Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة الدخان: الآيات ٥٦ - ٥٩ وقيل : إن ((إلَّا)) بمعنى بَعْد، كقولك: ما كلَّمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك. وقيل: ((إلَّا)) بمعنى سوى، أي: سوى الموتةِ التي ماتوها في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَلَا شَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَْ﴾(١) [النساء: ٢٢]. أي: سوى ما قد سلف (٢). وهو كما تقول: ما ذقت اليوم طعاماً سوى ما أكلت أمس. وقال القتبيُّ: ((إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى)) معناه أن المؤمن إذا أشرف على الموت استقبلته ملائكة الرحمة ويَلْقى الرَّوْحِ والرَّيحان، وكان موته في الجنة لاتصافه بأسبابها، فهو استثناء صحيح(٣). والموتُ عَرضٌ لا يذاق، ولكن جُعِل كالطعام الذي يُكره ذوقه، فاستُعير فيه لفظُ الذوق. ﴿وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ. فَضْلًا مِّنْ زَيِّكْ﴾ أي: فعل ذلك بهم تفضُّلًا منه عليهم.(٤) فـ ((فَضْلًا)) مصدر عمل فيه ((يَدْعُونَ)). وقيل: العامل فيه ((وَوَقَاهُمْ))(٥). وقيل: فعل مضمر. وقيل: معنى الكلام الذي قبله، لأنه تفضُّلٌ منه عليهم، إذ وفَّقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة . ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ أي: السعادةُ والربح العظيم والنجاة العظيمة. وقيل: هو من قولك: فاز بكذا، أي: ناله وظَفِر به. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُم ٥٨ ٥٩ مُرْتَقِبُونَ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِسَانِكَ﴾ يعني القرآن، أي: سهّلناه بلغتك عليك (١) ذكر هذا القول الزجاج في معاني القرآن ٤٢٨/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٥١/٧ - ٣٥٢. (٢) قوله : أي ما قد سلف ، من (ظ) و(ق) . (٣) ينظر تأويل مشكل القرآن ص ٥٥ - ٥٦ . (٤) تفسير البغوي ٤/ ١٥٦. (٥) مشكل إعراب القرآن ٦٥٨/٢ . ١٤٢ سورة الدخان: الآيتان ٥٨ - ٥٩ وعلى مَن يقرؤه ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَرُونَ﴾ أي: يتَّعظون وينزجرون. ونظيرُه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. فختم السورة بالحثُّ على اتّباع القرآن وإن لم يكن مذكوراً، كما قال في مفتتح السورة: ﴿إِنََّ أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] على ما تقدَّم. ﴿فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُم ◌ُرْتَقِبُونَ﴾ أي: انتظر ما وعدتك من النصر عليهم، إنهم منتظرون لك الموت. حكاه النقاش(١) . وقيل: انتظر الفتح من ربك، إنهم منتظرون بزعمهم قهرَك(٢). وقيل: انتظر أن يَحكُم الله بينك وبينهم، فإنهم ينتظرون بك رَيْب الحَدَثان. والمعنى متقارب . وقيل ارتقب ما وعدتك من الثواب، فإنهم كالمنتظرين لِمَا وعدتهم من العقاب . وقيل: ارتقب يوم القيامة فإنه يوم الفصل، وإن لم يعتقدوا وقوع القيامة، جُعِلوا كالمرتقبين لأن عاقبتهم ذلك. والله تعالى أعلم. (١) النكت والعيون ٢٥٩/٥ . (٢) الوجيز بهامش مراح لبيد ٢٨٦/٢ . سورة الجاثية مكيَّةٌ كلُّها في قول الحسن [وعطاء] وجابر وعكرمة. وقال ابن عباس وقتادة: إلَّا آية، هي: ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ﴾ [الآية: ١٤] نزلت بالمدينة في عمرَ بن الخطاب ﴾؛ ذكره الماوردي(١) . وقال المهدوي والنَّخَاس عن ابن عباس: إنَّها نزلت في عمر ، شتَمه رجلٌ من المشركين بمكّة قبل الهجرة، فأراد أنْ يبطش به، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْحُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾﴾. ثم نُسِخت بقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٥]. فالسورةُ كلُّها مكيةٌ على هذا من غير خلاف. وهي سبعٌ وثلاثون آية. وقيل: ست(٣). ـة بِسْمِ اللَّهِ الرََِّ قوله تعالى: ﴿حَمّ ) تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿حمّ﴾ مبتدأ، و﴿تَنزِيلُ﴾ خبرُه. وقال بعضهم: ((حم)) اسم السورة، و(تَنْزِيلُ الْكِتَابِ)) مبتدأ، وخبره (مِنَ اللّهِ)). و ((الكتاب)): القرآن. و((الْعَزِيزِ)): المنيع. ((الحكِيم)) في فعله. وقد تقدَّم جمیعُ هذا (٤). (١) في النكت والعيون ٥ / ٢٦٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٦٢٥/٢، وسيتكلم المصنف عليه ١٥٠/١٩. (٣) الكشاف ٥٠٨/٣ . (٤) ١/ ٤٢٩، ٢ /٤٠٣ - ٤٠٤ . ١٤٤ سورة الجاثية: الآيات ٣ - ٥ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وَفِ خَلْفِكُمْ وَمَا يَبُثُ مِن دَآبَّةٍ ◌َيَّتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿ وَأَخْلَفِ الَّتِلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنَهَا وَتَصْرِيفِ الرَّجِ ءَايَتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: في خلقهما ﴿لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبُّ مِن دَّةَ ءَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وَأَخْلَفِ الَِّلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ﴾ يعني المطر. ﴿فَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنَهَا وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ ءَايَنْتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ تقدَّم جميعه مستوفى في ((البقرة)) وغيرها(١). وقراءةُ العامَّة: ﴿وَمَا يَبُ مِنْ دَبَ ءَايَتٌ﴾ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ ءَايَتٌ﴾ بالرفع فيهما. وقرأ حمزةُ والكسائيّ بكسر التاء فيهما (٢). ولا خلاف في الأوَّل أنَّه بالنصب على اسم ((إنَّ)، وخبرُها ((في السَّمَاوَاتِ)). ووجه الكسر في ((آيات)» الثاني العطفُ على ما عملت فيه؛ التقدير: إنَّ في خلقكم وما يبثُّ منْ دابَّةٍ آیاتٍ. فأمَّا الثالث فقيل: إنَّ وجهَ النصب فيه تكريرُ («آيَات)) لمَّا طال الكلام؛ كما تقول: ضربتُ زيداً زيداً (٣). وقيل: إنَّه على الحمل على ما عملَتْ فيه ((إنَّ)) على تقدير حذف ((في))؛ التقدير: وفي اختلاف الليل والنهار آياتٍ. فَحُذِفت ((في)) لتقدُّم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف (٤): (١) ٢/ ٤٩٠ وما بعدها، و٤٦٦/١٦. (٢) السبعة ص ٥٩٤، والتيسير ص ١٩٨ . (٣) ويكون قوله تعالى: ﴿وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ معطوفاً على ﴿ التَّمَّتِ﴾. كما ذكر مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٦٠، ومثّلَ له بقوله: ما زيدٌ قائماً ولا جالساً زيدٌ، فنصب جالساً على أن زيداً الأخير هو الأول، ولكن أظهرته ثانيةً للتأكيد. ومثّل له العكبري في الإملاء ٢/: ٢٣٢ بقوله: إن بثوبك دماً وبثوب زيد دماً. فدم الثاني مكرر؛ لأنك مستغنٍ عن ذكره. (٤) الكتاب ٦٦/١، ونسبه لأبي دؤاد. ١٤٥ سورة الجاثية: الآيات ٣ - ٦ أَكُلَّ امرئٍ تَخْسِبينَ امرأً ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارا فحذفَ ((كلّ)) المضاف إلى نارٍ المجرورة لتقدُّم ذكرها. وقيل: هو من باب العطف على عاملين. ولم يُجِزْه سيبويه، وأجازَه الأخفش وجماعةٌ من الكوفيين؛ فعطفَ ((واخْتِلَافِ)) على قوله: ((وفي خَلْقِكُمْ)) ثم قال: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٍ)) فيحتاجُ إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين قبيحٌ من أجل أنَّ حروفَ العطف تنوب منابَ العامل، فلم تَقْوَ أنْ تنوبَ مناب عاملين مختلفين؛ إذْ لو نابَ مناب رافعٍ وناصب، لكان رافعاً ناصبًا في حال. وأمَّا قراءةُ الرفع فحملاً على موضع ((إنّ)) مع ما عملت فيه. وقد ألزم(١) النحويون في ذلك أيضاً العطفَ على عاملين؛ لأنَّه عَطَف(٢) ((وَاخْتِلَافِ)) على ((وفِي خَلْقِكُمْ))، وعطف ((آيات)) على موضع («آيَات)) الأوَّل، ولكنَّه يقدَّر على تكرير ((في)).(٣) ويجوزُ أنْ يُرفَع على القطع ممَّا قبلَه فيرفع بالابتداء، وما قبلَه خبره، ويكون عطفَ جملةٍ على جملة. وحكى الفرَّاء رفع ((واختِلاف)) و((آيات)) جميعاً، وجعلَ الاختلاف هو الآيات (٤). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِآلْحَقٌّ فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ، يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَثُ اللَّهِ﴾ أي: هذه آياتُ الله، أي: حُجَجُه وبراهينُه الدالّةُ على وحدانيته وقدرته. (١) في (د) و(ز) و(ق): التزمت، وفي (ظ): التزم . (٢) بعدها في النسخ الخطية : على . (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٣٢/٤، والبيان لأبي البركات ابن الأنباري ٣٦٣/٢ . (٤) معاني القرآن للفراء ٤٥/٣. ونقله عنه النحاس في إعراب القرآن له ١٤١/٤ وقال: وقد كفى المؤونة فيه بأن قال : ولم أسمع أحداً قرأ به . ١٤٦ سورة الجاثية: الآيات ٦ - ٨ ﴿ِنَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصِّدق الذي لا باطلَ ولا كذب فيه. وقُرئ: (يَتْلُوهَا)) بالياءِ(١). ﴿فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَ الَِّ﴾ أي: بعدَ حديث الله، وقيل: بعدَ قرآنه(٢) ﴿وَءَايَتِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ وقراءةُ العامَّة بالياء على الخبر، وقرأَ ابنُ مُحَيْصن، وأبو بكر عن عاصم، وحمزةٌ، والكسائيُّ: ((تُؤْمِنُونَ)) بالتاء على الخطاب(٣). قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفٍَّ أَشٍِ ﴿ يَسْمَعُ ءَايَتِ الَّهِ تُغْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُ مُسْتَكْبرًا كَأَن ◌َّرْ يَسْمَمْهَّا فَبِثِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلیم قوله تعالى: ﴿وَلٌ لِكُلِّ أَفٍَّ أَثِرٍ﴾ ((وَيْلٌ)) وادٍ في جهنم (٤). توعَد من ترك الاستدلال بآياته. والأقَّاك: الكذَّاب، والإفكُ: الكذب. ((أثيم)) أي: مرتكبٌ للإثم(٥). والمراد فيما رُوِيَ: النضرُ بن الحارث(٦). وعن ابن عباس أنَّه الحارثُ بن كَلَدة(٧). وحكى الثعلبيُّ أنَّه أبو جهل(٨) وأصحابه. ﴿يَسْمَعُ ءَتِ اللَّهِ تُثَى عَلَيْهِ﴾ يعني آيات القرآن. ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبًا﴾ أي: يتمادى على (١) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٠٩/٣ ، وهي قراءة شاذة. (٢) ينظر الكشاف ٥٠٩/٣ . (٣) وهي قراءة ابن عامر - من السبعة - أيضاً. السبعة ص ٥٩٤، والتيسير ص ١٩٨. (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١١٧١٢) عن أبي سعيد الخدري. وإسناده ضعيف. وسلف ٢٢٠/٢ - ٢٢١ . (٥) في (ظ) : الإثم . (٦) ذكر هذا القول أبو الليث في تفسيره ٢٢٣/٣، ونسبه الماوردي في النكت والعيون ٢٦٣/٥ لابن جريج. (٧) قول ابن عباس كما في إعراب القرآن للنحاس ١٤٢/٤: أن الآية نزلت في النضر بن كلدة ، وفي زاد المسير ٧/ ٣٥٥ عن ابن عباس أيضاً أنها نزلت في النضر بن الحارث . (٨) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٨١، وذكر القول الآخر في أنها نزلت في النضر بن الحارث. ثم قال : والصواب أن سببها ما كان المذكوران وغيرهما يفعل ، وأنها تعم كل من دخل تحت الأوصاف المذكورة إلى يوم القيامة . ١٤٧ سورة الجاثية: الآيات ٧ - ١٠ كفره متعظِّمًا في نفسه عن الانقياد (١)؛ مأخوذٌ من صرَّ الصُّرة: إذا شدَّها. قال معناه ابن عباس وغيره(٢). وقيل : أصلُه من إصرار الحمار على العانة(٣)، وهو أنْ ينحنيَ عليها صارًّا أذنيه. و((أنْ)) من ((كأَنْ)) مخففةٌ من الثقيلة؛ كأنَّه لم يسمعها، والضميرُ ضميرُ الشأن؛ كما في قوله : كأَنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إلى ناضر السَّلَمْ (٤) ومحل الجملة النصب [على الحال]، أي يُصِرُّ مثلَ غير السامع(٥). وقد تقدَّم في أوَّل (لقمان)) القولُ في معنى هذه الآية(٦). وتقدَّم معنى ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في ((البقرة))(٧). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَئِنَا شَيْئًا أَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ مِّن وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم ◌َّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا أُمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَ: وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَِنَا شَيْئًا أَّخَذَهَاَ هُزُوًا﴾ نحو قوله في الزَّقُومِ: إِنَّه الزُّبِدُ (١) مجمع البيان ٢٥/ ١٢٧ . (٢) النكت والعيون ٢٦١/٥ . وفيه أن قائله ابن عيسى. بدل: ابن عباس. (٣) العانة : الأتان . القاموس المحيط (عون) . (٤) هو عجز بيت صدره : ويوماً توافينا بوجه مُقَسَّم. نسبه سيبويه في الكتاب ٢/ ١٣٤ لابن صريم اليشكري ، ونسبه صاحب الأصمعيات ص ١٥٧ لعِلْبَاء بن أرقم . وتعطو : تناول ، يقال: عطا يعطو ، إذا تناول . ويروى : وارق السلم . بدل : ناضر . وناضر من النضارة ، وهي الحسن وأراد به خضرته . والسَّلَّم: ضربٌ من شجر البادية يعظم وله شوك، واحدته سَلَمة. ينظر خزانة الآداب ٤١٦/١٠ . (٥) الكشاف ٥٠٩/٣ . وما سلف بين حاصرتين منه، وتفسير الرازي ٢٧/ ٢٦١ . (٦) ١٦ / ٤٦٥ . (٧) ٣٠١/١، ٣٥٨. ١٤٨ سورة الجاثية: الآيات ٩ - ١١ والتمر(١)، وقوله في خزنة جهنم: إنْ كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهُم وحدي(٢). ﴿أُوْلَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ مُذِلِّ مخزِ. ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِمْ جَهَنَّمٌ﴾ أي: من وراء ما هم فيه من التعزُّز في الدنيا والتكبِّر عن الحقِّ جهنمُ(٣). وقال ابن عباس: ﴿مِّنِ وَرَآيِهِمْ جَهَّمٌ﴾ أي: أمامهم (٤)، نظيره: ﴿مِّنِ وَرَآپِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءِ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] أي: من أمامه. قال: أَدُبُّ مع الولدان أزْحَفُ كالنَّسْر(٥) أليسَ ورائي إِنْ تراخت منِيَّتِي ﴿وَلَا يُغْنِى عَنْهُمْ مَّا كَسَبُواْ شَيْئًا﴾ أي: من المال والولد؛ نظيره: ﴿لَنْ تُغْنِى عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠](٦). ﴿وَلَ مَا أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيٌَّ﴾ يعني: الأصنام. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: دائمٌ مؤلم. قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدَىٌّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّنْ يِّجْزٍ أَلِيمُ قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدَىٌ﴾ ابتداءٌ وخبر؛ يعني القرآن. وقال ابن عباس: يعني كلَّ ما جاء به محمدٌ ﴿ .. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ﴾ أي: جحدوا دلائله. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ الرجز: العذاب، أي: لهم عذابٌ من عذابٍ أليم؛ (١) القائل أبو جهل كما أخرجه الطبري ١٤ /٦٤٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) وهو حكاية عن استهزاء أبي جهل بالخَزَنة التسعة عشر أخرجه الطبري ٤٣٦/٢٣ عن ابن عباس وقتادة وابن زيد ، ولفظ رواية ابن عباس أنّ أبا جهل قال لقريش : أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أنّ خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم ، أفيعجز كلُّ عشرة منكم أن يبطشوا برجلٍ من خزنة جهنم ؟ ... (٣) مجمع البيان ٢٥/ ١٢٧ . (٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٤/ ٩٥ . (٥) ذكره الزمخشري في الكشاف ٥١٠/٣. دون نسبة. والشطر الأول صدر بيت للبيد، وعجزه: لزومُ العصا تُحنى عليها الأصابعُ. وهو في ديوانه ص ١٧٠، وسلف ١٢/ ١٢٠. (٦) بعدها في (د) و(ز) و(م) : أي من المال والولد. ١٤٩ سورة الجاثية: الآيات ١١ - ١٣ دليله قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًّا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩] أي: عذاباً. وقيل: الرِّجز القذَر مثل الرِّجس؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن ◌َّءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] أي: لهم عذابٌ مِن تَجَرُّع الشراب القذِر(١). وضمَّ الراءَ من الرِّجز ابنُ محيصن حيث وقع(٢). وقرأ ابنُ كثير وابن محيصن وحفص: ((أَلِيمٌ)) بالرفع(٣)؛ على معنى لهم عذابٌ أليمٌ من رجز. الباقون بالخفض نعتاً للرجز. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِ، وَلِنَبِئَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَخَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ذكرَ كمالَ قدرته وتمام نعمته على عباده، وبيَّن أنَّه خلقَ ما خلقَ لمنافعهم. ﴿وَسَخَرَ لَكُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يعني: أنَّ ذلك فعلُه وخلقُه وإحسانٌ منه وإنعام. وقرأ ابنُ عباس والجحدرِيُّ وغيرُهما: ((جَمِيعاً مِنَّةً)) بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوباً على المصدر (٤). قال أبو عمرو: وكذلك سمعتُ مَسْلَمَة يقرؤُها: ((مِنّةً))(٥) أي: تفضُّلاً وكرمًا. وعن مَسْلَمَة بن مُحارب أيضاً: ((جميعًا مَنُّهُ)) (١) الكلام بنحوه في الحجة لأبي علي الفارسي ٦/ ١٧٤ - ١٧٥، وينظر ما سلف ١٣٤/٢. (٢) إتحاف فضلاء البشر ص ١٨٠ . (٣) السبعة ص ٥٩٤، والتيسير ص ١٨٠. وقراءة ابن محيصن في المحرر الوجيز ٨٢/٥. (٤) المحتسب ٢٦٢/٢. ونقل ابن عطية في المحرر ٥/ ٨٢ عن أبي حاتم قوله: سند هذه القراءة إلى ابن عباس مظلم . (٥) لم نقف عليها. وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٢/٥، والسمين في الدر المصون ٦٤٥/٩ عن مسلمة بن محارب: مِنَّةٌ؛ بكسر الميم ، وبالرفع في التاء . ومسلمة: هو ابن عبد الله بن محارب ، أبو عبد الله الفهري البصري النحوي ، له اختيار في القراءة .. كان مع ابن إسحاق وأبي عمرو بن العلاء ، وقال مجاهد : كان من العلماء بالعربية . غاية النهاية ٢٩٨/٢ . ١.٥٠ سورة الجاثية: الآيات ١٢ - ١٤ على إضافة المنِّ إلى هاء الكناية. وهو عند أبي حاتم خبرُ ابتداءٍ محذوف، أي: ذلك، أو هو مَنُّه(١). وقراءة الجماعة ظاهرة. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ لِيَجْزِئَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ جزم على جواب ((قُلْ)) تشبيهًا بالشرط والجزاء؛ كقولك: قُمْ تُصِب خيرًا(٢). وقيل: هو على حذف اللام. وقيل: على معنى قل لهم: اغفروا؛ يغفروا؛ فهو جوابُ أمرٍ محذوف؛ دلَّ الكلامُ عليه؛ قاله عليّ بن عیسی واختاره ابن العربيّ(٣). ونزلت الآيةُ بسبب أنَّ رجلاً من قريش شتم عمرَ بن الخطاب، فهمَّ أنْ يبطشَ به. قال ابنُ العربيّ: وهذا لم يصح(٤). وذكر الواحديُّ(٥) والقشيريُّ وغيرهما عن ابن عباس أنَّ الآيةَ نزلت في عمرَ مع عبد الله بن أُبَّ في غَزْوة بني المُصْطَلِقِ، فإنَّهم نزلُوا على بئرٍ يُقَال لها: المُرَيْسِيع، فأرسلَ عبدُ الله غلامه ليستقي، وأَبطأ عليه فقال: ما حبسَك؟ قال: غلامُ عمرَ بن الخطاب قعد على فم البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأَ قِرِبَ النبيِّ # وقِرَب أبي بكر، وملأَّ لمولاه. فقال عبد الله: ما مَثُلُنا ومثلُ هؤلاء إلَّا كما قيل: سَمِّن كلبك يأكُلُك. فبلغ عمرَ ه قولُه، فاشتملَ على سيفه يريد التوجُّه إليه ليقتلَه؛ فأنزلَ الله هذه الآية. هذه روايةُ عطاء عن ابن عباس. (١) المحتسب ٢٦٢/٢. (٢) معاني القرآن للفراء ٤٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٤٣/٤. (٣) نقله عن علي بن عيسى النحاسُ في إعراب القرآن ١٤٣/٤، واختيار ابن العربي في أحكام القرآن ٠١٦٨١/٤ (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٨١/٤، وسلف الخبر في سبب النزول ص ١٤٣ من هذا الجزء. (٥) في أسباب النزول ص ٤٠١ . ١٥١ سورة الجاثية: الآية ١٤ ورَوى