Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة الأحقاف: الآية ٢٩
الثالثُ: واللهِ لا أكلمك كلمةً أبداً؛ إن كان اللهُ أرسلك كما تقول؛ فأنت أعظمُ خطراً
من أن أردّ عليك الكلامَ، وإن كنت تكذبُ؛ فما ينبغي لي أن أكلِّمَك. ثم أغرَوْا به
سفهاءَهم وعبيدَهم يسبُّونه ويضحكون به، حتى اجتمع عليه الناسُ، وألجؤوه إلى
حائطٍ لعتبة وشيبة ابني ربيعة. فقال لِلْجُمَحِيَّة: ((ماذا لقينا من أَحمائك))؟ ثم قال:
((اللهم إني أشكو إليك ضَعْفَ قوّتي وقِلَّةً حِيلتي وهواني على الناس، يا أرحمَ
الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربي، لِمِن تَكِلُنِي! إلى عبدٍ يَتَجَهَّمُني(١)، أو
إلى عدوٍّ ملَّكته أمري! إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتُك هي أوسع
لي، أعوذ بنور وجهك من أن يَنزل بي غضبك، أو يحلَّ عليَّ سخطك، لك العُتْبَى
حتى ترضى، ولا حول ولا قوَّة إلا بك)). فرحمه ابنا ربيعة وقالا لغلام لهما نصرانيٍّ
يقال له عدَّاس: خذ قِطْفاً من العنب، وضَعْه في هذا الطبق، ثم ضعْه بين يدي هذا
الرجل. فلمَّا وضعَه بين يدي رسولِ الله ﴿ قال النبيُّ ﴾: ((باسم الله)) ثم أكَل. فنظَر
عدَّاس إلى وجهه ثم قال: واللهِ إن هذا الكلامَ ما يقوله أهلُ هذه البلدة! فقال
النبيُّ ◌َ﴾: ((مِن أيِّ البلاد أنت يا عدَّاس، وما دينُك؟)) قال: أنا نصرانيٍّ من أهل
نِينَوَى. فقال له النبيُّ ◌َ﴿: «أَمِن قرية الرجلِ الصالح يونس بن متَّى؟)) فقال: وما يدريك
ما يونس بن مثَّى؟ قال: ((ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيِّ)). فانكبَّ عدَّاس حتى قبَّل رأس
النبيِّ :﴿ ويديه ورجليه. فقال له ابنا ربيعة: لِمَ فَعلتَ هكذا!؟ فقال: يا سَيِّدِي، ما في
الأرض خيرٌ من هذا، أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلا نبيٌّ. ثم انصرف النبيُّ # حين يئس
من خير ثَقيف، حتى إذا كان ببطن نَخْلة؛ قام من الليل يصلّي، فمرَّ به نفرٌ من جنِّ
أهل نَصِيِينَ(٢) .
(١) أي: يلقاني بالغلظة والوجه الكريه . النهاية (جهم).
(٢) السيرة النبوية ٤١٩/١ - ٤٢٢ بنحوه، وأخرجه مختصراً الطبراني في المعجم الكبير ٣٤٦/٢٥،
والبغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١٩٠١) من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما.
.4
وذكره ابن حبان في الثقات ٧٦/١-٧٩، وابن حجر في الإصابة ٣٩٩/٦ مختصراً في ترجمة عداس

٢٢٢
سورة الأحقاف: الآية ٢٩
وكان سبب ذلك أن الجنَّ كانوا يَسترِقون السمعَ، فلما حُرست السماء ورُمُوا
بالشُّهب قال إبليس: إن هذا الذي حدث في السماء لِشيء حدث في الأرض؛ فبعث
سراياه ليعرف الخبرَ - أوّلهم رَكْب نَصيبين، وهم أشراف الجنِّ - إلى تِهامة، فلما
بلغوا بَظْن نخلة سمعوا النبيَّ# يصلِّي صلاةَ الغداة ببطن نخلة ويتلو القرآن،
فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا (١).
وقالت طائفة: بل أُمِر النبيُّ # أن يُنذر الجنّ ويَدعوَهم إلى الله تعالى ويَقْرَأ
عليهم القرآن، فصرف الله عزَّ وجلَّ إليه نفراً من الجنِّ من نِينَوى وجمعَهم له؛ فقال
النبيُّ ﴾: ((إِني أريد أن أَقْرَأ القرآن على الجنّ الليلةَ فأيكم يَتْبَعني؟)) فأطرَقوا، ثم قال
الثانيةَ فأطرَقوا، ثم قال الثالثة فأطرقوا؛ فقال ابن مسعود: أنا يا رسول الله؛ قال ابن
مسعود: ولم يحضر معه أحدٌ غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخَل النبيُّ ﴾
شِعْبًا يقال له: ((شِعْب الْحَجُون))(٢) وخظّ لي خظًّا وأمرَني أن أجلس فيه وقال:
((لا تخرج منه حتى أعود إليك)). ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن، فجعلت أرى
أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها(٣)، وسمعت لَغَطاً وغَمْغَمَةً حتى خِفْتُ على
النبيِّ ﴾، وغَشِيته أَسْوِدةٌ كثيرة حالَت بيني وبينه حتى ما أسمعُ صوتَه، ثم طفِقوا
يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرَغ النبيُّ # مع الفجْر فقال: ((أَنِمْتَ))؟ قلت:
لا واللهِ، ولقد هممتُ مِرَاراً أن أستغيثَ بالناس حتى سمعتُك تَقْرَعهم بعصاك تقول:
اجلِسوا؛ فقال: ((لو خرجتَ لم آمَن عليك أن يخطفكَ بعضُهم)) ثم قال: ((هل رأيتَ
شيئاً؟)) قلت: نعم يا رسول الله، رأيتُ رِجالاً سوداً مُسْتَغْفِرِي ثياباً بيضاً (٤)؛ فقال:
(١) أخرجه الطبري ٢١/ ١٦٤ عن ابن عباس مطولاً. وأخرجه عنه الإمام أحمد (٢٢٧١) ، والبخاري
(٧٧٣) ، ومسلم (٤٤٩) بنحوه .
(٢) الحَجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها. معجم البلدان ٢٢٥/٢ .
(٣) في (ظ) دفوفها .
(٤) كذا في النسخ، وفي تفسير الطبري ١٦٨/٢١: مستثفري ثياب بياض. والاستثفار : هو أن يدخل
الرَّجل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه . النهاية (ثفر).

