Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة الفتح: الآية ٢٩ الحديبية أشدَّاءُ على الكفار، أي: غلاظُ عليهم كالأَسد على فريسته (١). وقيل: المراد بـ(الَّذِينَ مَعَهُ)) جميع المؤمنين. ﴿رُجَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يرحم بعضهم بعضاً. وقيل: متعاطفون متوادُّون(٢). وقرأ الحسن: ((أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفارِ رُحَماءَ بينهم)) بالنصب على الحال(٣)، كأنَّه قال: والذين معه في حال شدَّتهم على الكفار وتراحمهم بينهم ﴿تَرَهُمْ رُكَّعَا سُجَّدًا﴾ إخبارٌ عن كثرة صَلاتهم. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنَاً﴾ أي: يطلبون الجنَّةَ ورضا الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِ رُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ السِّيما: العلامة؛ وفيها لغتان: المدُّ والقصر، أي: لاحت علاماتُ التهجّد بالليل وأمارات السهر. وفي سنن ابن ماجه قال: حدَّثنا إسماعيل بن محمد الطَّلحِيُّ قال: حدّثنا ثابت بن موسى أبو يزيد، عن شَريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﴾: ((مَنْ كَثُرتْ صلاته بالليل، حَسُنَ وجهُه بالنهار)) (٤). وقال ابن العربي(٥): ودَسَّه قومٌ في حديث النبيِّ ◌َ﴾ على وجه الغلط، وليس عن النبيِّ # فيه ذكرٌ بحرف . وقد روى ابن وهب عن مالك: ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ذلك مما يتعلَّق بجباههم من الأرض عند السجود؛ وبه قال سعيد بن جبير. وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ ﴾: صلَّى صبيحةً إحدى وعشرينَ من رمضان، وقد وَكَفَ المسجدُ (١) الوسيط للواحدي ٤ / ١٤٦. (٢) تفسير البغوي ٤ / ٢٠٦ . (٣) القراءات الشاذة ص١٤٣، والمحتسب ٢٧٦/٢. (٤) سنن ابن ماجه (١٣٣٣). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الكافي الشاف ص ١٥٤: واتفق أئمة الحديث وابن عدي والدار قطني والعقيلي وابن حبان والحاكم على أنه من قول شريك قاله لثابت لما دخل. وقال ابن عدي: سرقه جماعة من ثابت كعبد الله بن شبرمة الشريكي وعبد الحميد بن بحر وغيرهما. (٥) في أحكام القرآن ١٦٩٨/٤ - ١٦٩٩ . ٣٤٢ سورة الفتح: الآية ٢٩ وكان على عريش؛ فانصرف النبيُّ # من صلاته وعلى جبهته وأرنبته أثرُ الماء والطين(١). وقال الحسن: هو بياضٌ يكون في الوجه يومَ القيامة(٢). وقاله سعيد بن جبير أيضاً، ورواه العَوفيُّ عن ابن عباس(٣)، وقاله الزهري(٤). وفي الصحيح عن رسول الله 8) من حديث أبي هريرة، وفيه: ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أنْ يُخِرِجَ برحمته من أراد من أهل النار؛ أمر الملائكةَ أن يُخرجوا من النار مَن كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد اللهُ أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم(٥) بأثر السجود، تأكل النارُ ابنَ آدمَ إلا أثرَ السجود، حرَّم الله على النار أن تأكلَ أثرَ السجود))(٦). وقال شَهْرُ بن حَوْشَب : يكون موضعُ السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر(٧). وقال ابنُ عباسٍ ومجاهد: السِّيما في الدنيا، وهو السّمْتُ الحسن. وعن مجاهدٍ أيضاً: هو الخشوع والتواضع. قال منصور: سألتُ مجاهداً عن قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم﴾ أهو أثرٌ يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا؛ ربما يكون بين عيني الرجل مثلُ رُكْبة العَنْز، وهو أقسى قلباً من الحجارة، ولكنَّه نورٌ في وجوههم من الخشوع(٨). (١) صحيح البخاري (٢٠١٨)، وصحيح مسلم (١١٦٧): (٢١٣) من حديث أبي سعيد الخدري ، وهو عند أحمد (١١١٨٧). ومعنى وَكف: قطر. الصحاح (وكف). (٢) أخرجه الطبري ٣٢٣/٢١. (٣) رواية العوفي عن ابن عباس في تفسير البغوي ٢٠٦/٤ . (٤) في (ز) و(ف) و(ق) و(م): قاله. دون واو. والمثبت من (خ) و(ظ) ورواية الزهري ذكرها الواحدي في الوسيط ٤/ ١٤٦ . (٥) لفظة: يعرفونهم. ليس في (ز) و(ق) و(م). (٦) قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (٧٧١٧)، والبخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢). (٧) تفسير البغوي ٢٠٦/٤ . (٨) أخرج أقوالهم الطبري ٣٢٣/٢١-٣٢٤. ٣٤٣ سورة الفتح: الآية ٢٩ وقال ابن جُريج: هو الوقار والبهاء. وقال شِمْر بن عطية: هو صفرةُ الوجه من قيام الليل(١). قال الحسن: إذا رأيتَهم حسبتهم مرضى، وما هم بمرضى. وقال الضَّحَّاك: أمَا إِنَّه ليس بالنَّذْب في وجوههم، ولكنَّه الصُّفرة(٢). وقال سفيان الثَّوريُّ: يصلُّون بالليل، فإذا أصبحوا رُؤي ذلك في وجوههم؛ بيانه قولُهُ ﴾: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)). وقد مضى القول فيه آنفاً. وقال عطاء الخُراسانيُّ: دخل في هذه الآية كلُّ من حافظ على الصلوات (٣) الخمس(٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُّهُمْ فِ التَّوْرَةِّ وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنِيلِ﴾ قال الفرَّاء(٤): فيه وجهان، إن شئتَ قلتَ: المعنى: ذلك مَثَلُهم في التوراة وفي الإنجيل أيضاً؛ كمثلهم في القرآن؛ فيكون الوقف على ((الإنْجِيل)). وإن شئت قلت: تمامُ الكلام: