Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة الدخان: الآية ٢٩ بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء يوم القيامة. قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين إذا فسد الناس صَلَحُوا)). ثم قال: ((ألا لا غُرْبةَ على مؤمن، وما مات مؤمن في غُربة غائبًا عنه بواكيه إلَّا بكت عليه السماء والأرض)). ثم قرأ رسول اللـه ◌َ﴾: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ثم قال: ((ألا إنهما لا يبكيان على الكافر))(١). قلت: وذكر أبو نعيم [حدثنا] محمد بن مَعْمر قال: حدثنا أبو شعيب الحرَّاني قال: حدثنا يحيى بن عبد الله قال: حدثنا الأوزاعيُّ قال: حدثني عطاءٌ الخراساني قال: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلَّا شهدت له يوم القيامة، وبكت عليه يوم يموت(٢). وقيل: بكاؤهما: حمرةُ أطرافهما. قاله عليّ بن أبي طالب ه وعطاءٌ(٣) والسدِّيُّ والترمذيُّ محمد بنُ عليٍّ وحكاه عن الحسن. قال السدِّي: لمَّا قُتِل الحسينُ بنُ عليٍّ رضي الله عنهما، بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتُها (٤). وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لمَّا قُتِل الحسينُ بن علي بنِ أبي طالب رضي الله عنهما، احمرَّ له آفاقُ السماء أربعةَ أشهر. قال يزيد: واحمرارُها بكاؤها(٥). وقال محمد بن سيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشَّفَق لم تكن حتى قُتِل الحسينُ بن عليٍّ رضي الله عنهما (٦). وقال سليمان القاضي: مُطِرْنا دماً يوم قُتِل الحسين. (١) أخرجه الطبري ٢١/ ٤٣ مختصراً، وهو مرسل، والصحيح منه قوله: ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء)»، وسلف ٢٦٣/٥ . (٢) حلية الأولياء لأبي نعيم ١٩٧/٥ وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً ابن المبارك في الزهد (٣٤٠) عن الأوزاعي عن عطاء . (٣) النكت والعيون ٢٥٣/٥، وقول عطاء أخرجه الطبري ٢١/ ٤١ . (٤) أخرجه الطبري ٢١/ ٤١، والسُّدي - وهو محمد بن مروان - متَّهم بالكذب كما في التقريب. (٥) النكت والعيون ٢٥٣/٥، ويزيد بن أبي زياد ضعفه ابن حجر في التقريب، وقال: كَبِر فتغير وصار يتلقَّن وكان شيعياً. (٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٢٢٨. ١٢٢ سورة الدخان: الآية ٢٩ قلت: روى الدَّارَقُطْنيُّ من حديث مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال النبيُّ﴾: ((الشفق الحمرة)) (١). وعن عُبادةَ بنِ الصامت وشدَّاد بن أوس قالا: الشفق شفقان: الحمرة والبياض، فإذا غابت الحمرة حَلَّت الصلاة. وعن أبي هريرة قال: الشفق الحمرة(٢). وهذا يردُّ ما حكاه ابن سيرين . وقد تقدَّم في ((سبحان))(٣) عن قرَّةَ بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بنِ زكريا والحسين بن عليٍّ، وحمرتُها بكاؤها. وقال محمد بن عليٍّ الترمذيّ: البكاءُ إدرار الشيء، فإذا أدرَّتِ العين بمائها، قيل: بكت، وإذا أدرَّت السماء بحمرتها، قيل: بكت، وإذا أدرَّت الأرض بغيرتها، قيل: بكت؛ لأن المؤمن نورٌ ومعه نورُ الله، فالأرض مضيئةٌ بنوره وإن غاب عن عينيك، فإن فقدتْ نورَ المؤمن اغبرَّت فدرَّت باغبرارها؛ لأنها كانت غبراءَ بخطايا أهل الشرك، وإنما صارت مضيئة بنور المؤمن؛ فإذا قُبِض المؤمنُ منها دَرَّت بغبرتها . وقال أنس: لمَّا كان اليوم الذي دخل فيه النبيُّ :﴿ المدينة، أضاء كلُّ شيء، فلمَّا كان اليوم الذي قُبِض فيه، أظلم كلُّ شيء، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيديَ منه حتى أنكرنا قلوبنا.(٤) وأمَّا بكاءُ السماء فحمرتُها كما قال الحسن. وقال نصر بن عاصم: إن أول الآيات حُمْرَةٌ تظهر، وإنما ذلك لدنوِّ الساعة، فتدُرُّ بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين. (١) سنن الدارقطني (١٠٥٦). قال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٣: الصحيح موقوف. (٢) سنن الدارقطني (١٠٥٤) (١٠٥٥). قال البيهقي في معرفة السنن والآثار ٢/ ٢٠٥: لا يصح فيه شيء وعن النبي # ... (٣) ٢٧/١٣. (٤) سلف ٣٤٦/٥ . ١٢٣ سورة الدخان: الآيات ٢٩ - ٣٢ وقيل: بكاؤها: أمارةٌ تظهر منها تدلُّ على أسف وحزن(١). قلت: والقولُ الأوَّل أظهر؛ إذ لا استحالة في ذلك. وإذا كانت السماوات والأرض تُسبِّحُ وتسمع وتتكلم كما بيََّّاه في ((سبحان ومريم وحم فصلت))(٢)، فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك، والله أعلم بصواب هذه الأقوال. مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّمُ كَانَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَّنَا بَنِىّ إِسْرَّوِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ٣١ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ يعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم، وتُكلِّفُهم الأعمالَ الشاقَّة. ﴿مِن فِرْعَونَ﴾ بدلٌ من ((الْعَذَابِ الْمُهِينِ))(٣)، فلا تتعلق ((مِنْ)) بقوله: ((مِنَ الْعَذَاب)) لأنه قد وصِف، وهو لا يعمل بعد الوصف عمل الفعل. وقيل: أي: أنجيناهم من العذاب ومن فرعون. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: جبَّارًا من المشركين. وليس هذا عُلوَّ مَدْح، بل هو عُلُّوٌّ في الإسراف، كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقيل: هذا العلوُّ هو الترقُّعُ عن عبادة الله. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ﴾ يعني بني إسرائيل. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على علم مِنَّا بهم لكثرة الأنبياء منهم. ﴿عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ أي: عالَمي زمانهم، بدليل قوله لهذه الأمة: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهذا قولُ قتادةَ وغيرِهِ(٤). وقيل: على كلِّ العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصَّةٌ لهم وليس لغيرهم. حكاه (١) النكت والعيون ٢٥٣/٥ . (٢) ٨٩/١٣ وما بعدها، و٥٢١/١٣ - ٥٢٢، وعند تفسير الآية (١١) من سورة فصلت. (٣) الكشاف ٣/ ٥٠٤، والمحرر الوجيز ٥/ ٧٤ . (٤) أخرجه الطبري ٢١ / ٤٦ بنحوه. ١٢٤ سورة الدخان: الآيات ٣٠ - ٣٣ ابن عيسى (١) والزَّمْخَشريُّ(٢) وغيرهما. ويكون قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد بني إسرائيل. والله أعلم. وقيل: يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق، وإيراثهم الأرضَ بعد فرعون. قوله تعالى: ﴿وَءَانَّيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَتُؤَّأْ مُبِينٌ قوله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَهُم مِّنَ اَلَيَتِ﴾ أي: من معجزات موسى(٣) ﴿مَا فِيهِ بَلَوْا ◌ُبِينٌ﴾ قال قتادة: الآياتُ: إنجاؤهم من فرعون، وفَلْقُ البحر لهم، وتظليلُ الغمام عليهم، وإنزالُ المَنِّ والسَّلْوَى(٤). ويكون هذا الخطابُ متوجِّهًا إلى بني إسرائيل. وقيل: إنها العصا واليد. ويشبه أن يكون قولَ الفرَّاء(٥). ويكون الخطابُ متوجِّهَا إلى قوم فرعون. وقول ثالث: إنه الشرُّ الذي كَفَّهم عنه والخيرُ الذي أمرهم به. قاله عبد الرحمن بن زيد. ويكون الخطاب متوجِّهًا إلى الفريقين معًا من قوم فرعونَ وبني إسرائيل(٦). وفي قوله: (بَلَاءٌ مُبِينٌ)) أربعة أوجه: أحدها: نعمة ظاهرة. قاله الحسن وقتادة. كما قال الله تعالى: ﴿وَلِيُسْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءٌ حَسَنَاً﴾ [الأنفال: ١٧]. وقال زهير: فأبلاهما خيرَ البلاءِ الذي يَبْلُو (٧) الثاني: عذاب شديد. قاله الفرَّاء(٨). (١) النكت والعيون ٢٥٤/٥ . (٢) في الكشاف ٣/ ٥٠٤ . (٣) في (م) : من المعجزات لموسى . (٤) النكت والعيون ٢٥٤/٥، وأخرجه الطبري ٤٧/٢١ . (٥) قول الفراء في معاني القرآن له ٤٢/٣ بنحو قول قتادة السالف ولم يقل: إنها العصا واليد. (٦) النكت والعيون ٢٥٤/٥ . (٧) عجز بيت له وصدره: رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم، وهو في ديوانه ص١٠٩. وسلف ١٨/ ٧٢ . (٨) في معاني القرآن ٣/ ٤٢ . ١٢٥ سورة الدخان: الآيات ٣٣ - ٣٦ الثالث: اختبار يتميَّز به المؤمن من الكافر. قاله عبد الرحمن بنُ زيد (١). وعنه أيضاً: ابتلاؤهم بالرَّخاء والشدة(٢)، ثم قرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَاْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَيَقُولُونَ ( فَأَتُواْ بِهَابَيِنَآ إِن كُمْ صَدِقِينَ ٣٥ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ﴾ يعني كفار قريش (٣) ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ ابتداء وخبر، مثل: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ أي: بمبعوثين. ﴿فَأَتُواْ بِشَيْنَآ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ أنشرَ الله الموتى فنُشِروا. وقد تقدَّم(٤). والمنشورون: المبعوثون. قيل: إنَّ قائل هذا من كفار قريش أبو جهل، قال: يا محمد، إن كنتَ صادقاً في قولك، فابعث لنا رجلين من آبائنا: أحدُهما: قصيُّ بنُ كِلاب، فإنه كان رجلاً صادقاً، لنسألَه عمّا يكون بعد الموت. وهذا القولُ من أبي جهل مِن أضعفِ الشبهات؛ لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف، فكأنه قال: إن كنتَ صادقاً في إعادتهم للجزاء، فأعِذْهم للتكليف. وهو كقول قائل لو قال: إن كان ينشأ بعدنا قومٌ من الأبناء، فلم لا يرجع من مضى من الآباء. حكاه الماوردي(٥). ثم قيل: (فَأُتُوا بِآبَائِنَا)) مخاطبةٌ للنبيِّ ◌َ﴾ وحده، كقوله: ﴿رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] قاله الفرَّاء(٦). وقيل: مخاطبةٌ له ولأتباعه. (١) أورد هذه الأوجه الثلاثة الماوردي في النكت والعيون ٢٥٤/٥ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ١٥٢. (٣) النكت والعيون ٢٥٥/٥ . (٤) ٣٠٦/٤ . (٥) في النكت والعيون ٢٥٥/٥. (٦) في معاني القرآن ٣/ ٤٢. ١٢٦ سورة الدخان: الآيات ٣٧ - ٣٩ قوله تعالى: ﴿أَهُمّ خَيْرُّ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِنَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ ﴿٤٨) مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٠ (٣٩) قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُنَّجَ﴾ هذا استفهامُ إنكار، أي: إنهم مستحقُّون في هذا القول العذابَ؛ إذ ليسوا خيراً من قوم تُبَّع والأمم المهلكة، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء. وقيل: المعنى: أهم أظهرُ نعمةً وأكثرُ أموالاً أم قومُ تُبَّع؟ وقيل: أهم أعزُّ وأشدُّ وأمنع أم قومُ تُبَّع؟(١). وليس المراد بتَّع رجلاً واحداً، بل المرادُ به ملوكُ اليمن، فكانوا يسمُّون ملوكهم التبابعة. فتُبَّع لقبٌ للملك منهم، كالخليفة للمسلمين، وكسرى للفُرْس، وقَيْصر للروم. وقال أبو عبيدة(٢): سُمِّيَ كلُّ واحد منهم تُبَّعًا لأنه يَتْبَع صاحبه. قال الجوهري(٣): والتبابعةُ ملوك اليمن، واحدهم تُبَّع، والتُّبَع أيضاً الظُّلُّ، وقال: يَردُ المياهَ حضِيرةٌ ونَفِيضةً وِرْدَ القطَاةِ إذا اسْمَأْلَّ التُّبَّعُ(٤) والتَّّعُ أيضاً ضربٌ من الطير. وقال السهيلي(٥): تُبّع اسمٌ لكل مَلِك مَلَكَ اليمن والشِّخْر(٦) وحضرموت. وإنْ مَلكَ اليمن وحدها لم يُقَل له تُبَّع. قاله المسعودي. فمن التبابعة: الحارث الرائش، (١) النكت والعيون ٢٥٥/٥. (٢) في مجاز القرآن ٢٠٩/٢ . (٣) في الصحاح (تبع) . (٤) أورده الأصمعي في الأصمعيات ص ١٠٣، وابن السكيت في إصلاح المنطق ص ٣٩٢ ، وابن دريد في الاشتقاق ١/ ٢٠٧ ونسبوه لسعدى بنت الشمردل الجهنية، والحضيرة : النفر يُغزى بهم ، ومقدمة الجيش . القاموس (حضر). والنفيضة : القوم الذين يَنفُضون، يتقدمون الجيش. واسمأل: ضَمّر . ينظر الاشتقاق . (٥) في التعريف والإعلام ص ١٥٣ - ١٥٥. (٦) الشّخْر: هو صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. معجم البلدان ٣٢٧/٣. ١٢٧ سورة الدخان: الآيات ٣٧ - ٣٩ وهو ابن همال ذي شدد(١). وأبرهةُ ذو المنار. وعمرو ذو الأذعار. وشمر بن مالك، الذي تنسب إليه سَمَرْقَنْد. وأفريقيس(٢) بن قيس، الذي ساق البربر إلى أفريقيَّةً من أرض كنعان، وبه سُمِّيت إفريقية. والظاهر من الآيات: أن الله سبحانه إنما أراد واحداً من هؤلاء، وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشدَّ من معرفة غيره، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((ولا أدري أتُبَّعٌ لَعِينٌ أم لا))(٣). ثم قد رُويَ عنه أنه قال: ((لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فإنه كان مؤمناً)) (٤). فهذا يدلُّك على أنه كان واحداً بعينه، وهو - والله أعلم - أبو كَرِب الذي كسا البيت بعد ما أراد غزوه، وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها، ثم انصرف عنها لمَّا أُخبِر أنها مُهَاجَر نبيِّ اسمه أحمد. وقال شعراً أودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر إلى أن هاجر النبيُّ ﴾، فأدَّوْهُ إليه. ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالدٍ ابن زید. وفیه: رسولٌ من الله باري النَّسَمْ شهدتُ على أحمدِ أنهُ لكنتُ وزيراً له وابنَ عَمْ (٥) فلو مُدَّ عُمْري إلى عُمْرهِ (١) في (م) : ذي سدد، وفي الروض الأنف ٣٤/١: وهو ابن همال بن ذي شدد . (٢) في التعريف والإعلام : وإفريقش. (٣) أخرجه أبو داود (٤٦٧٤) من طريق ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة مرفوعاً . وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ١٥٣/١ عن الزهري مرسلاً، وقال : وهو أصح . (٤) أخرجه أحمد (٢٢٨٨٠)، والطبراني في الكبير (٦٠١٣)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٦٦٠) من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن جابر، عن سهل بن سعد ﴾. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٨ : فيه ابن لهيعة عن عمرو بن جابر وهما ضعيفان. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١٧٩٠)، وفي الأوسط (١٤٤١)، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٠٥/٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما. وإسناده ضعيف، فيه مؤمَّل بن إسماعيل وهو صدوق سيِّئ الحفظ ، وفيه سماك بن حرب عن عكرمة ، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة ، وقد تغير بأَخّرة ، فكان ربما تَلَقَّن . قاله ابن حجر في التقريب . (٥) أورد هذين البيتين غير السهيلي ابنُ رشيق في العمدة في محاسن الشعر وآدابه ٢٢٦/٢. ١٢٨ سورة الدخان: الآيات ٣٧ - ٣٩ وذكر الزجَّاج(١) وابن أبي الدنيا والزمخشري(٢) وغيرُهم أنه حُفِر قبر له بصنعاء - ويقال: بناحية حمير - في الإسلام، فوجد فيه امرأتان صحيحتان، وعند رؤوسهما لوحٌ من فضةٍ مكتوبٌ فيه بالذهب: هذا قبر حُبَّى ولَميس. ويُروى أيضًا: حُبَّى وتماضر. ويُروى أيضًا: هذا قبر رضوى وقبرُ حُبَّى ابنتا تُبَّع، ماتتا وهما يشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به شيئًا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. قلت: وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي كتبه: ((أما بعد، فإني آمنت بك وبكتابك الذي أُنزِل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنتُ بربِّك وربِّ كلِّ شيء، وآمنت بكلِّ ما جاء من ربِّك من شرائع الإسلام، فإن أدركتُك فيِها ونعمت، وإن لم أُذْركُك فاشفع لي ولا تَنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأوّلين وبايعتُك قبل مجيئك، وأنا على ملَّتك وملَّةِ أبيك إبراهيم عليه السلام)). ثم ختم الكتاب ونقش عليه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [الروم: ٤]. وكتب على عنوانه: ((إلى محمد بن عبد الله نبيِّ الله ورسوله، خاتم النبيِّين ورسولِ ربِّ العالمين ﴾. من تُبَّع الأوّل)). وقد ذكرنا بقيّة خبره وأوَّلَه في ((اللُّمع اللؤلؤية في (٣) شرح العشر بينات النبوية)) للفارابي رحمه الله. وكان من اليوم الذي مات فيه تُبَّع إلى اليوم الذي بُعِث فيه النبيُّ ﴾ ألفُ سنة لا يزيد ولا ينقص. واختلف هل كان نبِيًّا أو مَلِكًا؟ فقال ابن عباس: كان تُبَّع نبيًّا(٤). وقال كعب: كان تُبَّعَ ملِكًا من الملوك، وكان قومه كُهَّانًا، وكان معهم قوم من أهل الكتاب، فَأَمَر الفريقين أن يقرِّب كلُّ فريق منهم قُرْبَاناً ففعلوا، فَتُقُبِّل قربان أهل الكتاب فأسلم(٥). (١) في معاني القرآن ٤/ ٤٢٧ . (٢) في الكشاف ٣/ ٥٠٥ . (٣) لفظة: في ، ليست في (م) . (٤) المحرر الوجيز ٥/ ٧٥ . (٥) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٠٩ . ١٢٩ سورة الدخان: الآيات ٣٧ - ٣٩ وقالت عائشة رضي الله عنها: لا تسبُّوا تُبَّعاً فإنه كان رجلاً صالحاً(١). وحكى قتادة أن تُبْعًا كان رجلاً من حِميَر، سار بالجيوش(٢) حتى عبر الحِيرة وأتى سَمَرْقَنْدَ فهدَمها. حكاه الماوردي(٣). وحكى الثعلبيُّ عن قتادةً أنه تُبَّعُّ الحميري، وكان سار بالجيوش(٤) حتى عبر الحِيرة. وبنى سَمَرْقَنْدَ(٥) وقتل وهدم البلاد. وقال الكلبي: تُبَّع هو أبو كَرِب أسعدُ بن مَلْكيكرِب(٦)، وإنما سُمِّيَ تُبَّعَاً لأنه تَبع مَن قبله. وقال سعيد بن جُبَير: هو الذي كسا البيت الحِبَرات(٧). وقال كعب: ذمَّ الله قومه ولم يذمَّه، وضرب بهم لقريش مثلاً لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم، فلمَّا أهلكهم الله تعالى ومَن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان مَن أجرمَ مع ضعف اليد وقلَّةِ العدد أحرى بالهلاك(٨). وافتخر أهل اليمن بهذه الآية، إذ جعل الله قوم تُبَّع خيراً من قريش . وقيل: سُمِّيَ أوّلُهم تُبَعاً لأنه اتبع قرن الشمس، وسافر في الشرق(٩) مع العساكر. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ﴾ ((الَّذِين)) في موضع رفع عطفٌ على ((قَوْمُ تُبَّعٍ)) (١٠). ((أَهْلَكْنَاهُمْ)) صلته. ويكون ((مِنْ قَبْلِهِمْ)) متعلِّقاً به. (١) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٠ ، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٦٦٣). (٢) في (د) و(م) : بالجنود . (٣) في النكت والعيون ٢٥٥/٥، وأخرجه الطبري ٤٩/٢١، والحاكم في المستدرك ٤٥٠/٢ . (٤) في (د) و(م) : بالجنود . (٥) تفسير البغوي ٤/ ١٥٢ . (٦) تفسير الرازي ٢٤٩/٢٧، ووقع في النسخ الخطية: ملكيكوب، وجاء في السيرة النبوية ٣٤/١ : كُلِي كَرِب . وفي البداية والنهاية ١٢٢/٣ : كُلْكيكرِب . (٧) تفسير البغوي ٤/ ١٥٣، والحِبَرات جمع حِبّرة، وهي ضرب من برود اليمن . القاموس (حبر). (٨) النكت والعيون ٢٥٦/٥، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٠٨/٢، والطبري ٥٠/٢١ منه قوله: ذم الله قومه ولم يذمَّه. (٩) في (د) و(ظ) : المشرق. (١٠) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٣٣. ١٣٠ سورة الدخان: الآيات ٣٧ - ٤٠ ويجوز أن يكون ((مِنْ قَبْلِهِمْ)) صلةَ ((الَّذين))، ويكونَ في الظرف عائدٌ إلى الموصول. وإذا كان كذلك؛ كان ((أَهْلَكْنَاهُمْ)) على أحد أمرين: إمّا أن يقدَّر معه ((قد))، فيكون في موضع الحال. أو يقدَّر حذف موصوف، كأنه قال: قومٌ أهلكناهم. والتقدير: أفلا تعتبرون أنَّا إذا قَدَرْنا على إهلاك هؤلاء المذكورين؛ قَدَرنا على إهلاك المشركين. ويجوز أن يكون ((وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) ابتداء، خبرُه: ((أَهْلَكْنَاهُمْ)). ويجوز أن يكون ((الَّذين)) في موضع جَرِّ عطفاً على ((تُبَّعِ)) كأنه قال: قومُ تُبَّع المهلَکین من قبلهم. ويجوز أن يكون ((الَّذين)) في موضع نصب بإضمار فعل دلَّ عليه ((أَهْلَكْنَاهُمْ))(١). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ﴾ أي: غافلين؛ قاله مقاتل. وقيل: لاهين؛ وهو قول الكلبي(٢). ﴿مَا خَلَقْتَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: إلا بالأمر الحقّ؛ قاله مقاتل. وقيل: إلا للحقّ؛ قاله الكلبي (٣) والحسن. وقيل: إلا لإقامة الحقّ وإظهارِه من توحيد الله والتزام طاعته(٤). وقد مضى هذا المعنى في ((الأنبياء)) (٥). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ﴾ يعني أكثرَ الناسِ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك. قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ (@) ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ هو يومُ القيامة، وسُمِّيَ بذلك لأن الله تعالى يَفْصِل فيه بين خلقه. دليلُه قولُه تعالى: ﴿لَن تَنفَعَّكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]. جے (١) المصدر السابق . (٢) النكت والعيون ٢٥٦/٥ . (٣) النكت والعيون ٢٥٦/٥ . (٤) الوجيز بها مش مراح لبيد ٢٨٤/٢ . (٥) ١٤ /١٨٤. ١٣١ سورة الدخان: الآيات ٤٠ - ٤٢ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]. فـ ((يَوْمِ الفَصْل)) ميقاتُ الكلِّ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَنًا﴾ [النبأ: ١٧] أي: الوقتُ المجعول لتمييز المُسيء من المحسن والفصلِ بينهما؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. وهذا غايةٌ في التحذير والوعيد. ولا خلاف بين القرَّاء في رفع ((مِيقَاتُهُمْ)) على أنه خبر ((إِنَّ)، واسمُها ((يَوْمَ الفَصْلِ)). وأجاز الكسائي والفرَّاء (١) نصبَ ((مِيقَاتهم)). بـ ((إنَّ))، و((يوم الفصل)) ظرفٌ في موضع خبر ((إن))، أي: إن ميقاتَهم يومَ الفصل. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَ هُمْ يُصَرُونَ ﴾ إِلَّا مَن زَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن قَّوْلَى شَيْئًا﴾ (يَوْمَ)) بدلٌ من (يومٍ)) الأوّل(٢). والمَوْلَى: الوَليُّ، وهو ابن العمِّ والناصر، أي: لا يدفع ابن عمِّ عن ابن عمِّه، ولا قريبٌ عن قريبه، ولا صديقٌ عن صديقه . ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر المؤمنُ الكافرَ لقرابته. ونظيرُ هذه الآية: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] الآية. ﴿إِلَّا مَنْ زَحِمَ اللَّهُ﴾ ((مَنْ)) رفع على البدل من المضمر في ((يُنْصَرُونَ))(٣)، كأنك قلت: لا يقوم أحدٌ إلا فلان. أو على الابتداء، والخبرُ مضمر، كأنه قال: إلا مَن رحم الله فمغفورٌ له(٤)، أو: فيُغني عنه ويُشفَّع ويُنصَر. أو على البدل من ((مَوْلّى)) الأول، كأنه قال: لا يغني إلا مَن رحم الله(٥). وهو عند الكسائي والفرَّاء (٦) نصب (١) في معاني القرآن ٤٢/٣، ونقله المصنف بواسطة مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٥٧. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٣٣. (٣) مشكل إعراب القرآن ٢ / ٦٥٧. (٤) في (ظ) : فإنه مغفور له . (٥) ذكر هذا الوجه مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٥٧ . (٦) في معاني القرآن ٤٢/٣ . ١٣٢ سورة الدخان: الآيات ٤١ - ٤٦ على الاستثناء المنقطع(١)، أي: لكنْ مَن رحم الله لا ينالهم ما يحتاجون فيه إلى مَن يغنيهم من المخلوقين. ويجوز أن يكون استثناءً متصلاً، أي: لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنه يُؤذَن لهم في شفاعة بعضهم لبعض. ﴿إِنَُّ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: المنتقمُ من أعدائه، الرحيمُ بأوليائه، كما قال: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابٍ ذِى اُلَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]، فقرن الوعد بالوعيد. قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ١٣ طَعَامُ الْأَثِيمِ کالمُهلِ یغلی فی ٤٤ اُلْبُطُونِ كَغَلِ الْحَمِيمِ (@) ٤٥ قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ﴾ كلُّ ما في كتاب الله تعالى من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء، إلا حرفاً واحداً في سورة الدخان: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ . طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. قاله ابن الأنباري(٢). و﴿الْأَثِيمِ﴾: الفاجر؛ قاله أبو الدرداء(٣). وكذلك قرأ هو وابن مسعود. وقال همَّام بن الحارث: كان أبو الدرداء يُقرِئ رجلاً: ((إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الْأَئِيمِ)) والرجلُ يقول: طعام اليتيم، فلمَّا لم يفهم قال له: ((طعام الفاجر)) (٤). قال أبو بكر الأنباريُّ: حدَّثني أبي قال: حدَّثنا نصر قال: حدَّثنا أبو عبيد قال: حدَّثنا نُعيم بن حماد، عن عبد العزيز بن محمد، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: عَلَّم عبد الله بن مسعود رجلاً: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ)) فقال الرجل: طعام اليتيم، فأعاد عليه عبد الله الصواب، وأعاد الرجل الخطأ، فلمَّا رأى عبد الله أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له: أَمَا تُحسِنُ أن تقول: طعام الفاجر؟ قال: بلى، قال: فافعل(٥). ولا حجةَ في هذا للجُهَّال من أهلِ الزَّيغْ أنه يجوز (١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٤، ومشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٥٧. (٢) في إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٢٨٧ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٤١٢/٦، والكشاف ٥٠٦/٣ . (٤) أخرجه عبد الرزاق (٥٩٨٦)، والطبري ٢١/ ٥٤ بنحوه . (٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٨٣ بنحوه . ١٣٣ سورة الدخان: الآيات ٤٣ - ٤٦ إبدال الحرف من القرآن بغيره، لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريباً للمتعلِّم، وتوطئةً منه له للرجوع إلى الصواب، واستعمالِ الحقِّ والتكلُّم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله .. وقال الزَّمَخْشريّ(١): وبهذا يُستدل على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائزٌ إذا كانت مؤدِّيةً معناها. ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي أن يؤدِّيَ القارئ المعانيَ على كمالها من غير أن يَخْرِم منها شيئاً. قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كَلَا إجازة؛ لأن في كلام العرب - خصوصاً في القرآن الذي هو معجزٌ بفصاحته وغرابةِ نظمه وأساليبه - من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقلُّ بأدائه لسانٌ من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يُحسِن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقّق وتبصُّر. وروى عليٍّ بن الجعد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة مثلَ قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية. وشجرة الزَّقُوم: الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسمَّاها الشجرةَ الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحارّ. وشُبِّه ما يصير منها إلى بطونهم بالمُهْل، وهو النُّحاس المذاب. وقراءة العامة: (تَغْلي)) بالتاء حملاً على الشجرة. وقرأ ابن كَثير وحفص وابن مُخَيْصِن ورُوَيْس عن يعقوب: ((يغلي)) بالياء حملاً على الطعام(٢)، وهو في معنى الشجرة. ولا يُحمل على المُهْل لأنه ذُكِر للتشبيه(٣). و((الأثيم)): الآثم، مِن أثِم يأثَم إِثْمًا؛ قاله القشيريُّ وابن عيسى (٤). وقيل: هو المشرك المكتسبُ للإثم؛ قاله يحيى بن سلام(٥). وفي الصحاح: وقد أثِم الرجل - بالكسر - إثماً ومأثماً: إذا وقع في الإثم، (١) في الكشاف ٥٠٦/٣ . (٢) السبعة ص ٥٩٢، والتيسير ص ١٩٨، والنشر ٣٧١/٢ . (٣) ينظر الحجة ١٦٦/٦، وزاد المسير ٣٤٩/٧. (٤) نقله عن ابن عيسى الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٢٥٧ . (٥) النكت والعيون ٥/ ٢٥٧. ١٣٤ سورة الدخان: الآيات ٤٣ - ٤٨ فهو آثم وأثيمٌ وأثوم أيضاً (١). فمعنى ((طَعَامُ الْأَثِيم)) أي: ذي الإثم الفاجر، وهو أبو جهل(٢). وذلك أنه قال: يَعِدُنا محمدٌ أن في جهنم الزَّقوم، وإنما هو الثريد بالزُّبد والتمر، فبيَّن الله خلاف ما قاله. وحكى النقَّاش عن مجاهد أن شجرة الزَّقُّوم (٣). أبو جهل قلت: وهذا لا يصحُّ عن مجاهد. وهو مردودٌ بما ذكرناه في هذه الشجرة في سورة ((والصافَّات وسبحان))(٤) أيضاً. قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ (٨٧ ثُمَّ صُبُوا فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ ٤٨) عَذَابٍ الْحَمِيمِ قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ﴾ أي: يقال للزَّبانية: خذوه، يعني الأثيم(٥). ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: جُرُّوه وسُوقُوه. والعَثْل: أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتِلَه، أي: تجرّه إليك لِتَذهب به إلى حبس أو بليَّة(٦). عَتَلت الرجل أعتِله وأعتُله عَثْلًا: إذا جذبتَه(٧) جَذْباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل ـ بالكسر .. وقال يصف فرساً : نَفْرَعُه فَرْعًا ولسنا نَعْتِلُه(٨) وفيه لغتان، عَتَلَهُ وعَتَنَه، باللام والنون جميعاً. قاله ابن السِّكِّيت(٩). وقرأ (١) الصحاح (أثم). (٢) الوسيط ٩١/٤، وتفسير البغوي ٤/ ١٥٤. (٣) النكت والعيون ٢٥٧/٥ . (٤) ١٣ / ١١١ - ١١٢، و٤١/١٨ . (٥) الوسيط ٩٢/٤، وتفسير البغوي ٤ /١٥٥. (٦) تهذيب اللغة ٢/ ٢٧٠ . (٧) بعدها في (د) و(ظ) : إليك . (٨) أورده ابن قتيبة في المعاني الكبير ١/ ٧٧ ونسبة لأبي النجم ، وأبو علي القالي في أماليه ١/ ٥٧ دون نسبة . (٩) الصحاح (عتل). ١٣٥ سورة الدخان: الآيات ٤٧ - ٥٠ الكوفيون وأبو عمرو: ((فَاعْتِلُوه)» بالكسر. وضم الباقون(١). ﴿إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾: وسط الجحيم (٢). ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾. قال مقاتل: يضرب مالك خازنُ النار ضربة على رأس أبي جهل بِمِقْمَع من حديد، فيتفتَّتُ رأسه عن دماغه، فيجري دماغه على جسده، ثم يصبُّ المَلكُ فيه ماء حميماً قد انتهى حرُّه، فيقعُ في بطنه، فيقول المَلَك: ذُقِ العذاب(٣). ونظيره: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج : ١٩]. ﴿ إِنَّ هَذَا مَا كُتُم بِهِ، قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ تَمْتَرُونَ قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال ابن الأنباريّ(٤): اجتمعت(٥) العوامُّ على كسر ((إنّ)). وروي عن الحسن بن(٦) عليٍّ رحمه الله: ((ذُق أَنَّكَ)) بفتح ((أنَّ))، وبها قرأ الكسائيُّ(٧). فمن كسر ((إنَّ)) وقف على (ذُقْ)). ومَن فتحها لم يقف على ((فُقْ))؛ لأن المعنى: ذق لأنك وبأنك أنت العزيز الكريم. قال قتادة: نزلت في أبي جهل وكان قد قال: ما فيها أعزُّ منِّي ولا أكرم، فلذلك قيل له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٨). وقال عكرمة: التقى النبيُّ﴾ وأبو جهل، فقال النبيُّ ﴾: ((إن الله أمرني أن أقول لك: أوْلَى لك فأولى)) فقال: بأيِّ شيء (١) السبعة ص ٥٩٣ ، والتيسير ص ١٩٨. (٢) النكت والعيون ٥/ ٢٥٧ . (٣) زاد المسير ٧/ ٣٥٠، وأورده مختصراً الواحدي في الوسيط ٩٢/٤، والبغوي في تفسيره ٤/ ١٥٥. (٤) في إيضاح الوقف والابتداء ٨٨٩/٢ . (٥) في (ز) و (ق) : أجمعت . (٦) في النسخ: عن، والمثبت من إيضاح الوقف والابتداء، ومعاني القرآن للنحاس ٤١٤/٦، والكشاف ٥٠٧/٣ ، والمحرر الوجيز ٤٠/٨. (٧) السبعة ص ٥٩٣ ، والتيسير ص ١٩٨ . (٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٩، والطبري ٢١/ ٦١ بنحوه. ١٣٦ سورة الدخان: الآيات ٤٩ - ٥٣ تهدِّدني! والله ما تستطيع أنت ولا ربُّك أن تفعلا بي شيئًا، إني لَمِن أعزّ هذا الوادي وأكرمِه على قومه. فقتله الله يوم بدر وأذلَّه، ونزلت هذه الآية(١). أي يقول له الملَك: ذُق إنك أنت العزيز الكريم بزعمك. وقيل: هو على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص، أي قال له: إنك أنت الذليل المهان. وهو كما قال قوم شُعيب الشعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] يعُون السفيهَ الجاهلَ في أحد التأويلات على ما تقدَّم(٢). وهذا قول سعيد بن جبير(٣). ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ﴾ أي تقول لهم الملائكة: إنَّ هذا ما كنتم تشكُّون فيه في الدنيا. يَلْبَسُونَ ٥٢ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينِ ﴿٨ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٥٣ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّقَِلِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ لمَّا ذكر مستقرَّ الكافرين وعذابَهم، ذكر نُزُل المؤمنين ونعيمَهم. وقرأ نافع وابن عامر: ((في مُقَامٍ)) بضم الميم، الباقون بالفتح (٤). قال الكسائي: المُقام المكان، والمُقام الإقامة، كما قال: عفَتِ الديارُ مَحَلُّها فَمُقَامُها (٥) قال الجوهريُّ: وأمَّا المَقام والمُقام فقد يكون كلُّ واحد منهما بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام؛ لأنك إذا جعلته مِن قام يقوم؛ فمفتوح، وإن جعلته (١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٣٩٨ مختصراً. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٣٣/٦ بنحوه وعزاه للأموي . (٢) ١١/ ١٩٤ . (٣) أورده بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٢٥٨/٥، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٥٠/٧. (٤) السبعة ص ٥٩٣ ، والتيسير ص ١٩٨ . (٥) صدر بيت للبيد، وهو في ديوانه ص ٢٩٧ ، وعجزه : بمنَّى تأبَّد غولُها فرجامُها، والكلام في معاني القرآن للنحاس ٤١٥/١. وقوله: عفت، أي: دَرَسَت. والمحلُّ والمُقام ، قال شارح الديوان: هما مكان الحلول ومكان الإقامة . ١٣٧ سورة الدخان: الآيات ٥١ - ٥٤ من أقام يقيم؛ فمضموم، لأن الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع مضموم الميم، لأنه مشبّه ببنات الأربعة، نحو: دحرج وهذا مُدَخْرجُنا(١). وقيل: المَقام؛ بالفتح: المشهد والمجلس، وبالضم يمكن أن يراد به المكان، ويمكن أن يكون مصدراً ويقدَّر فيه المضاف، أي: في موضع إقامة (٢). ﴿أَمِينٍ﴾: يُؤمَن(٣) فيه من الآفات ﴿فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾ بدل من ((مَقَامٍ أَمِينٍ)). ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّقَيِلِينَ﴾ لا يرى بعضهم قفا بعض، متواجهين يدور بهم مجلسهم حيث داروا. والسُّنْدُس: ما رَقَّ من الدِّيباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه. وقد مضى في ((الكهف))(٤). ٥٤ قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: الأمرُ كذلك الذي ذكرناه(٥). فيوقف على ((كَذَلِكَ)). وقيل: أي: كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدَّم ذكره، كذلك أكرمناهم بأن زوَّجناهم حُوراً عِيناً. وقد مضى الكلام في العِين في ((والصَّافَّاتِ))(٦). والحُوْر: البِيض؛ في قول قتادَة والعامةِ، جمعُ حَوْراء. والحَوْراء: البيضاء التي يُرى ساقها من وراء ثيابها، ويَرى الناظر وجهه في كعبها، كالمِرآة من رِقَّة (٧) الجلد وبضاضة البشرة وصفاء اللون. ودليلُ هذا التأويل أنها في حرف ابن مسعود: (بِعِيس عِين))(٨). وذكر أبو بكر الأنباريُّ: أخبرنا أحمد بن الحسين قال: حدَّثنا حسين قال: حدَّثنا عمار بن (١) الصحاح (قوم) . (٢) ينظر مجمع البيان ١١٩/٢٥ . (٣) في (د) و(ظ) : يأمن. (٤) ٢٦٦/١٣ - ٢٦٧ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٣٧/٤، ومشكل إعراب القرآن ٦٥٨/٢. (٦) ١٨ / ٣٤ . (٧) في (م) : دقة . (٨) القراءات الشاذة ص ١٣٧، والمحتسب ٢٦١/٢. ١٣٨ سورة الدخان: الآية ٥٤ محمد قال: صلَّيت خلف منصور بن المعتمر، فقرأ في ((حم)) الدُّخان: ((بِعِيس عِين. لا يذوقون طعم الموتِ إلا الموتة الأولى)). والعِيس: البِيض؛ ومنه قيل للإبل البِيض: عيس، واحدُها بعيرٌ أَغْيَس، وناقة عَيْساء. قال امرؤ القيس: يَرُعْنَ إلى صوتي إذا ما سمعنَه كما تَرْعَوي عِيطٌ إلى صوتٍ أَغْيَسا(١) فمعنى الحُوْر هنا : الحسان الثاقبات البياض بحسن. وذكر ابن المبارك: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحُور العِين ليُرى مُخُّ ساقها من وراء اللَّحم والعظم، ومن تحت سبعين حُلَّةً، كما يُرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء(٢). وقال مجاهد: إنما سمِّيت الحُور حوراً لأنهنَّ يَحارُ الطَّرْف في حسنهنَّ وبياضهنَّ وصفاء لونهنَّ(٣). وقيل: إنما قيل لهنَّ حُوْر لِحَوَر أعينهنَّ. والحَوَر: شدَّةُ بياض العين في شدَّة سوادها. [يقال]: امرأة حَوْراء بيِّنةُ الحَوَر. [و] يقال: احورَّت عينه احوراراً، واحورَّ الشيء: ابيضَّ. قال الأصمعي: ما أدري ما الحَوَر في العَيْن؟ وقال أبو عمرو: الحَوَر أن تسودَّ العين كلُّها مثل أعين الظّباء والبقر. قال: وليس في بني آدم حَوَر، وإنما قيل للنساء: حُورُ العِين لأنهنَّ يشبَّهن بالظّباء والبقر. وقال العجَّاج: بأعينٍ مُحَوَّراتٍ بِيض(٤) يعني الأعينَ النقيات البياض ، الشديداتِ سواد الحَدَق(٥). والعِين جمعُ عَيْناء ، (١) ديوان امرئ القيس ص ١٠٦، والعِيط: خيار الإبل وأفتاؤها. القاموس (عيط) . (٢) الزهد لابن المبارك (٢٦٠ - زوائد نعيم بن حماد)، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٢٠٨٦٧)، والطبراني في الكبير (٨٨٦٤) . (٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٦٥ بنحوه. (٤) ديوان العجَّاج ص ٢٢٨، وفيه: حور، بدل: بيض، وقبله: إذ ترتمي من خَلَل الخُدُور . (٥) الصحاح (حور) وما بين حاصرتين منه ، وفيه: حور ، بدل: بيض . ١٣٩ سورة الدخان: الآية ٥٤ وهي الواسعةُ العظيمةُ العينين(١). وعن أبي هريرة أن رسول الله﴾ قال: ((مهور الحُور العِين قبضاتُ التمر وفِلَق الخبز))(٢). وعن أبي قِرصافةَ: سمعت النبيَّ :﴿ يقول: (إخراج القُمَامة من المسجد مهورُ الحُور العِين))(٣). وعن أنس أن النبيَّ :﴿ قال: (كنس المساجد مهورُ الحُور العِين)) (٤) ذكره الثعلبي رحمه الله. وقد أفردنا لهذا المعنى باباً مفرداً في كتاب ((التذكرة))(٥) والحمد لله. واختلف أيُّما أفضلُ في الجنة؛ نساءُ الآدميات أم الحور؟ فذكر ابن المبارك قال: وأخبرنا رِشْدِين، عن ابن أنْعُم، عن حِبَّان بن أبي جَبَلة قال: إن نساء الآدميات مَن دخل منهنَّ الجنة، فُضِّلن على الحُور العِين بما عملن في الدنيا(٦). ورُويَ مرفوعاً: ((إن الآدميات أفضلُ من الحُور العِين بسبعين ألفَ ضعف))(٧). وقيل: إن الحُور العِين (١) الطبري ٦٦/٢١، والوسيط ٩٣/٥، وتفسير البغوي ١٥٥/٤. (٢) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٦٨٤/٥ وفيه عمر بن صبح بن عمران التميمي، قال الذهبي في الميزان ٢٠٦/٣ - ٢٠٧: ليس بثقة ولا مأمون. قال ابن حبان: كان يضع الحديث . وقال الدارقطني : متروك. (٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥٢١) مطولاً. قال الهيثمي في المجمع ٩/٢: في إسناده مجاهيل . اهـ. وأبو قرصافة اسمه جندرة بن خيشنة ، له صحبة ، سكن فلسطين ، وقيل : كان يسكن أرض تهامة . الاستيعاب بهامش الإصابة ١٢/ ٩٣ - ٩٤ . (٤) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ٤٢٥/٢ وقال: هذا حديث لا يصح من جميع جهاته . وحديث أنس فيه مجاهيل ، وعبد الواحد ليس بثقة ، قاله يحيى . وقال البخاري والفلَّاس والنسائي . متروك الحديث . اهـ. وسلف ١٥/ ٢٨٥ بلفظ : ... وإن كنس غبار المسجد نقد الحور العين . (٥) ص ٤٧٨ - ٤٨٠ . (٦) الزهد (٢٥٥ - زوائد نعيم بن حماد)، ورشدين، وهو ابن سعد المَهْري المصري ، قال الذهبي في الميزان ٤٩/٢: كان صالحاً عابداً سيِّئ الحفظ غير معتمد. وقال ابن معين : ليس بشيء. وقال أبو زرعة : ضعيف. وقال النسائي: متروك. اهـ وابن أنعُم وهو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ضعيف، الميزان ٢ / ٥٦٢ . (٧) أورده المصنف في كتابه التذكرة ص ٤٧٧ ، ولم نقف عليه . ١٤٠ سورة الدخان: الآيات ٥٤ - ٥٧ أفضلُ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: ((وأبدِله زوجاً خيراً من زوجه))(١). والله أعلم. وقرأ عكرمة: ((بِحُورِ عِينٍ)) مضاف(٢). والإضافة والتنوين في ((بحور عين)) سواء. ٥٥ قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَلِكِهَةٍ ءَامِنِينَ قال قتادة: ((آمنين)) من الموت والوَصَب والشيطان(٣). وقيل: آمنين من انقطاع ما هم فيه من النعيم، أو من أن ينالهم من أكلها أذّى أو مكروه(٤). قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ اْجَحِيمِ ﴾ فَضْلًا مِّن زَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّ اٌلْمَوْنَةَ الْأُولَىّ﴾ أي: لا يذوقون فيها الموت البتة لأنهم خالدون فيها(٥). ثم قال: ﴿إِلَّا الْمَوْنَةَ الْأُولَى﴾ على الاستثناء المنقطع(٦)، أي: لكنْ الموتةُ الأولى قد ذاقوها في الدنيا. وأنشد سيبويه: فَلبونُه جَرِبت معًا وأغدَّتِ مَن كان أسرع في تَفَرُّق فالحٍ ثم استثنى بما ليس من الأول فقال: كالغصنِ في غُلَوائه المتنبِّتِ(٧) إلا كناشِرَةَ الذي ضيَّعْتُمُ (١) هو قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٣٩٧٥)، ومسلم (٩٦٣) عن عوف بن مالك الأشجعي ﴾. (٢) المحتسب ٢٦١/٢ . (٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٦٧. (٤) ينظر معاني القرآن للنحاس ٦ / ٤١٧. (٥) المصدر السابق . (٦) مشكل إعراب القرآن ٦٥٨/٢ . (٧) الكتاب لسيبويه ٣٢٨/٢ ونسبه لعنز بن دجاجة المازني، وكذا نسبه لعنز أبو عبيدة في مجاز القرآن ٦١/١، والأعلم الشنتمري في تحصيل عين الذهب ص ٣٦٤ . وسماه السيرافي في شرح أبيات سيبويه ١٧١/٢ - ١٧٢ عتر بن دجاجة؛ قال: ويروى لمعاوية بن كاسر، اهـ. ونسب البيت لغيره، ينظر الخزانة ٦/ ٣٦٢، والمقتضب ٤١٦/٤، وسر صناعة الإعراب ٣٠٢/١. قوله: أغدَّت؛ أي: أصابتها الغدّة.