٢٢٣
سورة الأحقاف: الآية ٢٩
((أولئك جِنُّ نَصِيبين سألوني المتاع والزادَ، فمتَّعتهم بكل عظم حائل(١) ورَوْثة وبعرة)).
فقالوا: يا رسول الله، يَقْذَرها الناس علينا. فنهى رسول اللـه ﴾ أن يُسْتَنْجَى بالعظم
والرَّوْث. قلت: يا نبيَّ الله، وما يُغْني ذلك عنهم! قال: ((إنهم لا يجدون عظماً إلا
وجدوا عليه لحمه يوم أُكِل، ولا رَوْثة إلا وجدوا فيها حَبَّها يوم أُكِل)) فقلت: يا رسول
الله، لقد سمعت لَغَطاً شديداً؟ فقال: ((إن الجِنَّ تدارأت في قتيل بينهم، فتحاكموا
إليَّ فقضيت بينهم بالحقّ)). ثم تبرَّز النبيُّ :﴿ ثم أتاني فقال: ((هل معك ماء))؟ فقلت يا
نبيَّ الله، معي إِداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فصببت على يديه فتوضأ فقال: ((تمرة
طيِّبة وماء طهور))(٢). روى معناه معمر عن قتادة وشُعبة أيضاً عن ابن مسعود. وليس في
حديث معمر ذكر نبيذ التمر.
ورويَ عن أبي عثمان النَّهْدِيِّ أن ابن مسعود أَبْصَرَ زُظًا (٣) فقال: ما هؤلاء؟ قال:
هؤلاء الزُّظُ. قال: ما رأيت شبههم إلا الجنّ ليلة الجنِّ، فكانوا مستفزِّين يتبع بعضهم
بعضاً (٤) .
وذكر الدَّارِ قُطْنيُّ(٥) عن عبد الله بن لَهِيعة، حذَّثني قيس بن الحجّاج، عن حَنَش،
عن ابن عباس، عن ابن مسعود أنه وضَّأ النبيَّ :﴿ ليلةَ الجنِّ بنبيذٍ، فتوضأ به وقال:
((شراب وطهور)). ابنُ لَهِيعة لا يحتج به. وبهذا السند عن ابن مسعود: أنه خَرِج مع
النبيِّ﴾ ليلة الجنِّ، فقال له رسول الله﴾: «أمعك ماءٌ يا ابنَ مسعود)»؟ فقال: معي
(١) أي متغير، قد غَيَّره البِلَى. النهاية (حول) .
(٢) أخرجه مقطعاً الطبريُّ في تفسيره ١٦٦/٢١ - ١٦٩، وأخرجه بسياق أخصر منه الإمامُ أحمد (٤٣٨١)،
وإسناده ضعيف. وسلف ١٥/ ٤٤١ قوله: ((تمرة طيبة وماء طهور)) ومداره على أبي زيد، وهو مجهول
اهـ. قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ١٦٩/٤: وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين .
(٣) الزط : جنس من السودان والهنود. النهاية (زطط) .
(٤) عزاه الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٤٠ للبيهقي، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق ٢١٨/٢ - ١١٩، والطبري
١٦٧/٢١ .
(٥) برقم (٢٤٣) .

٢٢٤
سورة الأحقاف: الآية ٢٩
نبيذٌ في إداوةٍ؛ فقال رسول الله ﴾: ((صُبَّ عليَّ منه)). فتوضأ وقال: ((هو شراب
وطهور)) تفرَّد به ابن لَهِيعة، وهو ضعيف الحديث(١).
قال الدَّارَ قُظْنِي (٢): وقيل: إن ابن مسعود لم يشهد مع النبيِّ﴿ ليلةَ الجنِّ. كذلك
رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه أنه قال: ما شهدت ليلة
الجنِّ. حدّثنا أبو محمد بن صاعد، حدَّثنا أبو الأشعث، حدَّثنا بشر بن المفضَّل(٣)،
حدثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة بن قيس، قال: قلت لعبد الله بن
مسعود: أَشَهِدَ رسولَ الله ﴾ أحدٌ منكم ليلةَ أتاه داعي الجنّ؟ قال: لا. قال
الدَّارِ قُظْنِيُّ: هذا إسناد صحيح لا يُختلف في عدالة رواته(٤).
وعن عمرو بن مُرّة قال: قلت لأبي عبيدة: حضر عبد الله بن مسعود ليلةَ الجنّ؟
فقال: لا(٥). قال ابن عباس: كان الجنُّ سبعة نفر من جنِّ نَصِيبين فجعلَهم النبيُّ ﴾
رسلاً إلى قومهم(٦).
وقال زِرُّ بن حُبيش: كانوا تسعة؛ أحدهم زَوْبعة. وقال قتادة: إنهم من أهل
نِينَوَى(٧). وقال مجاهد: من أهل نجران. وقال عكرمة: من جزيرة الموصل. وقيل:
إنهم كانوا سبعة، ثلاثة من أهل نجران، وأربعة من أهل نَصِيبين(٨).
(١) سنن الدار قطني (٢٤٤).
(٢) إثر الحديث السالف (٢٤٣) .
(٣) في (ظ) و(م) الفضل. والمثبت من باقي النسخ وسنن الدار قطني.
(٤) في (م) راويه . والمثبت من باقي النسخ وسنن الدارقطني ورقمه (٢٤٥)، وهو عند الإمام أحمد
(٤١٤٩) ، ومسلم (٤٥٠).
(٥) سنن الدار قطني (٢٤٦).
(٦) أخرجه الطبري ١٦٥/٢١، والطبراني في المعجم الكبير ٢٥٦/١١ (١١٦٦٠) وابن عدي في الكامل
٢٤٨٨/٧ .
(٧) أخرج قولهما الطبري ٢١/ ١٦٥ - ١٦٦ .
(٨) المثبت من (خ) وهو الموافق لما في النكت والعيون ٢٨٦/٥، والكلام منه، وفي غير (خ): حران.

