Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة الزخرف : الآية ٧١ يجوز اقتناؤه، كالصنم والظُنْبور(١). وفي كتب علمائنا: أنه يلزم الغُرْمُ في قيمتها لمن كسرها، وهو معنَى فاسد، فإنَّ كَسْرَها واجب، فلا ثمن لقيمتها. ولا يجوز تقويمُها في الزكاة بحال. وغيرُ هذا لا يُلتفت إليه(٢). قوله تعالى: ﴿بِصِحَافٍ﴾ قال الجوهري: الصَّحْفة كالقَصْعة، والجمع: صِحاف. قال الكسائي: أعظم القصاع الجَفْنة، ثم القَصْعة تليها تُشبع العشرة، ثم الصحفة تُشبع الخمسة، ثم المِنْكَلة تُشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصُّحَيفة تشبع الرجل. والصحيفة: الكتاب، والجمع: صُحُف وصحائف (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ ﴾ قال الجوهري(٤): الكوب: كوزٌ لا عُروةً له، والجمع: أكواب. قال الأعشى يصف الخمر: صَرِيفِيَّةٌ(٥) طَيِّبٌ طَعْمُها لها زَبَدٌ بين كُوبٍ ودَنّ وقال آخر (٦): يسعى عليه العبْدُ بالكوبِ مُتَّكِناً تَضْفِق أبوابُه وقال قتادة: الكُوب: المدوَّرُ القصير العنقِ القصيرُ العروة، والإبريق: المستطيل العنق الطويلُ العروة. وقال الأخفش: الأكواب: الأباريق التي لا خراطيم لها. وقال قُظْرُب: هي الأباريق التي ليست لها عُرِّى. وقال مجاهد: إنها الآنيةُ المدوَّرةُ الأفواه. السُّدِّي: هي التي لا آذان لها(٧). ابن عُزيز: ((أكواب)): أباريقُ لا عُرَى لها ولا (١) آلة من آلات اللعب واللهو والطرب. المعجم الوسيط (طنب). (٢) نهاية كلام ابن العربي. (٣) الصحاح (صحف). (٤) في الصحاح (كوب). (٥) في الديوان ص٦٧: صليفية، وهي المعثَّقة كما قال شارحه. والصريفية: نسبة إلى صَريفون: بلدة بواسط منها الخمر الصريفية. أو قيل لها: صريفية؛ لأنها أخذت من الدن ساعتئذ، كاللبن الصريف. القاموس (صرف). (٦) هو عدي بن زيد، والبيت في تهذيب اللغة ٤٠٠/١٠، والصحاح، واللسان (كوب). (٧) النكت والعيون ٢٣٨/٥ -٢٣٩، وقول السدي أخرجه الطبري ٦٤٤/٢٠-٦٤٥. ٨٢ سورة الزخرف: الآية ٧١ خراطيم؛ واحدها كُوب(١). قلت: وهو معنى قولِ مجاهدٍ والسُّدِّيّ، وهو مذهب أهلِ اللغة أنها التي لا آذان لها ولا عُرَى. قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُّ﴾ روى الثِّرمذيُّ عن سليمانَ بنِ بُريدة، عن أبيه: أنَّ رجلاً سأل النبيَّ ﴾ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة مِن خيل؟ قال: ((إنِ اللهُ أَدخلك الجنة، فلا تشاءُ أن تحَمِلَ فيها على فرس مِن ياقوتة حمراءَ يطير بك [في الجنة] حيث شئتَ(٢)). قال: وسأله رجلٌ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة مِن إبل؟ قال: فلم يقل له مِثلَ ما قال لصاحبه، قال: ((إِنْ يُدخلكَ اللهُ الجنة، يكن لك فيها ما اشتهت نفسُك ولَذَّت عينُك))(٣). وقرأ أهل المدينة وابنُ عامر وأهلُ الشام(٤): ((وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ))، الباقون: ((تَشْتَهي الأَنْفُسُ)) أي: تشتهيه الأنفس(٥)؛ تقول: الذي ضربت زيد (٦)، أي: الذي ضربته زید. ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُ﴾ تقول: لذَّ الشيءُ يَلَذُّ لَذاذاً، ولَذاذة. ولَذِذت بالشيء أَلَّذّ - بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل - لَذاذاً ولَذَاذة، أي: وجدته لذيذاً. (١) نزهة القلوب ص٩٨ . (٢) في رواية أحمد زيادة: إلا ركبت. (٣) سنن الترمذي (٢٥٤٣)، وما بين حاصرتين منه. وهو عند أحمد (٢٢٩٨٢) كلاهما من طريق المسعودي، عن علقمة بن مَرْثَد، عن ابن بريدة ... وخالف المسعوديَّ سفيانُ الثوري - كما أخرجه الترمذي عقب الحديث - فرواه عن علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط مرسلاً. قال الترمذي: وهذا أصح من حديث المسعودي . وللحديث شواهد. (٤) في (ز) و(ظ) و(ق): في أهل الشام . (٥) السبعة ص٥٨٩، والتيسير ص١٩٧، والنشر ٢/ ٣٧٠ . وقرأ حفص أيضاً عن عاصم مثل قراءة أهل المدينة وابن عامر. (٦) في النسخ الخطية: زيداً. والمثبت من (م). ٨٣ سورة الزخرف: الآيات ٧١ - ٧٣ والْتَذذت به وتلذَّذت به بمعنَى(١). أي: في الجنة ما تستلَذُّه العينُ، فكان حَسَنَ المَنْظَر. وقال سعيد بن جبير: ((وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ)): النظر إلى الله عزَّ وجلَّ؛ كما في الخبر: ((أسألك لَذَّةَ النظر إلى وجهك))(٢). ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾: باقون دائمون؛ لأنها لو انقطعت لتبغَّضت. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ أي: يقال لهم: هذه تلك الجنةُ التي كانت توصف لكم في الدنيا. وقال ابن خالويه: أشار تعالى إلى الجنة بـ (تلك)) وإلى جهنم بـ ((هذه))؛ ليخوّفَ بجهنم ويؤكِّدَ التحذيرَ منها. وجعلها بالإشارة القريبةِ كالحاضرة التي يُنظر إليها. ﴿ اَلَِّىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: خلق الله لكل نَفْسٍ جنةً وناراً؛ فالكافر يرث نارَ المسلم، والمسلمُ يرث جنةَ الكافر(٣)؛ وقد تقدَّم هذا مرفوعاً في ﴿قَدْ أَفَحَ اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] من حديث أبي هريرة (٤)، وفي ((الأعراف)) أيضاً (٥). قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ الفاكهة معروفة، وأجناسُها الفواكه، والفاكِهانيُّ: الذي يبيعها. وقال ابن عباس : هي الثمارُ كلُّها، رَظْبُها ويابِسُها، أي: لهم في الجنة سوى الطعام والشراب فاكهةٌ كثيرة يأكلون منها. (١) الصحاح (لذذ). (٢) أخرجه أحمد (١٨٣٢٥)، والنسائي ٥٤/٣-٥٥ من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما مطولاً. (٣) الوسيط للواحدي ٨١/٤ . (٤) ١٥/ ١٥ -١٦ . (٥) ٩/ ٢٢٣. ٨٤ سورة الزخرف: الآيات ٧٤ - ٧٧ لَا يُفَتَُّ عَنْهُمْ وَهُمْ فِهِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿ لَا V ﴿ وَمَا ظَلَيْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الَِّمِينَ مُبْلِسُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِنَ فِ عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾ لمَّا ذكر أحوالَ أهل الجنة؛ ذَكَرَ أحوال أهلِ النار أيضاً؛ ليبيِّنَ فضلَ المطيع على العاصي . ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أي: لا يُخفّف عنهم ذلك العذاب. ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من الرحمة. وقيل: ساكتون سكوتَ يأس. وقد مضى في ((الأنعام)) (١). ﴿وَمَا ظَلَئْتَهُمْ﴾ بالعذاب ﴿وَلَكِن كَانُواْ هُمُ اُلِّينَ﴾ أنفسَهم بالشِّرك. ويجوز: ((وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمُونَ)) بالرفع على الابتداء والخبر، والجملة خبرُ كان(٢). قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبِّكٌ قَالَ إِنَّكُم مَّيْكِتُونَ MM قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ﴾ وهو خازنُ جهنم، خَلَقَه لِغضبه؛ إذا زجر النارَ زجرةٌ أكل بعضُها بعضاً. وقرأ عليٍّ وابن مسعود رضي الله عنهما: ((وَنَادَوْا يَا مَالٍ)). وذلك خلافُ المصحف(٣). وقال أبو الدرداء وابن مسعود: قرأ النبيُّ﴾: ((وَنَادَوْا يَا مَالٍ)) باللام خاصة(٤)؛ يعني رَجَم الاسمَ وحذف الكاف. والترخيمُ الحذف، ومنه ترخيم الاسم في النداء، وهو أن يُحذفَ مِن آخره حرفٌ أو أكثر، فتقول في مالك: يا مالٍ، وفي حارث: يا حارٍ، وفي فاطمة: يا فاطمَ، وفي عائشة: يا عائشَ، وفي مروان: يا مروَ، وهكذا. قال(٥): (١) ٨/ ٣٨١. (٢) الكلام بنحوه في القراءات الشاذة ص١٣٦ . وهي قراءة ابن مسعود كما في معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٧، وإعراب القرآن