الرجل. ثم يقول الحسن: هيهات!
حالَ دون ذلك السيفُ والسَّوْط (٤) .
وروى الربيعُ بن صَبيح عن الحسن قال: ليس لأهل البدع غيبة(٥).
وكذلك قولُك للقاضي تستعينُ به على أخذ حقِّك ممن ظلمك، فتقول: فلانٌ
ظلمني، أو: غصبني(٦)، أو: خانني، أو: ضربني، أو: قذفني، أو: أساء إليَّ، ليس
بغيبة. وعلماء الأمة على ذلك مجمِعة. وقال النبيُّ# في ذلك: ((لصاحب الحقِّ
(١) أخرجه البيهقي ٢١٠/١٠، والخطيب البغدادي في تاريخه ٤٣٨/٨ من حديث أنس . قال ابن حجر
في الكافي الشاف ص ١٥٧ : إسناده ضعيف. وأخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ٣٧٧ ، والخطيب
البغدادي في تاريخه ١٧١/٤ من طريق الربيع بن بدر، عن أبان، عن أنس ﴾. قال ابن حجر :
وإسناده أضعف من الأول .
(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢٠٢/١، وابن عدي في الكامل ٥٩٥/٢، والبيهقي ٢١٠/١، والخطيب
البغدادي في تاريخه ٢٨٣/٣ من طريق الجارود بن يزيد، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده . قال
العقيلي : ليس له من حديث بهز أصل ، ولا من حديث غيره ولا يتابع عليه . وقال البيهقي : وقد سرقه
عنه - أي عن الجارود بن يزيد - جماعة من الضعفاء ، فرووه عن بهز بن حكيم، ولم يصح فيه شيء.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٣٥) ، والبيهقي في الشعب (٩٦٦٩).
(٤) الكشاف ٥٦٦/٣، والأخيفش هو تصغير أخفشٍ، وهو من الخَفَشِ، محركة: صغر العين، وضعف
البصر خْلِقة، أو فساد في الجفون بلا وجع. والأعَيْمش هو تصغير أعمش، وهو من العمش، محركة:
ضعف البصر مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات. القاموس (خفش) و(عمش).
(٥) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢٨٠) ، والبيهقي في الشعب (٩٦٧٥).
(٦) في (ف) و(م) : غضبني، وفي (ق): عطبني، والمثبت من (ظ).

٤٠٩
سورة الحجرات : الآية ١٢
مقال)) (١). وقال: ((مَظْلُ الغنيّ ظلم))(٢). وقال: ((لَيُّ الواجد يُحِلُّ عِرْضَه وعقُوبته))(٣).
ومن ذلك الاستفتاء؛ كقول هند للنبيّ﴾: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني
ما يكفيني أنا وولدي، فآخذُ من غير علمه؟ فقال النبيُّ ﴾: ((نعم فخذي)) (٤). فذكرته
بالشُّحِّ والظلم لها ولولدها، ولم يرها مغتابة؛ لأنه لم يغيِّر عليها، بل أجابها عليه
الصلاة والسلام بالفُتْيا لها. وكذلك إذا كان في ذكره بالسوء فائدة؛ كقوله :﴿: ((أمَّا
معاويةُ فصعلوكٌ لا مال له، وأمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه))(٥). فهذا جائز،
وکان مقصودُه ألّا تغترَّ فاطمة بنت قيس بهما. قاله جمیعه المحاسبيُّ رحمه الله.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿مَيْنَا﴾ وقُرِئ ((ميِّئًا)»(٦) وهو نصبٌ على الحال من
اللَّحم. ويجوز أن يُنصب على الأخ.
ولمَّا قرَّرهم عزَّ وجلَّ بأن أحداً منهم لا يحبُّ أكل جيفة أخيه، عَقَّب ذلك بقوله
تعالى: ﴿نگرهتُمًُ﴾(٧) .وفيه وجهان:
أحدهما: فكرهتم أكل الميتة، فكذلك فاكرهوا الغِيبة، رُوي معناه عن مجاهد.
الثاني: فكرهتم أن يغتابكم الناس، فاكرهوا غيبة الناس(٨).
(١) هو قطعة من حديث أبي هريرة # أخرجه أحمد (٩٣٩٠)، والبخاري (٢٣٠٦)، ومسلم (١٦٠١):
(١٢٠).