٢٢٥
سورة الأحقاف: الآية ٢٩
وروى ابن أبي الدنيا أن النبيَّ ﴾ قال في هذا الحديث وذكر فيه نَصِيبين فقال:
((رفعت إليَّ حتى رأيتها، فدعوتُ الله أن يكثر مطرَها وينضر شجرَها وأن يُغْزر
نهرها))(١).
وقال السهيلي(٢): ويقال: كانوا سبعة، وكانوا يهوداً فأسلموا؛ ولذلك قالوا:
((أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)).
وقيل في أسمائهم: شاصر وماصر ومنشى وماشى والأحقب؛ ذكر هؤلاء
الخمسة ابنُ دريد. ومنهم عمرو بن جابر؛ ذكره ابن سلام من طريق أبي إسحاق
السَّبِيعي عن أشياخه، عن ابن مسعود: أنه كان في نَفَرٍ من أصحاب النبيِّ 8# يمشون،
فرفع لهم إعصار، ثم جاء إعصارٌ أعظم منه؛ فإذا حَيَّةٌ قتيل، فعمد رجلٌ منا إلى ردائه
فشقَّه وكفَّن الحيةَ ببعضه، ودفنها، فلما جَنَّ الليل إذا امرأتان تسألان: أيُّكم دفن
عمرو بنَ جابر؟ فقلنا: ما ندري مَن عمرو بنُ جابر! فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجرَ فقد
وجدتموه، إن فَسقَةَ الجنِّ اقتتلوا مع المؤمنين فقُتل عمرو، وهو الحيَّة التي رأيتم،
وهو مِن النفر الذين استمعوا القرآن من محمدٍ ﴿ ثم وَلَّوْا إلى قومهم منذِرين. وذكر
ابنُ سلام رواية أخرى: أن الذي كفَّنه هو صفوان بن المُعَظِّل.
قلت: وذكر هذا الخبر الثعلبي بنحوه فقال: وقال ثابت بن قُظْبة: جاء أناس إلى
ابن مسعود فقالوا: إنا كنا في سفر، فرأينا حيةً متشخِّطة في دمائها(٣)، فأخذها رجل
منا فواريناها؛ فجاء أناس فقالوا: أيكم دفن عَمْرًا؟ قلنا: وما عمرو! قالوا: الحية
التي دفنتم في مكان كذا؛ أما إنه كان من النفر الذين سمعوا القرآنَ من النبيِّ #*،
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (٧٤) بنحوه عن حذيفة بن غانم العدوي، وفي إسناده محمد بن عباد
ابن موسى العُكْلي؛ قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ ، ومحمد بن زياد بن زيَّار
الكلبي ، قال فيه يحيى بن معين : ليس بشيء ، الميزان ٢٥٥/٣ . وحذيفة بن غانم العدوي لم نعرفه.
(٢) في التعريف والإعلام ص ١٥٦ - ١٥٧ .
(٣) أي : مضرجة بالدم . ينظر القاموس (شحط) .

٢٢٦
سورة الأحقاف: الآية ٢٩
وكان بين حَيَّيْن من الجنِّ مسلمين وكافرين قتال فقُتل(١).
ففي هذا الخبر أن ابن مسعود لم يكن في سفر ولا حَضَرَ الدفن؛ والله أعلم.
وذكر ابن أبي الدنيا عن رجلٍ من التابعين سَمَّاه: أن حية دخلت عليه في خِبائه تلْهَتُ
عطشاً فسقاها، ثم إنها ماتت فدفنها، فأُتي من الليل فسلَّم عليه وشكره؛ وأخبر أن
تلك الحيَّةَ كانت رجلاً من جنِّ نَصِيبين اسمه: زوبعة.
قال السُّهَيْلِيُّ(٢): وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز # مما حدَّثنا به أبو بكر بن
طاهر الأشبيلي، أن عمر بن عبد العزيز كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميِّتة فكفَّنها
بفضلةٍ من ردائه ودفنها؛ فإذا قائل يقول: يا سرق، أشهدُ لسمعتُ رسولَ الله ﴾.
يقول: ((ستموتُ بأرض فلاة، فيكفنك رجلٌ صالح)). فقال: ومَن أنت يرحمك الله!
فقال: رجلٌ من الجنِّ الذين استمعوا القرآن من رسول الله﴾ لم يبق منهم إلا أنا
وسرق؛ وهذا سرق قد مات(٣).
وقد قَتَّلَت عائشة رضي الله عنها حيةً رأتها في حُجرتها تستمع(٤) وعائشةُ
تقرَأ؛ فأُتيت في المنام فقيل لها : إنك قتلت رجلاً مؤمناً من الجنِّ الذين قدموا على
رسول الله ﴿، فقالت: لو كان مؤمناً ما دخَل على حرَم رسول اللـه ﴾؛ فقيل لها: ما
دخل عليك إلا وأنت مقنَّعة، وما جاء إلا ليستمع الذِّكر. فأصبحت عائشةُ فزِعةً،
واشترت رقابًا فأعتقتهم(٥).
(١) ذكره عن ثابت الحكيمُ الترمذي في نوادر الأصول ص٥١ بنحوه ، والله أعلم بصحته.
(٢) في التعريف والإعلام ص ١٥٧ - ١٥٨ وما قبله منه .
(٣) وأخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ١٤٦/٤٥ عن أبي معمر الأنصاري ... فذكره، والله أعلم
بصحته.
(٤) بعدها في (ظ) : القرآن .
(٥) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ٥١ ، وابن عبد البر في الاستذكار ٢٥٩/٢٧ عن ابن أبي
مليكة وغيرِه عن عائشة رضي الله عنها. وذكره العيني في عمدة القاري ١٨٥/١٠ عن ابن أبي مليكة عن
عائشة بنت طلحة أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها رأت في مغتسلها حية فقتلتها ... فذكره.