عنه ميمونُ بن مِهران قال: لمَّا نزلت ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال يهوديٌّ بالمدينة يقالُ له فِنخاص: احتاج ربُّ محمد! قال: فلمَّا سمع عمرُ بذلك اشتملَ على سيفه وخرج في طلبه، فجاءَ جبريلُ عليه السلام إلى النبيِّ﴾ فقال: إنَّ ربّك يقول لك: ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ الَهِ﴾. واعلم أنَّ عمرَ قد اشتملَ على سيفه، وخرجَ في طلب اليهودّي؛ فبعثَ رسولُ الله ◌ِ﴾ في طلبه، فلمَّا جاء قال: ((يا عمر، ضَعْ سيفك)) قال: يا رسول الله، صدقت، أشهدُ أنَّك أُرسِلت بالحق. قال: ((فإنَّ ربك يقول: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال: لا جرم! والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي))(١). قلت: وما ذكره المهدويُّ والنَّحّاس(٢) فهو رواية الضَّحَّاك عن ابن عباس، وهو قول القُرَظيّ والسُّدِّي(٣)، وعليه يتوجَّه النسخُ في الآية. وعلى أنَّ الآيةَ نزلت بالمدينة، أو في غزوة بني المُصْطَلِقِ؛ فليست بمنسوخة. ومعنى ((يَغْفِرُوا)): يعفوا ويتجاوزوا. ومعنى ((لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ)): أي: لا يرجون ثوابَه. وقيل: أي لا يَخافون بأسَ الله ونِقَمه. وقيل: الرجاءُ بمعنى الخوف؛ كقوله: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارَ﴾ أي: لا تخافون له عظمةً. والمعنى: لا يَخْشَوْن(٤) مثلَ عذاب الأمم الخالية. والأيام يُعبَّر بها عن الوقائع. وقيل: لا يأمُلون نصرَ الله لأوليائه وإيقاعَه بأعدائه(٥). وقيل: المعنى: لا يخافون البعث. ﴿ لِيَجْزِىَ قَوْمَّا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قراءةُ العامَّة: (لِيَجْزِيَ)) بالياء على معنى: ليجزيَ اللهُ. (١) أسباب النزول للواحدي ص ٤٠١ - ٤٠٢ . (٢) سلف قولهما أول السورة. (٣) قولهما كما ذكر البغوي في تفسيره ٤/ ١٥٨: نزل في أناس من أصحاب رسول الله 8% من أهل مكة كانوا في أذىّ شديد من المشركين ، من قبل أن يؤمروا بالقتال ، فشكوا ذلك إلى رسول الله * ؛ فأنزل الله هذه الآية . (٤) في (م) لا تخشون . (٥) ينظر الكشاف ٣/ ٥١٠ . ١٥٢ سورة الجاثية: الآيات ١٤ - ١٧ وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وابنُ عامر: ((لِنَجْزِيَ)) بالنون على التعظيم. وقرأ أبو جعفر والأعرجُ وشيبةُ: ((لِيُجْزِى)) بياءٍ مضمومة، وفتح الزاي على الفعل المجهول، ((قَوْماً)) بالنصب(١). قال أبو عمرو: وهذا لحنٌ ظاهر. وقال الكسائيُّ: معناه: ليُجْزَى الجزاءُ قومًا (٢)، نظيره: ﴿وَكَذَلِكَ نُجِّي الْمُؤْمِنِينَ﴾ على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة الأنبياء [الآية: ٨٨](٣). قال الشاعر: لَسُبَّ بذلك الجَرْوِ الكلابا(٤) ولو وَلَدَتْ قُفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ أي: لَسُبَّ السَّبُّ. قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُجَعُونَ تقدَّم(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ الْكِتَبَ وَاَلْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْتَهُم مِّنَ اُلَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿٨ وَءَاتَيْنَهُم بَيْنَتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا أَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ الْكِتَبَ﴾ يعني: التوراة. ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الحكم: الفهمُ في الكتاب. وقيل: الحكم على النَّاس والقضاء(٦). ((والنُّبُوَّةَ)) يعني: الأنبياء من وقت يوسفَ عليه السلام إلى زمن عيسى عليه السلام. (١) السبعة ص ٥٩٥، والتيسير ص١٩٨، والنشر ٣٧٢/٢. (٢) تفسير البغوي ٤/ ١٥٨ . (٣) التيسير ص ١٥٥ . (٤) البيت لجرير، وسلف ٢٧٦/١٤ . (٥) عند تفسير الآية (٤٦) من سورة فصلت. (٦) الكشاف ٣/ ٥١١ . : ١٥٣ سورة الجاثية: الآيات ١٦ - ١٨ ﴿وَرَزَقْتَهُم مِّنَ الَِّبَتِ﴾ أي: الحلال من الأقوات والثِّمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل: يعني المَنَّ والسَّلْوَى في التِّيه. ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ أي: على عالَمِي زمانِهم؛ على ما تقدَّم في ((الدخان)) بيانه (١). ﴿وَءَايَّْتَهُمْ بَيِنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ﴾ قال ابن عباس: يعني أمرَ النبيِّ ﴾، وشواهدَ نبوَّته بأنَّه يهاجر من تِهامة إلى يَثْرِب، وينصره أهلُ يثرب (٢). وقيل: بيّناتٍ من الأمرِ: شرائعُ واضحاتٌ في الحلال والحرام ومعجزات. ﴿فَمَا لَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يريد يُوشَع بن نُون؛ فَآمَنَ بعضهم وكفر بعضهم؛ حكاه النقاش(٣). وقيل: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بنبوَّة النبيِّ ◌َ﴾ فاختلفوا فيها. ﴿بَغْيَأْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: حسدًا على النبيَِّ﴿؛ قال معناه الضحاك(٤). وقيل: معنى ((بَغْيًا)): أي: بَغَى بعضُهم على بعضٍ بطلبِ الفَضْل والرياسة، وقتلوا الأنبياء؛ فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم البيِّناتُ، ولكنْ أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ﴾ أي: يحكم ويَفْصِلِ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنیا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ اُلْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ فيه مسألتان : (١) ص ١٢٣ من هذا الجزء. (٢) تفسير الرازي ٢٦٥/٢٧ . (٣) النكت والعيون ٢٦٣/٥. (٤) قول الضحاك كما في النكت والعيون ٢٦٣/٥: بغيًا على رسول الله # في جحود ما في كتابهم من نبوة و صفته. ١٥٤ سورة الجاثية: الآية ١٨ الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ الشريعة في اللُّغة: المذهبُ والمِلَّة. ويقال لِمَشْرَعة الماء - وهي موردُ الشاربة -: شريعة(١). ومنه الشارع؛ لأنَّه طريقٌ إلى المَقْصِد. فالشريعة: ما شَرَع الله لعباده من الدين، والجمعُ الشرائع (٢). والشرائع في الدين: المذاهبُ التي شَرَعها الله لخلقه. فمعنى: ﴿جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ﴾ أي: على منهاجٍ واضحٍ من أمر الدّين يَشْرَعُ بك إلى الحقّ. وقال ابن عباس: ((عَلَى شَرِيعَةٍ)) أي: على هدى من الأمر. قتادة: الشريعةُ: الأمرُ والنهيُ والحدودُ والفرائض(٣). مقاتل: البيّنة؛ لأنَّها طريقٌ إلى الحقّ. الكلبيّ: السُّنَّة؛ لأنَّه يَستنُّ بطريقة مَن قبله من الأنبياء. ابن زيد: الدِّين؛ لأنَّه طريقُ النجاة (٤). قال ابن العربيّ(٥): والأمرُ يَرِدُ في اللُّغة بمعنيين: أحدهما: بمعنى الشأن، كقوله: ﴿وَنَّهُوّْ أَغَ فِرْعَوْنٌّ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]. والثاني: أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي. وكلاهما يصحُّ أنْ يكونَ مرادًا هاهنا؛ وتقديرُه: ثمَّ جعلناك على طريقةٍ من الدين، وهي ملَّة الإسلام؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَِّعْ مِلَّةَ إِثْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. ولا خلاف أنَّ الله تعالى لم يُغَاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنَّما خالفَ بينها(٦) في الفروع؛ حسبما علمه سبحانه. الثانية: قال ابنُ العربيّ(٧): ظنَّ بعضُ من تكلّم(٨) في العلم أنَّ هذه الآيةَ دليلٌ (١) الصحاح (شرع) . (٢) معاني القرآن للنحاس ٤٢٤/٦ - ٤٢٥ . (٣) أخرجهما الطبري ٢١/ ٨٥ . (٤) النكت والعيون ٥/ ٢٦٤ . (٥) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٨٢. (٦) في النسخ: بينهما . والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي . (٧) في أحكام القرآن ١٦٨٢/٤، وما سيرد بين حاصرتين منه . (٨) في (د) و(ز) و(ق) و(م) : يتكلم . ١٥٥ سورة الجاثية: الآيات ١٨ - ٢٠ على أنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنا ليس بشرع لنا؛ لأنَّ الله تعلى أفردَ النبيَّ ﴾ وأمته في هذه الآية بشريعة، ولا ننكر (١) أنَّ النبيَّ ﴾ وأمتَه منفردان بشريعة، وإنَّما الخلافُ فيما أخبر النبيُّ ◌َ﴿ عنه مِن شرع مَن قبلَنا في مَعرض المدح والثناء [والعظة]، هل يلزمُ اتِّباعه أم لا؟ قوله تعالى: ﴿وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: المشركين. وقال ابن عباس: قُريظة والنَّضِير. وعنه: نزلتْ لمَّا دعته قريشٌ إلى دين آبائه(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّفِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئً﴾ أي: إنْ اتَّبعتَ أهواءَهم لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئاً (٣). ﴿وَإِنَّ الَّلِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ﴾ أي: أصدقاءُ وأنصار وأحباب. قال ابن عباس (٤): يريد أنَّ المنافقينَ أولياءُ اليهود. ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّفِينَ﴾ أي: ناصرُهم ومُعِينُهم. والمتَّقون هنا: الذين اتَّقوا الشركَ والمعاصي. قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصََهُ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَِّرُ لِلنَّاسِ﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: هذا الذي أَنْزلتُ عليك براهينُ ودلائلُ ومعالمُ للنَّاس في الحدود والأحكام(٥). وقُرِئ: ((هَذِهِ بَصَائِرُ)) أي: هذه الآيات(٦). ﴿وَهُدَى﴾ أي: رَشَدٌ وطريقٌ يؤدّي إلى الجنَّة لمن أَخَذَ به. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ (١) في (خ) و(ظ) و(ق) : ينكر . (٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٣٦٠ . (٣) تفسير البغوي ١٥٩/٤ . (٤) في (ظ) : ابن زيد. (٥) تفسير البغوي ١٥٩/٤. (٦) الكشاف ٣/ ٥١١، والقراءة المذكورة شاذة. ١٥٦ سورة الجاثية: الآية ٢١ في الآخرة ﴿لَّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ (٢١ الصَّلِحَتِ سَوَاءٌ تَّحْيَهُمْ وَمَعَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ قوله تعالى: ﴿أَمّ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: اكتسبوها. والاجتراح: الاكتساب؛ ومنه الجوارح(١)، وقد تقدَّم في المائدة(٢). ﴿َنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ قال الكلبيّ: ((الَّذِينَ اجْتَرَحُوا)) عُتبةُ وشَيبةُ ابنا ربيعة والوليدُ بن عُتبة. و((الَّذِينَ آمَنُوا)) عليٍّ وحمزةُ وعُبيدةٌ بن الحارث ﴾ حين بَرزُوا إليهم يومَ بدرٍ فقتلوهم(٣). وقيل: نزلت في قومٍ من المشركين قالوا: إنَّهم يُعطّون في الآخرة خيرًا مما يُعطَاه المؤمن(٤)؛ كما أخبر الربُّ عنهم في قوله: ﴿وَلَيِنِ تُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]. وقوله: ((أَمْ حَسِبَ)) استفهامٌ معطوفٌ معناه الإنكار. وأهلُ العربيةُ يُجوِّزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطاً للخطاب. وقوم يقولون: فيه إضمار، أي: والله وليُّ المتقين؛ أفيعلمُ المشركون ذلك؛ أم حسبوا أنَّا نسوِّي بينهم. وقيل: هي أم المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحُسبان(٥). وقراءةُ العامَّة: (سَوَاءٌ)) بالرفع على أنَّه خبرُ ابتداءٍ مقدَّم، أي: محياهم ومماتهم سواء. والضمير في ((مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)) يعود على الكفار(٦)، أي: محياهم محيا سوء، ومماتهم كذلك. (١) الكشاف ٣/ ٥١١ . (٢) ٣٠٠/٧ . (٣) النكت والعيون ٢٦٤/٥. وخبر المبارزة أخرجه أحمد (٩٤٨) عن علي ﴾. (٤) ذكر نحوه البغوي في تفسيره ١٥٩/٤ . (٥) الكشاف ٣/ ٥١١ . (٦) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٦٢. ١٥٧ سورة الجاثية: الآية ٢١ وقرأ حمزةُ والكسائيُّ والأعمشُ: ((سَوَاءٌ)) بالنصب(١)، واختاره أبو عبيد قال: معناه نجعلهم سواءً(٢). وقرأ الأعمش أيضًا وعيسى بن عمر: ((وَمَمَاتَهم)) بالنصب(٣)؛ على معنى سواءً في محياهم ومماتهم؛ فلما أُسقط الخافضُ انتصب. ويجوزُ أنْ يكون (مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)) بدلاً من الهاء والميم في نجعلهم؛ المعنى: أنْ نجعلَ محياهم ومماتَهم سواءً كمحيا الذين آمنوا ومماتِهم (٤). ويجوزُ أنْ يكون الضميرُ في ((مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)) للكفار والمؤمنين جميعًا(٥). قال مجاهد: المؤمنُ يموت مؤمنًا ويُبعث مؤمنًا، والكافرُ يموت كافرًا ويُبعث كافرًا (٦). وذكر ابنُ المبارك: أخبرنا شعبةُ، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي الضُّحى ، عن مسروق قال: قال رجلٌ من أهل مّة: هذا مقامُ تميم الداري، لقد رأيتُه ذاتَ ليلةٍ حتى أصبح أو قرب أن يُصبح يقرأُ آيَةً من كتاب الله، ويركع، ويسجد، ويبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَةِ﴾ الآية كلها(٧). وقال: نُسَير (٨): بِتُّ عند الربيع بن خُثَيْم ذاتَ ليلةٍ، فقامَ يُصَلِّي، فمرَّ بهذه الآية، فمكث لَيْلَه حتى أصبح لم يَعْدُها ببكاءٍ شديد(٩). وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرًا (١) وهي قراءة حفص عن عاصم أيضاً. السبعة ص ٥٩٥، والتيسير ص ١٩٨. وذكرها عن الأعمش ابنُ خالويه في القراءات الشاذة لابن خالويه ص ١٣٨ . (٢) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ١٤٥/٤. (٣) قراءة الأعمش في القراءات الشاذة ص ١٣٨. (٤) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤٣٣/٤، وإعراب القرآن للنحاس ١٤٦/٤ - ١٤٧. (٥) تفسير البغوي ١٥٩/٤ . (٦) تفسير مجاهد ٥٩١/٢، وأخرجه الطبري ٨٨/٢١ بنحوه . (٧) الزهد لابن المبارك (٦٤)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢٥٠)، وقال ابن حجر في الإصابة ٣٠٥/١ : رواه البغوي في الجعديات بإسناد صحيح إلى مسروق. (٨) في النسخ : بشير ، والمثبت من المصادر ، وهو نُسير بن ذُعْلُوق الثوري مولاهم ، أبو طعمة الكوفي . تهذيب التهذيب ٢١٦/٤ . (٩) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٧، ٣٩٦/١٣ . ١٥٨ سورة الجاثية: الآيات ٢١ - ٢٣ ما رأيتُ الفُضيلَ بن عياض يردِّد من أوَّل الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرَها، ثم يقول: ليت شعري! مِن أيِّ الفريقين أنت(١)؟ وكانت هذه الآية تُسمَّى مَبكاة العابدين(٢)، لأنَّها محكمة. قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْنَيِّ﴾ أي: بالأمر الحقّ. ﴿وَلِتُجْزَى﴾ أي: ولكي تُجزى. ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: في الآخرة. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْرٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِه ◌ِشَوَةُ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَرُونَ (®)﴾ قال ابنُ عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتّخذَ دینَه ما یهواه؛ فلا یھوی شيئًا إلَّا ركبه(٣). وقال عكرمة: أفرأيت من جَعَل إلهه الذي يعبدُه ما يهواه أو يستحسنه؛ فإذا استحسن شيئاً وهَوِيَهُ اتَّخذه إلهًا. قال سعيد بن جُبير: كان أحدُهم يَعبدُ الحجر؛ فإذا رأى ما هو أحسنُ منه رمی به، وعبد الآخر (٤). وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس السهميّ؛ أحد المستهزئين، لأنَّه كان يعبدُ ما تهواه نفسه (٥). وقال سفيان بن عيينة: إنَّما عبدوا الحجارة لأنَّ البيتَ حجارة. (١) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣/ ٥١٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٨٥/٥ دون نسبة. (٢) المحرر الوجيز ٨٥/٥ ونسب هذا القول للثعلبي. (٣) تفسير البغوي ١٥٩/٤، وينظر النكت والعيون ٢٦٤/٥، وأخرج قول ابن عباسٍ وقتادة الطبريُّ ٩٢/٢١ - ٩٣. (٤) النكت والعيون ٢٦٥/٥ . (٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٣٦٢ . ١٥٩ سورة الجاثية: الآية ٢٣ وقيل: المعنى: أفرأيتَ من يَنقادُ لهواه انقياده لإلهه(١) ومعبودِه؛ تعجيباً لذوي العقول من هذا الجهل (٢). وقال الحسين بن الفضل: في هذه الآية تقديمٌ وتأخير، مجازه: أفرأيتَ من اتّخذ هواه إلهه. وقال الشَّعْبيُّ: إنَّما سُمِّي الهوى؛ لأنَّه يهوي بصاحبه في النَّار. وقال ابنُ عباس: ما ذَكر اللهُ هَوَى في القرآن إلَّا ذمَّه(٣)، قال الله تعالى: ﴿وَأَتََّعَ هَوَنَةٌ فَتَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وقال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلٍّ فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ أَتََّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيِّ﴾: ((لا يُؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تَبَعاً لما جئتُ به))(٤). وقال أبو أمامة: سمعتُ النبيِّ﴾ يقول: ((ما عُبِد تحت السماء إلهٌ أبغض إلى الله من الهوى))(٥). وقال شدَّادُ بن أوس عن النبيِّ ◌َ﴾: ((الكَيِّس من دَان نفسَه، وعَمِلَ لِمَا (١) قوله: انقياده لإلهه . من (خ) و(ظ). (٢) النكت والعيون ٢٦٥/٥ . (٣) المحرر الوجيز ٨٦/٥. وقول الشعبي السالف منه . (٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٣٦٩/٤ ، والبغوي في شرح السنة ٢١٣/١ . قال الإمام النووي : حديث حسن صحيح . وينظر كلام الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٣٩٣/٢ - ٣٩٥. (٥) أخرجه بهذا اللفظ الواحدي في الوسيط ٩٩/٤ . وأخرجه بنحوه ابن أبي عاصم في السنة (٣)، والطبراني في الكبير (٧٥٠٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٨/١ : وفيه الحسن بن دينار ، وهو متروك الحديث . اهـ. وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٣٢٦/٢: هذا حديث موضوع على رسول الله 8# ، وفيه جماعة ضعاف ، والحسن بن دينار والخصيب كذابان عند علماء النقل . ١٦٠ سورة الجاثية: الآية ٢٣ بعد الموت. والعاجز(١) من أتْبعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله))(٢). وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا رأيتَ شُحًا مطاعًا، وهَوّى مُتَّبَعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصَّة نفسك، ودَعْ عنك أمرَ العامَّة))(٣). وقال :﴿: ((ثلاثٌ مهلكات، وثلاثٌ منجيات، فالمهلكات : شُخٌ مطاعٌ، وهوّى مُتَّبِعٌ، وإعجابُ المرء بنفسه. والمنجياتُ: خشيةُ الله في السرِّ والعلانية، والقصدُ في الغنى والفقر، والعدلُ في الرضا والغضب))(٤). وقال أبو الدرداء : إذا أصبحَ الرجلُ، اجتمعَ هواه وعمله وعلمه؛ فإنْ كان عمله تبعًا لهواه فيومُه يومُ سوء، وإنْ كان عملُه تبعًا لعلمه فيومه يوم صالح(٥). وقال الأصمعي: سمعتُ رجلاً يقول: فإذا هَوِيتَ فقد لقيتَ هَوانا إِنَّ الهَوانَ هو الهوی قُلِبَ اسمُه وسُئِل ابن المقفَّع عن الهوى فقال: هَوَانٌ سُرقت نونه، فنظمه شاعرٌ فقال(٦): فإذا هَوِيتَ فقد لقيتَ هَوانا (٧) نُونُ الهَوانِ من الھَوَى مسروقةٌ وقال آخر : فإذا هَوِيتَ فقد كَسَبتَ هَوانا إنَّ الهوى لهو الهوانُ بعينهِ (١) في (د) و(ز) و(ق) و(م): الفاجر، وفي (ظ): العاجل، والمثبت من (خ) وهو الموافق للمصادر. (٢) أخرجه أحمد (١٧١٢٣)، وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. وسلف بعضه ٢٢١/١ . (٣) سلف ٨/ ٢٥٠. (٤) أخرجه البزار (كشف الأستار) (٨٠)، والطبراني في الأوسط (٥٤٤٨) عن أنس بن مالك ﴾. قال المنذري في الترغيب والترهيب ٣٦٢/١: وهو مروي عن جماعة من الصحابة، وأسانيده وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال ، فهو بمجموعها حسن إن شاء الله تعالى. (٥) ذكره ابن الجوزي في ذم الهوى ص ٢٢ ، وصفة الصفوة ٦٣٦/١ بنحوه . (٦) في (م) : فأخذه شاعر فنظمه وقال . (٧) ذم الهوى لابن الجوزي ص٣٣. وهذا البيت نسبه الثعالبي في التمثيل والمحاضرة ص ١١٣ لعبيد الله ابن عبد الله بن طاهر .