(٢) أخرجه أحمد (٨٩٣٨)، والبخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف
٢٠١/٧ .
(٣) سلف ٢٥٦/٣، وهو من حديث الشّرِيد بن سويد طه.
(٤) أخرجه البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة رضي الله عنها، وسلف ٢٤٩/٣.
(٥) هو قطعة من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أخرجه أحمد (٢٧٣٢٧)، ومسلم (١٤٨٠) :
(٣٦). وسلف الشطر الثاني منه ٢٨٨/٦ .
(٦) قرأ من السبعة بالتشديد نافع. السبعة ص ٦٠٦، والتيسير ص ١٠٦.
(٧) الكشاف ٣/ ٥٦٨ .
(٨) النكت والعيون ٣٣٥/٥.

٤١٠
سورة الحجرات: الآيتان ١٢ - ١٣
وقال الفراء: أي: فقد كرهتموه فلا تفعلوه(١). وقيل: لفظه خبر، ومعناه أمر،
أي: اكرهوه .
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ عطف عليه. وقيل: عطف على قوله: ((اجْتَنِبُوا. وَلَا تَجَسَّسُوا)).
﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَكَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُ مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣)﴾
فيه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿يََّا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَى﴾ يعني آدمَ وحواء.
ونزلت الآية في أَبي هند، ذكره أبو داود في (المراسيل)): حدثنا عمرو بن عثمان
وكثير بن عبيد قالا: حدَّثنا بقيَّة بنُ الوليد [حدثني الزُّبيدي] قال: حدثني الزُّهري قال:
أمر رسول الله # بني بَياضَة أن يزوِّجوا أبا هندٍ امرأةً منهم، فقالوا لرسول الله ﴾:
نزوِّج بناتِنا موالينا؟! فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَّكَرٍ وَأَنْتَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا﴾
الآية. قال الزُّهري: نزلت في أبي هندٍ خاصَّة(٢).
وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شَمَّاس، وقولِه في الرجل الذي لم يتفسَّح
له: ابن فلانة، فقال النبيُّ ﴾: ((مَن الذاكر فلانة؟)) قال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال
النبيُّ#: ((انظر في وجوه القوم)) فنظر، فقال: ((ما رأيت؟)) قال: رأيت أبيضَ وأسود
وأحمر، فقال: ((فإنك لا تَفْضُلهم إلا بالتقوى)). فنزلت في ثابت هذه الآية (٣). ونزلت
(١) معاني القرآن للفراء ٧٣/٣ .
(٢) المراسيل (٢٣٠) وما بين حاصرتين منه. وسيرد في آخر المسألة السابعة من حديث عائشة رضي الله
عنها.
(٣) أورده الواحدي في أسباب النزول ص ٤١٧، والبغوي في تفسيره ٢١٧/٤ ونسباه لابن عباس
رضي الله عنهما، وسلف في الآية (١١) في المسألة الثانية قصة ثابت بن قيس مع هذا الرجل مطولة،
لكن دون قول النبي #.

٤١١
سورة الحجرات: الآية ١٣
في الرجل الذي لم يتفسَّح له: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَحُواْ فِى الْمَجَرِسِ﴾
[المجادلة: ١١] الآية (١).
قال ابن عباس: لمَّا كان يوم فتح مكة، أمر النبيُّ # بلالاً حتى علا على ظهر
الكعبة فأذَّن، فقال عتَّاب بن أَسِيد بنِ أبي العِيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا
يرى هذا اليوم. قال الحارث بن هشام: ما وجد محمدٌ غير هذا الغراب الأسود مؤذِّنًا.
وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيِّره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً،
أخاف أن يُخبِرَ به ربُّ السماء، فأتى جبريلُ النبيَّ ﴾ وأخبره بما قالوا، فدعاهم
وسألهم عمَّا قالوا: فأقرُّوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. زجرهم عن التفاخر
بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء، فإن المدار على التقوى(٢). أي:
الجميعُ من آدم وحوَّاء، إنما الفضل بالتقوى .