٢٢٧
سورة الأحقاف: الآية ٢٩
قال السهيليُّ(١): وقد ذكرنا من أسماء هؤلاء الجنِّ ما حضَرَنا؛ فإن كانوا سبعةً
فالأحقب منهم وَصْفٌ لأحدهم، وليس باسم عَلَم؛ فإن الأسماء التي ذكرناها آنفاً
ثمانيةٌ بالأحقب. والله أعلم.
قلت: وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه: هامة بن الهيم بن الأقيس(٢) بن
إبليس؛ قيل: إنه من مؤمني الجنِّ وممن لقي النبيَّ ◌َ# وعلَّمه سورةَ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾
و﴿ وَلْمُرْسَتِ﴾ و﴿عَمَّ يَتَسَ لُونَ﴾ و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ و﴿الْحَمْدُ﴾ و﴿الْمُعَوِّذَتَيْنِ﴾.
وذكر أنه حضر قتلَ هابيل وشَرِك في دمه وهو غلام ابن أعوام، وأنه لقي نُوحاً وتاب
على يديه، وهوداً وصالحاً ويعقوب ويوسف وإلياسَ وموسى بنَ عمران وعيسى بن
مريم عليهم السلام(٣). وقد ذكر الماورديُّ أسماءهم عن مجاهد فقال: حسى ومسى
ومنشى وشاصر وماصر والأرد وأنيان والأحقم(٤). وذكرها أبو عمرو عثمان بن أحمد
المعروف بابن السمَّاك قال: حدَّثنا محمد بن البراء قال: حدَّثنا الزبير بن بكار قال:
كان حمزة بن عتبة بن أبي لهب يُسَمِّي جِنَّ نَصِيبين الذين قدموا على رسول الله ﴾
فيقول: حسى ومسى وشاصر وماصر والأفخر والأرد وأنيال.
(١) في التعريف والإعلام ص١٥٨، وما قبله منه.
(٢) في المصادر الآتية: لاقيس، بدل: الأقيس، وقال ابن حجر في الإصابة ٢٢٧/١٠ في ((هامة)): ذكره
جعفر المستغفري في الصحابة : وقال : لا يثبت إسناد خبره .
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (١٠١)، والعقيلي في الضعفاء ٩٦/٤ - ٩٧، من حديث أنس ﴾.
وفي إسناده محمد بن عبد الله الأنصاري ، منكر الحديث كما في الضعفاء وتهذيب الكمال ٢٥/ ٤٨١
- ٤٨٢ .
وأخرجه - أيضاً - العقيلي في الضعفاء ١/ ٩٨ - ١٠٠، والبيهقي في الدلائل ٤١٨/٥ - ٤٢٠ من
حديث عمر ابن الخطاب ﴾. وقال الذهبي في الميزان ١٨٦/١ : لا أعلم أشنع من الحديث الذي رواه
العقيلي ... فذكره ثم قال : وهذا الحديث قد رواه البيهقي بإسناد أصلح من هذا .. اهـ وقال العقيلي
٥٩٩/٣ : ... وهو باطل بالإسنادين.
(٤) النكت والعيون ٢٨٦/٥، وأخرجه ابن أبي حاتم ٣٢٩٧/١٠ (١٨٥٨٠) عن سويد بن عبد العزيز ، عن
رجل سماه عن ابن جريج ، وسويد ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب. ولم يذكر في
المصادر اسم ((منشى))، وينظر الدر المنثور ٤٥/٦ .

٢٢٨
سورة الأحقاف: الآية ٢٩
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ أي: حضروا النبيَّ ﴾، وهو من باب تلوين
الخطاب. وقيل: لما حضروا القرآن واستماعه(١) ﴿قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ أي: قال بعضهم
لبعض: اسكتوا لاستماع القرآن. قال ابن مسعود: هبطوا على النبي 8# وهو يقرأ
القرآنَ ببطن نَخْلة، فلمَّا سمعوه ﴿قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ قالوا: صه. وكانوا سبعة: أحدهم
زوبعة؛ فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَا حَضَرُوهُ
قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فِي ضَكَلٍ تُِينٍ﴾(٢).
وقيل: ((أَنْصِتُوا)) لسماع قولِ رسول اللـه :﴿؛ والمعنى متقارب. ﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾ وقرأ
لاحق بن حُميد وخُبيب بن عبد الله بن الزبير: ((فَلَمَّا قَضَى)) بفتح القاف والضاد(٣)؛
يعني النبيَّ # قبل الصلاة. وذلك أنهم خرجوا حين حُرست السماء من استراق السمع
ليستخبروا ما أوجب ذلك؟ فجاؤوا وادي نخلة والنبيُّ # يقرأ في صلاة الفجر،
وكانوا سبعة، فسمعوه وانصرفوا إلى قومهم منذرين، ولم يعلم بهم النبيُّ ﴾. وقيل:
بل أُمر النبيُّ # أن ينذِر الجنَّ ويقرأ عليهم القرآن، فصرف اللهُ إليه نفراً من الجنِّ
ليستمعوا منه وينذِروا قومَهم؛ فلمَّا تلا عليهم القرآنَ وفرَغ؛ انصرفوا بأمره قاصدين
مَن وراءهم من قومهم من الجنِّ، منذرين لهم مخالفةَ القرآن ومحذِّرين إياهم بأسَ الله
إن لم يؤمنوا. وهذا يدلُّ على أنهم آمنوا بالنبيِّ ◌َ﴾، وأنه أرسلهم. ويدلُّ على هذا
قولُهم: ((يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ)) ولولا ذلك لمَا أنذَروا قومَهم(٤). وقد
تقدَّم عن ابن عباس أنَّ النبيِّ # جعلهم رسلاً إلى قومهم(٥)؛ فعلى هذا ليلةُ الجنّ
(١) تفسير الطبري ٢١/ ١٧٠.
(٢) أخرجه الدارقطني في العلل ٥٥/٥ دون قوله: فأنزل: ﴿إذ صرفنا ... ﴾، وأخرجه بتمامه الحاكم في
المستدرك ٤٥٦/٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤٤/٦ لابن أبي شيبة ، وابن منيع وابن مردويه
وأبي نعيم والبيهقي .
(٣) المحرر الوجيز ١٠٥/٥، والبحر المحيط ٦٧/٨، وهي قراءة شاذة.
(٤) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ١٦٤/٢١ و١٧١ .
(٥) ص٢٢٤ من هذا الجزء.

٢٢٩
سورة الأحقاف: الآيات ٢٩ - ٣١
ليلتان، وقد تقدَّم هذا المعنى مستوفّى. وفي صحيح مسلم(١) ما يدلُّ على ذلك؛ على
ما يأتي بيانه في ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَ﴾ [الجن: ١].
وفي صحيح مسلم عن مَعْن قال: سمعتُ أبي قال: سألت مسروقاً: مَن آذنَ
النبيَّ ﴾ بالجنِّ ليلةَ استمعوا القرآن؟ فقال: حدَّثني أبوك - يعني ابنَ مسعود - أنه آذَنَتْه
بهم شَجَرةٌ(٢).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَنَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ
يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَإِنُواْ بِهِ،
٢٠
يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقِ مُسْتَقِيمِ
يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِزَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِمٍ
٠
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ أي: القرآن؛
وكانوا مؤمنين بموسى. قال عطاء: كانوا يهوداً فأسلموا، ولذلك قالوا: ((أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ
مُوسَى)). وعن ابن عباس: أن الجِنَّ لم تكن سمِعتْ بأمر عيسى؛ فلذلك قالت: (أُنْزِلَ
مِنْ بَعْدِ مُوسَى))(٣).
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ما قبْلَه من التوراة. ﴿يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾: دينِ الحق.
﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَفِيٍ﴾: دينِ اللَّهِ القويم. ﴿يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعَِ اَللَّهِ﴾ يعني محمداً ﴾، وهذا
يَدلُّ على أنه كان مبعوثاً إلى الجِنِّ والإنس. قال مقاتل: ولم يَبعث اللهُ نبيًّ إلى الجنِّ
والإنس قبلَ محمدٍ ﴾(٤).
(١) برقم (٤٤٩) من حديث ابن عباس ، وسلف بنحوه ص ٢٢٠- ٢٢٢ من هذا الجزء.
(٢) صحيح مسلم (٤٥٠) (١٥٣)، وقوله: ((آذنته بهم شجرة)) أي أعلمته بهم ، وظاهره أن الله تعالى خلق
فيها نطقاً فهِمه النبيُّ :﴿#، كما خَلَق في الذراع المسمومة نطقاً. المفهم ٤٢٢/٧ . ومعن: هو
ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.
(٣) الكشاف ٥٢٧/٣، وذكر قول عطاء ابنُ الجوزي في زاد المسير ٧/ ٣٩٠، وذكر قول ابن عباس ابنُ
عطية في المحرر الوجيز ١٠٦/٥ .
(٤) الوسيط ١١٥/٤، والرازي ٣٢/٢٨ - ٠٣٣

