Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة الأحقاف: الآيتان ١٧ - ١٨ وقراءة العامة: ((أَتَعِدَانِي)) بنونين مخففتين. وفتح ياءه أهلُ المدينة ومكة. وأسكن الباقون. وقرأ أبو حيوة والمغيرة وهشام: ((أَتَعِدَانِّي)) بنون واحدة مشدّدة، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام(١). والعامة على ضم الألف وفتح الراء من ((أَنْ أُخْرَجَ)). وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش وأبو معمر بفتح الألف وضم الراء(٢). قال ابن عباس والسُّدِّي وأبو العالية ومجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، وكان يَدعوه أبواه إلى الإسلام فيجيبهما بما أخبر الله عزَّ وجلَّ(٣). وقال قتادة والسديُّ أيضاً: هو عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، وكان أبوه وأمه أمُّ رومان يَدعوانه إلى الإسلام ويَعدانه بالبعث؛ فيردُّ عليهما بما حكاه الله عزَّ وجلَّ عنه؛ وكان هذا منه قبل إسلامه(٤). وروي أن عائشة رضي الله عنها أنكرت أن تكون نزلت في عبد الرحمن(٥). وقال الحسن وقتادة أيضاً: هي نعتُ عبدِ كافرٍ عاقٌّ لوالديه (٦). وقال الزجاج(٧): كيف يقال نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه واللهُ عزَّ وجلَّ يقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَ أُمَرٍ﴾ أي: العذاب، ومن ضرورته عدمُ الإيمان، وعبدُ الرحمن من أفاضل المؤمنين؛ فالصحيحُ أنها نزلت في عبدٍ كافر عاقٌّ لوالديه. (١) التيسير ص ١٩٩ . (٢) ذكرها عن الحسن ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٩، وعن الأعمش ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٩/٥ . (٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٢٨٠، وابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٣٨٠ عن مجاهد . (٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٧٩/٥ - ٢٨٠ عن السدي، وأخرجه عبد الرزاق ٢١٩/٢ عن قتادة والكلبي . (٥) أخرجه عبد الرزاق ٢١٩/٢ . وأخرج البخاري في صحيحه (٤٨٢٧) عن يوسف بن ماهَك ... فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن ، إلا أن الله أنزل عذري. (٦) أخرجه عنهما الطبري ١٤٥/٢١. (٧) في معاني القرآن له ٤٤٣/٤ - ٤٤٤، ونقله عنه بواسطة الواحدي في الوسيط ١٠٩/٤ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٣٨٠ . ٢٠٢ سورة الأحقاف: الآيتان ١٧ - ١٨ وقال محمد بن زياد: كتب معاوية إلى مروان بن الحكم حتى يبايعَ الناسُ لیزید؛ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هِرَقْلِيَةً، أتبايعون لأبنائكم! فقال مروان: هو الذي يقول الله فيه: ﴿وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا﴾ الآية. فقال: واللهِ ما هو بِهِ، ولو شئتُ لسمَّيت، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فَضَض من لعنة الله(١). قال المهدويُّ: ومن جعل الآيةَ في عبد الرحمن كان قوله بعد ذلك ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يراد به من اعتقد ما تقدَّم ذِكره؛ فأول الآية خاصٌ وآخرها عام(٢). وقيل: إن عبد الرحمن لمَّا قال: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِ﴾ قال مع ذلك: فأين عبدُ الله بن جُدْعان، وأين عثمان بن عمرو، وأين عامر بنُ كعب ومشايخ قريش حتى أسألَهم عمَّا يقولون(٣). فقوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يرجعُ إلى أولئك الأقوام. قلت: قد مضى من خبر عبد الرحمن بن أبي بكر في سورة الأنعام(٤) عند قوله: ﴿لَهُمْ أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى اَلْهُدَى﴾ [الآية: ٧١] ما يدلُّ على نزول هذه الآية فيه؛ إذ كان كافراً، وعند إسلامه وفضله تعيَّن أنه ليس المراد بقوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اُلْقَوْلُ﴾. (١) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٢٧)، والحاكم ٢/ ٤٨١ عن محمد بن زياد الجمحي، وقوله: لقد جئتم بها هرقلية. أراد أن البيعة لأولاد الملوك سنة ملوك الروم والعجم. وهرقل: اسم ملك الروم . النهاية (هرقل). وقوله: ((فأنت فضض من لعنة الله)) أراد قطعة وطائفة منها. النهاية (فضض). (٢) ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح ٨/ ٥٧٧ أن القول في عبد الرحمن ضعيف؛ كالقول في عبد الله، وأن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصح إسناداً وأولى بالقبول. (٣) في (د) و(ظ) : فأين عبد الرحمن بن جذعان ، وابن عثمان بن عمرو ، وابن عامر بن كعب .. ، وذكره الفراء في معاني القرآن ٥٤/٣، والواحدي في الوسيط ١٠٩/٤، والزمخشري في الكشاف ٥٢١/٣ - ٥٢٢ ولفظه عند الفراء : ابن جدعان بن عمرو ، وعثمان بن عمرو وهما من أجداده، وبنحوه عند الزمخشري . (٤) ٨/ ٤٢٨ . ٢٠٣ سورة الأحقاف: الآيات ١٧ - ١٩ ﴿وَهُمَا﴾ يعني والديه. ﴿يَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ﴾ أي: يدعوان الله له بالهداية(١). أو يستغيثان بالله من كفره؛ فلمَّا حذف الجارّ وصل الفعل فنصب. وقيل: الاستغاثة: الدعاء؛ فلا حاجةَ إلى الباء (٢). قال الفرَّاء: أجاب الله دعاءَه وغُواثه. ﴿وَيْلَكَ ءَامِنْ﴾ أي: صدِّق بالبعث. ﴿إِنَّ وَعْدَ اَلَّهِ حَقٌ﴾ أي: صِدْقٌ لا خُلْفَ فيه. ﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا﴾ أي: ما يقوله والداه. ﴿إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ﴾ أي: أحاديثهم وما سطروه مما لا أصل له. ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّى عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يعني الذين أشار إليهم ابن أبي بكر في قوله: أخْيُوا لي مشايخَ قريش، وهم المعنيُّون بقوله: ﴿وَقَدْ خَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِيِ﴾. فأما ابن أبي بكر عبدُ الله أو عبدُ الرحمن فقد أجاب اللهُ فيه دعاءَ أبيه في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِ فِي ذُرِّيَِّىٌ﴾ على ما تقدَّم(٣) . ومعنى ((حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)) أي: وجب عليهم العذابُ، وهي كلمة اللهِ: ((هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي)) (٤). ﴿فِى أُمَرٍ﴾ أي: مع أمم. ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: تقدَّمت ومضت. ﴿مِن قَبّلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِّ﴾ الكافرين ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: تلك الأممُ الكافرة ﴿ كَانُواْ خَسِرِينَ﴾ لأعمالهم؛ أي: ضاع سعيهم وخسِروا الجنةً. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٩ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ﴾ أي: ولكلِّ واحدٍ من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجِنِّ والإنس مراتبُ عند الله يومَ القيامة بأعمالهم. قال ابن زيد: درجاتُ أهل النار في هذه الآية تذهبُ سَفالاً، ودَرجُ أهل الجنة عُلُوًّا(٥). ﴿وَلِيُوَفِيهُمْ (١) الوسيط ١٠٩/٤. (٢) تفسير الرازي ٢٤/٢٨. (٣) ص١٩٨ من هذا الجزء. (٤) سلف ١٥/٥ . (٥) أخرجه الطبري ١٤٦/٢١ . ٢٠٤ سورة الأحقاف: الآيتان ١٩ - ٢٠ أَعْمَلَهُمْ﴾ قرأ ابن كثير وابن مُخَيْصِن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء لذِكرِ اللهِ قبلَه، وهو قولُه تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اَلَّهِ حَقٌ﴾ واختاره أبو حاتم. الباقون بالنون(١) ردًّا على قوله تعالى: ﴿وَوَضَيْنَا اُلْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ﴾ وهو اختيار أبي عبيد. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا یزاد على مسيء ولا ينقص من محسن. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ لَئِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَ وَأُسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَلْيَوْمَ تُجْزَوَنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُتُمْ تَسْتَكْثِرُونَ فِ اٌلْأَرْضِ بِغَيْرِ اٌلِّْ وَبِمَا ٢٠ كُمْ نَفْسُقُونَ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ﴾ أي: ذكِّرهم يا محمد يومَ يُعرض ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: يُكشَف الغطاء فيقرَّبون من النار ويَنْظُرُون إليها(٢). ﴿أَذْهَبْتُمْ طَتِبَتِكُمْ﴾ أي: يقال لهم: أذهبتم (٣)؛ فالقولُ مضمر. وقرَأ الحسنُ ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير: ((أَأَذْهَبْتُمْ)) بهمزتين مخففتين، واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو حيوة وهشام: ((آذهبتم)) بهمزة واحدة مطولة على الاستفهام. الباقون بهمزة واحدة من غير مدٍّ على الخبر (٤)، وكلُّها لغاتٌ فصيحة ومعناها التوبيخ، والعَرب توبِّغُ بالاستفهام وبغير الاستفهام(٥)؛ وقد تقدَّم. واختار أبو عبيد تركَ الاستفهام؛ لأنه قراءة أكثرٍ أئمة السبعة: نافع وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي، مع مَن وافقهم: شيبة والزهري وابن مُحَيْصن والمغيرة بن أبي شهاب ويحيى بن الحارث والأعمش ويحيى بن وثَّاب وغيرهم؛ فهذه عليها جِلَّةُ الناس. وتركُ الاستفهام أحسن؛ لأن إثباته يوهم أنهم لم (١) وقرأ بالياء أيضاً من السبعة ابن عامر في رواية هشام، وبالنون في رواية ابن ذكوان. السبعة ص ٥٩٨، والتيسير ص ١٩٩، والنشر ٣٧٣/٢ . (٢) تفسير أبي الليث السمر قندي ٢٣٣/٣ - ٢٣٤. (٣) المحرر الوجيز ١٠٠/٥. (٤) السبعة ص٥٩٨، والتيسير ص١٩٩، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٥٤، وإعراب القرآن النحاس ٦٦/٤، والنشر ٣٦٦/١. (٥) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٥١. ٢٠٥ سورة الأحقاف: الآية ٢٠ يفعلوا ذلك، كما تقول: أنا ظلمتُك؟ تريد: أنا لم أظلمك. وإثباته حسنٌ أيضاً؛ يقول القائل: ذهبت فعلت كذا؛ يُوَبِّخُ ويقول: أذهبت فعلت! كلُّ ذلك جائز(١). ومعنى ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ)) أي: تمتَّعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات؛ يعني المعاصي (٢). ﴿قَالْيَوْمَ تُجْزَوّنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: عذابَ الخِزْي والفضيحة. قال مجاهد(٣): الهُون: الهَوان. قتادة: بلغة قريش. ﴿بِمَا كُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْمِ﴾ أي: تستعلُون على أهلها بغير استحقاق. ﴿وَمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾ في أفعالكم بَغْيًا وظلماً. وقيل: ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ)) أي: أفنيتم شبابَكم في الكفر والمعاصي. قال ابنُ بحر: الطيباتُ: الشباب والقوَّةُ؛ مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه، أي: شبابه وقوَّتُه. قال الماورديُّ(٤): ووجدت الضحاكَ قاله أيضاً. قلت: القول الأوّل أظهر، روى الحسن عن الأحنف بن قيس، أنه سمع عمر بنَ الخطاب يقول: لَأَنا أعلمُ بخفض العيش، ولو شئتُ لجعلتُ أكباداً وصلاء وصِنابًا وصَلائِقَ، ولكني أستبقي حسناتي؛ فإن اللهَ عزَّ وجلَّ وصَف أقواماً فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا﴾ (٥). وقال أبو عبيد في حديث عمر: لو شئتُ لدعوت بصلائق وصناب وكَرَاكِرَ وأسنمة. وفي بعض الحديث: وأفلاذٍ (٦). قال أبو عمرو وغيرُه: الصِّلاءُ - بالمدّ (١) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٤ - ١٦٧ . (٢) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٢٨١/٥ . (٣) في تفسيره ٢/ ٥٩٤، وأخرجه الطبري ١٤٩/٢١ - ١٥٠. (٤) في النكت والعيون ٢٨١/٥ وما قبله منه سوى قوله : أي أفنيتم شبابكم ... (٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٣٥٧)، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٨١/٥ عن الحسن بن دينار عن الأحنف . وأخرجه بنحوه ابن المبارك في الزهد (٥٧٩) ، وابن سعد في الطبقات ٢٧٩/٣، وأبو نعيم في الحلية ٤٩/١ عن جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول ... وذكره. (٦) ذكرها الزمخشري في الفائق ٣١١/٢ . ٢٠٦ سورة الأحقاف: الآية ٢٠ والكسر - : الشِّواء؛ سُمِّي بذلك لأنه يُصْلَى بالنار(١). والصِّلاء أيضاً: صِلاء النار؛ فإن فتحتَ الصاد قصرت وقلت: صَلَى النارِ. والصِّنابُ: الأصبغة المتخَذة من الخردل والزَّبيب(٢). قال أبو عمرو: ولهذا قيل للبِرذَوْن: صِنابِيٍّ؛ وإنما شُبِّه لونه بذلك. قال: والسلائق - بالسين - هو ما يسلَق من البقول وغيرها. وقال غيره: هي الصلائق بالصاد؛ قال جرير: تُكَلِّفُنِي معيشةَ آلِ زيدٍ ومَن لي بالصَّلائق والصِّنابِ(٣) والصَّلائقُ: الخبزُ الرِّقاق العريض. وقد مضى هذا المعنى في ((الأعراف))(٤). وأما الكراكِرُ فكراكر الإبلِ، واحدتها كِرْكِرَة، وهي معروفة؛ هذا قول أبي عبيد(٥). وفي الصحاح(٦): والكِرْكِرة: رَحَى زَوْر البعير، وهي إحدى الثَّفِنات الخمس(٧). والكِركرة أيضاً: الجماعةُ من الناس. وأبو مالك عمرو بن كِرْكِرة رجلٌ من علماء اللغة(٨). قال أبو عبيد: وأما الأفلاذ فإن واحدها فِلْذ، وهي القطعة من الكَبِد. قال أَغْشَى باهلة: من الشِّواء ويُرْوي شُرْبَه الغُمَرُ(٩) تَكْفِيهِ حُزَّةُ فِلْذٍ إِن أَلمَّ بها (١) غريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤ (٢) الصحاح (صلي - صنب). (٣) غريب الحديث ٢٦٤/٣، والبيت في ديوان جرير ٨١٢/٢. (٤) ٩ / ٢٠٧ . (٥) في غريب الحديث ٢٦٥/٣ . (٦) مادة (كرر). (٧) الزَّوْر: أعلى الصدر، والثَّفنات: جمع ثَفِنة، وهي ما يقع على الأرض من أعضاء البعير إذا استناخ وغلظ، كالركبتين وغيرهما. الصحاح (زور) (ثفن). (٨) هو أبو مالك الأعرابي ، دخل الحاضرة وأخذ الناس عنه، وكان مَولى لبني سعد ، ويقال: إنه كان يحفظ اللغة كلها ، وكان بصري المذهب ، ذكره الأزهري في التهذيب ١٢/١ في الطبقة الثانية من الأئمة الذين اعتمد عليهم في جمعه لكتابه ترجمته في إنباه الرواة ٢/ ٣٦٠، ومعجم الأدباء ١٣١/١٦ - ١٣٢ . (٩) غريب الحديث ٢٦٥/٣، والبيت في الأصمعيات ص ٩١، والكامل للمبرد ٤٥٩/١، والخزانة = ٢٠٧ سورة الأحقاف: الآية ٢٠ وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر قال: لو شئتُ كنت أطيَبَكم طعاماً، وألينَكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة. ولمَّا قدِم عمر الشامَ صُنع له طعامٌ لم يرَ قِظُ مثلَه؛ قال: هذا لنا! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبِعوا من خبز الشعير! فقال خالد بنُ الوليد: لهم الجنة؛ فَاغْرَوْرَقَت عَيْنَا عمرَ بالدموع وقال: لئن كان حُنا من الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظّهم بالجنة فلقد باينونا بَوْنًا بعيداً (١). وفي صحيح مسلم وغيره أن عمره دخَل على النبيِّ ﴾ وهو في مَشْرُبَته حين هَجَرَ نساءه قال: فالتفتُّ فلم أرَ شيئاً يردُّ البصر إلا أُهُبا جلوداً معطونة قد سطَع ريحُها؛ فقلت: يا رسولَ الله، أنت رسولُ الله وخِيرته، وهذا كِسْرى وقَيْصر في الديباج والحرير؟ قال: فاستوى جالساً وقال: ((أفي شَكِّ أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيباتُهم في حياتهم الدنيا)) فقلت: استغفر لي! فقال: ((اللهم اغفر له))(٢). وقال حفص بن أبي العاص: كنت أتغدَّى عند عمر بن الخطاب رضي عنه الخبزَ والزيتَ، والخبز والخلَّ، والخبز واللبنَ، والخبز والقَدِيد، وأقلُّ ذلك اللحم الغَريض(٣). وكان يقول: لا تنخلوا الدقيقَ؛ فإنه طعامٌ كلُّه؛ فجيء بخبزٍ متفلع(٤) غليظ؛ فجعل يأكل ويقول: كلوا؛ فجعلنا لا نأكل؛ فقال: ما لكم لا تأكلون؟ فقلنا : واللهِ يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا؛ فقال: يا ابن أبي العاص، أَمَا ترى بأني عالم أن لو أمرتُ بعَناق(٥) سمينةٍ فيلقى عنها شَعَرها، ثم = ١٩٨/١، وقوله: ((حُزَّة)) أي: قطعة من اللحم قطعت طولاً. و((ألمَّ بها»: أصابها يعني أكلها. و((الغُمَرُ)): قَدَح صغير لا يروي . كذا في الخزانة . (١) أخرجه عبد الرزاق ٢١٧/٢ مختصراً، والطبري ٢١/ ١٤٧ بتمامه . (٢) صحيح مسلم (١٤٧٩): (٣٤) بنحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو عند الإمام أحمد (٢٢٢)، والبخاري (٤٩١٣)، وسلف بنحوه ١٨/ ١٩٠. (٣) أي: الطري. (٤) في (خ) و(ظ): متقطع، وفي (د) و(ق) متقلع. والمتفلع: هو المشقق والمقطع . القاموس (فلع). (٥) العناق : الأنثى من أولاد المعز. القاموس (عنق). ٢٠٨ سورة الأحقاف: الآية ٢٠ تُخرج مَصْلِيَّةً كأنها كذا وكذا. أما ترى بأني عالِمٌ أنْ لو أمرت بصاعٍ أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم أشنُّ عليه من الماء فيصبح كأنه دم غَزال؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، أجل! ما