وفي الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله 4 خطب بمكة فقال: ((يا أيها الناس،
إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة(٣) الجاهلية وتعاظُمَها بآبائها. فالناس رجلان: رجلٌ بَرِّ
تَفيِّ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٍّ هيِّن على الله. والناس بنو آدم وخلق الله آدم من
تراب، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَفْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيْرٌ﴾)). خرَّجه من حديث عبد الله بن
جعفر والدٍ عليٍّ بن المديني وهو ضعيف، ضعَّفه يحيى بن معين وغيره(٤).
وقد خرَّج الطبري في كتاب ((آداب النفوس)): وحدَّثني يعقوب بن إبراهيم قال:
(١) سيرد في تفسير الآية المذكورة في المسألة الأولى .
(٢) أورده الواحدي في أسباب النزول ص ٤١٧، والبغوي في تفسيره ٢١٧/٤ ونسباه لمقاتل .
(٣) في (ظ) : غيبة، وفي (ق) و(م): عيبة، وهو خطأ. و((عُبِّيَّة)) بضم العين المهملة وكسرها، وكسر
الموحدة وفتح التحتية المشددتين، يعني الكبر. النهاية (عبب).
(٤) سنن الترمذي (٣٢٧٠) وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر
إلا من هذا الوجه. اهـ. وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٨٧٣٦)، وأبو داود (٥١١٦)،
والترمذي (٣٩٥٥)، و(٣٩٥٦).

٤١٢
سورة الحجرات: الآية ١٣
حذَّثنا إسماعيل قال: حدَّثنا سعيدٌ الجُرَيري، عن أبي نضرة قال: حدَّثني أو حذَّثنا مَن
شهد خُطَب رسول الله ﴾ بمنّى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال: ((أيها
الناس، أَلا إنَّ ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألَّا لا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا
لعجميٍّ(١) على عربي، ولا لأسودَ على أحمرَ، ولا لأحمر على أسود؛ إلا بالتقوى،
ألا هل بلَّغت؟ قالوا: نعم. قال: ليبلِّغ الشاهدُ الغائب)»(٢).
وفيه عن أبي مالك(٣) الأشعري قال: قال رسول الله﴾: ((إن الله لا ينظر
إلى أحسابكم (٤)، ولا إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم،
فمن كان له قلبٌ صالح، تحثَّن الله عليه، وإنما أنتم بنو آدم وأحبُّكم إليه أتقاكم))(٥).
ولعليٍّ ﴾ في هذا المعنى وهو مشهورٌ من شعره:
أبوهمُ آدمُ والأمُّ حواءُ
الناس في (٦) جهة التمثيل أكفاءُ
وأعظُمٌ خُلقتْ فيهم وأعضاءُ
نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مشاكلةٌ
يفاخرون به فالطينُ والماءُ
فإن يكن لهُم من أصلهمْ حسبٌ
على الهُدَى لمن استَهْدى أدِلَّاءُ
ما الفضلُ إلا لأهل العلم إنهمُ
وللرجال على الأفعال سيماءُ
وقَدْرُ كلِّ امرئ ما كان يحسنُه
(١) في (م) : ولا عجمي .
(٢) وأخرجه أحمد (٢٣٤٨٩)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١٠٠ من طريق سعيد الجريري به.
(٣) في (م) : عن مالك ، وهو خطأ.
(٤) بعدها في (م) : ولا إلى أنسابكم .
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٤٥٦)، وفي مسند الشاميين (١٦٧٨) عن أبي مالك الأشعري،
وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عباس عن أبيه. قال أبو حاتم - كما في تهذيب التهذيب - : لم يسمع
من أبيه شيئاً ، حملوه على أن يحدث فحدث. وقال ابن حجر في التقريب : عابوا عليه أنه حدث
عن أبيه بغير سماع. اهـ وفي صحيح مسلم (٢٥٦٤) عن أبي هريرة أن رسول اللـه ﴾ قال: ((إن الله لا
ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) وسلف في المسألة الرابعة من تفسير
الآية (١١) ..
(٦) في (م): من.