٢٣٠
سورة الأحقاف: الآيتان ٣٠ - ٣١
قلت: يدلُّ على قوله ما في صحيح مسلم(١): عن جابر بن عبد الله الأنصاريِّ
قال: قال رسولُ الله ◌ِ ﴾: ((أعطِيتُ خمساً لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي، كان كلُّ نبيِّ يُبعثُ
إلى قومه خاصَّةً وبُعثت إلى كلِّ أحمرَ وأسْوَدَ، وأحِلَّت ليَ الغنائمُ ولم تُحَلّ لأحدٍ
قبلي، وجُعلت ليَ الأرضُ طيِّبةً طهوراً ومسجداً، فأيُّمَا رَجُلٍ أدركته الصلاةُ صلَّى
حيثُ كان، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ بين يَدَيْ مسيرةٍ شَهْرٍ، وأُعطِيتُ الشفاعةَ)). قال مجاهد:
الأحمرُ والأسود: الجنُّ والإنس(٢). وفي روايةٍ من حديث أبي هريرة: ((وبُعثتُ إلى
الخَلق كافةً، وخُتم بيَ النَّبيُّون))(٣).
﴿وَءَامِنُواْ بِهِ﴾ أي: بالداعي، وهو محمدٌ ﴾. وقيل: ((به)) أي: باللهِ؛ لقوله:
﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾. قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلاً،
فرجَعوا إلى النبيِّ ﴿ فوافقوه بالبطحاء؛ فقرَأ عليهم القرآنَ وأمرَهم ونهاهم.
مسألة: هذه الآي تدلُّ على أن الجِنَّ كالإنس في الأمر والنهي والثوابِ
والعقاب(٤). وقال الحسن: ليس لمؤمني الجنِّ ثوابٌ غير نجاتهم من النار(٥)؛ يدلُّ
عليه قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرَّكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وبه قال أبو حنيفة
قال: ليس ثوابُ الجِنِّ إلا أن يُجاروا من النار(٦)، ثم يقال لهم: كونوا تراباً، مثلَ
البهائم. وقال آخرون: إنهم كما يُعاقبون في الإساءة يُجازَوْن في الإحسان مثل الإنس.
(١) برقم (٥٢١)، وسلف ٢٥٨/٤ و٣٢/٩ .
(٢) مسند أحمد (٢١٢٩٩) .
(٣) صحيح مسلم (٥٢٣): (٥) وهو عند الإمام أحمد (٩٣٣٧).
(٤) تفسير الرازي ٣١/٢٨ .
(٥) لم نقف عليه من قول الحسن ، وأخرج البيهقي في البعث (١١٧) عن الحسن ، عن أنس بن مالك ﴾
عن النبي #: ((إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب)) فسألناه عن ثوابهم وعن مؤمنيهم؟ فقال:
((على الأعراف، وليسوا في الجنة مع أمة محمد ﴿)) ... وفي إسناده: يوسف بن يزيد: صدوق ربما
أخطأ، وعروة بن رويم : صدوق يرسل كثيراً . كذا في تقريب التهذيب .
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ١٦٩/٤: والصحيح أنهم يدخلونها [أي: الجنة] ويتنعمون
فيها بالأكل والشرب وغيرهما . وهذا قول الحسن البصري وغيره ...
(٦) الكشاف ٤/ ٥٢٧ .

٢٣١
سورة الأحقاف: الآيات ٣٠ - ٣٣
وإليه ذهب مالكٌ والشافعيُّ وابن أبي ليلى. وقد قال الضحاك: الجِنُّ يدخلون الجنة
ويأكلون ويشربون(١). قال القشيريُّ: والصحيح أن هذا مما لم يُقطع فيه بشيء،
والعلمُ عند الله.
قلت: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مَِّا عَيِلُواْ﴾ يَدُّ على أنهم يُثابون
ويَدخلون الجنةً؛ لأنه قال في أوَّل الآية: ﴿يَمَعْثَرَ كُلِّنِّ وَاُلْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِّنْكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِ﴾ إلى أن قال: ﴿ وَلِكُلٍ دَرَجَتُ مِّمَا عَمِلُواْ﴾
[الأنعام: ١٣٠ - ١٣٢]. واللهُ أعلم؛ وسيأتي لهذا في سورة الرحمن(٢) مزيدُ بيانٍ إن شاء
الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اُللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِ.
أَوْلِيَاءُ أُوْلَكَ فِي ضَلٍَ مُبِينٍ
٣٢
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِرٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يَفوت اللهَ
ولا يَسْبِقُه. ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ﴾ أي: أنصارٌ يمنعونه من عذاب الله . ﴿أُوْلَِّكَ فِى
ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ
◌ِقَدِرٍ عَلَىَّ أَن يُحِىَ الْمَوْقَى بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ الرؤيةُ هنا بمعنى العلْم.
و ((أنّ)) واسمها وخبرها سدّت مسدَّ مفعولَي الرؤية. ﴿وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحِِّىَ
اٌلْمَوْقُّ﴾ احتجاجٌ على منكري البعثِ. ومعنى (لَمْ يَغْيَ)): يَعْجِز ويَضْعُف عن إبداعهنَّ.
يقال: عَيَّ بأمره وعَيِىَ: إذا لم يهتدِ لوجهه(٣)؛ والإدغام أكثر. وتقول في الجمع:
عَيُوا - مخففاً - وعَيَّوا أيضاً؛ بالتشديد. قال :
(١) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٣٣/٢٨ .
(٢) عند تفسير الآية (٤٦) منها.
(٣) زاد المسير ٧/ ٣٩١ بنحوه .