تبعتَ(١) العيش، قال: أجل! واللهِ الذي لا إله إلا هو لولا أني أخافُ أن تنقصَ حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش! ولكني سمعتُ الله تعالى يقول لأقوام: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَئِكُمْ فِى حَيَاتِكُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا﴾(٢). ﴿ قَالْيَوْمَ تُجْزَوَنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: الهوان. ﴿بِمَا كُمْ تَسْتَكْثِرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْمِ﴾ أي: تتعظمون عن طاعة الله وعلى عباد الله. ﴿وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾: تَخرجون عن طاعة الله . وقال جابر: اشتهى أهلي لحماً فاشتريته لهم فمررتُ بعمر بن الخطاب ﴾ فقال: ما هذا يا جابر؟ فأخبرته؛ فقال: أوكلَّما اشتهى أحدُكم شيئاً جعله في بطنه! أمَا يخشى أن يكون من أهل هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِبِكُمْ﴾ الآية(٣). قال ابن العربي(٤): وهذا عتابٌ منه له على التوسُّع بابتياع اللحم والخروج عن جِلْف الخبز والماء؛ فإنَّ تعاطي الطيبات من الحلال تستشْرهُ لها الطباع وتستمرئها العادةُ، فإذا فَقَدَتْها استسهلَتْ في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراءِ الهوى على النفس الأمارة بالسوء؛ فأخَذ عمر الأمرَ من أوَّله، وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله. والذي يَضبط هذا البابَ ويحفظ قانونَه على المرء أن يأكل ما وجد، طيباً كان أو قَفاراً، ولا يتكلَّف الطيِّبَ ويتخذَه عادة؛ وقد كان (١) في (م) و(ز) و(ق) تنعت . ولم تجود في (خ) . (٢) أخرجه بنحوه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٨٠، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ١٤/ ٤١٥ . وحفض ابن أبي العاص بن بشر الثقفي ، هو أخو عثمان بن أبي العاص الصحابي المشهور ، ذكره ابن حجر في الإصابة ٢٦٦/٢، وقال: روى البلاذري بإسناد لا بأس به أن حفص كان يحضر طعام عمر، الحديث . (٣) أخرجه الواحدي في الوسيط ١١١/٤ - ١١٢، وبنحوه الإمام مالك في الموطأ ٩٣٦/٢، وأحمد في الزهد ص ١٥٣ . (٤) في أحكام القرآن ١٦٨٦/٤ - ١٦٨٧ . ٢٠٩ سورة الأحقاف: الآيتان ٢٠ - ٢١ النبيُّ # يشبع إذا وجد، ويصبِر إذا عَدِم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسلَ إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر؛ ولا يعتمد أصلاً، ولا يجعله دَيْدَناً. ومعيشةُ النبيّ :# معلومة، وطريقة الصحابة منقولة؛ فأما اليوم عند استيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاصُ عسيرٌ، واللـهُ يَهَبُ الإخلاصَ، ويُعينُ على الخلاص برحمته . وقيل: إن التوبيخ واقعٌ على ترك الشكر لا على تناول الطيِّبات المحللة، وهو حسن؛ فإن تناولَ الطيب الحلال مأذونٌ فيه، فإذا ترك الشكر عليه واستعان به على ما لا يَحلُّ له فقد أَذهبه. واللهُ أعلم. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ لَنَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ هو هود بن عبد الله بن رباح عليه السلام(١)، كان أخاهم في النَّسَب لا في الدِّين(٢). ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ أي: اذكر لهؤلاء المشركين قصةَ عادٍ ليعتبروا بها. وقيل: أمرَه بأن يتذكّر في نفسه قصةَ هود ليقتدي به، ويهون عليه تكذيب قومه له(٣). والأحقاف: ديار عاد، وهي الرِّمال العظام؛ في قول الخليل وغيره(٤). وكانوا قَهَروا أهل الأرض بفضل قوَّتِهم. والأحقاف جمع حِقْف، وهو ما استطالَ من الرمل العظيم واعوجٌ ولم يبلغ أن يكون جبلاً(٥)، والجمع حِقاف وأحقاف [وحقوف](٦). (١) التعريف والإعلام ص ١٥٦ . (٢) النكت والعيون ٢٨٢/٥ . (٣) ينظر تفسير الرازي ٢٧/٢٨ . (٤) المحرر الوجيز ١٠١/٥ بنحوه . (٥) تفسير الطبري ٢١/ ١٥٠. (٦) من (م)، وينظر اللسان (حقف). ٢١٠ سورة الأحقاف: الآية ٢١ واحقوقف الرمل والهلال، أي: اعوج. وقيل: الحِقْف جمع حِقاف. والأحقاف جمع الجمع. ويقال: حِقْفٌ أحقف(١). قال الأعشى: بات إلى أرطاةِ حِقفٍ أحْقَفَا (٢) أي: رمل مستطيل مشرف. والفعل منه: احقوقف. قال العجَّاج: طَيَّ الليالي زُلَفاً فزُلَفا سَمَاوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفا(٣) أي : انحنى واسْتَدَارَ. وقال امرؤ القيس: كحِقف الثَّقا يمشي الولِيدَانِ فوقَه بما احتسَبا من لِينِ مَسِّ وَتَسْهَالِ (٤) وفيما أُريد بالأحقاف هاهنا مختلف فيه: فقال ابن زيد: هي رمالٌ مشرفة مستطيلة کھیئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالاً؛ وشاهده ما ذكرناه(٥). وقال قتادة: هي جبال مشرفة بالشِّخر، والشِّخْرُ قريبٌ من عَدن؛ يقال: شِخْرٌ عُمَان وشَحْرُ عُمان، وهو ساحل البحر بين عُمان وعدن. وعنه أيضاً: ذكر لنا أن عاداً كانوا أحياءً باليمن، أهلَ رملٍ مشرفين على البحر بأرضٍ يقال لها: الشّخْر (٦). (١) الكلام بنحوه في تهذيب اللغة ٦٨/٤، والصحاح (حقف). (٢) كذا قال، والرجز للعجاج بن رؤبة، وهو في ديوانه ص ٤٢٧، ومعاني القرآن لأبي عبيدة ٢١٣/٢، وتفسير الطبري ١٥٣/٢١، والنكت والعيون ٢٨٢/٥. وقوله: ((أرطاة))؛ الأرْطَى: شجر ينبت بالرَّمل. اللسان (أرط). أما بيت الأعشى فهو : خريق شَمال يترك الوجه أقتما يلوذ إلى أرطاة حقف تلفّهُ وهو في ديوانه ص ٣٤٥ . (٣) ديوان العجاج ص ٤٢٦، قال شارحه: قوله ((زلفاً فزلفاً) يريد: زلفة فزلفة أي: درجة فدرجة، والزلف: الدرج . و((سماوة الهلال)) هي أعلاه . (٤) ديوان امرئ القيس