Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ سورة الدخان: الآية ٤ شعبانَ حتى إنَّ الرجل ليَنْكِح ويُولَد له وقد خرج اسمه في الموتى)»(١). وعن النبيِّ ﴾ قال: ((إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلتها، وصوموا نهارها(٢)، فإن الله يَنْزِل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول: ألا مستغفرٌ فأغفر له، ألا مبتلى فأُعافيَه، ألا مسترزقٌ فأرزقه، ألا كذا ألا كذا، حتى يطلعَ الفجر))(٣) ذكره الثعلبي. وخرج الترمذيُّ بمعناه عن عائشةَ عن النبيِّ :﴿ قال: ((إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا، فيغفرُ لأكثرَ من عدد شعر غَنَم كَلْب)»(٤). وفي الباب عن أبي بكرٍ الصديق قال أبو عيسى: حديثُ عائشةَ لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحجاج بن أرطاة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، وسمعت محمداً يُضعِّف هذا الحديث، وقال: يحيى بنُ أبي كثير لم يَسمع من عروة، والحجاجُ بن أرطاة لم يَسمع من يحيى بن أبي كثير. قلت: وقد ذكر حديثَ عائشة مطوّلاً صاحبُ كتاب ((العروس))، واختار أنَّ الليلة التي يُفْرَق فيها كلُّ أمر حكيم ليلةُ النصف من شعبان، وأنها تُسمَّى ليلة البراءة. وقد ذكرنا قوله والردَّ عليه في غير هذا الموضع، وأنَّ الصحيح إنما هي ليلةُ القدر على ما بيِّنَّاه. روى حمَّاد بن سَلَمةَ قال: أخبرنا ربيعة بنُ كُلْثوم قال: سأل رجل الحسن وأنا عنده فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر، أفي كلِّ رمضان هي؟ قال: إي والله (١) كذا أخرجه الطبري ٢١/ ١٠ مرسلاً، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٨٣٩) من قول عثمان بن المغيرة. وعثمان هذا هو ابن محمد بن المغيرة الأخنس منسوب إلى جده، قال ابن حجر في التقريب: صدوق له أوهام. (٢) في (ظ) و(ق): يومها. (٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٨٢٢) وفيه ابن أبي سَبْرَة، واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة. قال في الزوائد: إسناده ضعيف؛ لضعف ابن أبي سبرة ... قال فيه أحمد بن حنبل وابن معين: يضع الحديث. (٤) سنن الترمذي (٧٣٩) والكلام بعده منه، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٦٠١٨)، وابن ماجه (١٣٨٩). ١٠٢ سورة الدخان: الآية ٤ الذي لا إله إلا هو، إنها لفي (١) كلِّ رمضان، إنها الليلةُ التي يُفرَق فيها كلُّ أمر حكيم، فيها يَقضي الله كلَّ خلق وأجلٍ ورزقٍ وعمل إلى مثلها(٢). وقال ابن عباس: يُكتب من أمِّ الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجّ، يقال: يحجُّ فلان ويحجُّ فلان(٣). وقال في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى(٤). وهذه الإبانة لأحكام السَّنة إنما هي للملائكة المؤكَّلين بأسباب الخلق. وقد ذكرنا هذا المعنى آنفاً. وقال القاضي أبو بكر بنُ العربي(٥): وجمهورُ العلماء على أنها ليلةُ القدر. ومنهم مَن قال: إنها ليلةُ النصف من شعبان، وهو باطلٌ؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فنصَّ على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عيَّن من زمانه الليلَ ها هنا بقوله: ﴿فِى لَيْلَةٍ مَُّرَكَةٍ﴾، فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفِرْية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديثٌ يُعوَّل عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها(٦). الزمخشريُّ(٧): وقيل: يُبدَأ في استنساخ ذلك من اللَّوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتُدفَع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخةُ الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخةُ الأعمال إلى (١) في (د) و(م): في. (٢) الاستذكار ٣٣٨/١٠، وأخرجه الطبري ٧/٢١ من طريق يزيد وابن عُليَّة عن ربيعة بن كلثوم. (٣) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ وعزاه لمحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم. (٤) أخرجه الطبري ٢١/ ١٠، والحاكم ٤٤٨/٢ - ٤٤٩ . (٥) في أحكام القرآن ١٦٧٨/٤ . (٦) غير أن فضلها ورد بمجموع أحاديث، وهي - وإن كان في إسناد كلٍّ منها مقال - تتقوى ببعضها. تنظر أحاديث الباب في حاشية المسند (٦٦٤٢). (٧) في الكشاف ٥٠٠/٣ ، وإلى آخر تفسير الآية منه. ١٠٣ سورة الدخان: الآيات ٤ - ٦ إسماعيلَ صاحبٍ سماء الدنيا، وهو مَلَك عظيم، ونسخةُ المصائب إلى مَلَك الموت. وعن بعضهم: يُعطى كلُّ عامل بركاتِ أعماله، فيُلقى على ألسنة الخلق مدحُه، وعلى قلوبهم هیبتُه. وقُرِئ: ((يُفَرِّق))(١) بالتشديد، و(يَفْرُق))(٢) كلٌّ على بنائه للفاعل ونصبِ ((كلّ))، والفارقُ الله عزّ وجلّ. وقرأ زيد بن عليٍّ ﴾: ((نفرُق)) بالنون. ﴿كُلُّ أَمْرٍ مَكِيمٍ﴾: كلُّ شأنٍ ذي حكمة، أي: مفعول على ما تقتضيه الحكمة. قوله تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿﴿ رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ اَلْعَليمُ قوله تعالى: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَأَ﴾ قال النقَّاش: الأمرُ هو القرآنُ؛ أنزله الله من عنده. وقال ابن عيسى: هو ما قضاه الله في اللَّيلة المباركة من أحوال عباده(٣). وهو مصدرٌ في موضح الحال. وكذلك ﴿رَحْمَةٌ مِّن زَيِّكَ﴾ وهما عند الأخفش (٤) حالان، تقديرهما: أنزلناه آمرين به وراحمين. المبرِّد: ((أمرًا)) في موضع المصدر، والتقدير: أنزلناه إنزالاً(٥). الفرَّاء والزجَّاج: ((أمرًا)) نصب بـ ((يُفْرَق))، مثلُ قولك: يُفْرَق فرقًا، فأمر بمعنى فَرْق فهو مصدر، مثلُ قولك: يضرب ضرباً(٦). وقيل: ((يُفْرَق) يدلُّ على يؤمر، فهو مصدرٌ عمل فيه ما قبله (٧) . ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةُ مِّن زَيِّكَّ﴾ قال الفراء(٨): ((رَحْمَةً)) مفعول بـ ((مرسِلِين)). (١) في (م): نفرق. وقراءة: يُفَرِّق؛ بالتشديد، ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣/ ٥٠٠ . (٢) قرأ ((يَفرُق)) بفتح الياء وضم الراء الحسن والأعرج والأعمش، وقرأها بفتح الياء وكسر الراء أبو المتوكل وأبو نهيك ومعاذ القارئ. ينظر القراءات الشاذة ص١٣٧، والمحرر الوجيز ٦٩/٥، وزاد المسير ٣٣٧/٧. (٣) النكت والعيون ٢٤٦/٥. (٤) في معاني القرآن ٢/ ٦٩١ . (٥) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٥٤ . (٦) معاني القرآن للفراء ٣٩/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٤ /٤٢٤ . (٧) مشكل إعراب القرآن ٦٥٤/٢. (٨) في معاني القرآن ٣٩/٣. ١٠٤ سورة الدخان: الآيات ٥ -٩ والرحمةُ النبيُّ﴾. وقال الزجَّاج: ((رَحْمَةً)) مفعولٌ من أجله، أي: أرسلناه للرحمة(١). وقيل: هي بدل من قوله: ((أَمْراً)). وقيل: هي مصدر(٢). الزمخشريُّ: ((أَمْراً)) نصب على الاختصاص، جعل كلَّ أمر جَزْلاً فَخْماً بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جَزالة وكسبه فخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، كائناً من لَدُنَّا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وفي قراءة زيد بن عليٍّ: ((أَمْرٌ مِنْ عِنْدِنَا)) على: هو أمرٌ، وهي تَنْصُر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن: ((رحمةٌ)) على تلك هي رحمةٌ، وهي تنصر انتصابها بأن مفعول له(٣). قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّ إِن كُمُ قُوقِنِينَ ﴿ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِى، وَيُمِتٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ◌َابَآَبِّكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿ بَلْ هُمْ فِ شَكٍ يَلْعَبُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ قرأ الكوفيون: ((رَبِّ)) بالجرّ. الباقون بالرفع(٤)؛ رَدًّا على قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وإن شئت على الابتداء، والخبرُ: لا إله إلا هو. أو يكون خبر ابتداء محذوف، تقديره: هو ربُّ السماوات والأرض. والجرُّ على البدل من ((رَبِّكَ))، وكذلك: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَبَّابِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالجرِّ فيهما، رواه الشَّيْزَريّ(٥) عن الكسائي. الباقون بالرفع على الاستئناف. ثم يحتمل أن يكون هذا الخطاب مع المعترفِ بأن الله خلق السماواتِ (١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٤٢٤ . (٢) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٥٥. (٣) الكشاف ٣/ ٥٠٠ - ٥٠١ . (٤) السبعة ص ٥٩٢ ، والتيسير ص ١٩٨ . (٥) هو عيسى بن سليمان أبو موسى الحجازي المعروف بالشيزري الحنفي، مقرىء عالم نحوي، كان حجازياً، ثم انتقل إلى شيزر، وأقام بها إلى أن مات، فنسب إليها، أخذ القراءة عرضاً وسماعاً عن الكسائي، وله عنه انفرادات. طبقات القراء ٦٠٨/١، وقراءته في القراءات الشاذة ص ١٣٧. ١٠٥ سورة الدخان: الآيات ٧ - ١١ والأرض، أي: إن كنتم موقنين به؛ فاعلموا أنَّ له أن يُرسل الرسل، ويُنَزِّلَ الكتب. ويجوز أن يكون الخطاب مع مَن لا يعترف أنه الخالق، أي: ينبغي أن يعرفوا أنه الخالق، وأنه الذي يحيي ويميت. وقيل: الموقنُ ها هنا هو الذي يريد اليقين ويطلبه، كما تقول: فلان يُنْجِد، أي: يريد نَجْداً. ويُتِهِم، أي: يريد تِهامة(١). ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِ، وَيُمِيثٌ﴾ أي: هو خالقُ العالم، فلا يجوز أن يُشرَك به غيرُه ممَّن لا يقدر على خلق شيء. و((هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ)) أي: يحيي الأموات ويميت الأحياء. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَبِكُمُ الْأَوَِّينَ﴾ أي: مالِكُكُم ومالكُ مَن تقدَّم منكم. واتَّقُوا تكذيب محمد لئلا يَنْزِل بكم العذاب. ﴿َبَّ هُمْ فِ شَكٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي: ليسوا على يقين فيما يُظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقُهم، وإنما يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم، فهم في شكّ. وإن توهّموا أنهم مؤمنون، فهم يلعبون في دينهم بما يعُنُّ من غير حجة. وقيل: ((يَلْعَبُونَ)): يضيفون إلى النبيِّ﴾ الافتراءَ استهزاءً. ويقال لمن أعرض عن المواعظ(٢): لاعب، وهو كالصبيِّ الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته. قوله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴿ يَغْشَى النَّاسِّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ ارتقب معناه: انتظر، أي: انتظر يا محمدُ بهؤلاء(٣) الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين. قاله قتادة (٤). وقيل: معناه: احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين، ولذلك سُمِّيَ الحافظُ رقيباً(٥). (١) ينظر هذا القول في تفسير الرازي ٢٧/ ٢٤١. (٢) في (ظ): الذكر. (٣) في (ظ): هؤلاء، وقوله: أي انتظر، من (ظ). (٤) النكت والعيون ٢٤٦/٥، وأخرجه الطبري ١٣/٢١. (٥) النكت والعيون ٢٤٧/٥ . ١٠٦ سورة الدخان: الآيتان ١٠ - ١١ وفي الدُّخان أقوال ثلاثة: الأول: أنه من أشراط الساعة لم يَجِئ بعدُ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً يملأ ما بين السماء والأرض، فأما المؤمنُ فيصيبه مثل الزُّكام، وأما الكافرُ والفاجر فيدخل في أنوفهم فيَثْقُبُ مسامِعَهم، ويُضَيِّقُ أنفاسهم، وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممَّن قال إن الدخان لم يأتِ بعدُ: عليٍّ، وابن عباس، وابنُ عمر، وأبو هريرة، وزيدُ ابن عليٍّ، والحسنُ، وابنُ أبي مُلَيكَة، وغيرُهم (١). وروى أبو سعيدِ الخُذريُّ مرفوعاً أنه دخانٌ يَهِيجُ بالناس يوم القيامة، يأخذ المؤمنَ منه كالزَّكُمة، وينفخُ الكافرَ حتى يخرج من كلِّ مسمع منه. ذكره الماوردي(٢). وفي صحيح مسلم عن أبي الظُّفَيل، عن حُذيفةَ بنِ أَسِيدِ الغِفاريِّ قال: اطّلع النبيُّ # علينا ونحن نتذاكر فقال: ((ما تذكرون))؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: ((إنها لن تقوم حتى تَرَوْا قبلها عَشْرَ آيات - فذكر - الدُّخانَ، والدَّجَّالَ، والدَّابَّةَ، وطلوعَ الشمس من مغربها، ونزولَ عيسى ابنِ مريم، وخروجَ يأجوج ومأجوجَ، وثلاثةَ خُسُوف: خَسْفٌ بالمَشْرِق، وخَسْفٌ بالمغرب، وخَسْفٌ بجزيرة العرب، وآخِرُ ذلك نارٌ تخرج من الْيَمَن تَظْرُد الناس إلى مَحْشَرهم))(٣). وفي رواية عن حُذيفة: ((إن الساعة لا تكون حتى تكون عَشْرُ آيات: خَسْفٌ بالمشرق، وخَسْفٌ بالمغرب، وخَسْفٌ في جزيرة العرب، والدُّخاذُ، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرض، ويأجوجُ ومأجوجُ، وطلوعُ الشمس من مغربها، ونارٌ تخرج من قَعْر عَدَن تُرَحِّلُ الناس)» (٤). (١) قول علي في تفسير عبد الرزاق ٢٠٦/٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٢٨٨/١٠ (١٨٥٣٤)، وقول ابن عباس وابن عمر والحسن في تفسير الطبري ١٨/٢١ - ١٩ . وقول أبي هريرة في زاد المسير ٣٣٩/٧، وقول زيد بن علي في المحرر الوجيز ٦٩/٥، وقول ابن أبي مليكة في المفهم ٢٣٩/٧. (٢) في النكت والعيون ٥/ ٢٤٧، وأخرجه الطبري ١٩/٢١، وابن أبي حاتم ٣٢٨٧/١٠ (١٨٥٣٣). (٣) صحيح مسلم (٢٩٠١): (٣٩)، وهو عند أحمد (١٦١٤١). (٤) صحيح مسلم (٢٩٠١): (٤٠). ١٠٧ سورة الدخان: الآيتان ١٠ - ١١ وخرَّجه الثعلبيُّ أيضاً عن حُذيفةَ قال: قال رسول الله ﴾: «أوَّلُ الآيات خروجاً: الدَّجَّالُ، والدخان(١)، ونزولُ عيسى ابن مريم، ونارٌ تخرج من قَعْر عَدَن أبْيَنَ تسوق الناس إلى المحشر، تَبيت معهم حيث باتوا، وتَقِيل معهم إذا قالوا، وتُصبح معهم إذا أصبحوا، وتُمْسي معهم إذا أمسَوا)). قلت: يا نبيَّ اللـه، وما الدُّخان؟ قال: ((هذه الآية: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوماً وليلة، أمَّا المؤمنُ فيصيبه منه شبهُ الزُّكام، وأما الكافرُ فيكون بمنزلة السَّكران يخرج الدخان من فمه ومَنْخَره وعينيه وأُذُنيه ودبره))(٢). فهذا قول. القول الثاني: أن الدخان هو ما أصاب قريشاً من الجوع بدعاء النبيِّ ﴾، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخاناً. قاله ابن مسعود(٣). قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم. والحديثُ عنه بهذا في صحيح البخاريِّ ومسلم والترمذيِّ. قال البخاريُّ: حدثني يحيى قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مَسْرُوق قال: قال عبد الله: إنما كان هذا لأن قريشاً لمَّا استعصت على النبيِّ ﴾، دعا عليهم بسنينَ كَسِني يوسف، فأصابهم فَحْطٌ وجَهْد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدُّخان من الجَهْد، فأنزل الله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ. يَخْشَى النَّاسَُّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فأُتيَ رسول الله ﴾ فقيل: يا رسول الله، استسق الله لِمُضَر فإنها قد هلكت. قال: ((لِمُضَر! إنك لَجَريء)). فاستسقى فسُقُوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَابِدُونَ﴾ [الآية: ١٥]. فلمَّا أصابتهم الرفاهية، عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُتَقِمُونَ﴾. قال: يعني يومَ بدر (٤) . (١) قوله: والدخان، من (ظ). (٢) أخرجه الطبري ١٩/٢١ - ٢٠ . (٣) ينظر النكت والعيون ٢٤٧/٥، والمحرر الوجيز ٦٩/٥، وزاد المسير ٣٤٠/٧. (٤) صحيح البخاري (٤٨٢١)، وصحيح مسلم (٢٧٩٨): (٤٠)، وسنن الترمذي (٣٢٥٤)، وهو عند أحمد (٣٦١٣). ١٠٨ سورة الدخان: الآيات ١٠ - ١٢ قال أبو عبيدة (١): والدُّخَان الجَدْب. القُتَبيُّ(٢): سُمِّيَ دخاناً ليُبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان. القول الثالث: إنه يوم فتح مكة لمَّا حجبت السماءَ الغبرةُ. قاله عبد الرحمن الأعرج(٣). ﴿يَغْشَى النَّاسَّ﴾ في موضع الصفة للدُّخان، فإن كان قد مضى على ما قال ابن مسعود، فهو خاصٌّ بالمشركين من أهل مكة، وإن كان من أشراط الساعة فهو عامٌّ على ما تقدم. ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيٌ﴾ أي: يقول الله لهم: ((هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)). فمن قال: إن الدخان قد مضى، فقوله: ((هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)) حكايةُ حالٍ ماضية، ومَن جعله مستقبلاً، فهو حكايةُ حالٍ آتية. وقيل: ((هَذَا)) بمعنى ذلك. وقيل: أي: يقول الناس لذلك الدخان: «هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (٤). وقيل: هو إخبارٌ عن دُنُوِ الأمر، كما تقول: هذا الشتاء فأعِدَّ له. قوله تعالى: ﴿رَّبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ١٢ أي: يقولون ذلك: اكشف عنا العذاب، فـ((إِنَّا مُؤْمِنُونَ))، أي: نؤمن بك إن كشفته عنا. قيل: إن قريشًا أتوا النبيَّ :﴿ وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذابَ، أسلمنا، ثم نقضوا هذا القول(٥). قال قتادة: ((العَذَابَ)) هنا الدخان. وقيل: الجوع. حكاه النقَّاش(٦). قلت: ولا تناقض، فإن الدُّخان لم يكن إلا من الجوع الذي أصابهم، على ما (١) في مجاز القرآن ٢٠٨/٢، ونقله المصنف بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٢٤٧/٥ . (٢) في تفسير غريب القرآن ص ٤٠٢، ونقله المصنف بواسطة الماوردي في النكت والعيون. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٣٢٨٧/١٠ (١٨٥٣٢). (٤) هذا القول في معاني القرآن للزجاج ٤٢٥/٤، وزاد المسير ٣٤١/٧ . (٥) سلف هذا القول في الآية السابقة في الحديث الذي أخرجه البخاري عن ابن مسعود .4 (٦) النكت والعيون ٥/ ٢٤٧ . ١٠٩ سورة الدخان: الآيات ١٢ - ١٥ تقدَّم. وقد يقال للجوع والقحط: الدخان؛ ليُبس الأرض في سنة الجَذْب، وارتفاع الغبار بسبب قلَّة الأمطار، ولهذا يقال لسنة الجَدْب: الغَبْراء(١). وقيل: إن العذاب هنا الثلج. قال الماورديُّ(٢): وهذا لا وجه له؛ لأن هذا إنما يكون في الآخرة، أو في أهل مكة، ولم تكن مكةُ من بلاد الثلج، غير أنه مقولٌ فحكيناه. قوله تعالى: ﴿أَّ لَهُمُ الذِّكْرَ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْ عَنَّهُ وَقَالُواْ مُعَلَّ نَّجْنُونُ ®﴾ قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي: من أين يكون لهم التذكُّر والاتعاظ عند حلول العذاب. ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾: يبيِّن لهم الحقَّ، والذِّكْرى والذِّكْرُ واحد. قاله البخاريُّ(٣). ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْ عَنْهُ﴾ أي: أعرضوا. قال ابن عباس: أي: متى يتَّعظون واللهُ أبعدهم من الاتعاظ والتذكّر بعد تولِّيهم عن محمد ﴿ وتكذيبِهم إيَّاه؟! وقيل: أي: أنَّى ينفعهم قولُهم: ((إِنَّا مُؤْمِنُونَ)) بعد ظهور العذاب غدّ أو بعد ظهور أعلام الساعة! فقد صارت المعارف ضرورية. وهذا إذا جعلتَ الدخان آية مرتقبة. ﴿وَقَالُواْ مُعَلٌَّ نَجْنُونٌ﴾ أي: عَلَّمه بَشَرٌ، أو علَّمه الكَهَنة والشياطين، ثم هو مجنونٌ وليس برسول. ١٥ قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًاْ إِنَّكُرُ عَّبِدُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ أَلْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ أي: وقتاً قليلاً، وعَدَ أن يكشف عنهم ذلك العذابَ قليلاً، أي: في زمانٍ قليلٍ ليعلم أنهم لا يَفُون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه. قاله ابن مسعود. فلمَّا كُشِف ذلك عنهم باستسقاء النبيِّ # لهم، عادوا إلى تكذيبه (٤). ومَن قال: إن الدخان منتظَرٌ قال: أشار بهذا إلى ما يكون من الفُرْجة بين (١) تفسير غريب القرآن ص ٤٠٢ . (٢) في النكت والعيون ٢٤٧/٥ وما قبله منه. (٣) في صحيحه قبل حديث (٤٨٢٣). (٤) النكت والعيون ٢٤٧/٥ . ١١٠ سورة الدخان: الآيتان ١٥ - ١٦ آية وآية من آيات قيام الساعة. ثم مَن قضى عليه بالكفر يستمرُّ على كفره، ومَن قال هذا في القيامة قال: أي لو كشفنا عنكم العذابَ، لعدتم إلى الكفر. وقيل: معنى ﴿إِنَّكُرْ عَابِدُونَ﴾ إلينا، أي: مبعوثون بعد الموت. وقيل: المعنى: ((إِنَّكُمْ عَائِدُونَ)) إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا(١). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ﴾ محمولٌ على ما دلَّ عليه ﴿مُتَقِمُونَ﴾، أي: ننتقم منهم يوم نبطِش. وأبعده بعض النَّحْويين بسب أنَّ ما بعد ((إنَّ) لا يفسِّر ما قبلها. وقيل: إن العامل فيه ((مُنْتَقِمُونَ)). وهو بعيدٌ أيضاً؛ لأن ما بعد ((إن)) لا يعمل فيما قبلها. ولا يحسن تعلُّقهُ بقوله: ((عَائِدُونَ))، ولا بقوله: ((إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ))؛ إذ ليس المعنى عليه. ويجوز نصبُه بإضمار فعل، كأنه قال: ذكِّرهم، أو: اذكر. ويجوز أن يكون المعنى: إنكم عائدون، فإذا عُدتُم أنتَقِمُ منكم يومَ نبطش البطشة الكبرى. ولهذا وصل هذا بقصة فرعون، فإنهم وعدوا موسى الإيمانَ إن كشف عنهم العذاب، ثم لم يؤمنوا حتى غرِقوا. وقيل: ((إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ)) كلامٌ تامٌّ. ثم ابتدأ: ((يَوْمَ نَبْطِشُ البَْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)) أي: ننتقم من جميع الكفار. وقيل: المعنى وارتقب الدُّخان وارتقب يَوْمَ نَبْطِش، فحذف واو العطف، كما تقول: اتق