٢٣٢
سورة الأحقاف: الآية ٣٣
عَيَّتْ ببيضتها الحمامه(١)
عَيَّوا بِأمرهمُ كمَا
وَبِيتُ بأمري: إذا لم تهتد لوجهه. وأعياني هو.
وقرَأ الحسن: (وَلَمْ يَعِيْ)) بكسر العين وإسكانِ الياءِ(٢)؛ وهو قليلٌ شاذٌّ، لم يأتِ
إعلالُ العين وتصحيح اللام إلا في أسماء قليلة، نحو: غاية وآية. ولم يأت في الفعل
سوى بيت أنشده الفرَّاءُ؛ وهو قول الشاعر:
فكأنها بين النساء سَبِيكَةٌ
تمشِي بِسُدَّة بَيْتها فتُعِيُّ(٣)
﴿ِقَدِرٍ﴾ قال أبو عبيدة والأخفشُ: الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله: ﴿وَكَفَ
باللّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وقال الكسائيُّ
والفرَّاءُ والزجَّاج: الباء فيه خَلَف الاستفهام والجحد في أوّل الكلام(٤). قال
الزجَّاج(٥): والعرب تدخلها مع الجحد؛ تقول: ما ظننت أن زيداً بقائم. ولا تقول:
ظننت أن زيداً بقائم. وهو لدخول ((ما)) ودخول ((أنّ)) للتوكيد. والتقديرُ: أليس اللهُ
بقادر، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ﴾ [يس: ٨١].
وقرأ ابن مسعود والأعرجُ والجَحدرِيُّ وابن أبي إسحاق ويعقوب: (يَقدر))(٦)
(١) البيت لعبيد بن الأبرص كما في أدب الكاتب لابن قتيبة ص ٦٧ - ٦٨، والصحاح (عيي)، وزهر
الأکم ٢/ ١٩٠، وهو في ديوان عبيد ص ١٣٨ بلفظ :
برمت بنوا أسدـ كما
بَرِمت ببيضتها الحمامه
ونسب لسلامة بن جندل، وهو في ديوانه ص٢٤٨ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٣٩، والمحتسب ٢٦٩/٢ .
(٣) البيت للحُطيئة كما في تاج العروس (عبي)، وذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٢٥٨/٣، وابن جني في
المحتسب ٢٦٩/٢، وقال أبو إسحاق النحوي - كما في تهذيب اللغة -: هذا غير جائز عند حذاق
النحويين. وذكر أن البيت الذي استشهد به الفراء ليس بمعروف . وقال الأزهري : والقياس ما قال أبو
إسحاق وكلام العرب عليه ...
(٤) الوسيط ١١٦/٤، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢١٣/٢، ومعاني الأخفش ٦٩٤/٢، ومعاني
القرآن للقراء ٥٦/٣ .
(٥) في معاني القرآن له ٤ /٤٤٧ بنحوه .
(٦) قراءة يعقوب في النشر ٢/ ٣٥٥، وهي من العشرة. وعن الأعرج والجحدري وابن أبي إسحاق في
تفسير الطبري ١٧٥/٢١، وإعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٧٣ - ١٧٤ .

٢٣٣
سورة الأحقاف: الآيات ٣٣ - ٣٥
واختاره أبو حاتم؛ لأن دخول الباء في خبر ((أنّ)) قبيحٌ. واختار أبو عبيدة قراءةَ
العامة؛ لأنها في قراءة عبد الله: ((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ)) بغير باء(١).
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَيِّنَأَّ
قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: ذكِّرْهم يومَ يعرضون فيقال
لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَى وَرَبِنًا﴾ فيقول لهم المقرِّرُ: ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ﴾ أي: بكفركم.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَ نَسْتَعْجِل لَّمْ كَنَّهُمْ يَوْمَ
يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّن نَّهٍَ بَغْ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اٌلْقَوْمُ
اٌلْفَسِقُونَ (مَا)
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قال ابن عباس: ذوو الحزمِ
والصبر(٢).
(٢)
قال مجاهد: هم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدٌ عليهم
الصلاة والسلام. وهم أصحاب الشرائع(٣).
(١) تفسير الطبري ١٧٥/٢١، والكشاف ٥٢٨/٣، والمحرر الوجيز ١٠٦/٥.
(٢) زاد المسير ٣٩٢/٧ دون نسبة وذكره عن ابن عباس البغويُّ في تفسيره ١٧٦/٤ دون قوله : والصبر.
وذكره عن الضحاك بلفظ : ذوو الجد والصبر .
(٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣٩٢/٧ عن مجاهد وغيره ، وذكره البغوي في تفسيره ١٧٦/٤ عن
ابن عباس وقتادة ، وأخرجه الطبري ١٧٧/٢١ عن عطاء الخراساني . وهؤلاء الأنبياء الخمسة: هم
المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبْنَ مِثَقَّهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّرِجَ وَإِنْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَهِيمٌ﴾
[الأحزاب: ٧] وأشار إلى ذلك المصنف ثمة .

٢٣٤
سورة الأحقاف: الآية ٣٥
وقال أبو العالية: إن أولي العزم: نوح، وهود، وإبراهيم. فأمر اللهُ عزَّ وجل نبيَّه
عليه الصلاة والسلام أن يكون رابعَهم. وقال السدّيُّ: هم ستة: إبراهيم، وموسى،
وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمدٌ؛ صلوات الله عليهم أجمعين(١).
وقيل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى، وهم المذكورون على
النسق في سورة الأعراف والشعراء(٢).
وقال مقاتل: هم ستة: نوحٌ؛ صبرَ على أَذى قومِه مدَّةً، وإبراهيم؛ صبر على
النار، وإسحاق؛ صبر على الذبح، ويعقوب؛ صبر على فقد الولد وذهاب البصر.
ويوسف؛ صبر على البئر والسجن. وأيوب؛ صبر على الضُّرِّ(٣).
وقال ابن جُريج: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس منهم يونس ولا
سليمان ولا آدم(٤).
وقال الشعبيُّ والكلبيُّ ومجاهد أيضاً: هم الذين أُمِروا بالقتال، فأظهروا
المكاشفةَ وجاهدوا الكفرة(٥). وقيل: هم نجباءُ الرسل المذكورون في سورة
الأنعام(٦)، وهم ثمانية عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود،
وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهرون، وزكريا، ويحيى، وعيسى،
وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. واختاره الحسن بن الفضل؛ لقوله في
عقبه: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَمُهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ (٧) [الأنعام: ٩٠].
(١) النكت والعيون ٢٨٨/٥، وزاد المسير ٣٩٢/٧.
(٢) تفسير البغوي ١٧٦/٤ .
(٣) الوسيط ١١٦/٤، وتفسير البغوي ١٧٦/٤، والمحرر الوجيز ١٠٧/٥.
(٤) النكت والعيون ٢٨٩/٥، وزاد المسير ٣٩٢/٧.
(٥) ذكره الواحديُّ في الوسيط ١١٦/٤، والبغوي في تفسيره ١٧٦/٤ عن الكلبي.
(٦) تفسير البغوي ٤ /١٧٦ .
(٧) المحرر الوجيز ١٠٧/٥ .