ص ٣٠، قال شارحه: ((النقا)): ما استدار من الرمل. ((احتسبا)): اكتفيا. يقول: جسم هذه المرأة أو عجيزتها كهذا النقا في لينه وامتلائه ، وهو مع لينه صلبٌ شديد ليس بمنهال متناثر ... (٥) النكت والعيون ٥/ ٢٨٢، وذكر قول ابن زيد أيضاً البغوي في تفسيره ٤/ ١٧٠، وأخرجه الطبري ١٥٣/٢١. (٦) تفسير البغوي ١٧٠/٤، وزاد المسير ٣٨٤/٧، وأخرجه عبد الرزاق ٢١٧/٢، والطبري ٢١/ ١٥٢ - ١٥٣ بنحوه، وينظر معجم البلدان ٣٢٧/٣، والقاموس المحيط (شحر). ٢١١ سورة الأحقاف: الآية ٢١ وقال مجاهد: هي أرضٌ من حِسْمَى تسمَّى بالأحقاف(١). وحِسْمَى - بكسر الحاء - اسم أرض بالبادية، فيها جبال شواهقُ؛ مُلْسُ الجوانب، لا يَكاد القَتام يُفارقها. قال النابغةُ : فأصبحَ عاقِلاً بجبال حِسْمَى دُقاقَ الُّرْبِ مُخْتَزِمَ القَتامِ ء(٢) قاله الجوهريُّ(٢). وقال ابن عباس والضخَّاك: الأحقاف جبلٌ بالشام. وعن ابن عباس أيضاً: وادٍ بين عُمان ومَهْرة(٣). وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بواد يقال له: مَهَرَةُ(٤)، وإليه تنسب الإبل المَهْرِيَّة؛ فيقال: إبل مَهْرِيّة ومَهارِي. وكانوا أهل عُمُد سيَّارة في الربيع، فإذا هاج العودُ رجعوا إلى منازلهم؛ وكانوا من قبيلة إرم(٥). وقال الكلبيُّ: أحقاف الجبلِ ما نضَب عنه الماءُ زمانَ الغرَق، كان يَنْضُب الماء من الأرض ويبقى أثره. وروى [أبو] الظُّفيل عن علي بن أبي طالب ه أنه قال: خيرُ وادِيَيْن في الناس وادٍ بمكة؛ ووادٍ نزَل به آدم بأرض الهند، وشرُّ وادِيَيْن في الناس وادٍ بالأحقاف؛ ووادٍ (١) تفسير مجاهد ٥٩٤/٢، بلفظ: خساف من حسمى، وذكر قوله الماوردي في النكت والعيون ٢٨٢/٥، وأخرجه الطبري ٢١/ ١٥٢. (٢) في الصحاح (حسم) ومن قوله: وحِسْمى ... إلى هذا الموضع، ليس في (ظ). ولعله حاشية في الأصل، والبيت في ديوان النابغة الذبياني ص ١١٤ وفيه: وأضحى ساطعاً. وقوله: ((القَتام))، أي: الغبار. القاموس (قتم) قال ابن بري : أي: حِسْمى قد أحاط به القتام كالحزام له . اللسان (حسم) . وحسمى أرض ببادية الشام ، ينظر معجم البلدان ٢٥٨/٢ - ٢٥٩ . (٣) النكت والعيون ٥/ ٢٨٢، وأخرجه الطبري ١٥١/٢١. (٤) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ٢٣٤/٥: مَهرة قبيلة، وهي مهرة بن حَيْدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة . (٥) تفسير البغوي ٤ / ١٧٠ . ٢١٢ سورة الأحقاف: الآيات ٢١ - ٢٥ بحضرمَوْت يدعى بَرَهُوت تلقى فيه أرواحُ الكفار. وخير بئرٍ في الناس بئر زمزم، وشُّ بئر في الناس بئر بَرَهُوت، وهو في ذلك الوادي الذي بحضرموت(١). ﴿وَقَّدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ أي: مَضَت الرسلُ. ﴿مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي: من قبل هود. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: ومن بعده؛ قاله الفرَّاء. وفي قراءة ابن مسعود: ((من بين يديه ومن بعده))(٢). ﴿ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذا من قول المرسَل، فهو كلام معترض(٣). ثم قال هود: ﴿إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقيل: ((أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّ اللهَ)) من كلام هود، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالَتِنَا فَأْنَا بِمَا تَعِدُنَّا إِن كُنْتَ مِنَ قَالَ إِنَّمَا الْعِلمُ عِندَ اللَّهِ وَأَبْلِغُّكُم مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِىّ أَرََّكُمْ قَوْمًا الصَّدِقِينَ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ تُطُِّنْ بَلَ هُوَ مَا تَجْهَلُونَ (٣) أُسْتَعْجَلْتُم بِهِّ رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ ﴾ إلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَاِتِنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: لتزيلنا عن عبادتها بالإفك. الثاني: لتصرفنا عن آلهتنا بالمنع؛ قاله الضحاك(٤). قال عُرْوة بن أُذَيْنَة: : إن تك عن أحسن الصنيعة(٥) ما فُوكاً ففي آخرين قد أفِكوا (١) النكت والعيون ٢٨٢/٥ - ٢٨٣ وما بين حاصرتين منه، وهو الصواب. وأخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٤٣/٦ . وقوله: ((وخير بئر في الناس زمزم ... إلى قوله: بحضرموت)) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١١٦٧) من حديث ابن عباس مرفوعاً، بنحوه. قال الهيثمي في المجمع ٢٨٦/٣ : رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ، وصححه ابن حبان . (٢) النكت والعيون ٢٨٣/٥، وذكر القراءة أيضاً الطبريُّ في تفسيره ١٥٤/٢١، والنحاس في إعراب القرآن ١٦٨/٤ - ٠١٦٩ (٣) الكلام بنحوه في الوسيط ٤/ ١١٣. (٤) النكت والعيون ٢٨٣/٥ . (٥) في (ظ) حسن الصنيعة . وسلف البيت عند تفسير الآية (٢٥) من سورة فصلت. : ٢١٣ سورة الأحقاف: الآيات ٢٢ - ٢٥ يقول: إن لم توفَّق للإحسان فأنت في قومٍ قد صُرِفوا. ﴿فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَّا﴾ هذا يدلُّ على أن الوعدَ قد يوضع موضعَ الوعيد. ﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ أنك نبيٌّ. ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِمُ﴾ بوقت مجيء العذاب ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ لا عندي ﴿وَأَيُلِّفُّكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ عن ربكم. ﴿ وَلَكِنِّي أَرَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ في سؤالكم استعجالَ العذاب. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ قال المبرِّد: الضمير في ((رَأَوْهُ)) يعودُ إلى غير مذكور؛ وبيَّنه قولُه: ((عَارِضًا))، فالضمير يعودُ إلى السحاب؛ أي: فلمَّا رأوا السحابَ عارضاً (١). فـ ((عارضاً)) نصب على التكرير؛ سُمِّي بذلك لأنه يبدو في عُرض السماء. وقيل: نصب على الحال(٢). وقيل: يرجع الضمير إلى قوله: ((فَأُتِنَا بِمَا تَعِدُنَا))(٣) فلما رأوه حسبوه سحاباً يمطرهم، وكان المطر قد أبطأ عنهم، فلما رأوه ((مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ)) استبشروا(٤). وكان قد جاءهم من وادٍ جرت العادةُ أنَّ ما جاء منه يكون غَيْئاً؛ قاله ابن عباس وغيره. قال الجوهريُّ: والعارض السحاب يعترض في الأفق؛ ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُخْطِرُنَا﴾ أي: ممطرٌ لنا؛ لأنه معرفة لا يجوز أن يكون صفةً لعارض وهو نكرة. والعربُ إنما تفعل مثلَ هذا في الأسماء المشتقة من الأفعال دون غيرها. قال جرير: يا رُبَّ غابِطِنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدةً منكم وحِرْمَانَا(٥) ولا يجوز أن يقال: هذا رجلٌ غلامنا. وقال أعرابيٌّ بعد الفِطر: رُبَّ صائمة لن (١) تفسير الرازي ٢٨/ ٢٧ . (٢) الكشاف ٣/ ٥٢٤ . (٣) تفسير الرازي ٢٨/٢٨ . (٤) النكت والعيون ٢٨٣/٥، والرازي ٢٨/٢٨. (٥) ديوان جرير ١٦٣/١، وهو في الكتاب ٤٢٧/١، والمقتضب للمبرد ٢٢٧/٣ و١٥٠/٤، وتحصيل عين الذهب ص ٢٤٢ ، وشرح المفصل لابن يعيش ٥١/٣ . قال الشنتمري في شرحه: رُبَّ من يغبطنا ويَسُّنا بطلب معروفنا لو طلب ما عندكم لَبُوعد وحُرم، والشاهد في البيت إضافةً ((رب)) إلى غابطنا، وربَّ لا تعمل إلا في النكرة ، فغابطنا في نية التنوين والانفصال . ٢١٤ سورة الأحقاف: الآيات ٢٢ - ٢٥ تصومه، وقائمةٍ لن تقومه؛ فجعله نعتاً للنكرة وأضافه إلى المعرفة(١). قلت: قوله: ((لا يجوز أن يكون صفة لعارض)) خلاف قول النحويين، والإضافة في تقدير الانفصال، فهي إضافة لفظية لا حقيقية؛ لأنها لم تفد الأوّل تعريفاً، بل الاسم نكرة على حاله؛ فلذلك جرى نعتاً على النكرة. هذا قول النحويين في الآية والبيت. ونعت النكرة نكرة. و(رُبّ)) لا تدخل إلا على النكرة. ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: قال هود لهم. والدليل عليه قراءة من قرأ: ((قال هود بل هو))(٢) وقرئ: ((قُلْ بَلْ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ هِيَ رِيحٌ)) (٣) أي: قال الله: قل بل هو ما استعجلتم به؛ يعني قولهم: ((فَأَتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) ثم بيَّن ما هو فقال: ﴿رِيعُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والريح التي عُذِّبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هودٌ من بين أظهرهم، فجعلت تحملُ الفساطيط وتحمل الطَّعِينةَ فترفعها كأنها جرادة (٤)، ثم تضرب بها الصخور. قال ابن عباس: أول ما رأوا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرَفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من ديارهم من الرجال والمواشي تطيرُ بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، فدخَلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريحُ الأبوابَ وصرعتهم، وأمرَ اللهُ الريح؛ فأمالت عليهم الرمالَ، فكانوا تحت الرمال سبعَ ليالٍ وثمانية أيامٍ حسوماً(٥)، ولهم أنين؛ ثم أمر اللهُ الريحَ فكشفت عنهم الرمالَ واحتملتهم فرمتهم في البحر، فهي التي قال اللهُ تعالى فيها: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِهَا﴾ أي: كل شيء مرَّت عليه من رجال عادٍ وأموالها(٦). قال ابن عباس: أي: كل (١) الصحاح (عرض) . (٢) هي قراءة ابن مسعود كما ذكر ابن جني في المحتسب ٢٦٥/٢ . (٣) هي قراءة ابن مسعود أيضاً كما ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٩ . (٤) الكشاف ٣/ ٥٢٤ . (٥) قوله: حسوماً، ليس في المصادر الآتي ذكرها، وهو الأشبه. (٦) تفسير البغوي ٤/ ١٧٠ - ١٧١، والكشاف ٥٢٤/٣، والرازي ٢٨/٢٨. ٢١٥ سورة الأحقاف: الآيات ٢٢ - ٢٥ شيء بُعثت إليه، والتدمير: الهلاكُ. وكذلك الدمار. وقرئ: ((يَدْمُرُ كُلُّ شَيْءٍ)) من دَمَر دماراً (١). يقال: دَمَّره تدميراً ودماراً ودَمَّر عليه بمعنَى. ودَمَر يَذْمُر دُموراً: دخَل بغير إذن. وفي الحديث: (مَن سَبَقَ طَرْفُه استئذانَه فقد دَمَر)) مخفف الميم. وتَدْمُر: بلد بالشام. وَيَرْبُوع تَذْمُرِي إذا كان صغيراً قصيراً (٢). ﴿بِأَمْرِ رَبِهَا﴾: بإذن ربها(٣). وفي البخاري (٤) عن عائشة رضي الله عنها زوج النبيِّ﴾ قالت: ما رأيتُ رسولَ اللهِ ﴾. ضاحكاً حتى أرى منه لَهَواتِهِ، إنما كان يتبسَّم. قالت: وكان إذا رأى غَيْماً أو رِيحًا عُرِف في وجهه. قالت: يا رسولَ الله، الناسُ إذا رَأَوا الغَيْمَ فرِحوا رجاءَ أنْ يكونَ فيه المطرُ، وأراكَ إذا رأيتَه عُرِف في وجهك الكراهية! فقال: ((يا عائشة، ما يُؤَمِّنُني أن يكونَ فيه عذابٌ، عُذِّب قومٌ بالرِّيح، وقد رأى قومٌ العذابَ فقالوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا)) خَرَّجه مسلمٌ والترمذيُّ، وقال فيه: حديث حسن(٥). وفي صحيح مسلم(٦) عن ابن عباس، عن النبيِّ﴾ أنه قال: «نُصِرتُ بالصّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالذَّبُورِ)). وذكر الماورديُّ(٧) أن القائل: ((هَذَا عَارِض مُمْطِرُنَا)) من قوم عاد: بكر بنُ معاوية؛ ولمَّا رأى السحابَ قال: إني لأَرَى سحاباً مُرْمِداً، لا تدع من عاد أحداً. (١) الكشاف ٥٢٤/٣، وهي قراءة شاذة. (٢) الصحاح (دمر) ، وأخرج الحديث الطبراني في المعجم الكبير (٧٥٠٧) بنحوه من حديث أبي أمامة ﴾. وفي إسناده عبد الله بن صالح : صدوق كثير الغلط ، ثبت في كتابه ، وكانت فيه غفلة . والسفر بن نُسَيْر : ضعيف . كذا قال الحافظ ابن حجر في التقريب . (٣) تفسير أبي الليث السمر قندي ٢٣٥/٣ . (٤) (٤٨٢٨ - ٤٨٢٩). (٥) صحيح مسلم (٨٩٩): (١٦)، وسنن الترمذي (٣٢٥٧) بنحوه، وهو عند الإمام أحمد (٢٤٣٦٩) وسلف بنحوه ٢/ ٥٠٣ . (٦) برقم (٩٠٠)، وسلف ٤٩٩/٢ . (٧) في النكت والعيون ٥/ ٣٨٢ - ٢٨٤ . ٢١٦ سورة الأحقاف: الآيات ٢٢ - ٢٥ فذكر عمرو بن ميمون: أنها كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ناديهم. قال ابنُ إسحاق: واعتَزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه منها إلا ما يلين على(١) ثيابهم. وتلتذ الأنفس به؛ وإنها لتمرُّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدْمَغُهُم بالحجارة حتى هَلكوا. وحكى الكلبيُّ أنَّ شَاعرَهم قال في ذلك: دعوةً أَضحَوْا هُمودا فدعا هودٌ عليهم تركت عاداً خُمودا عصفت ريحٌ عليهم لم تدع في الأرض عُودا سُخِّرتْ سبعَ ليالٍ وعَمَّر هودٌ في قومه بعدهم مئة وخمسين سنة . ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ قَرَأ عاصم وحمزة: (لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)) بالياء غير مسمى الفاعل. وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إلا أنه قرأ: ((ترى)) بالتاء. وقد رُوي ذلك عن أبي بكر عن عاصم. الباقون: ((تَرى)) بتاء مفتوحة. ((مَسَاكِنَهُم)) بالنصب(٢)، أي: لا ترى يا محمد إلا مساكنَهم. قال المهدوِيُّ: ومن قرأ بالتاء غير مسمى الفاعل فعلى لفظ الظاهر الذي هو المساكن المؤنثة، وهو قليل لا يستعمل إلا في الشعر. وقال أبو حاتم: لا يستقيم هذا في اللغة إلا أن يكون فيها إضمار؛ كما تقول في الكلام: لا تُرى النساء إلا زينب. ولا يجوز: لا تُرى إلا زينب. وقال سيبويه: معناه: لا تُرى أشخاصهم إلا مساكنهم . واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة عاصم وحمزة. قال الكسائيُّ: معناه لا يُرى شيء إلا مساكنهم(٣)، فهو محمولٌ على المعنى؛ كما تقول: ما قام إلا هندٌ، والمعنى ما قام أحدٌ إلا هند. وقال الفرَّاءُ: لا يُرى الناسُ لأنهم كانوا تحتَ الرمل، وإنما تُرى (١) في النسخ: أعلى. والمثبت من (د) والنكت والعيون، والعبارة فيه: إلا ما يلين على الجلود. (٢) السبعة ص٥٩٨، والتيسير ص ٢٠٠ . ولم نقف على وجهي القراءة لابن كثير وعاصم، والمتواتر عن عاصم: یُری، وعن ابن كثير: تَری. (٣) تفسير الرازي ٢٨/٢٨ . ٢١٧ سورة الأحقاف: الآيات ٢٢ - ٢٦ مساكنُهم لأنها قائمة(١). ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: مثل هذه العقوبة نُعاقب بها المشركين. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّتَّهُمْ فِيمَآ إِن تَكَّتَّكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةٌ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّ أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بَثَايَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَآ إِن ◌َّكَّتَّكُمْ فِيهِ﴾ قيل: إنَّ((إنْ)) زائدةٌ؛ تقديره: ولقد مكنَّاهم فيما مكتَّاكم فيه. وهذا قول القتبيّ(٢). وأنشد الأخفش : يُرَجِّي المرءُ ما إنْ لا يراهُ وتَعرِضُ دون أدناهُ الخُطوبُ(٣) وقال آخر: منايانا ودَوْلَةُ آخرينا (٤) فما إنْ طِبُّنَا جُبْن ولكن وقيل: إن ((ما)) بمعنى الذي. و((إن)) بمعنى ما؛ والتقدير: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه؛ قاله المبرّدُ(٥). وقيل: شرطية وجوابها مضمر محذوف؛ والتقدير: ولقد مكناهم في ما إن (١) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٧٠. (٢) تفسير غريب القرآن ص ٤٠٨، وتفسير الرازي ٢٩/٢٨. (٣) النوادر في اللغة ص ٦٠، والصاهل والشاحج ص ٢٥٤، وخزانة الأدب ٨/ ٤٤٠. وقائله - كما في النوادر - هو جابر بن رألان الطائي جاهلي . (٤) البيت لفروة بن مُسيك كما في الكتاب ١٥٣/٣، والصاهل والشاحج ص٢٥٤-٢٥٥، وذكره المبرد في الكامل ١/ ٤٤١، والبغدادي في الخزانة ١١٢/٤ دون نسبة، وقوله: ((طِبُّنَا)) الطِّبُّ بمعنى العلة والسبب، أي: لم يكن سبب قتلنا الجبن وإنما كان ما جرى به القدر من حضور المنية وانتقالٍ الحال عنا والدُّولة. قاله في الخزانة . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٧٠/٤، والوسيط ١١٤/٤، وتفسير البغوي ١٧١/٤. ٢١٨ سورة الأحقاف: الآيات ٢٦ - ٢٨ مكناكم فيه كان بغيُكم أكثرَ وعنادكم أشدّ؛ وتمَّ الكلام(١)، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمّعًا وَأَبْصَرًّا وَفْئِدَةً﴾ يعني قلوباً يفقهون بها(٢). ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبَصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىءٍ﴾ من عذاب اللهِ. ﴿إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ﴾: يَكْفُرون. ﴿بَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم﴾: أَحاط بهم(٣) ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا اُلْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ اُلْقُرَى﴾ يُرِيدُ حِجْرَ ثمود وقُرى لوط ونحوهما مما كان يجاورُ بلادَ الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم. ﴿وَصَرَّفْنَا اُلْأَيَتِ﴾ يعني الحُجَجَ والدلالاتِ وأنواعَ البيِّنات والعِظات، أي: بيَّناها لأهل تلك القرى (٤). ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فلم يَرْجعوا. وقيل: أي: صرَّفنا آياتِ القرآن في الوعد والوعيد والقصص والإعجاز لعلَّ هؤلاء المشركين يَرْجِعون. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَّهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ءَاِهَذَّ بَلْ ضَلُواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾ (لَوْلَا)) بمعنى هلَّا، أي: هَا نصرَهم آلهتُهم التي تقرَّبوا بها - بزعمهم - إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءَ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهُ﴾. [يونس: ١٨]، ومنعَتهم من الهلاك الواقع بهم! قال الكسائيُّ: القُرْبان كلُّ ما يُتَقَرَّب به إلى الله تعالى من طاعةٍ ونَسيكة، والجمعُ: قرابين؛ كالرُّهبان والرَّهابين(٥). وأحد مفعولي ((اتخذ)) الراجعُ إلى ((الذين)) المحذوف، والثاني: ((آلِهَةً». (١) النكت والعيون ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥ . (٢) زاد المسير ٣٨٦/٧. (٣) معاني القرآن للفراء ٥٦/٣ . (٤) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ١٦١/٢١، ومجمع البيان ٢١/٢٦ . (٥) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٧١ - ١٧٢ دون نسبة . ٢١٩ سورة الأحقاف: الآية ٢٨ و(قُرْبَاناً)): حال، ولا يصحُّ أن يكون ((قُرْبَانًا)) مفعولاً ثانياً، و((آلِهَةً)) بدل منه؛ لفساد المعنى؛ قاله الزمخشري. وقرئ: ((قُرُبانا))؛ بضم الراء(١). ﴿بَلَّ ضَلُواْ عَنْهُمَّ﴾ أي: هَلكوا عنهم. وقيل: (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ)) أي: ضلَّت عنهم آلهتهم؛ لأنها لم يُصبها ما أصابهم؛ إذ هي جمادٌ. وقيل: ((ضَلُّوا عَنْهُمْ))، أي: ترَكوا الأصنام وتبرؤوا منها. ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: والآلهة التي ضلَّت عنهم هي إفكهم في قولهم: إنها تقرِّبهم إلى الله زلفى (٢). وقراءة العامة: ((إِفْكُهُمْ)) بكسر الهمزة وسكون الفاء، أي: كذبهم. والإفك: الكذب، وكذلك الأفِيكة، والجمع: الأفائك. ورجل أقٌَّ، أي: كَذَّاب. وقَرأ ابن عباس ومجاهد وابن الزبير: ((وَذَلِكَ أَفَكَهُمْ)) بفتح الهمزة والفاء والكافِ، على الفعل، أي: ذلك القول صَرَفهم عن التوحيد(٣). والأَفْكُ - بالفتح - مصدر قولك: أَفكَه يَأْفِكه أَفْكاً، أي: قلبَه وصرَفه عن الشيء. وقرَأ عكرمة: ((أَفَّكهم)) بتشديد الفاء على التأكيد والتكثير(٤). قال أبو حاتم: يعني قَلبهم عمَّا كانوا عليه من النعيم. وذكر المهدويُّ عن ابن عباس أيضاً: ((آفِكُهم)) بالمدِّ وكسر الفاء، بمعنى صارِفُهم . (١) الكشاف ٥٢٦/٤ وقد أعرب ((قرباناً)) مفعول اتخذوا، وآلهة بدلاً منه: العكبري في الإملاء ٢٣٥/٢، وذكره مكي في مشكل إعراب القرآن ٦٦٩/٢. وقوله: ولا يصح أن يكون ((قرباناً)) مفعولاً ثانياً ... إلخ، قال السمين الحلبي في الدر المصون ٦٧٧/٩: ووجه الفساد - والله أعلم - أن القربان اسم لما يتقرب به إلى الإله، فلو جعلناه مفعولاً ثانياً وآلهة بدلاً منه لزم أن يكون الشيء المتقَرَّبُ به آلهةٌ ، والفرض أنه غير الآلهة ، بل هو شيءُ يتقرب به إليها فهو غيرها ، فكيف تكون الآلهة بدلاً منه ؟ هذا ما لا يجوز. (٢) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٤/ ١٧٢ . (٣) ذكرها عنهم جميعاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٩ ، وعن ابن عباس ابنُ جني في المحتسب ٢٦٧/٢، وأخرجها عنه أيضاً الطبري في تفسيره ١٦٣/٢١. (٤) قراءة عكرمة في المحرر الوجيز ١٠٤/٥، وذكرها ابن جني في المحتسب ٢٦٧/٢ ، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٩ عن عياض . ٢٢٠ سورة الأحقاف: الآيتان ٢٨ - ٢٩ وعن عبد الله بن الزُّبير باختلاف عنه: ((آفَكَهم)) بالمدّ (١)، فجاز أن يكون أفعلَهم، أي: أَصَارَهم إلى الإفك. وجاز أن يكون فاعلَهم، كخَادَعَهم. ودليلُ قراءة العامة: ((إِفْكُهُمْ)) قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون. وقيل: ((إِفْكُهُم)) مثلُ: ((أفَكَهُم)). الإفْك والأَفَك كالحِذْر والحَذَر(٢)؛ قاله المهدويُّ. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوَأْ أَنْصِنُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾ هذا توبيخ لمشركي قريش، أي: إن الجنَّ سمِعوا القرآن فآمنوا به، وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصِرُّون على الكفر(٣). ومعنى: ((صَرَفْنَا)): وجَّهنا إليك وَبَعَثنا. وذلك أنهم صُرِفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشُّهُب - على ما يأتي - ولم يكونوا بعدَ عيسى قد صُرِفوا عنه إلا عند مبعثِ النبيِّ ﴾(٤). قال المفسرون؛ ابنُ عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم: لمَّا مات أبو طالب خَرِج النبيُّ # وحدَه إلى الطائف يَلْتمِس من ثَقيف النصرةَ، فقصد عبْدَ ياليل ومسعوداً وحبيباً وهم إخوة، بنو عمرو بن عمير، وعندهم امرأة من قريش من بني جُمَح، فدعاهم إلى الإيمان، وسألَّهم أن يَنْصُروه على قومه، فقال أحدهم: هو يَمْرُط ثيابَ الكعبة (٥) إن كان اللهُ أرسلَك! وقال الآخر: ما وجَد اللهُ أحداً يرسِله غيرَك! وقال (١) يعني بالمد وفتح الفاء والكاف كما في القراءات الشاذة ص١٣٩، والمحتسب ٢٦٧/٢، والمحرر الوجيز ١٠٤/٥ . (٢) المحتسب ٢٦٧/٢ - ٢٦٨، وذكر صاحب القاموس: أنها بكسر الهمزة وفتحها وبالتحريك. (٣) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٢١/ ١٦٣. (٤) النكت والعيون ٢٨٥/٥ . (٥) أي: ينزعه ويسقطه عنها . ينظر القاموس (مرط).