النار اتق العذاب. و﴿ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَىَ﴾ في قول ابن مسعود: يوم بدر. وهو قولُ ابنِ عباس وأُبَيِّ بن كعب ومجاهدٍ والضحاك(٢). وقيل: عذابُ جهنمَ يوم القيامة. قاله الحسن وعكرمة وابن عباس أيضاً (٣)، واختاره الزَّجَّاج. وقيل: دخانٌ يقع في الدنيا، أو جوعٌ أو قحطٌ (١) النكت والعيون ٢٤٧/٥. (٢) أخرج قولهم الطبري ٢٥/٢١ - ٢٧ . (٣) النكت والعيون ٢٤٨/٥، وأخرج قولهم الطبري ٢٧/٢١ . ١١١ سورة الدخان: الآيات ١٦ - ١٩ يقع قبل يوم القيامة. الماورديُ(١): ويحتمل أنها قيام الساعة؛ لأنها خاتمةُ بطشاته في الدنيا. ويقال: انتقم الله منه، أي: عاقبه. والاسم منه النَّقْمة، والجمعُ النَّقِمات(٢). وقيل بالفرق بين النَّقْمة والعقوبة، فالعقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة. والنَّقْمة قد تكون قبلها. قاله ابن عباس(٣). وقيل: العقوبةُ ما تقدَّرت، والانتقامُ غير مقدَّر. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمُ ﴾﴾ أي: ابتليناهم، ومعنى هذه الفتنةِ والابتلاءِ الأمرُ بالطاعة. والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم، فكذَّبوا فأُهلِكوا، فهكذا أَفعلُ بأعدائك يا محمدُ إن لم يؤمنوا. وقيل: فتنَّهم: عذَّبناهم بالغرق. وفي الكلام تقديمٌ وتأخير، والتقدير: ولقد جاء آلَ فرعون رسولٌ كريمٌ وفتنَّاهم، أي: أغرقناهم؛ لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسل. والواو لا تُرتّب. ومعنى ﴿كَرِيمُ﴾ أي: كريمٌ في قومه. وقيل: كريمُ الأخلاق بالتجاوز والصفح(٤). وقال الفرَّاء(٥): كريمٌ على ربِّه إذِ اختصه بالنبوَّة وإسماع الكلام. قوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُواْ إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِيْنٌ ﴿﴿ وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ ١٩ إِنِّيَّ ءَاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ قوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوَاْ إِلَى عِبَادَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: المعنى: جاءهم فقال: اتبعوني(٦). فـ(عِبَادَ اللَّهِ)) منادى. وقال مجاهد: المعنى: أَرسِلوا معي عبادَ الله (١) في النكت والعيون ٢٤٨/٥ . (٢) الصحاح (نقم) . (٣) في النكت والعيون ٢٤٨/٥ والكلام وما سيرد منه : قاله ابن عيسى . (٤) النكت والعيون ٢٤٩/٥ . (٥) في معاني القرآن ٤٠/٣ . (٦) أخرجه الطبري ٢٩/٢١ . ١١٢ سورة الدخان: الآيات ١٨ - ٢٠ وأطلقوهم من العذاب(١). فـ((عِبَادَ اللَّهِ)) على هذا مفعول. وقيل: المعنى: أُّوا إليَّ عبادَ الله ما وجبَ عليكم من حقوق الله. وقيل: أي(٢): أدُّوا إليَّ سمعَكم حتى أُبلِّغكم رسالةَ ربي . ﴿إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ﴾ أي: أمينٌ على الوحي فاقبلوا نُصحي. وقيل: أمينٌ على ما أستأديه منكم، فلا أَخونُ فيه(٣) . ﴿وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللهِ﴾ أي: لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته. وقال قتادة: لا تبغُوا على الله. ابن عباس: لا تفتروا على الله (٤). والفرقُ بين البغي والافتراء: أن البغي بالفعل والافتراء بالقول. وقال ابن جُريح: لا تَعْظُمُوا على الله. يحيى بن سلام: لا تستكبروا على عبادة(٥) الله. والفرقُ بين التعظيم والاستكبار: أن التعظيم تطاولُ المقتدِر، والاستكبارَ تَرفُعُ المحتقِر. ذكره الماوردي(٦). ﴿إِنّ ءَاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ تُبِينٍ﴾ قال قتادة: بعذر بيِّن. وقال يحيى بن سلام: بحجة بيِّنة. والمعنى واحد، أي: برهان بيِّن. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ عُذْتُ بِرَبِى وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ١٢٠ كأنهم توعّدوه بالقتل فاستجار بالله. قال قتادة: (تَرْجُمُونٍ)) بالحجارة(٧). وقال ابن عباس: تشتمونٍ، فتقولوا: ساحرٌ كذَّاب(٨). وأظهر الذَّال من ((عُذْتُ)) نافعٌ وابنُ (١) تفسير مجاهد ٥٨٨/٢ بنحوه . (٢) من قوله: أدُّوا إليَّ، إلى هذا الموضع من (ظ). (٣) النكت والعيون ٢٤٩/٥ . (٤) أخرج قول قتادة وابن عباس الطبري ٢١/ ٣١. (٥) في (د) والنكت والعيون ٢٤٩/٥ : عباد. (٦) في النكت والعيون ٢٤٩/٥ وما سيرد منه . (٧) أخرجه الطبري ٣٢/٢١ . (٨) أخرجه الطبري ٢١/ ٣٢ بنحوه . ١١٣ سورة الدخان: الآيات ٢١ - ٢٢ كثير وابن عامر وعاصمٌ ويعقوب، وأدغم الباقون(١). والإدغامُ طلباً للتخفيف، والإظهار على الأصل. ثم قيل: إني عذت بالله فيما مضى؛ لأن الله وعده فقال: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]. وقيل: إني أعوذ، كما تقول: نشدتك بالله، وأقسمت عليك بالله، أي: أُقسِم. قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّرْ نُؤْمِنُواْ لِى فَأَ عْنِلُونِ قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌َّمْ نُؤْمِنُواْ لِ﴾ أي: إن لم تصدِّقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني. فاللام في (لي)) لامُ أَجْل(٢). وقيل: أي: وإن لم تؤمنوا بي (٣)، كقوله: ﴿فَتَامَنَ لَهُمْ لُوطٌ ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أي: به. ﴿فَعَُّونِ﴾ أي: دعُوني كَفافاً لا ليَ ولا عَلَيَّ(٤). قاله