٢٣٥
سورة الأحقاف: الآية ٣٥
وقال ابن عباس أيضاً: كلُّ الرسل كانوا أولي عزم(١). واختاره عليُّ بن مهدي
الطبريُّ، قال: وإنما دخلت ((من)) للتجنيس لا للتبعيض (٢)؛ كما تقول: اشتريتُ أرديةً
من البَزِّ وأكسيةً من الخَزِّ(٣). أي: اصبر كما صَبَر الرسلُ. وقيل: كلُّ الأنبياء أولو عَزْمٍ
إلا يونس بن متى(٤)؛ ألا ترى أن النبيَّ # نُهي أن يكون مثلَه؛ لخفَّةٍ وعَجَلةٍ ظهرت
منه حين ولَّى مُغاضِباً لقومه(٥)، فابتلاه الله بثلاث: سلَّط عليه العمالقة حتى أغاروا
على أهله وماله، وسلَّط الذئبَ على ولده فأكلَه، وسلَّط عليه الحوتَ فابتلعه؛ قاله أبو
القاسم الحكيم .
وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيًّا أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام
فعصَوهم، فأوحى اللهُ إلى الأنبياء: إني مرسلٌ عذابي إلى عصاة بني إسرائيل؛ فشقَّ
ذلك على المرسلين، فأوحى اللهُ إليهم: اختاروا لأنفسكم، إن شئتم أنزلتُ بكم
العذابَ وأنجيتُ بني إسرائيل، وإن شئتم نجَّيتكم وأنزلتُ العذابَ ببني إسرائيل؛
فتشاوروا بينهم، فاجتمع رأيُهم على أن ينزل بهم العذاب، وينجي اللهُ بني
إسرائيل(٦)؛ فأنجى الله بني إسرائيل وأنزَل بأولئك العذاب. وذلك أنه سلط عليهم
ملوك الأرض؛ فمنهم من نُشر بالمناشير، ومنه من سُلِخَ جلدة رأسه ووجهه، ومنهم
من صُلب على الخشب حتى مات، ومنهم من حُرِّق بالنار. والله أعلم.
وقال الحسن: أُولو العزم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى؛ فأما
(١) أخرجه الطبري ٢١/ ١٧٧ عن ابن زيد.
(٢) المحرر الوجيز ١٠٧/٥ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ١٧٦ .
(٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ١٠٧ من قول أبي القاسم الحكيم ، وابن الجوزي في زاد المسير
٣٩٣/٧ عن الثعلبي .
(٥) تفسير البغوي ١٧٦/٤ بنحوه .
(٦) ينظر تفسير أبي الليث ٢٣٧/٣.

٢٣٦
سورة الأحقاف: الآية ٣٥
إبراهيم فقيل له: ﴿أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، ثم ابتلِيَ في ماله
وولده ووطنه ونفسه، فوجد صادقاً وافيًا في جميع ما ابتلي به. وأما موسى فعزمُه حين
قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١-٦٢]. وأما داود
فأخطأ خطيئته فنُبِّه عليها، فأقام يبكي أربعين سنةً حتى نبتت من دموعه شجرة، فقعد
تحت ظلِّها. وأما عيسى فعزمُه أنه لم يضع لَبِنة على لَبِنة وقال: إنها مَعْبَرةٌ، فاعبرُوها
ولا تعمرُوها(١). فكأن الله تعالى يقولُ لرسوله ﴾: اصبر، أي: كن صادقاً فيما
ابتُليتَ به مثل صدق إبراهيم؛ واثقاً بنُصرة مولاك مثل ثقة موسى، مهتمًّا بما سلَف من
هفواتك مثل اهتمام داود، زاهداً في الدنيا مثل زهد عيسى .
ثم قيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: محكمة؛ والأظهر أنها منسوخة؛ لأن
السورة مكيَّةٌ. وذكر مقاتل: أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﴾ يومَ أُحُد، فأمرَه
الله عزَّ وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبرَ أولو العزم من الرسل؛ تسهيلاً عليه
وتثبيتاً له(٢). والله أعلم.
﴿وَلَا تَسْتَعْجِلِ لَّمْ﴾ قال مقاتل: بالدعاء عليهم(٣). وقيل: في إحلالِ العذاب
بهم، فإن أبعدَ غاياتهم يومُ القيامة. ومفعولُ الاستعجال محذوفٌ، وهو العذاب(٤).
﴿كَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُؤْعَدُونَ﴾ قال يحيى: من العذاب. النقَّاش: من الآخرة. ﴿لَّزْ
يَلْبَثُواْ﴾ أي: في الدنيا حتى جاءهم العذاب، وهو مقتضى قول يحيى. وقال النقَّاش:
في قبورهم حتى بُعثوا للحساب(٥). ﴿إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ يعني في جنْب يومِ القيامة.
(١) الكشاف ٥٢٨/٣، والرازي ٣٥/٢٨.
(٢) النكت والعيون ٢٨٩/٥ .
(٣) المصدر السابق .
(٤) تفسير الرازي ٣٥/٢٨ .
(٥) النكت والعيون ٢٨٩/٥.

٢٣٧
سورة الأحقاف: الآية ٣٥
وقيل: نَسَّاهم هَوْلُ ما عاينوا من العذاب طولَ لَبثهم في الدنيا. ثم قال: ﴿بَلَغُ ﴾
أي: هذا القرآنُ بلاغ؛ قاله الحسن(١). فـ((بلاغ)) رفع على إضمار مبتدأ(٢)؛ دليله
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وقوله: ﴿إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَكَغَا
لِقَوْمٍ عَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]. والبلاغ بمعنى التبليغ. وقيل: أي: إن ذلك اللَّبث
بلاغ؛ قاله ابن عيسى(٣)، فيوقف على هذا على ((بلاغ)) وعلى (نَهَارٍ)). وذكر أبو حاتم:
أن بعضهم وقف على ((وَلَا تَسْتَعْجِلْ))، ثم ابتدأ: ((لَهُمْ))؛ على معنى: لهم بلاغ. قال
ابن الأنباريِّ: وهذا خطأ؛ لأنك قد فصَلت بين البلاغ وبين اللام - وهي رافعة -
بشيء ليس منهما .
ويجوز في العربية: بلاغاً وبلاغ؛ النصب على معنى إلا ساعة بلاغاً، على
المصدر أو على النعت للساعة. والخفض على معنى من نهارٍ بلاغ. وبالنصب قرَأ
عيسى بن عمر والحسن(٤). ورُوي عن بعض القرَّاء: ((بَلِّغْ)) على الأمر؛ فعلى هذه
القراءة يكون الوقف على ((مِنْ نَهَارٍ)) ثم يبتدئ: (بَلِّغْ))(٥).
﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّ الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾ أي: الخارجون على أمر الله (٦)؛ قاله ابن عباس
وغيره.
وقرَأ ابن مُحَيْصن: ((فَهَلْ يَهْلِكُ إلَّا الْقَوْمُ))(٧) على إسناد الفعل إلى القوم.
(١) المصدر السابق .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤ / ١٧٥ .
(٣) النكت والعيون ٢٨٩/٥ .
(٤) المحتسب ٢٦٨/٢، والقراءات الشاذة ص ١٤٠.
(٥) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٩٤ - ٨٩٥، وقراءة ((بلِّغ)) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٤٠ ،
وابن جني في المحتسب ٢٦٨/٢ من قراءة أبي مجلز وسراج.
(٦) الوسيط ١١٧/٤، وتفسير البغوي ١٧٧/٤ دون نسبة .
(٧) القراءات الشاذة ص ١٤٠، والمحتسب ٢٦٨/٢ .