٤١٣
سورة الحجرات: الآية ١٣
والجاهلون لأهل العلم أعداءُ(١)
وضدّ كل امرئ ما كان يجهله
الثانية: بَيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، وكذلك
في أوّل سورة النساء(٢). ولو شاء لخلقه دونهما؛ كخلقه لآدمَ، أو دون ذَكَر؛ كخلقه
لعيسى عليه السلام، أو دون أنثى؛ كخلقه حواءَ من إحدى الجهتين. وهذا الجائز في
القدرة لم يَرِد به الوجود. وقد جاء أن آدم خلق الله منه حوَّاء من ضلع انتزعها من
أضلاعه، فلعله هذا القسم. قاله ابن العربي(٣).
الثالثة: خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنساباً وأصهارًا وقبائلَ وشعوبًا،
وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل؛ للحكمة التي قدَّرها وهو أعلمُ
بها، فصار كلُّ أحد يحوز نسبه، فإذا نفاه رجل عنه استوجب الحدَّ بقذفه [له]، مثل
أن ينفيه عن رهطه وحسبه (٤)، بقوله للعربي: يا أعجمي، وللعجمي: يا عربي؛ ونحو
ذلك مما يقع به النفي حقيقة، انتهى.
الرابعة: ذهب قوم من الأوائل إلى أنَّ الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده،
ويتربَّى في رحم الأم، ويستمدُّ من الدم الذي يكون فيه. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَّ
تَخْلُفَكُم مِّن مَّآءٍ شَهِينٍ. فَجَعَلْنَهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠-٢١]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ
نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]. وقولِه: ﴿أَلَّ ◌َكُ نُطْفَةُ مِّنْ شَِّيّ يُعْنَى﴾
[القيامة: ٣٧]. فدلَّ على أن الخَلْق من ماء واحد.
والصحيح أن الخَلْق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية، فإنها
(١) وقع في ديوان علي ص٥ ، البيت الأول والثالث والرابع، وبيت آخر ملفق من الشطر الأول من
الخامس والشطر الثاني من السادس. وكذا ذكرها الخطيب البغدادي في تاريخه ٣٩١/٤ قال: أنشدها
أبو عبد الرحمن مؤذن المأمون. والجرجاني في أسرار البلاغة ص٢٢٩ ونسبها لمحمد بن الربيع
الموصلي .
(٢) ٦/ ٦ .
(٣) في أحكام القرآن ١٧١٣/٤ وما بعده منه.
(٤) وقع في أحكام القرآن لابن العربي ١٧١٣/٤ : وجنسه.

٤١٤
سورة الحجرات: الآية ١٣
نصٌّ لا يحتمل التأويل. وقولِه تعالى: ﴿خُلِقَ مِن ◌َّوِ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ اُلْقُلْبِ وَاُلََّآيِ﴾
[الطارق: ٦-٧]. والمراد منه أصلابُ الرجال وترائبُ النساء، على ما يأتي بيانه .
وأمَّا ما احتجُّوا به فليس فيه أكثر من أن الله تعالى ذكر خلق الإنسان من الماء
والسُّلالةِ والنطفةِ، ولم يُضِفها إلى أحد الأبوين دون الآخر. فدلَّ على أن الماء
والسُّلالة لهما، والنطفةً منهما بدلالة ما ذكرنا. وبأن المرأة تُمْني كما يُمْني الرجل،
وعن ذلك يكون الشَّبَه، حسب ما تقدَّم بيانه في آخر ((الشورى))(١). وقد قال في قصة
نوح: ﴿فَلْنَفَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]، وإنما أراد ماءَ السماء وماء الأرض؛
لأن الالتقاء لا يكون إلا من اثنين، فلا يُنكَر أن يكون ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسَلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن
مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] وقوله تعالى: ﴿أَلَّ ◌َخْلُفْكُم مِّن ◌َّآءِ تَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ويريد
ماءين. والله أعلم.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ الشعوب رؤوس القبائل،
مثل ربيعة ومُضَر، والأوْس والخَزْرَج، واحدُها شَعْب بفتح الشين، سُمُّوا به لتشعُبهم
واجتماعهم كشُعَب أغصان الشجرة. والشَّعْب من الأضداد(٢)، يقال: شعبته إذا
جمعته، ومنه المِشْعَب - بكسر الميم - وهو الإِشْفَى(٣)؛ لأنه يُجمع به ویشعب. قال:
فَكَابٍ على حُرِّ الجبين ومُثَّقٍ بِمَدْرِيَةٍ كأنه ذَلْقُ مِشْعَبٍ(٤)
وشَعَبتُه: إذا فرَّقتَه، ومنه سُمِّيت المنيَّةِ شَعُوب(٥)، لأنها مفرِّقة. فأما الشّعب
- بالكسر - فهو الطريق في الجبل؛ والجمع الشِّعاب .