ذلك مَثَلهم في التوراة. ثم ابتدأ فقال: ومَثَلُهم في الإنجيل(٥). وكذا قال ابن عباس وغيره: هما مَثَلان؛ أحدهما في التوراة، والآخر في الإنجيل؛ فيوقف على هذا على ((الثَّورَاةِ))(٦). وقال مجاهد: هو مَثَل واحد (٧)؛ يعني أنَّ هذه صفتُهم في التوراة والإنجيل، فلا يوقف على ((الثَّورَاةِ)) على هذا، ويوقف على ((الإنْجِيل))، ويَبتدئ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَهُ﴾ على معنى: وهُم كزرعٍ. (١) أخرجه الطبري ٣٢٥/٢١ بلفظ: تَهِيُّج. بدل: صفرة. (٢) تفسير البغوي ٢٠٦/٤. (٣) تفسير البغوي ٢٠٦/٤ . (٤) في معاني القرآن ٦٩/٣ . (٥) إيضاح الوقف والابتداء ٩٠١/٢ ، وكلام الفراء السالف منه. (٦) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ١٤٢/٥ دون نسبته إلى ابن عباس. (٧) أخرجه الطبري ٣٢٩/٢١ . ٣٤٤ سورة الفتح: الآية ٢٩ و((شَطأَهُ)) يعني فراخه وأولاده، قاله ابن زيد وغيره (١). وقال مقاتل: هو نبتٌ واحد، فإذا خرج ما بعده فقد شَطَأَه(٢). قال الجوهريُّ: شَظْءُ، الزرع والنبات: فراخُهُ، والجمعُ: أشطاء. وقد أشطأ الزرعُ: خرج شَطؤه. قال الأخفش في قوله: ((أخْرَجَ شَطاًهُ)) أي: طَرَفَه(٣). وحكاه الثعلبي عن الكسائي. وقال الفراء: أشطأ الزرعُ فهو مُشطِئٌ، إذا خرج. قال الشاعر: أخرج الشَّطءَ على وجه الشَّرى ومن الأشجار أفنانَ الثمرُ(2) الزَّجَّاج(٥): أخرج شطأه، أي: نباته. وقيل: إنَّ الشَّطءَ شوكُ السُّنْبُل، والعرب أيضاً تسمِّيه: السَّفَا، والبُهْمَى(٦)، قاله قُظْرُب. وقيل: إنَّه السنبل، فيخرج من الحبة عشرُ سنبلاتٍ وتسعٌ وثمان؛ قاله الفرَّاء(٧)، حكاه الما ورديُّ(٨) . وقرأ ابن كثير وابن ذَكوان: ((شَطَأه)) بفتح الظَّاء، وأَسكنَ الباقون(٩). وقرأ أنسٌ ونصرُ بن عاصم وابنُ وثَّاب: «شَطَاه)»، مثل: عصاه(١٠). وقرأ الجحدريُّ وابن أبي - (١) أخرجه الطبري ٣٣٠/٢١. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٠٦ . (٣) الصحاح (شطأ). (٤) البيت للزبير بن العوام ﴾. وهو في جمهرة أشعار العرب ١٣٩/١، وفيه: يخرج. بدل: أخرج. (٥) في معاني القرآن ٢٩/٥ . (٦) في النسخ الخطية: السفا والبهم، والمثبت من النكت والعيون والكلام منه. وقال في الصحاح: السَّفا: شوك البُهْمى، ونحوه في (م). وقال في القاموس: السَّفا: كل شجر له شوك. والبُهْمَى: هو نبت (يشبه الشعير) تَجِد به الغنم وجداً شديداً ما دام أخضر، فإذا يبس هرَّ شوكه وامتنع. تهذيب اللغة ٣٣٩/٦. (٧) في معاني القرآن ٦٩/٣ . (٨) في النكت والعيون ٣٢٣/٥ . (٩) السبعة ص ٦٠٤، والتيسير ص٢٠٢ . (١٠) نسب هذه القراءة ابنُ جني في المحتسب ٢٧٧/٢ لعيسى الهمداني، ونسبها أبو حيان في البحر ٨/ ١٠٢ لزيد بن علي. ٣٤٥ سورة الفتح: الآية ٢٩ إسحاق: ((شَطَه)) بغير همز؛ وكلُّها لغاتٌ فيها(١). وهذا مَثَلٌ ضربَه الله تعالى لأصحاب النبيِّ﴾؛ يعني أنَّهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون؛ فكان النبيُّ ◌َ﴾ حين بدأ بالدُّعاء إلى دينه ضعيفاً، فأجابه الواحدُ بعد الواحد حتى قَوِيَ أمُرُه؛ كالزرع يبدو بعد البَذْر ضعيفاً، فيقوَى حالاً بعد حالٍ حتى يغلُظَ ساقُهُ(٢) وأفراخُه. فكان هذا من أصحِّ مَثَلٍ، وأوضح(٣) بيان. وقال قتادة: مَثَلُ أصحاب محمدٍ ﴿ في الإنجيل مكتوبٌ أنَّه سَيَخرجُ من قومٍ ينبتون نباتَ الزَّرع يأمرون بالمعروف، وينهَوْن عن المنكر (٤). ﴿فَازَرَهُ﴾ أي: قوَّاه وأعانه وشدَّه؛ أي: قوَّى الشطءُ الزرعَ. وقيل بالعكس، أي: قوَّى الزرعُ الشطءَ(٥). وقراءةُ العامة: ((آزَرَهُ)) بالمدِّ. وقرأ ابن ذكوانٍ وأبو حَيوةَ وحُميد بن قيس: ((فَأَزَرَهُ)) مقصورة، مثل: فَعَله(٦). والمعروف المدُّ. قال امرؤ القيس: بِمَحْنِيَةٍ قد آزرَ الضَّالُ نَبْتَها مَجَرَّ جيوشٍ غانمينَ وخُيَّبٍ(٧) ﴿فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾: على عوده الذي يقوم عليه، فيكون ساقاً له(٨). والسُّوق: جمع الساق. (١) نسبها للجحدري أبو حيان في البحر المحيط ١٠٣/٨. (٢) في (ز) و(م): نباته، وفي (ق): شانه. (٣) في (م): وأقوى. والمثبت من النسخ الخطية وهو الموافق للنكت والعيون ٣٢٤/٥ والكلام منه. (٤) أخرجه الطبري ٣٣٠/٢١ . (٥) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٥/ ١٤٢ . (٦) قراءة ابن ذكوان - وهو راوية ابن عامر - في السبعة ص ٦٠٥، والتيسير ص٢٠٢. (٧) ديوان امرئ القيس ص ٤٥، قال شارحه: المحنية: حيث ينحني الوادي؛ وهو أخصب موضعٍ فيه ... وقوله: مجر جيوش. أي: هذه المحنية في موضع تمر الجيوش به من غانم أو خائب، فلا ينزلها أحدٌ ليرعاها خوفاً من الجيوش؛ فذلك أوفر لخصبها، وأتم لكلئها. اهـ. والضَّالُ: السِّدْر البَرّي، أو ما لا يسقيه إلا المطر منه. القاموس (ضال). (٨) النكت والعيون ٣٢٣/٥ . ٣٤٦ سورة الفتح: الآية ٢٩ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّعَ﴾ أي: يعجب هذا الزرعُ زُرَّاعَه. وهو مَثَلٌ كما بيَّنَّا، فالزرعُ محمدٌ﴿، والشطءُ أصحابه، كانوا قليلاً فكثروا، وضعفاء فَقَوُوا، قاله الضحاك وغيره. ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾ اللام متعلقة بمحذوف، أي: فَعَلَ الله هذا لمحمدٍ ﴾ وأصحابه، ليغيظ بهم الكفار(١). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: وعد الله هؤلاء الذين مع محمد ﴿ وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة. ﴿مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثواباً لا ينقطع، وهو الجنَّة. وليست ((مِن)) في قوله: ((منهم)) مبعِّضةً لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنَّها عامةٌ مجنِّسة، مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الرّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠]، لا يُقصد للتبعيض؛ لكنَّه يذهب إلى الجنس، أي: فاجتنبوا الرِّجس من جنس الأوثان، إذْ كان الرِّجس يقع من أجناسٍ شتّى؛ منها الزِّنى، والرِّبا، وشربُ الخمر، والكذب. فأدخل ((مِن)) يفيدُ بها الجنس، وكذا ((منهم))، أي: من هذا الجنس، يعني: جنسَ الصحابة. ويقال: أَنفقْ نفقتَكَ من الدراهم، أي: اجعل نفقتَك هذا الجنس. وقد يُخصَّصُ أصحابُ محمدٍ ﴿ بوعد المغفرة تفضيلاً لهم، وإنْ وَعَدَ اللهُ جميعَ المؤمنين المغفرةَ. وفي الآية جوابٌ آخر: وهو أنَّ ((من)) مؤكدةٌ للكلام، والمعنى وَعَدهم الله كلَّهم مغفرة وأجراً عظيماً. فجرى مجرى [قول](٢) العربي: قطعتُ من الثوب قميصاً؛ يريد قطعتُ الثوبَ كلَّه قميصاً. و((من)) لم تبعِّض شيئاً. وشاهدُ هذا من القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ اُلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] معناه: وننزل القرآن شفاءً؛ لأنَّ كلَّ حرفٍ منه يَشفي، وليس الشِّفاءُ مختصًا به بعضُه دون بعض. على أنَّ من اللُّغويين من يقول: (١) الوجيز (بحاشية مراح لبيد) ٣١٢/٢. (٢) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. ٣٤٧ سورة الفتح: الآية ٢٩ ((من)) مجنّسة؛ تقديرها: نُنزِّل الشفاءَ من جنس القرآن، ومن جهة القرآن، ومن ناحية (١) . القرآن. قال زهير(١) : أمن أُمِّ أوفَى دِمْنَةٌ لم تَكَلَّم أراد: من ناحية أمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ، أم من منازلها دِمْنَة. وقال الآخر: أخُو رغائبَ يُعطيها ويُسأَلُها يأبَى الظُّلامةَ منه النَّوفَلُ الزُّفَرُ(٢) فـ((من)) لم تُبعِّض شيئاً، إذْ كان المقصد: يأبى الظُّلامةَ؛ لأنَّه نَوفَلٌ زُفَرُ. والنَّوفَل: الكثير العطاء. والزُّفَر: حاملُ الأثقال والمؤن عن الناس. الخامسة: روى أبو عروةَ الزبيريُّ من ولد الزبير: كنَّا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلاً ينتقصُ أصحاب رسول اللـه﴾، فقرأ مالكُ هذه الآية: ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى بلغ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾. فقال مالك: مَن أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﴾، فقد أصابته هذه الآية؛ ذكره الخطيب أبو بكر(٣). قلت: لقد أحسن مالكٌ في مقالته، وأصاب في تأويله. فمن نَقَصَ واحداً منهم، أو طعن عليه في روايته، فقد ردَّ على الله رَبِّ العالمين، وأبطلَ شرائعَ المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ الْهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية. وقال: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. إلى غير ذلك من الآي التي تضمَّنت الثناءَ عليهم، والشهادةَ لهم بالصدق والفلاح؛ قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَكْرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْصَدِّقُونَ﴾ (١) في ديوانه ص ٤، وسلف ٤/ ٤٧٣ . (٢) الكلام بنحوه في كتاب الأضداد للأنباري ص ٢٥٢-٢٥٣. والبيت لأعشى باهلة كما في الأصمعيات ص ٩٠. (٣) لم نقف عليه عند الخطيب، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٢٧/٦ . ٣٤٨ سورة الفتح: الآية ٢٩ [الحشر: ٨]، ثم قال عزَّ من قائل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآلِ أمرهم، وقال رسول الله ﴾: «خَيرُ الناسِ قَرِي، ثم الذين يلونهم)). وقال: ((لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً، لم يُدرك مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه)) خرَّجهما البخاري(١). وفي حديث آخر: ((فلو أنَّ أحدكم أنفقَ ما في الأرض، لم يُدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصيفه))(٢). قال أبو عبيد(٣): معناه لم يُدرك مُدَّ أحدهم إذا تصدَّق به، ولا نصفَ المُدِّ؛ فالنصيفُ هو النصفُ هنا. وكذلك يقال للعُشر: عَشِير، وللخُمس: خميس، وللتّسع: تَسيع، وللثُّمن: ثَمين، وللسُّبع: سَبيع، وللسُّدس: سَدِيس، وللرُّبع: رَبيع. ولم تقل العرب للثلث ثلیث. وفي البزَّار عن جابرٍ مرفوعاً صحيحاً: ((إنَّ الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيِّين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة - يعني أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا - فجعلهم أصحابي. وقال في أصحابي: كلَّهم خير))(٤). وروى عُوَيم بن ساعدة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إن الله عزَّ وجلَّ اختارني واختار لي أصحابي، فجعل لي منهم وزراءَ وأختاناً وأصهاراً، فمن سَبَّهم فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً))(٥). (١) الحديث الأول أخرجه البخاري (٢٦٥٢)، وهو عند أحمد (٣٥٩٤)، ومسلم (٢٥٣٣) عن عبد الله بن مسعود ، والحديث الثاني أخرجه البخاري (٣٦٧٣)، وهو عند أحمد (١١٠٧٩)، ومسلم (٢٥٤١) عن أبي سعيد الخدري (٢) أخرجه القزويني في التدوين في أخبار قزوين ٣٩٧/٢-٣٩٨ . (٣) في غريب الحديث ١٦٤/٢ - ١٦٥ . (٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢٧٦٣). قال البزار: لا نعلمه يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، ولم يشارك عبد الله بن صالح في روايته هذه عن نافع بن يزيد أحد نعلمه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦/١٠ : رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. (٥) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٠٠٠)، والطبراني في الأوسط (٤٥٩)، والكبير ١٧/ (٣٤٩)، قال = ٣٤٩ سورة الفتح: الآية ٢٩ والأحاديث بهذا المعنى كثير (١)، فَحذَارِ من الوقوع في أحد منهم، كما فعل مَن طعن في الدِّين فقال: إنَّ المُعَوِّذَتين ليستا من القرآن، وما صحَّ حديثٌ عن رسول الله ﴾ في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل، إلاَّ عن عقبة بن عامر(٢)، وعقبةُ بن عامرٍ ضعيفٌ لم يوافق غيره عليها، فروايته مُطَّرحة! وهذا ردٌّ لما ذكرناه من الكتاب والسنة، وإبطالٌ لما نقلته لنا الصحابة من المِلَّة. فإنَّ عقبة بن عامر بن عيسى الجُهني، ممن رَوى لنا الشريعةَ في الصحيحين: البخاري ومسلم وغيرهما، فهو ممن مدحهم الله ووصفهم، وأثنى عليهم ووعدهم مغفرةً وأجراً عظيماً. فمن نسبَه أو واحداً من الصحابة إلى كذبٍ، فهو خارجٌ عن الشريعة، مُبطِلٌ للقرآن طاعنٌ على رسول الله ◌ِ﴾. ومتى ألحِق واحدٌ منهم تكذيباً فقد سُبَّ؛ لأنَّه لا عارٌ ولا عيبٌ بعد الكفر بالله أعظمَ من الكذب، وقد لَعن رسول اللـه ﴾ من سَبَّ أصحابه؛ فالمكذِّب لأصغرهم - ولا صغيرَ فيهم - داخلٌ في لعنة الله التي شهد بها رسولُ اللـه لَ﴾، وألزمَها كلَّ مَن سبَّ واحداً من أصحابه، أو طعن عليه. وعن عمر بن حبيب(٣) قال: حضرتُ مجلسَ هارونَ الرشيد. فجرتْ مسألةٌ تنازعها الحضور، وعلَتْ أصواتهم؛ فاحتجَّ بعضُهم بحديثٍ يرويه أبو هريرةَ عن رسول اللـه *؛ فرفع بعضُهم الحديث، وزادت المدافعةُ والخصام، حتى قال قائلون منهم: لا يُقبل هذا الحديث على رسول اللـه﴾؛ لأنّ أبا هريرة مُتَّهمٌ فيما يرويه، = الطبراني في المعجم الأوسط: لا يروى عن عويم بن ساعدة إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن طلحة التيمي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦/١٠ : وفيه من لم أعرفه. وأخرجه ابن حجر في الأمالي المطلقة ص ٧٠ -٧١ وقال: هذا حديث حسن. (١) في (م): كثيرة. (٢) يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم (٨١٤) عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله #: «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة، لم ير مثلهن قط؟: ﴿قُلّ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. (٣) هو العدوي البصري القاضي، قال البخاريُّ: يتكلمون فيه، وقال يحيى بن معين: ضعيف، كان يكذب. مات بالبصرة سنة سبع ومئتين. سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٩٠-٤٩١ . ٣٥٠ سورة الفتح: الآية ٢٩ وصَرَّحوا بتكذيبه، ورأيتُ الرشيدَ قد نحا نحوهم، ونَصَر قولهم، فقلت أنا : الحديثُ صحيحٌ عن رسول اللـه ﴾، وأبو هريرةَ صحيحُ النَّقل، صدوقٌ فيما يرويه عن نبيِّ الله ◌ِ﴾. وغيره. فنظر إليَّ الرشيدُ نَظر مُغضَب، وقمتُ من المجلس فانصرفتُ إلى منزلي، فلم ألبثْ حتى قيل: صاحبُ البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجبْ أميرَ المؤمنين إجابةً مقتول، وتحنَّط وتكفَّن! فقلت: اللهُم إنَّك تعلم أنِّي دفعتُ عن صاحب نبيِّك، وأجللتُ نبيَّك أن يُطعنَ على أصحابه، فَسلِّمْني منه. فأُدخلتُ على الرشيد وهو جالسٌ على كرسيٍّ من ذهب، حاسرٌ عن ذراعيه؛ بيده السيف، وبين يديه النِّطع(١)؛ فلما بَصُرَ بي قال لي: يا عمرَ بنَ حبيب، أتتلقَّاني من الردِّ والدفع بما تلقَّيتني به! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ الذي قُلتَه وجادلتَ عنه، فيه إزراءٌ(٢) على رسول الله ﴾ [وعلى ما جاء به]. إذا كان أصحابُه كذابين، فالشريعةُ باطلةٌ، والفرائضُ والأحكامُ في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود؛ كلُّه مردودٌ غير مقبول! فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمرَ بنَ حبيب أحياك الله، أحييتني يا عمرَ بن حبيب أحياك الله(٣)؛ وأمر لي بعشرة آلاف درهم(٤). قلت: فالصحابة كلُّهم عدول، أولياءُ الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله. هذا مذهبُ أهل السنة، والذي عليه الجماعةُ من أئمة هذه الأمة. وقد ذهبت شِرذمةٌ لا مبالاةَ بهم إلى أنَّ حالَ الصحابة كحالٍ غيرهم، فيلزمُ البحثُ عن عدالتهم. (١) النطع: بساطٌ من الأديم. القاموس (نطع). (٢) في (م) إزدراء. (٣) قوله: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله. الثانية من (خ) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٩٦/١١ - ١٩٧ . والقصة مخرجة فيه. وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) أخرج هذه القصة الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٩٦/١١-١٩٧، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال ٢٩٤/٢١-٢٩٥ . ولا يخفى ما في هذه القصة من نكارة، فصاحبها عمر بن حبيب العدوي ضعيف متهم بالكذب كما تقدَّم. ٣٥١ سورة الفتح: الآية ٢٩ ومنهم من فرَّق بين حالهم في بداءة الأمر فقال: إنَّهم كانوا على العدالة إذ ذاك؛ ثم تغيَّرت بهمُ الأحوالُ، فظهرتْ فيهم الحروب وسفك الدماء؛ فلا بُدَّ من البحث . وهذا مردودٌ؛ فإنَّ خيارَ الصحابة وفضلاءهم كعليٍّ وطلحةَ والزُّبير وغيرهم ﴾ ممن أثنى الله عليهم وزكَّاهم، ورضي عنهم وأرضاهم، ووعدهم الجنة بقوله تعالى: ﴿مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ وخاصةً العشرةَ المقطوعَ لهم بالجنة بإخبار الرسول، هم القدوةُ مع علمهم بكثيرٍ من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيِّهم بإخباره لهم بذلك. وذلك غيرُ مُسقطٍ من مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمورُ مبنيةٌ على الاجتهاد، وكلُّ مجتهد مصيبٌ . وسيأتي الكلامُ في تلك الأمور في سورة الحجرات مبيَّنَةً إن شاء الله تعالى(١). تمَّ تفسيرُ سورة الفتح، والحمد لله. (١) ٣٢١/١٦-٣٢٢. تفسير سورة الحُجُرات مدنيّة بإجماع، وهي ثماني عشرةَ آية (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ﴿َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِ، وَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيُعُ عَلِيمٌ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يََّيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾ قال العلماء: كان في العرب جَفَاءٌ وسوءُ أدب في خطاب النبيِّ :﴿ وتلقيبِ الناس. فالسورةُ في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب . وقرأ الضحاك ويعقوب الحضرميُّ: ((لا تَقَدَّمُوا)) بفتح التاء والدال من التقدُّم(٢). الباقون: ((تُقَدِّمُوا)) بضم التاء وكسر الدال من التقديم، ومعناهما ظاهر. أي: لا تقدِّموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله وقولٍ رسوله وفعله فيما سبيلُه أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا. ومَن قدَّم قولَه أو فعلَه على الرسول :﴿، فقد قدَّمه على الله تعالى؛ لأن الرسول ﴿ إنما يأمر عن أمر الله عزَّ وجلَّ. الثانية: واختلف في سبب نزولها على أقوال ستة: الأول: ما ذكره الواحديُّ(٣) من حديث ابن جُريج قال: حدَّثني ابن أبي مليكةً أن عبد الله بنَ الزُّبير أخبره أنه قدِم ركب من بني تميم على رسول اللـه ﴾، فقال أبو بكر: أمِّر القَعْقاع بنَ مَعْبد. وقال عمر: [بل] أمِّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما (١) تفسير البغوي ٢٠٨/٤ . (٢) المحتسب ٢٧٨/٢، والنشر ٣٧٥/٢، وهي من العشرة. (٣) في أسباب النزول ص ٤٠٦، وما سيرد بين حاصرتين منه. ٣٥٣ سورة الحجرات: الآية ١ أردتَ إلا خلافي. وقال عمر: ما أردتُ خلافَك. فتماريا(١) حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ) إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾. رواه البخاريُّ عن الحسن بن محمد بن الصباح(٢)؛ ذكره المهدويُّ أيضًا. الثاني: ما رُويَ أن النبيَّ ﴾ أراد أن يستخلف على المدينة رجلًا إذ مضى إلى خَيْبَر، فأشار عليه عمر برجل آخر؛ فنزل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾. ذكره المَهْدَويُّ أيضًا. الثالث: ما ذكره الماورديُّ عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبيَّ# أنفذ أربعةً وعشرين رجلًا من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم؛ إلا ثلاثةً تأخروا عنهم، فسلموا وانكفؤوا إلى المدينة، فلقُوا رجلين من بني سُليم فسألوهما عن نسبهما فقالا: مِن بني عامر، لأنهم أعزُّ من بني سُلَيم، فقتلوهما، فجاء نفر من بني سُليم إلى رسول اللـه 8® فقالوا: إن بيننا وبينك عهداً، وقد قُتِل منا رجلان، فوداهما النبيُّ # بمئة بعير، ونزلت عليه هذه الآية في قتلهم الرجلين (٣). وقال قتادة: إن ناسًا كانوا يقولون: لو أُنزِل فيَّ كذا، لو أُنزِلَ فيَّ كذا؟ فنزلت هذه الآية. ابن عباس: نُهُوا أن يتكلموا بين يدي كلامه(٤). مجاهد: لا تفتاتوا على الله ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله. ذكره (١) في (م): فتماديا، وهو خطأ. (٢) صحيح البخاري (٤٨٤٧). (٣) النكت والعيون٣٢٦/٥، والأقوال الآتية منه. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٤ : وروي في الدلائل [٣٤١/٣ - ٣٤٢] من طريق ابن إسحاق ، ومن طريق موسى بن عقبة هذه القصة على غير هذا السياق ، وأن المقتولين من بني كلاب ، وأن الثلاثة قتل منهم واحد ، وهو المحفوظ والمشهور في المغازي . (٤) أخرج قول قتادة وابن عباس الطبري ٣٣٦/٢١ . ٣٥٤ سورة الحجرات: الآية ١ البخاريُّ أيضًا (١). الحسن: نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يصلي رسول اللـه *، فأمرهم أن يعيدوا (٢) الذبح (٢). ابن جريج: لا تقدِّموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر الله تعالى به ورسوله ﴾(٣). قلت: هذه الأقوال الخمسةُ المتأخرة ذكرها القاضي أبو بكر بنُ العربي (٤)، وسردها قبله الماوردي . قال القاضي: وهي كلُّها صحيحةٌ تدخل تحت العموم، فالله أعلم ما كان السبب المثيرُ للآية منها، ولعلها نزلت دون سبب، والله أعلم . قال القاضي: إذا قلنا: إنها نزلت في تقديم الطاعات على أوقاتها، فهو صحيح؛ لأن كلَّ عبادة مؤقّتة بميقات لا يجوز تقديمها عليه، كالصلاة والصوم والحجّ، وذلك بيِّن. إلا أن(٥) العلماء اختلفوا في الزكاة، لمَّا كانت عبادة مالية وكانت مطلوبة لمعنّى مفهوم، وهو سدُّ خَلَّة الفقير، ولأن النبيَّ لَ﴿ استعجل من العباس صدقة عامين، ولِمَا جاء مِن جمع صدقة الفطر قبل يوم الفطر حتى تُعطَى لمستحقُها(٦) يوم الوجوب، وهو (١) علقه البخاري قبل (٤٨٤٥)، ووصله الطبري ٣٣٦/٢١، والبيهقي في الشعب (١٥١٦)، وهو في تفسير مجاهد ٦٠٥/٢ . (٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٠، والطبري ٣٣٦/٢١. (٣) هو قول الزجاج، وليس قول ابن جريج، وهو في معاني القرآن للزجاج ٣١/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٣٢٦/٥، وابن العربي في أحكام القرآن ٤/ ١٧٠٠. (٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٧٠٠ . والأقوال الخمسة يعني أقوال قتادة وابن عباس ومجاهد والحسن والزجاج المذكورة. (٥) في النسخ : وذلك أن ، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي . (٦) في (خ) : مستحقها ، وفي (م) : لمستحقيها . ٣٥٥ سورة الحجرات: الآية ١ يوم الفطر، فاقتضى ذلك كلُّه جوازَ تقديمها العام والاثنين (١). فإن جاء رأس العام والنصابُ بحاله وقعت موقعها. وإن جاء رأس العام وقد تغيَّر النصاب تبيَّن أنها صدقةٌ تطوّع. وقال أشهب: لا يجوز تقديمها على الحول لحظة، كالصلاة، وكأنه طرَّد الأصل في العبادات، فرأى أنها إحدى دعائم الإسلام، فوقَّاها حقّها في النظام وحسنٍ الترتيب. ورأى سائر علمائنا أن التقديم اليسير فيها جائزٌ؛ لأنه معفوٌّ عنه في الشرع بخلاف الكثير. وما قاله أشهب أصحُ، فإن مفارقة اليسير الكثيرَ في أصول الشريعة صحيحٌ، ولكنه لِمعانٍ تختص باليسير دون الكثير. فأمَّا في مسألتنا، فاليومُ فيه كالشهر، والشهرُ كالسنة. فإما تقديم كلِّيٍّ كما قال أبو حنيفة والشافعيُّ، وإمَّا حفظُ العبادة على ميقاتها كما قال أشهب. الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ أصل في ترك التعرُّض لأقوال النبيِّ﴾، وإيجابِ اتباعه والاقتداء به، وكذلك قال النبيُّ # في مرضه: ((مُرُوا أبا بكر فَلْيُصلِّ بالناس)). فقالت عائشة لحفصةَ رضي الله عنهما: قولي له: إن أبا بكر رجلٌ أَسِيف، وإنه متى يَقُم مَقامَك لا يُسْمِعِ الناسَ من البكاء، فَمُرْ عمرَ (٢) فليصلِّ بالناس. فقال : ((إنكنَّ لأنتنَّ صواحبُ يوسف. مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس))(٣). فمعنى (١) في (ظ) و(ف) : والعامين . (٢) في أحكام القرآن لابن العربي ١٧٠١/٤ - ١٧٠٢ (والكلام منه): علياً، وهو خطأ. (٣) أخرجه أحمد (٢٥٨٧٦)، والبخاري (٧١٣)، ومسلم (٤١٨): (٩٥) من حديث عائشة رضي الله عنها مطولاً ، ولفظه لابن العربي في أحكام القرآن. ومعنى قوله : أسيف ، أي: سريع البكاء والحزن . النهاية (أسف). وقوله: صواحب يوسف كما في فتح الباري ٢/ ١٥٣ : أي إنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن . ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع ، فالمراد به واحد وهي عائشة فقط ، كما أن صواحب صيغة جمع والمراد زليخا فقط ، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك ، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته ، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ، ومرادها زيادة على ذلك وهو أن لا يتشاءم الناس به . وقد صرحت هي فيما بعد ذلك فقالت : لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبداً . ١ ٣٥٦ سورة الحجرات: الآيتان ١ - ٢ قوله: ((صواحب يوسف)) الفتنةُ بالردِّ عن الجائز إلى غير الجائز. وربما احتجَّ نُفَاةُ (١) القياس بهذه الآية، وهو باطلٌ منهم، فإنَّ ما قامت دلالته فليس في فعله تقديمٌ بين يديه. وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع، فليس إذًا تقدُّمٌ بين يديه. ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ﴾ يعني في التقدُّم المنهيِّ عنه. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بفعلكم. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَّكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوّلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٢ فیه ستُّ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ﴾ روى البخاريُّ والترمذيُّ عن ابن أبي مُلَيكة قال: حدثني عبد الله بنُ الزُّبير أن الأقرع بنَ حابس قَدِمَ على النبيِّ ﴾، فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله، فتكلَّما عند النبيِّ ﴾ حتى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خلافي. فقال عمر: ما أردتُ خلافك، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرَفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾ قال: فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبيِّي ◌َ# لم يَسْمع كلامه حتى يستفهمه. قال: وما ذكر ابن الزبير جدَّه يعني أبا بكر. قال [أبو عيسى]: هذا حديث غريب حسن. وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مُلَيكة مرسلاً(٢)، لم يذكر فيه عن عبد الله بن الزبير(٣). (١) في (ز) و(ظ) و(م): بغات، وهو خطأ، والكلام في أحكام القرآن للكيا الطبري ٤/ ٣٨١ . (٢) ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٨/ ٥٩٠ أن صورته الإرسال، لكن ظهر في آخره أن ابن مُليكة حمله على ابن الزبير، كما سيرد بعده، ثم إن ابن أبي مليكة صرَّح أن ابن الزبير أخبره، كما في رواية البخاري (٤٨٤٧). (٣) هذا لفظ حديث الترمذي (٣٢٦٦)، وهو من رواية مؤمَّل بن إسماعيل، عن نافع بن عمر، عن ابن = ٣٥٧ سورة الحجرات: الآية ٢ قلت: هو البخاريُّ، قال عن أبي مُلَيكة: كاد الخيِّران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبيِّ :﴿ حين قَدِمَ عليه رَكْب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مُجاشِع، وأشار الآخر برجل آخر - فقال نافع: لا أحفظ اسمه - فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خلافي. فقال: ما أردتُ خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ الآية. فقال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمِع رسولَ الله﴾ بعد هذه الآية حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر الصديق(١). وذكر المهدويُّ عن عليٍّ ◌َ ه: نزل قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوَاْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ فينا لمَّا ارتفعت أصواتنا أنا وجعفر وزيد بن حارثة، نتنازع ابنة حمزة لمَّا جاء بها زيد من مكة، فقضى بها رسول اللـه لجعفر؛ لأن خالتها عنده. وقد تقدَّم هذا الحديث في (آل عمران)»(٢). وفي الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبيَّ ﴾ افتقدَ ثابتَ بنَ قيس فقال رجل : يا رسول الله، أنا أعلم لك عِلْمَهُ، فأتاه فوجده جالساً في بيته مُنَكِّسًا رأسه؛ فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرٌّ، كان يرفع صوته(٣) فوق صوت النبيِّ 8﴾، فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبيَّ ﴾، فأخبره أنه قال كذا وكذا. فقال موسى (٤): فرجع = أبي مليكة، وقد خالف مؤملٌ ابن جريج - وروايته عند البخاري (٤٨٤٧)، وسلفت أول السورة - في حكايته قول أبي بكر وعمر في طلب تأمير القعقاع، وروايةُ ابنٍ جُريج أثبت من رواية مؤمَّل، كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٥٩١/٨ . وقوله: وما ذكر ابن الزبير جده، يعني لم يذكر عن أبي بكر مثل ما ذكره عن عمر في أنه لم يَسمع ﴿ كلامَه حتى يستفهمَه، يوضحه قولُ ابن الزبير الآتي، وهو عند البخاري كما سيذكر المصنف. (١) صحيح البخاري (٤٨٤٥)، وهو عند أحمد (١٦١٣٣)، وقوله: ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني جده لأمه أسماء . ينظر عمدة القاري ١٨٣/١٩ . (٢) ١٣٤/٥، وسلف أيضاً في البقرة ٤/ ١١٣. (٣) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/ ٦٢١ : كذا ذكره بلفظ الغيبة وهو التفات ، وكان البيان يقتضي أن يقول : كنت أرفع صوتي . (٤) هو موسى بن أنس ، أحد رجال الإسناد . ٣٥٨ سورة الحجرات: الآية ٢ المرة الآخرة ببشارة عظيمة؛ فقال: ((اذهب إليه فقل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة)). لفظ البخاري(١). وثابتٌ هذا هو ثابتُ بنُ قيس بنِ شمَّاسِ الخزرجيُّ، يُكْنَى أبا محمد بابنه محمد . وقيل: أبا عبد الرحمن. قُتِل له يومَ الحرَّةِ(٢) ثلاثةٌ من الولد: محمد، ويحيى، وعبد الله. وكان خطيباً بليغًا معروفاً بذلك، كان يقال له: خطيبُ رسول اللـه﴾، كما يقال لحسان: شاعرُ رسول اللـه ﴾. ولمَّا قَدِمَ وفد تميم على رسول الله ﴾ وطلبوا المفاخرة، قام خطيبهم فافتخر، ثم قام ثابت بن قيس، فخطب خطبة بليغة جَزْلة فغلبهم، وقام شاعرهم وهو الأقرع بن حابس فأنشد: إذا خالفونا عند ذكرِ المكارِمِ أتيناك کَیْمًا یعرفَ(٣) الناس فضلَنا وأنْ ليس في أرض الحجاز كدارِمٍ وإنَّا رؤوسُ الناس من كل مَعشَرٍ تكون بنجد أو بأرض التهائم(٤) وإنَّ لنا المِرْبَاعَ في كلِّ غارة فقام حسان فقال : (١) صحيح البخاري (٤٨٤٦)، وصحيح مسلم (١١٩): (١٨٧)، وهو عند أحمد (١٢٤٨٠) وجاء عند مسلم وأحمد أن الرجل الذي سأله النبي 8# عن ثابت هو سعد بن معاذ ، وسعد توفي في بني قريظة سنة خمس ، والآية المذكورة نزلت في زمن الوفود بسبب الأقرع بن حابس وغيره، وكان ذلك في سنة تسع. وجمع بينهما الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/ ٦٢٠ : بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نزل في قصة الأقرع أول السورة وهو قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِمْ﴾. (٢) هي حَرَّة واقِم إحدى حَرَّتي المدينة، وهي الشرقية ، وكانت بها الوقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية سنة ٦٣ هـ مع أهل المدينة الذين لم يرضوا أن يبايعوه. ينظر الكامل لابن الأثير ٤/ ١١١ - ١١٢، ومعجم البلدان ٢٤٩/٢ . (٣) بالنصب على اعتبار ((ما)) زائدة، وبالرفع على اعتبارها كافة. ينظر خزانة الأدب ٤٩٨/٨ - ٤٩٩ . (٤) أورد هذه الأبيات الواحدي في أسباب النزول ص٤١١، وأوردها دون البيت الأخير أبو العباس القرطبي في المفهم ٣٩٩/٧ . وذكرها ابن هشام في السيرة النبوية ٢/ ٥٦٥ - ٥٦٦ باختلاف يسير ونسبها للزَّبرقان بن بدر ، وجاء فيه الشطر الثاني من البيت الأول هكذا: إذا احتفلوا عند احتضار المواسم. وقوله : كدارم ، دارٍم هم من بني تميم . والمٍرباع : أخذ الربع من الغنيمة ، يريد أنهم رؤساء . الإملاء المختصر في شرح غريب السير ٣/ ١٥٣ - ١٥٤ . ٣٥٩ سورة الحجرات: الآية ٢ يعود وَبَالاً عند ذكر المكارم بَني دارم لا تَفْخَرُوا إِنَّ فَخْرَكُمْ لنا خَوَلٌ مِن بين ظِئْرٍ وخادمٍ(١) هَبِلتم علينا تفخرون وأنتمُ في أبيات لهما. فقالوا: خطيبهم أخطبُ من خطيبنا، وشاعرهم أشعرُ من شاعرنا، فارتفعت أصواتهم فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ﴾(٢). وقال عطاءٌ الخُراساني: حدَّثتني ابنة ثابت بن قيس قالت: لمَّا نزلت: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ الآية، دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه، فَفَقَّده النبيُّ ◌َ*، فأرسل إليه يسأله ما خبرُه، فقال: أنا رجلٌ شديدُ الصوت، أخاف أن يكون حبِط عملي. فقال عليه الصلاة والسلام: ((لست منهم، بل تعيش بخير، وتموت بخیر )). قال: ثم أنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، فأغلق بابه وطَفِق يبكي، ففقده النبيُّ ◌َ﴾، فأرسل إليه ما خبرُه(٣)، فقال: يا رسول الله، إني أحبُّ الجمال، وأحب أن أَسود قومي. فقال: ((لستَ منهم، بل تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا، وتدخل الجنة)). قالت: فلمَّا كان يومُ اليمامة، خرج مع خالد بن الوليد إلى مُسَيْلِمَةَ، فلما التقَوْا انكشفوا، فقال ثابتٌ وسالمٌ مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﴾. ثم حفر كلُّ واحد منهما له حفرة، فثبتا وقاتلا حتى قُتِلا، وعلى ثابت يومئذ دِرْعٌ له نفيسة، فمرَّ به رجل من المسلمين فأخذها، فبينا رجلٌ من (١) ديوان حسان ص ٤٤٠، وأوردها أيضاً ابن هشام في السيرة النبوية ٥٦٦/٢، والواحدي في أسباب النزول ص٤١١ - ٤١٢، وأبو العباس القرطبي في المفهم ٣٩٩/٧ . وجاء في السيرة النبوية : ما بين ظئر وخادم ، بدل : من بين ظئر وخادم. وقوله: هَبِلتم ، أي: فقدتم . والخول : هم الحَشَم . والظئر: التي ترضع ولد غيرها وقد تأخذ على ذلك أجراً. الإملاء المختصر ١٥٤/٣، وينظر لسان العرب (خول). (٢) المفهم ٣٩٨/٧ - ٣٩٩. (٣) في (ز) و(ظ) و(م): فأخبره، والمثبت من (خ) و(ف) و(ق)، وهو الموافق لما في المفهم ٣٩٩/٧ والكلام منه . ٣٦٠ سورة الحجرات: الآية ٢ المسلمين نائم؛ أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حُلْم فتضيعَه، إني لمَّا قُتلت أمسٍ؛ مرَّ بي رجل من المسلمين، فأخذ دِرعي ومنزلُه في أقصى الناس، وعند خِبائه فرسٌ يَسْتَنُّ في ◌ِوَلِه(١)، وقد كفأ على الدِّرِعِ بُرْمَةً(٢)، وفوق البُرمة رَحْلٌ، فَأَتِ خالدًا فمُرْه أن يبعث إلى درعي فيأخذَها، وإذا قدمتَ المدينة على خليفة رسول الله # - يعني أبا بكر - فقل له: إن عليَّ من الدَّين كذا وكذا، وفلانٌ من رقيقي عتيقٌ وفلان، فأتى الرجل خالدًا فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتَى بها، وحدَّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيته. قال: ولا نعلم أحدًا أُجيزتْ وصيَّته بعد موته غيرَ ثابت رحمه الله(٣). ذكره أبو عمر في الاستيعاب(٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِلْقَوْلِ﴾ أي: لا تخاطبوه: يا محمد، ويا أحمد. ولكن: يا نبيَّ الله، ويا رسول الله؛ توقيرًا له(٥). وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبيِّ ﴿؛ ليقتديَ بهم ضَعَفة المسلمين، فَنُهي المسلمون عن ذلك(٦). وقيل: (لَا تَجْهَرُوا لَهُ)) أي: لا تجهروا عليه، كما يقال: سَقَط لِفِيه، أي: على فيه. ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الكاف كافُ التشبيه في محل النصب، أي: لا تجهروا له جهرًا مثلَ جهر بعضكم لبعض. وفي هذا دليلٌ [على] أنهم لم يُنهَوا عن الجهر مطلقًا حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نُهُوا عن جهر مخصوص (١) قوله: يَسْتَنُّ، أي: يعدو لِمَرَحه ونشاطه شوطاً أو شوطين ولا راكب عليه. والطِّوَل: الحبل الطويل يُشَدُّ أحد طرفيه في وتد أو غيره ، والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه . النهاية (سنن) و(طول). (٢) البُرْمة : القِدر مطلقاً، وجمعها بِرام ، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. النهاية (برم) . (٣) المفهم ٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠ . (٤) الاستيعاب بهامش الإصابة ٢/ ٧٥ - ٧٨، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٢١)، والطبراني في الكبير (١٣٢٠)، والحاكم ٢٣٥/٣. (٥) المفهم ٧/ ٤٠٠ . (٦) ينظر الكشاف ٣/ ٥٥٥ .