٢٣٨
سورة الأحقاف: الآية ٣٥
وقال ابن عباس: إذا عَسِرَ على المرأة وَلَدُها؛ تَكتب هاتين الآيتين والكلمتين في
صحيفة، ثم تُغسَل وتُسقى منها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لا إله إلا اللهُ
العظيمُ الحليم الكريم، سبحان الله ربِّ السماوات وربِّ الأرض وربِّ العرش
العظيم، ﴿كَهُمْ يَّمَ يَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّ عَنِيَّةً أَوْ عُمَهَا﴾ ﴿كَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَنُواْ
إِلَّا سَاعَةً مِّن نَهَرٍ بَلَغُ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّ الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾(١) صدق الله العظيم.
وعن قتادة: لا يُهلك الله إلا هالكاً مشركاً(٢). وقيل: هذه أقوى آية في الرجاء (٣).
والله أعلم.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٧/٨ وإسناده ضعيف.
(٢) في (د) و(ظ) : لا يهلك إلا هالك مشرك. وذكره الواحدي في الوسيط ١١٧/٤، وأخرجه الطبري
١٧٨/٢١ بنحوه .
(٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٨/٥ عن الثعلبي.

سورة القتال، وهي سورة محمد #
مدنية في قول ابن عباس؛ ذكره النحاس(١).
وقال الماوردي(٢): [مدنية] في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة فإنَّهما قالا:
إلا آيَةً منها نزلت عليه بعد حَجَّة الوداع حين خرج من مكة، وجعل ينظر إلى البيت
وهو يبكي حُزناً عليه؛ فنزل عليه ﴿وَأَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ﴾ [محمد: ١٣].
وقال الثعلبيّ: إنَّها مكية؛ وحكاه ابن هبة الله عن الضخَّاك وسعيد بن جبير. وهي
تسع وثلاثون آية. وقيل : ثمان(٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى
>
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ
قال ابن عباس ومجاهد: هم أهلُ مكةً؛ كفروا بتوحيد الله (٤)، وصدّوا أنفسَهم
والمؤمنين عن دين الله - وهو الإسلام - بنهيهم عن الدخول فيه، وقاله السدّي. وقال
الضحاك: ((عَنْ سَبِيلِ اللهِ)): عن بيت الله بمنع قاصديه(٥).
ومعنى ((أَضَلَّ أَعَمْالَهُمْ)): أبطلَ كيدَهم ومكرهم بالنبيّ ﴾، وجعل الدائرة عليهم.
قاله الضحاك (٦). وقيل: أبطل ما عملوه في كفرهم مما كانوا يسمونه مكارم؛ من صلة
الأرحام، وفَكِّ الأسارى، وقِرَى الأضياف، وحفظ الجوار(٧).
(١) في الناسخ والمنسوخ له ٤/٣ .
(٢) في النكت والعيون ٥/ ٢٩٠ ، وما بين حاصرتين منه.
(٣) بنحوه في الكشاف ٥٢٩/٣ .
(٤) تفسير أبي الليث ٢٣٩/٣.
(٥) النكت والعيون ٢٩٠/٥ .
(٦) تفسير البغوي ٤ / ١٧٧ .
(٧) الكشاف ٥٢٩/٣ - ٥٣٠ .

٢٤٠
سورة محمد: الآيتان ١ - ٢
وقال ابن عباس: نزلت في المُطعِمِين ببدر، وهم اثنا عشر رجلاً: أبو جهل،
والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأُبِيّ وأُمَيّة ابنا خَلَف، ومُنَبِّه ونُبَيْه ابنا
الحجّاج، وأبو البَخْتَري بن هشام، وزَمْعةُ بن الأسود، وحكيمُ بن حزام، والحارثُ
ابن عامر بن نوفل(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ اُلْحَقُّ مِن
◌َِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ قال ابن عباس
ومجاهد: هم الأنصار. وقال مقاتل: إنَّها نزلت خاصة في ناسٍ من قريش(٢). وقيل:
هما عامّتان فيمن كفر وآمن(٣).
ومعنى ((أَضَلَّ أعْمَالَهُمْ)): أبطلَها. وقيل: أضلَّهم عن الهدى بما صرفهم عنه من
التوفيق(٤).
﴿وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ﴾ من قال: إنَّهم الأنصار، فهي المواساة في مساكنهم
وأموالهم. ومن قال: إنَّهم من قريش، فهي الهجرة(٥). ومن قال بالعموم، فالصالحات
جميع الأعمال التي ترضي الله تعالى.
﴿وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَنَّدٍ﴾: لم يخالفوه في شيء. قاله سفيان الثوري(٦). وقيل:
صدّقوا محمداً ﴿ فيما جاء به. ﴿وَهُوَ لَْقُّ مِنْ تَِّهِمْ﴾ يريد أنَّ إيمانَهم هو الحقُّ مِن
(١) بنحوه في النكت والعيون ٢٩١/٥، وفيه ((الوليد بن عقبة وعقبة بن أبي معيط)) بدل ((الحارث بن
هشام، وأبيّ بن خلف)».
(٢) النكت والعيون ٢٩١/٥ دون ذكر مجاهد، وذكر قوله ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٩/٥.
(٣) بنحوه في الكشاف ٥٣٠/٣ .
(٤) النكت والعيون ٢٩١/٥ .
(٥) المصدر السابق.
(٦) تفسير البغوي ٤/ ١٧٧ .