مقاتل. وقيل: أي: كونوا بمعزل مني(٥) وأنا بمعزِل منكم إلى أن يحكم الله بيننا. وقيل: فخلُّوا سبيلي وكُقُوا عن أذاي(٦). والمعنى متقارب، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ: أَنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ ٢٢ قوله تعالى: ﴿فَدَمَا رَبَّهُ﴾ فيه حذفٌ، أي: فكفروا فدعا ربه. ﴿أَنَّ هَؤُلاءِ﴾ بفتح ((أَنَّ)) أي: بأنَّ هؤلاء(٧). ﴿قَوْمٌ تُجْرِمُونَ﴾ أي: مشركون(٨)، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيلَ ومن الإيمان. (١) التيسير ص ٤٢، والنشر ١٦/٢ . (٢) تفسير الرازي ٢٤٥/٢٧ . (٣) المحرر الوجيز ٥/ ٧١ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٤٠٢/٦، والكشاف ٥٠٣/٣ . وفي القاموس: دعني كَفافٍ، كقطامٍ: كُفَّ عني وأكفّ عنك. قال الزَّبيدي في شرحه: ويجيء معرباً، ومنه قول عمر : وددتُ أني سلمت من الخلافة كفافاً، لا عليَّ ولا لي. (٥) في (د) و(ظ): عني . (٦) النكت والعيون ٥/ ٢٥٠. (٧) معاني القرآن للزجاج ٤٢٦/٤، والوسيط ٨٨/٤، والكشاف ٥٠٣/٣ . (٨) زاد المسير ٣٤٣/٧ . ١١٤ سورة الدخان: الآية ٢٣ ٢٢٣ قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأَسَرِ بِعِبَادِى لَيْلًا﴾ أي: فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أَنْ أسرٍ بعبادي، أي: بمن آمن بالله من بني إسرائيل . ﴿لَيْلًا﴾ أي: قبل الصباح. ﴿إِنَّكُم ◌ُتَّبَعُونَ﴾ وقرأ أهل الحجاز ((فاسْرٍ)) بوصل الألف. وكذلك ابنُ كثير، مِن سَرَى. الباقون: (فَأَسْرٍ)) بالقطع، مِن أَسْرى(١). وقد تقدَّم (٢). وتقدَّم خروجُ فرعونَ وراء موسى في ((البقرة والأعراف وطه والشعراء ويونس)) (٣) وإغراقُه وإنجاءُ موسى، فلا معنى للإعادة. الثانية: أُمِر موسى عليه السلام بالخروج ليلاً. وسَيْرُ الليل في الغالب إنما يكون عن خَوْف، والخوفُ يكون بوجهين: إمَّا من العدوِّ فيتخذ الليل سِتراً مُسْدِلاً، فهو من أستار الله تعالى. وإمَّا مِن خوْفِ المشقة على الدَّواب والأبدان بِحَرٍّ أو جَذْب، فيتخذ السُّرَى مصلحةٌ من ذلك. وكان النبيُّ ﴾ يَسْرِي ويُذْلج (٤) ويترفَّق ويستعجل، بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة(٥). وفي الصحيح عن النبيِّ﴾: ((إذا سافرتم في الخِصْب، فأعطوا الإبل حَظّها من الأرض، وإذا سافرتم في السَّنَة، فبادروا بها نِقْيَها))(٦). وقد مضى في أول ((النحل))، والحمد لله. (١) التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢٩٠/٢. (٢) ١٨٢/١١ . (٣) ٩٢/٢ - ٩٣، و٤٥/١١، و١١١/١٤، ٣١/١٦ وما بعدها. (٤) قوله: ويدلج من الدُّلْجة، وهو السير من أول الليل. القاموس (دلج). (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٧٩/٤. (٦) أخرجه مسلم (١٩٢٦) من حديث أبي هريرة ، وسلف ٢٧٧/١٢ . والمراد بالسَّنة القحط ، ونفيها - بكسر النون وإسكان القاف - وهو المخّ ، أي : إن سافرتم في القحط فعجّلوا السير لتصلوا المقصد وفيها بقية من قوتها . شرح صحيح مسلم للنووي ٦٩/١٣ . ١١٥ سورة الدخان: الآية ٢٤ ٢٤ قوله تعالى: ﴿وَآَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهَوَاْ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَفُونَ قال ابن عباس: ﴿رَهْوًا﴾ أي: طريقاً. وقاله كعب والحسن. وعن ابن عباس أيضاً: سَمْتاً. الضحَّاك والربيع: سهلاً. عكرمة: يَبَسًا(١)، لقوله: ﴿فَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فى الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]. وقيل: مفترِقاً. مجاهد: منفرٍجًا(٢). وعنه: يابسًا(٣). وعنه: ساكنًا (٤). وهو المعروف في اللغة. وقاله قتادة(٥) والهرويُّ. وقال غيرهما: منفرٍجًا. وقال ابن عرفة: وهما يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلف لفظاهما، لأنه إذا سكن جَرْيُه انفرج. وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السلام. والرَّهْوُ عند العرب: الساكن، يقال: جاءت الخيل رَهْوًا، أي: ساكنة. قال: والخيل تَمْزَعُ رَهْوًا في أعَّتها كالطير تنجو من الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ (٦) الجوهري(٧): ويقال: افعل ذلك رَهْوَا، أي: ساكناً على هِينَتِك. وعيشٌ راهٍ، أي: ساكنٌ رافِهٌ. وخِمْسٌ(٨) راهٍ: إذا كان سهلاً. ورها البحر، أي: سَكَن. وقال أبو عبيدة (٩): رَهَا بين رجليه يَرْهُو رَهْوًا، أي: فتح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ (١) أخرج هذه الأقوال دون قول ابن عباس الأول وقول الحسن الطبريُّ ٣٥/٢١-٣٧، أما قول ابن عباس الأول فقد أورده الواحدي في الوسيط ٨٩/٤ ، وقول الحسن أخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص١٥١. (٢) أورد هذا القول أبو الليث في تفسيره ٢١٨/٣، والماوردي في النكت والعيون ٢٥٠/٥، والسيوطي في الدر المنثور ٣٠/٦ وعزاه لعبد بن حميد. (٣) تفسير مجاهد ٥٨٩/٢، وعلقه عنه البخاري قبل الحديث (٤٨٢٠). (٤) معاني القرآن للنحاس ٤٠٣/٦، والوسيط ٨٨/٤، وعلقه البخاري قبل حديث (٤٨٢٠). (٥) أخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص ١٥١ . (٦) قائله النابغة الذبياني وهو في ديوانه ص ٣٤، وفيه: غَرْباً، بدل: رهواً. والغَرْب الفرس الكثير الجري . وتمزع، أي: تسرع. والشؤبوب: الدُّفعة من المطر . القاموس (غرب) و(مزع) و(شأب) . (٧) في الصحاح (رها) . (٨) الخمس: من أظمأ الإبل ، وهي أن ترعى ثلاثة أيام ، وترد اليوم الرابع ، وقد أخمس الرجل ، أي : وردت إبله خمساً . الصحاح (خمس) . (٩) في (م) : أبو عبيد. ١١٦ سورة الدخان: الآية ٢٤ رَهْوًا﴾. والرَّهْوُ: السيرُ السَّهْل، يقال: جاءت الخيل رَهْوًا. قال ابن الأعرابي: رَهَا يَرْهُو في السير، أي: رَفَقَ. قال القَطامي في نعت الرِّكَاب: يَمْشِينَ رَهْوًا فلا الأعجازُ خاذِلةٌ ولا الصدورُ على الأعجاز تَشَّكِلُ(١) والرَّهُوُ والرَّهْوَة: المكان المرتفع، والمنخفض أيضاً يجتمع فيه الماء، وهو من الأضداد. وقال أبو عبيد: الرَّهْو: الجَوْبةُ تكون في (٢) مَحَلَّة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره (٣). وفي الحديث أنه قضى أن ((لا شُفعةً في فِناء ولا طريقٍ ولا مَنْقَبَةٍ ولا رُكْحٍ ولا رَهْوِ))(٤). والجمع رِهَاء. والرَّهْوُ: المرأةُ الواسعة الهَنِ، حكاه النَّصْر بن شُمَيلٍ. والرَّهْو : ضربٌ من الطير ، ويقال: هو الكُرْكِيُّ. قال الهَرَويُّ: ويجوز أن يكون ((رَهْوًا)) من نعت موسى - وقاله القشيريّ - أي: سِرْ ساكنًا على هِينَتِك، فالرَّهوُ من نعت موسى وقومِه لا من نعت البحر. وعلى الأوّل هو من نعت البحر، أي: اتركه ساكنًا كما هو قد انفرق، فلا تأمره بالانضمام حتى يدخل فرعون وقومه(٥). قال قتادة: أراد موسى أن يضرب البحر لمَّا قطعه بعصاه حتى يلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون، فقيل له هذا(٦). وقيل: ليس الرَّهْو من السكون، بل هو الفُرجة بين الشيئين، يقال: رَهَا ما بين الرِّجلين، أي: فرج. فقوله: ((رَهْوًا)) أي: منفرٍجًا. وقال الليث: الرَّهْو مَشْيٌّ في (١) ديوان القطامي ص ٢٦ . (٢) بعدها في (د) و(ظ): فناء. اهـ. والجَوْبة: الحفرة المستديرة الواسعة. المعجم الوسيط. (٣) غريب الحديث ٣/ ١٢٢ . (٤) أورده أبو عبيد في غريب الحديث ١٢١/٣، وابن الأثير في النهاية ٢٨٥/٢ . قال أبو عبيد: المَثْقَبة هي الطريق الضيق يكون بين الدارين لا يمكن أن يسلكه أحد . والرُّكح : ناحية البيت من ورائه ، وربما كان فضاء لا بناء فيه . (٥) بنحوه في تهذيب اللغة ٦/ ٤٠٤ . (٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٠٨/٢، والطبري ٣٥/٢١. ١١٧ سورة الدخان: الآيات ٢٤ - ٢٧ سكون(١)، يقال: رها يرهو رَهْوًا فهو راهٍ. وعيشٌ راهٍ: وادْعٌ خافض. وافعل ذلك سَهْوًا رَهْوًا، أي: ساكنًا بغير شدَّة. وقد ذكرناه آنفاً. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: إن فرعون وقومه ﴿جُنْدٌ مُغْرَفُونَ﴾ أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه. وَزُرُوِعِ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ ﴿ وَنَعْمَةٍ قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَّكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (١٥) كَانُواْ فِيَهَا فَكِهِينَ قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَّكُواْ مِن جَّتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوِعٌ وَمَغَّامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ للتكثير. وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في ((الشعراء)) مستوفّى(٢). ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيَهَا فَكِهِينَ﴾ النَّعْمة - بالفتح - : التنعيم، يقال: نعَّمه الله وناعَمَه فَتَنْعَّم، وامرأةٌ مُنَعَّمةٌ ومُنَاعَمَةٌ، بمعنّى. والنِّعمة - بالكسر - : اليد والصنيعة والمِنَّة وما أُنْعِم به عليك. وكذلك النُّعْمى. فإن فتحتَ النون مددتَ وقلتَ: النَّعماء. والنعيم مثله. وفلانٌ واسعُ النعمة، أي: واسعُ المال، جميعه عن الجوهريّ(٣). وقال ابن عمر: المراد بالنَّعمة نيلُ مصر. ابن لهيعة: الفَيُّومِ(٤). ابن زياد: أرضُ مصرَ لكثرة خيرها. وقيل: ما كانوا فيه من السَّعة والدَّعَة. وقد يقال: نَعْمَة ونِعْمَة؛ بفتح النون وكسرها، حكاه الماورديّ(٥). قال: وفي الفرق بينهما وجهان : أحدهما: أنها بكسر النون في المِلْك، وبفتحها في البَدَن والدِّين. قاله النَّصْر بن شُمَيل . الثاني: أنها بالكسر من المِنَّة؛ وهو الإفضال والعطيّة، وبالفتح من التنعيم؛ وهو (١) ذكر قول الليث الأزهري في تهذيب اللغة ٤٠٣/٦. (٢) ١٠٢/١٣ وما بعدها . (٣) في الصحاح (نعم). (٤) الفيوم: موضع بمصر، بينها وبين الفسطاط أربعة أيام ، بينهما مفازة لا ماء بها ولا مرعى . معجم البلدان ٢٨٦/٤ . (٥) في النكت والعيون ٢٥١/٥ - ٢٥٢ . ١١٨ سورة الدخان: الآيات ٢٥ - ٢٨ سعةُ العیش والراحة. قاله ابن زياد. قلت: هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه . وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة: ((فَكِهِينَ)) بغير ألف(١)، ومعناه: أشِرِين بَطِرِين(٢). قال الجوهري: فَكِهَ الرجل - بالكسر - فهو فَكِهٌ: إذا كان طيِّب النفس مَزَّاحاً. والفَكِه أيضاً الأشِر البَطِر. وقرئ: ((وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ))، أي: أَشِرِين بَطِرِين. و((فَاكِهِينَ)) أي: ناعمين(٣). القشيري: ((فَاكِهِينَ)): لاهين مازحين، يقال: إنه لفاكه، أي مَزَّاح. وفيه فكاهة، أي: مَزِح. الثعلبيّ: وهما لغتان كالحاذر والحَذِر، والفارِهِ والفَرِهِ. وقيل: إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة؛ كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة(٤). والفاكهة: فضلٌ عن القوت الذي لا بدّ منه. (٢٨) قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ قال الزَّجَّاج: أي الأمر كذلك؛ فيوقف على ((كَذَلِكَ))(٥). وقيل: إن الكاف في موضع نصب، على تقدير: نفعل فعلاً كذلك بمن نريد إهلاكه(٦). وقال الكلبي: ((كَذَلِكَ)) أفعل بمن عصاني(٧). وقيل: ((كَذَلِكَ)) كان أمرهم فأُهلكوا. ﴿ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ يعني بني إسرائيل، ملّكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبَدين، فصاروا لها وارثين؛ لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث(٨). ونظيره: (١) قراءة أبي رجاء والحسن في تفسير الطبري ٣٩/٢١، والمحرر الوجيز ٧٣/٥، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٥٤/٢، وهو من العشرة. (٢) تفسير الطبري ٣٩/٢١ . (٣) الصحاح للجوهري (فكه) . (٤) أورد هذا القول الماوردي في النكت والعيون ٢٥٢/٥، ونسبه لابن عيسى. (٥) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٤٢٦ . (٦) مشكل إعراب القرآن ٦٥٦/٢ . (٧) الوسيط ٨٩/٤، وتفسير البغوي ١٥٢/٤. (٨) النكت والعيون ٢٥٢/٥ . ١١٩ سورة الدخان: الآية ٢٩ ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧]. قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَّهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنْظَرِينَ قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: لكفرهم. ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ أي: مؤخّرين بالغرق(١). وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض، أي: عَمَّت مصيبته الأشياءَ حتى بكته السماءُ والأرضُ والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات. قال الشاعر: والبرقُ يلمع في غمامه(٢) الريحُ تبكي شَجْوَهُ وقال آخر: تبكي عليك نجومَ اللَّيل والقمرا(٣) والشمسُ طالعةٌ ليست بكاسفة وقالت الخارجية : أيا شجرَ الخابور مَالَكَ مُورِقًا كأنك لم تجزع على ابن طَرِيفٍ (٤) وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغةً في وجوب الجَزَع والبكاءِ عليه(٥) . والمعنى: أنهم هلكوا فلم تعظُم مصيبتهم، ولم يوجد لهم فَقْد. وقيل: في الكلام إضمار، أي: ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من (١) ذكر هذا الكلام الماوردي في النكت والعيون ٢٥٣/٥ ونسبه للكلبي . (٢) البيت ليزيد بن المفرِّغ الحميري ، وهو في ديوانه ص ١٤٣ براوية: فالريح تبكي شجوها ... والبرق يضحك في الغمامة. (٣) قائله جرير، وهو في ديوانه ٧٣٦/٢ وجاء الشطر الأول فيه: فالشمس كاسفة ليست بطالعة . وهو برواية المصنف في الكامل ٨٣٣/٢، والعقد الفريد ٩٦/١، والمحرر الوجيز ٧٤/٥ وغيرهم وقوله: ((نجومَ)) بالفتح، نصبت بـ ((كاسفة)) يعني أنها تكسف النجومَ والقمر بإفراط ضيائها. ينظر الكامل للمبرد . (٤) أورده ابن عبد ربه في العقد الفريد ٢٦٩/٣، والزمخشري في الكشاف ٥٠٤/٣ . (٥) الكشاف ٣/ ٥٠٤ . ١٢٠ سورة الدخان: الآية ٢٩ الملائكة، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] بل سُرُّوا بهلاكهم. قاله الحسن(١). وروى يزيد الرَّقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾: ((ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان: بابٌ ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه وعمله. فإذا مات، فقداه فبكيا عليه، ثم تلا: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ﴾))(٢) . يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم لأجله، ولا صعِد لهم إلى السماء عملٌ صالح فتبكي فَقْدَ ذلك. وقال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحاً (٣). قال أبو يحيى: فعجبت من قوله، فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد [كان] يَعْمُرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دَوِيٌّ كدوِيِّ النحل!(٤). وقال عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهما: إنه يبكي عليه مُصَلَّاه من الأرض، ومصعدُ عمله من السماء. وتقدير الآية على هذا: فما بكت عليهم مصاعدُ عملهم من السماء، ولا مواضعُ عبادتهم من الأرض. وهو معنى قول سعيد بن جُبير (٥). وفي بكاء السماء والأرض ثلاثةُ أوجه: أحدُها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان. ويشبه أن يكون قولَ مجاهد(٦). وقال شُريح الحضرمي: قال النبيُّ﴾: ((إن الإسلام (١) ينظر النكت والعيون ٥/ ٢٥٢ . (٢) النكت والعيون ٢٥٢/٥ - ٢٥٣، وأخرجه الترمذي (٣٢٥٥) وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان يضعفان في الحديث. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٠، والطبري ٢١/ ٤٢. (٤) النكت والعيون ٢٥٢/٥، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٨٩) وأبو يحيى: هو القَّت، وهو لين الحديث كما في التقريب . (٥) النكت والعيون ٢٥٢/٥ وأخرج قول علي ابن المبارك في الزهد (٣٣٦)، وقول ابن عباس الطبري ٤٢/٢١، والبيهقي في الشعب (٣٢٨٨) بنحوه مطولاً، وقول سعيد بن جبير الطبري ٤٣/٢١ . (٦) النكت والعيون ٢٥٣/٥ .