(١) عند تفسير الآية (٤٨) منها.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٢١٧ .
(٣) الإشفى: السِّراد، وهو ما يُحزز به. القاموس (شفى).
(٤) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٥٢ ، وقوله: الكابي أي: الساقط على وجهه . والمدرية:
القرن. وذلق كل شيء: حدُّه. والمعنى أن من الثيران ما قد صرع، ومنها ما يتقى بقرن حديد كحدٍّ
الإشفى . شرح الديوان.
(٥) في (م): شعوباً، وهو خطأ. وشَعُوبُ: علم على المَنِيَّة، غير مصروف. ينظر القاموس (شعب).

٤١٥
سورة الحجرات: الآية ١٣
قال الجوهري: الشِّعب: ما تشعَّب من قبائل العرب والعجم، والجمع الشعوب.
والشُّعُوبية: فرقةٌ لا تفضِّل العرب على العجم. وأمَّا الذي في الحديث: أن رجلاً من
الشُّعوب أسلم(١)؛ فإنه يعني من العجم. والشَّعْب: القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل
الذي ينسبون إليه، أي: يجمعهم ويضمهم (٢) .
قال ابن عباس: الشُّعوب: الجمهور، مثل مضر، والقبائل: الأفخاذ(٣)، وقال
مجاهد : الشُّعوب البعيدُ من النسب، والقبائل دون ذلك(٤). وعنه أيضاً: أن الشعوب
النسب الأقرب. وقاله قتادة(٥). ذكر الأوّل عنه المهدويُّ، والثاني الماوردي(٦). قال
الشاعر :
رأيت سعوداً من شعوب كثيرة
فلم أر سعداً مثلَ سعدِ بنِ مالك (٧)
وقال آخر :
كريمٌ قد يُعَدُّ ولا نجيبُ(٨)
قبائلُ من شُعوب ليس فيهمْ
وقيل: إن الشُّعوب عَرَبُ اليمن من قحطان، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر
عدنان. وقيل: إن الشُّعوب بطونُ العجم؛ والقبائل بطونُ العرب(٩). وقال ابن عباس
(١) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٢٢)، والبيهقي ١٩٩/٩ من حديث مسروق، وتمام الحديث : فكانت
تؤخذ منه الجزية ، فأتى عمرَ ه فأخبره ، فكتب أن لا يؤخذ منه الجزية .
(٢) الصحاح (شعب) .
(٣) تفسير أبي الليث ٢٦٦/٣، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ٩٨/٦ لعبد بن حميد وابن مردويه.
وأخرجه الطبري ٣٨٤/٢١ بلفظ: الشعوب الجُمَّاعِ ... والجُمَّاع : القبائل العظام كما فسرها أحد الرواة.
وأخرج البخاري (٣٤٨٩) عن ابن عباس بلفظ : الشعوب القبائل العظام، والقبائل البطون .
(٤) تفسير مجاهد ٢/ ٦٠٨ .
(٥) أخرجه الطبري ٣٨٥/٢١ .
(٦) في النكت والعيون ٣٣٦/٥ القول الأول عن مجاهد وقتادة لا الثاني.
(٧) البيت لطَرَفَة بن العبد وهو في ديوانه ص ٧٢ ، وفيه : فلم تر عيني ، بدل : فلم أر سعداً .
(٨) أورده الماوردي في النكت والعيون ٣٣٦/٥ .
(٩) المصدر السابق .

٤١٦
سورة الحجرات: الآية ١٣
في رواية: إن الشُّعوب الموالي، والقبائل العرب(١). قال القُشَيْري: وعلى هذا؛
فالشُّعوب مَن لا يُعرف لهم أصل [ولا] نسبٌ؛ كالهند والحبش(٢) والترك، والقبائل
من العرب. الماوردي: ويحتمل أن الشُّعوب هم المضافون إلى النواحي والشِّعاب،
والقبائل هم المشتركون في الأنساب. قال الشاعر:
وتفرَّقوا شُعَبًا فكلُّ جزيرةٍ
فيها أميرُ المؤمنين ومِنبرُ
وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه: الشَّعب أكبر من القبيلة، ثم الفصيلة،
ثم العِمارة، ثم البطن، ثم الفَخِذ(٤). وقيل: الشّعب، ثم القبيلة، ثم العِمارة، ثم
البطن، ثم الفَخِذ، ثم الفصِيلة(٥)، ثم العَشيرة، وقد نَظمها بعض الأدباء فقال:
عددًا في الجِواء (٦) ثم القبِيله
اقصد الشَّعب فهو أكثر حَيٍّ
بطن والفخذُ بعدها والفصيله
ثم تتلوها العِمارةُ ثم الـ
هي في جنب ما ذكرنا قليله
ثم مِن بعدها العشيرةُ لكن
وقال آخر :
عِمارةٌ ثم بَظْنٌ تِلْوُهُ فَخِذُ
قبِيلةٌ قبلها شَعْبٌ وبعدهما
ولا سَدادَ لِسَهْم مالَه قُذَةُ(٧)
وليس يُؤوي الفتى إلا فصيلتُه
(١) الوسيط ٤ /١٥٨.
(٢) في (ظ) : والخيل ، وفي (ف) و(م): والجبل ، وفي الوسيط للواحدي ١٥٨/٤ - والكلام فيه دون
نسبة ــ : الجيل ، والمثبت من (ق)، وما بين حاصرتين من الوسيط.
(٣) النكت والعيون ٣٣٦/٥ .
(٤) الصحاح (شعب) .
(٥) الكشاف ٥٦٩/٣، والمحرر الوجيز ١٥٣/٥.
(٦) الجواء : جماعة بيوت الناس إذا تدانت ، والعرب تقول لمجتمع بيوت الحي: محتوى ومَحوى
وجواء. ينظر اللسان (حوا).
(٧) أورد هذه الأبيات الخمسة الآلوسي في روح المعاني ١٦٢/٢٦، والقُذَذ جمع قُذَّة: وهو ريش السهم.
القاموس (قدذ) .

٤١٧
سورة الحجرات: الآية ١٣
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ وقد تقدّم في سورة
الزخرف(١) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤].
وفي هذه الآية ما يدلّك على أن التقوى هي المُراعى عند الله تعالى وعند رسوله
دون الحسب والنسب .
وقُرِئ: ((أنَّ)) بالفتح. كأنه قيل: لِمَ لا(٢) يُتفاخر بالأنساب؟ قيل: لأن أكرمكم
عند الله أتقاكم لا أنسبكم(٣) .
وفي الترمذي عن سَمُرَة، عن النبيِّ﴿ قال: ((الحَسَبُ المال، والكرم التقوى)).
قال: هذا حديث حسن غريب صحيح(٤). وذلك يرجع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُرْ
عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾، وقد جاء منصوصًا عنه عليه الصلاة والسلام: ((مَن أحبَّ أن يكون
أكرمَ الناس، فليتق الله))(٥). والتقوى: معناه مراعاةُ حدود الله تعالى أمرًا ونهيًا،
والاتصافُ بما أمرك أن تتصف به، والتنزهُ عما نهاك عنه. وقد مضى هذا في غير
موضع.
وفي الخبر من رواية أبي هريرة عن النبيِّ ﴾: ((إن الله تعالى يقول يوم القيامة:
إني جعلت نَسَبًا وجعلتم نَسَبًا، فجعلتُ أكرمكم أتقاكم، وأبيتم إلا أن تقولوا: فلان
ابن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، أين المتقون، أين المتقون)) (٦).
وروى الطبريُّ من حديث أبي هريرة أن رسول اللـه﴾ قال: ((إن أوليائي المتقون
يوم القيامة ، وإن كان نسبٌ أقربَ من نسب. [لا] يأتي الناس بالأعمال؛ وتأتون
(١) ص٥٣ من هذا الجزء.
(٢) لفظة: لا ، من (ف) و(ق) .
(٣) الكشاف ٣/ ٥٦٩ .
(٤) سنن الترمذي (٣٢٧١)، وسلف ٣٦٠/٣.
(٥) قطعة من حديث طويل لابن عباس رضي الله عنهما أخرجه العُقيلي في الضعفاء ٤/ ٣٤٠، وأبو نعيم
في الحلية ٢١٨/٣ . قال العقيلي : ليس لهذا الحديث طريق يثبت.
(٦) أخرجه الحاكم ٤٦٤/٢، والبيهقي في الشعب (٥١٣٩).

٤١٨
سورة الحجرات: الآية ١٣
بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمد، فأقول هكذا وهكذا)». وأغْرَض في
كُلِّ عِظْفَيْه(١).
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﴾.
جِهارًا غيرَ سِرِّ يقول: ((إن آل أبي ليسوا لي بأولياء، إنما وَلِيِّي اللهُ وصالحُ
المؤمنين))(٢).
وعن أبي هريرة أن النبيَّ ◌َ﴿ سُئل: مَن أكرم الناس؟ فقال: ((يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ
إسحاق بن إبراهيم)). قالوا: ليس عن هذا نسألُك، قال: ((فأكرمهم عند الله أتقاهم))
فقالوا: ليس عن هذا نسألك، فقال: ((عن معادن العرب؟ خيارُهم في الجاهلية
خيارُهم في الإسلام إذا فَقُهُوا))(٣). وأنشدوا في ذلك:
والعِزُّ كلُّ العِزِّ للمُثَّقي
ما يصنع العبد بعِزِّ الغنى
معرفةُ الله فذاك الشَّقي(٤)
مَن عرف الله فلم تغنه
السابعة: ذكر الطبري حدَّثني عمر بن محمد قال: حدَّثنا عبيد بن إسحاق العطار
قال: حدَّثنا مندل بن عليٍّ، عن ثور بن يزيد، عن سالم بن أبي الجعد قال: تزوَّج
رجل من الأنصار امرأة، فطُعِن عليها في حَسَبِها، فقال الرجل: إني لم أتزوَّجها
لِحَسَبها، إنما تزوَّجتها لدينها وخُلُقها، فقال النبيُّ ◌َ﴾: «ما يضرُّك ألا تكون من آل
حاجب بن زرارة)). ثم قال النبيُّ ﴾: ((إن الله تبارك وتعالى جاء بالإسلام، فرفع به
الخسيسة، وأتمَّ به الناقصة، وأذهب به اللَّوم، فلا لوم على مسلم، إنما اللَّوم لَوْمُ
(١) لم نقف عليه عند الطبري ، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٩٧)، وابن أبي عاصم في السنة
(٢١٣) وما بين حاصرتين منهما. ووقع في (ظ) و(ف): كلى (كذا)، ولعلها: كِلا (بالألف الممدودة)
كما وقع في الأدب المفرد: في كلا عطفيه. والعِطف : الجانب ، وعطفا كل شيء : جانباه . القاموس
(عطف).
(٢) صحيح مسلم (٢١٥)، وهو عند البخاري (٥٩٩٠)، وسلف ٨١/٢ .
(٣) أخرجه أحمد (٩٥٦٨)، والبخاري (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨).
(٤) لم نقف عليهما .

٤١٩
سورة الحجرات: الآية ١٣
الجاهلية)).(١) وقال النبيُّ ﴾: ((إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما
أتقي)) (٢) ولذلك كان أكرمَ البشر على الله تعالى.
قال ابن العربي: وهذا الذي لحظ مالك في الكفاءة في النكاح. روى عبد الله
عن مالك: يتزوَّج المَوْلى العربية، واحتجَّ بهذه الآية. وقال أبو حنيفة والشافعي:
يُراعى الحَسَب والمال. وفي الصحيح عن عائشةَ أن أبا حذيفةَ بنَ عتبةَ بنِ ربيعة
- وكان ممن شهد بدراً مع النبيِّ ﴾ ـ تبنَّى سالماً، وأنكحه هنداً بنتَ أخيه الوليدِ بن
عتبة بن ربيعة، وهو مولّى لامرأة من الأنصار(٣). وضُباعة بنت الزبير كانت تحت
المقداد بن الأسود (٤).
قلت: وأختُ عبد الرحمن بن عوف كانت تحت بلال، وزينبُ بنتُ جحش كانت
تحت زيد بن حارثة(٥). فدلَّ على جواز نكاح الموالي العربية، وإنما تُراعى الكفاءة
في الدِّين. والدليلُ عليه أيضًا ما روى سهل بن سعد في صحيح البخاري أن النبيَّ ◌َ##
مَرَّ عليه رجل فقال: ((ما تقولون في هذا؟)) فقالوا: حَريٌّ إن خطب أن يُنْكَحِ، وإن
شَفَع أن يُشَفَّع، وإن قال أن يُسْمَع. قال: ثم سكت، فمرَّ رجل من فقراء المسلمين
فقال: ((ما تقولون في هذا؟)) قالوا: حَريٌّ إن خطب ألَّ يُنْكَح، وإن شَفَع ألَّا يُشَفَّع،
وإن قال ألَّا يُسْمع. فقال رسول الله ﴾: «هذا خَيرٌ من مِلءِ الأرض مثلَ هذا)) (٦).
وقال : ((تُنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها - وفي رواية: ولحسبها - فعليك
بذات الدِّين تَرِبَتْ يداك))(٧).
وقد خطب سلمانُ إلى أبي بكر ابنته فأجابه، وخطب إلى عمر ابنته فالتَوی علیه،
(١) لم نقف عليه .
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٤٣٨٥)، ومسلم (١١١٠) عن عائشة رضي الله عنها.
(٣) صحيح البخاري (٤٠٠٠) .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧١٣/٤ - ١٧١٤ .
(٥) سلف هذا الكلام ١٧ / ١٥٢ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٧١٤/٤، والحديث في صحيح البخاري (٥٠٩١).
(٧) أخرجه البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦) من حديث أبي هريرة ، وسلف ٤٥/٥ .

٤٢٠
سورة الحجرات: الآيتان ١٣ - ١٤
ثم سأله أن يَنكحها فلم يفعل سلمان. وخطب بلال بنتَ البكير فأبى إخوتها، فقال
بلال: يا رسول الله، ماذا لقيت من بني البكير! خطبت إليهم أختهم فمنعوني
وآذَوني، فغضب رسول الله ﴾ من أجل بلال، فبلغهم الخبر، فأَتَوا أختهم فقالوا:
ماذا لقينا من سببك؟ فقالت أختهم: أمري بيد رسول اللـه *؛ فزوَّجوها [بلالاً](١).
وقال النبي 18 في أبي هند حين حجمه: ((أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه)). وهو
مولى بني بياضة(٢).
وروى الدَّارَ قُطنيُّ(٣) من حديث الزُّهْريِّ عن عُرْوَةً عن عائشةَ أن أبا هند مولى بني
بياضة كان حجَّاماً، فحجم النبيَّ #، فقال النبيُّ ﴾: ((مَن سرَّه أن ينظر إلى مَن صوَّر
الله الإيمان في قلبه، فلينظر إلى أبي هند)). وقال رسول الله ﴾: ((أنكحوه وأنكحوا
إلیه)).
قال القشيري أبو نصر: وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح، وهو الاتصال
بشجرة النبوّة، أو بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أو بالمرموقين في الزُّهد والصلاح.
والتقيُّ المؤمن أفضلُ من الفاجر النسيب، فإن كانا تَقِيَّيْن؛ فحينئذ يُقدَّم النسيب
منهما، كما يُقدَّم الشيخ على الشاب(٤) في الصلاة إذا استويا في التقوى.
قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
الْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُم مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
نزلت في أعراب من بني أسد بنٍ خُزيمة؛ قَدِموا على رسول اللـه :8﴾ في سنة
جَذْبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧١٤/٤، وما بين حاصرتين منه، ووقع فيه: فزوجها، بدل: فزوجوها،
ولم نقف على هذا الخبر في مصادر التخريج.
(٢) المصدر السابق، وأخرجه أبو داود (٢١٠٢)، وابن حبان (٤٠٦٧) من حديث أبي هريرة ﴾ ، وسلف
نحوه عن الزُّهري مرسلاً. في المسألة الأولى.
(٣) في سننه (٣٧٩٣) .
(٤) في (م) : كما يقدم الشاب على الشيخ!