للنحاس ١٢١/٤، والمحرر الوجيز ٦٤/٥. قال الزجاج في معاني القرآن ٤٢٠/٤: لا تقرأنَّ بها لأنها تخالف المصحف. (٣) القراءات الشاذة ص١٣٦، والمحتسب ٢٥٧/٢ . (٤) أخرجها الدوري في قراءات النبي 8# ص١٤٦-١٤٧ عن أبي الدرداء . (٥) هو زهير، والبيت في ديوانه ص ١٨٠. ٨٥ سورة الزخرف: الآية ٧٧ لم يَلْقَها سُوقَةٌ قَبلي ولا مَلِكُ يا حارٍ لا أُزْمَيَنْ منكم بداهية (١) . وقال امرؤ القيس كلمع اليدين في حَبِيٍّ مُكلَّلٍ أحارٍ ترى بَرْقاً أُريك وميضَه وقال أيضاً(٢). وإن كنتِ قد أَزمعتِ صَرْمي فأجْمِلٍ أفاطِمَ مهلاً بعضَ هذا التدلُّلِ وقال آخر (٣): يا مَروَ إنَّ مطيَّتي محبوسةٌ ترجو الحِباءَ وَرَبُّها لم ييأسِ وفي صحيح الحديث: ((أي فُلُ، هلُمَّ)(٤). ولكَ في آخر الاسم المرشّم وجهان: أحدهما: أن تُبْقيَه على ما كان عليه قبل الحذف. والآخر: أن تَبنيَه على الضم؛ مثل: يا زيدُ؛ كأنك أَنزلته منزلتَه ولم تراعِ المحذوف(٥). وذكر أبو بكر الأنباريُّ قال: حدَّثنا محمد بن يحيى المَرْوَزيُّ قال: حدَّثنا محمد - وهو ابن سعدان - قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة (٦)، عن مجاهد قال: كنا لا ندري ما الزُّخرف حتى وجدناه في قراءة عبدِ الله: ((بيتٌ من ذهب))، وكنا لا ندري: ((وَنَادَوْا يَا مَالِكُ)) أو: يا ملك - بفتح اللام وكسرها - حتى وجدناه في قراءة عبدِ الله: ((وَنَادَوْا يَا مَالٍ)) على الترخيم (٧). قال أبو بكر: لا يُعمل (١) ديوانه ص٢٤. وسلف ٤٢٥/٣ . (٢) ديوانه ص ١٢ . (٣) هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ١/ ٣٨٤. (٤) صحيح البخاري (٢٨٤١)، وصحيح مسلم (١٠٢٧): (٨٦) من حديث أبي هريرة مطولاً. وسلف ٣٤١/٨ بنحوه. وقوله: فلُ، أي: فلان. (٥) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٤ /١٢١. (٦) تحرفت في النسخ إلى: عيينة. (٧) ذكر قول مجاهد ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٣٦ . وذكر القطعة الثانية منه النحاس في إعراب القرآن ٤/ ١٢١ . ٨٦ سورة الزخرف: الآية ٧٧ على هذا الحديث؛ لأنه مقطوعٌ لا يُقبل مِثلُه في الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وكتابُ الله أحقُّ بأن يُحتاطَ له ويُنفَى عنه الباطل. قلت: وفي صحيح البخاريِّ عن صَفْوان بنِ يَعْلَى، عن أبيه قال: سمعت النبيَّ ﴾ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لَِقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾(١) بإثبات الكاف. وقال محمد بن كعب القُرَظيُّ: بلغني - أو ذُكر لي - أنَّ أهل النار استغاثوا بالخَزَنَة، فقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فسألوا يومًا واحداً يُخفَّف عنهم فيه العذاب؛ فرَدَّت عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلَّ فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩-٥٠] قال: فلما يَئسوا مما عند الخزنة نَادَوْا مالكًا؛ وهو مُشرِفٌ(٢) عليهم وله مجلسٌ في وسطها، وجسورٌ تمرُّ عليها ملائكةُ العذاب؛ فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)). قال(٣): سألوا الموت، قال: فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانينَ سَنة، قال: والسَّنة سِتُّونَ وثلاثُ مِئةٍ يوم، والشهر ثلاثون يوماً، واليومُ كألف سَنةٍ مما تَعدُّون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال: ((إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)) وذكر الحديث؛ ذكره ابن المبارك. وفي حديث أبي الدرداء عن النبيِّ ﴾ قال: ((فيقولون: ادعوا مالكاً، فيقولون: يا مالك لِيقضِ علينا ربُّك، قال: إنكم(٤) ماكثون)). قال الأعمش: نُبِّئتُ أنَّ بين دعائهم وبين إجابةِ مالكٍ إياهم ألفَ عام. خرَّجه الترمذي(٥). وقال ابن عباس: يقولون ذلك فلا يجيبهم ألف سنة، ثم يقول: إنكم ماكثون. (١) صحيح البخاري (٣٢٣٠). وهو عند أحمد (١٧٩٦١)، ومسلم (٨٧١). (٢) قوله: مشرف، من (ظ). (٣) لفظة: قال ليست في (م). (٤) قبلها في سنن الترمذي: فيجيبهم. (٥) في سننه (٢٥٨٦)، ورجح وقفه. والأعمش أحد رجال السند. ٨٧ سورة الزخرف: الآيات ٧٧ - ٧٩ وقال مجاهد ونَوْفٌ البِكَاليّ: بين ندائهم وإجابته إياهم مئةُ سنة(١). وقال عبد الله بن عمرو: أربعون سنة؛ ذكره ابن المبارك(٢). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حِثْنَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ يحتمل أنْ يكونَ هذا من قول مالكٍ لهم، أي: إنكم ماكثون في النار؛ لأننا جئناكم في الدنيا بالحقِّ فلم تقبلوا. ويحتمل أن يكونَ من كلام الله لهم اليوم، أي: بَيَّا لكم الأدلةَ وأرسلنا إليكم الرسل(٣). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (وَلَكِنّ أَكْثَرَكُمْ)) أي: ولكنَّ كلَّكم (٤). وقيل: أراد بالكثرة الرؤساءَ والقادةَ منهم، وأما الأَتباعُ فما كان لهم أثر. ﴿لَلْحَقُّ﴾ أي: للإسلام ودينِ الله ﴿ كَزِهُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ٧٩ قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم بالمكر بالنبيِّ ﴿ في دار الندوة، حتى استقرَّ أمرُهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أنْ يبرُزَ من كل قبيلةٍ رجلٌ ليشتركوا في قتله، فتَضعُف المطالبةُ بدمه؛ فنزلت هذه الآية، وقتل اللهُ جميعَهم ببدر (٥). ((أَبْرَمُوا)): أحكموا. والإبرام: الإحكام. أبرمت الشيءَ: أحكمته. وأبرم الفِتَال: إذا أحكم الفتل، وهو الفتل الثاني، والأول سَحِيل؛ كما قال: ... مِن سَحِيلٍ ومُبْرَم(٦) (١) قولا ابن عباس ونوف البكالي أخرجهما الطبري ٢٠ / ٦٤٩، ٦٥٠ . (٢) في الزهد (٣١٩ زوائد نعيم) مطولاً. وأخرجه أيضاً الطبري ٦٤٩/٢٠ - ٦٥٠ . (٣) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٦٥/٥. وينظر الكشاف ٤٩٦/٣. (٤) الوسيط للواحدي ٤/ ٨٢ . (٥) ذكره مختصراً الرازي في تفسيره ٢٢٨/٢٧، وذكره بطوله الماوردي في النكت والعيون ٢٤٠/٥ غير أنه لم ينسبه لأحد. (٦) قائله زهير، وهو في ديوانه ص١٤، والبيت بتمامه: على كل حال من سحيل ومبرم يميناً لَنِعم السيدان وجدتما ٨٨ سورة الزخرف: الآيات ٧٩ - ٨٢ فالمعنى: أم أحكموا كيدًا؛ فإنَّا مُحکِمون لهم کَیْدًا؛ قاله ابن زيد ومجاهد. قتادة: أم أجمعوا على التكذيب؛ فإنا مُجمعون على الجزاء بالبعث. الكلبي: أم قَضَوْا أمرًا؛ فإنَّا قاضون عليهم بالعذاب(١). وأم بمعنى: بل. وقيل: ((أَمْ أَبْرَمُوا)) عطفٌ على قوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَّ يُعْبَدُونَ﴾ [الآية: ٤٥]. وقيل: أي: ولقد جئناكم بالحقّ فلم تسمعوا، أم سمعوا فأعرضوا؛ لأنهم في أنفسهم أبرموا أمرًا أمِنُوا به العقاب. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمَّ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَتَّخْوَنُهُمْ﴾ أي: ما يُسِرُّونه في أنفسهم ويتناجون به بينهم. ﴿بَلَى﴾ نسمع ونعلم. ﴿ وَرُسُلُنَا لَدَتِهِمْ يَكْثُبُونَ﴾ أي: الحفظةُ عندهم يكتبون عليهم. ورُويَ أنَّ هذا نزل في ثلاثة نفر كانوا بين الكعبة وأستارها؛ فقال أحدهم: أترون أنَّ الله يسمع كلامنا؟ وقال الثاني: إذا جهرتم سَمِع، وإذا أسررتم لم يسمع. وقال الثالث: إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم؛ قاله محمد بنُ كعب القُرَظي(٢). وقد مضى هذا المعنى عن ابن مسعود في سورة فصلت(٣). سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَنِدِينَ﴾ اختلف في معناه؛ فقال ابن عباس والحسن والسُّدِّي: المعنى: ما كان للرحمن ولد، فـ (إن)) بمعنى ((ما))، ويكون الكلام على هذا تامًّا، ثم تبتدئ: ((فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)) أي: الموحِّدين من أهل مكةً (١) النكت والعيون ٥/ ٢٤٠. وأخرج هذه الآثار - عدا قول الكلبي - الطبري ٢٠/ ٦٥٢. (٢) أخرجه عنه الطبري ٢٠/ ٦٥٣. (٣) عند تفسير الآية (٢٢) من سورة فصلت. ٨٩ سورة الزخرف: الآيتان ٨١ - ٨٢ على أنه لا ولدَ له. والوقف على ((العابِدِين)) تام(١). وقيل: قل يا محمد: إنْ ثبت لله ولد، فأنا أوَّلُ مَن يَعبد ولدَه، ولكن يستحيل أن يكونَ له ولد؛ وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلتَ بالدليل، فأنا أوَّلُ مَن يعتقده؛ وهذا مبالغةٌ في الاستبعاد، أي: لا سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيقٌ في الكلام؛ كقوله: ﴿وَإِنَّآ أَوَ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. والمعنى على هذا: فأنا أوَّل العابدين لذلك الولد، لأنَّ تعظيم الولد تعظيمٌ للوالد. وقال مجاهد: المعنى: إن كان للرحمن ولد، فأنا أوَّل مَن عبده وحده. على أنه لا ولد له. وقال السُّدِّيُّ أيضاً: المعنى: لو كان له ولد، كنت أوَّلَ مَن عبده على أنَّ له ولداً؛ ولكن لا ينبغي ذلك. قال المَهدويّ: فـ ((إن)) على هذه الأقوالِ للشرط، وهو الأجود، وهو اختيارُ الطبري(٢)؛ لأن كونها بمعنى ((ما)) يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى. وقيل: إنَّ معنى ((الْعَابِدِينَ)): الآنِفين. وقال بعض العلماء: لو كان كذلك لكان: العَبِدين. وكذلك قرأ أبو عبد الرحمن واليماني (٣): ((فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ)) بغير ألف، يقال: عَبِدَ يَعْبَدَ عَبَدًا - بالتحريك - إذا أنِف وغضِب، فهو عَبِد، والاسم العَبَدة، مثلُ الأَنفة، عن أبي زيد (٤). قال الفرزدق: (١) تفسير الطبري ٦٥٤/٢٠ - ٦٥٥، وزاد المسير ٣٣٢/٧، والنكت والعيون ٢٤١/٥. وينظر الوقف والابتداء لابن الأنباري ٨٨٦/٢ . (٢) في تفسيره ٢٠/ ٦٥٧ - ٦٥٨، وفيه أثر مجاهد والسدي ص ٦٥٤، ٦٥٦ . (٣) في النسخ الخطية: أبو عبد الرحمن اليماني، والمثبت من (م)، والقراءة في المحتسب ٢/ ٢٥٧، ومجمع البيان ٩٩/٥٢ . ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٦٦/٥ لأبي عبد الرحمن. ووقع في القراءات الشاذة ص١٣٧ : أبو عبد الله واليماني، وينظر البحر المحيط ٢٨/٨ . (٤) الصحاح (عبد). ٩٠ سورة الزخرف: الآيتان ٨١ - ٨٢ وأَعْبَدُ أن أهجُو كُلَيْبًا بدارمِ(١) أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم ويُنشد أيضاً : أولئك ناس إن هَجَوني هجوتُهم وأَعْبَدُ أن يُهجى كُلَيْبٌ بدارم(٢) قال الجوهري(٣): وقال أبو عمرو: وقوله تعالى: ﴿فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ من الأَنَف والغضب، وقاله الكِسائيُّ والقُتَبي، حكاه الماورديُّ عنهما(٤). وقال الهَرَوِي: وقوله تعالى: ﴿فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَِدِينَ﴾ قيل: هو من عَبِد يَعْبَد، أي: من الآنفين. وقال ابن عرفة: إنما يقال: عَبِد يَعبَدُ فهو عَبِد؛ وقلَّما يقال: عابد، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذِّ، ولكنَّ المعنى: فأنا أوَّلُ مَن يعبدُ الله عزَّ وجلَّ على أنه واحدٌ لا ولد له. ورُوي أنَّ امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر، فذكر ذلك لعثمانَ ﴾ فأمر برجمها؛ فقال له عليٍّ ﴾: قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًّا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وقال في آية أخرى: ﴿وَفِصَلُهُ فِى عَمَيْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] فواللهِ ما عَبِدَ عثمانُ أنْ بعث إليها تُرَدّ. قال عبد الله بن وهب: يعني: ما استنكف ولا أَنِف(٥). وقال ابن الأعرابي: ((فَأَنَا أَوَّلُ العابِدِينَ)) أي: الغِضابِ الآنفين. وقيل: ((فَأَنَا أَوَّلُ العابِدِينَ)) أي: أنا أوَّلُ مَن يعبده على الوحدانية مخالفاً لكم (٦). أبو عبيدة(٧): معناه الجاحدين؛ وحُكي: عَبَدَني حَقِّي، أي: جحدني(٨). (١) إصلاح المنطق ص٥٩، والصحاح (عبد)، وفصل المقال لأبي عبيد البكري ص٣٨١ . قوله: الأحلاس جمع حِلْس: وهو الكبير من الناس. القاموس (حلس). (٢) مجاز القرآن ٢٠٦/٢، وجمهرة الأمثال ١/ ٥١٢، واللسان (عبد) باختلاف يسير. (٣) في الصحاح (عبد). (٤) في النكت والعيون ٢٤١/٥. وكلام ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن له ص٤٠١ . (٥) أخرجه الطبري ٢٠/ ٦٥٧ . (٦) ياقوتة الصراط ص ٤٦١ - ٤٦٢ . (٧) في مجاز القرآن ٦/ ٢٠٧ . (٨) المحرر الوجيز ٦٦/٥ . ٩١ سورة الزخرف: الآيات ٨١ - ٨٤ وقرأ أهل الكوفة إلَّا عاصمًا: (وُلْدٌ)) بضم الواو وإسكان اللام. الباقون وعاصم: (وَلَدٌ)). وقد تقدَّم(١). ﴿سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: تنزيهاً له وتقديساً، نَزَّه نفسه عن كلِّ ما يقتضي الحدوث. وأمرَ النبيَّ ◌َ﴾ بالتنزيه. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عما يقولون من الكذب. قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُ الَّذِى يُوعَدُونَ قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ﴾ يعني كفارَ مكةَ حين كذَّبوا بعذاب الآخرة. أي: اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَعُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾ إمَّا العذاب في الدنيا أو في الآخرة. وقيل: إنَّ هذا منسوخٌ بآية السيف. وقيل: هو مُحْكَم، وإنما أُخرج مُخرِجَ التهديد(٢). وقرأ ابن مُحيصِن ومجاهدٌ وحُميدٌ وابن القَعقاع وابن السَّمَيْفَعِ: ((حَتَّى يَلْقَوا)) بفتح الياء وإسكانِ اللام مِن غير ألف وفتح القاف، هنا وفي ((الطور)) و((المعارج)). الباقون: ((يُلَاقُوا))(٣). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ هذا تكذيبٌ لهم في أنَّ لله شريكًا وولدًا، أي: هو المستحِقُّ للعبادة في السماء والأرض. وقال عمر ﴾ وغيرُه: المعنى: وهو الذي في السماء إلهٌ في (٤) الأرض(٥)؛ وكذلك قرأ(٦). والمعنى (٧): أنه يُعبد فيهما. وروي أنه قرأ هو وابنُ مسعود وغيرُهما: (١) السبعة ص٤١٢، والتيسير ص١٤٩ - ١٥٠، وتقدم ٥١٩/١٣. (٢) الكلام بنحوه في المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي ص٤٨ . (٣) قراءة ابن القعقاع في هذه المواضع في النشر ٢/ ٣٧٠، وهي من العشرة، وقراءة ابن محيصن في القراءات الشاذة ص١٣٧ . (٤) في (د) و(ظ): وفي ... (٥) بعدها في (ظ): إله. (٦) في (د) و(ظ): قرئ، ولم نقف عليها. (٧) قبلها في (ظ): ويقرى بغير واو وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله يعني إله السماء والأرض واحد .. (وقع بعدها سواد). ٩٢ سورة الزخرف: الآيات ٨٤ - ٨٦ ((وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ اللهُ وَفِي الْأَرْضِ اللهُ))(١) وهذا خلاف المصحف. و((إلهٌ)) رفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: وهو الذي في السماء هو إله؛ قاله أبو علي (٢). وحَسُن حذفُه لطول الكلام(٣). وقيل: (في)) بمعنى ((على))؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِنَّكُمْ فِي ◌ُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل؛ أي: هو القادر على السماء والأرض. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ تقدَّم (٤). قوله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَمُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (9) ﴿يَبَارَكَ﴾: تفاعل، من البركة. وقد تقدَّم(٥). ﴿وَعِندَمُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: وقتُ قيامها. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قرأ ابن كثير وحمزة والكِسائي: ((وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)) بالياء. الباقون بالتاء(٦). وكان ابن مُحَيْصِن وحُميدٌ ويعقوب وابن أبي إسحاق يفتحون أوَّلَه على أصولهم. وضَمَّ الباقون(٧). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ ((مَنْ)) في موضع الخفض. وأراد بـ ((الذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونه)) عيسى وعُزَيراً والملائكة. والمعنى: ولا يملك هؤلاء الشفاعةَ (١) القراءات الشاذة ص١٣٦، والمحرر الوجيز ٦٦/٥ . (٢) تفسير الرازي ٢٣٢/٢٧. (٣) أمالي ابن الشجري ١١٣/١ و٣٣١ بنحوه. (٤) ١/ ٤٢٩ . (٥) ٩ / ٢٤٤. (٦) السبعة ص٥٨٩ ، والتيسير ص١٩٧ . (٧) قراءة يعقوب في النشر ٢/ ٣٧٠، وهي بالتاء من رواية روح، وبالياء من رواية رويس. ٩٣ سورة الزخرف: الآية ٨٦ إلَّا لمن شهد بالحقِّ وآمن على علم وبصيرة؛ قاله سعيد بن جبير وغيره(١). قال: وشهادةُ الحقِّ: لا إله إلا الله . وقيل: ((مَنْ)) في محلٌّ رفع؛ أي: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعةَ - يعني الآلهة؛ في قول قتادة (٢)، أي: لا يشفعون لعابديها - إلَّا مَن شهد بالحق، يعني عُزيراً وعيسى والملائكة؛ فإنهم يشهدون بالحقِّ والوَحدانيةِ لله(٣). ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة ما شهدوا به. وقيل: إنها نزلت بسبب أنَّ النَّصْر بنَ الحارث ونَفَراً من قريش قالوا: إنْ كان ما يقول محمدٌ حقًّا فنحن نتولَّى الملائكة، وهم أحقُّ بالشفاعة لنا منه؛ فأنزل الله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِ﴾(٤) أي: اعتقدوا أنَّ الملائكة أو الأصنام أو الجِنَّ أو الشياطين تشفع لهم، ولا شفاعةً لأحد يومَ القيامة. ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِ﴾ يعني المؤمنين إذا أُذِن لهم. قال ابن عباس: ((إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ)) أي: شَهِد أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله(٥). وقيل: أي: لا يملك هؤلاء العابدون من دون الله أن يَشفعَ لهم أحدٌ إلَّا مَن شَهِد بالحق؛ فإنَّ مَن شهد بالحق يشفع له ولا يَشفع لمشرك. و(إِلَّا)) بمعنى: لكن، أي: لا ينال المشركون(٦) الشفاعةَ، لكن ينال الشفاعةَ مَن شهد بالحق؛ فهو استثناءٌ منقطع. (١) تفسير البغوي ٤/ ١٤٧. وأخرجه الطبري ٦٦١/٢٠ عن مجاهد، والاستثناء على هذا التأويل منفصل، كما ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٦٧ . (٢) أخرج قوله الطبري ٢٠/ ٦٦٢ . (٣) تفسير البغوي ١٤٧/٤، والاستثناء على هذا التأويل متصل، وهو ما رجحه البغوي وابن عطية، وتكون ((مَنْ)) في محل رفع على البدلية من ((الذين))، ويجوز أيضاً النصب على الاستثناء. ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤ / ١٢٢ . (٤) النكت والعيون ٢٤٢/٥، وزاد المسير ٣٣٣/٧ . (٥) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣) دون قوله: وأن محمداً رسول الله. (٦) في النسخ الخطية: المشركين. ٩٤ سورة الزخرف: الآيتان ٨٦ - ٨٧ ويجوز أن يكون متصلاً؛ لأن في جملةِ ((الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ)) الملائكةَ(١). ويقال: شَفَعْته وشَفَعْت له؛ مثل: كِلْته وكِلْت له. وقد مضى في ((البقرة)) معنى الشفاعة واشتقاقها(٢)، فلا معنى لإعادتها. وقيل: ((إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ)): إلَّا مَن تشهد له الملائكةُ بأنه كان على الحق في الدنيا، مع علمهم بذلك منه بأنْ يكونَ اللهُ أخبرهم به، أو بأنْ شاهدوه على الإيمان. الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يدلُّ على معنيين: أحدهما: أنَّ الشهادة(٣) بالحقِّ غيرُ نافعةٍ إلّا مع العلم، وأنَّ(٤) التقليد لا يُغني مع عدم العلمِ بصحة المقالة. والثاني: أنَّ شرط سائرِ الشهادات في الحقوق وغيرِها أن يكونَ الشاهدُ عالماً بها. ونحوُه ما رُوي عن النبيِّ﴾ ((إذا رأيتَ مِثلَ الشمس فاشهد، وإلّا فَدَعْ)). وقد مضى في ((البقرة))(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ﴾ أي: لَأَقرُّوا بأنَّ الله خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئًا . ﴿فَأَّ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف ينقلبون عن عبادته وينصرفون عنها حتى أشركوا به غيرَه رجاءَ شفاعتِهم له. يقال: أَفَكَه يَأْفِكُه أَفْكًا؛ أي: قَلَبه وصَرَفه عن الشيء. ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَحْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَإِنَا﴾ (٦) [الأحقاف: ٢٢]. وقيل: أي: ولئن سألتَ الملائكةَ وعيسى ((مَنْ خَلَقَهُمْ)) لَقالوا: الله. ((فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)) أي: فأنَّى يُؤفك هؤلاء في ادِّعائهم إياهم آلهةً! (١) الكشاف ٣/ ٤٩٨ . (٢) ٢/ ٧٦ . (٣) في (م): الشفاعة. (٤) في أحكام القرآن للكيا ٣٦٩/٤ - والكلام منه -: فإن. (٥) ٤ /٤٤١ . (٦) الصحاح (أفك). ٩٥ سورة الزخرف: الآية ٨٨ M قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ في ((قِيلِهِ)) ثلاثُ قراءات: النصب، والجرّ، والرفع. فأمَّا الجرُّ، فهي قراءةُ عاصم وحمزة. وبقية السبعة بالنصب(١). وأما الرفع؛ فهي قراءة الأعرج وقتادةَ وابنٍ هُرْمُزِ(٢) ومسلم بن جُنْدب(٣). فمن جَرَّ حمله على معنى: وعنده عِلْمُ الساعة وعلمُ قِيلِه. ومَن نصب فعلى معنى: وعنده عِلم الساعة ويعلم قِيلَه؛ وهذا اختيار الزَّجاج(٤). وقال الفرَّاء والأخفش(٥): يجوز أن يكون ﴿قِيلَهُ﴾ عطفًا على قوله: ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمْ﴾ [الآية: ٨٠]. قال ابن الأنباري(٦): سألتُ أبا العباس محمد بنَ يزيدَ المبرِّد: بأيِّ شيءٍ تَنْصِبُ القيل؟ فقال: أنصبه على ((وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيعْلَم قِيلَه)). فمن هذا الوجهِ لا يَحسُن الوقفُ على ((تُرْجَعُونَ))، ولا على ((يَعْلَمُونَ)). ويحسُن الوقفُ على ((يَكْتُبُونَ)). وأجاز الفراءُ والأخفش(٧) أن يُنصبَ القيلُ على معنى: [أنَّا] لا نسمع سِرَّهم ونجواهم وقِيلَه؛ كما ذكرنا عنهما. فمن هذا الوجهِ لا يحسُن الوقف على ((يَكْتُبُونَ))(٨). وأجاز الفراء والأخفش أيضًا(٩) أن يُنصب على المصدر؛ كأنه قال: وقال قِيلَه، وشکا شكواه إلى الله عزَّ وجلَّ، كما قال کعب بن زهير : (١) السبعة ص٥٨٩، والتيسير ص ١٩٧. (٢) هو نفسه الأعرج المذكور، واسمه عبد الرحمن، روى له الجماعة. (٣) المحتسب ٢٥٨/٢، والقراءات الشاذة ص١٣٦، والبحر ٣٠/٨. (٤) في معاني القرآن ٤٢١/٤ . (٥) كلام الفراء في معاني القرآن له ٣٨/٣، وكلام الأخفش في معاني القرآن للزجاج ٤ /٤٢١ . (٦) في الوقف والابتداء ٨٨٦/٢ . (٧) كلام الفراء في معاني القرآن له ٣٨/٣، وكلام الأخفش في إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٤. (٨) الوقف والابتداء ٢/ ٨٨٧. (٩) كلام الفراء في معاني القرآن له ٣٨/٣، وكلام الأخفش في إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٤. ٩٦ سورة الزخرف: الآية ٨٨ إِنَّك يا ابنَ أبي سُلْمَى لَمقتولُ يمشي الوُشاءُ جَنابَیها وقِیلَهُمُ أراد: ويقولون قيلَهم(١). ومَن رفع ((قيله))، فالتقدير: وعنده قِيلُه، أو: قِيلُه مسموع(٢)، أو: قِيلُه هذا القولُ. الزمخشريّ: والذي قالوه ليس بقويٍّ في المعنى، مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسُن اعتراضًا، ومع تنافر النَّظْم. وأقوى من ذلك وأوجهُ أن يكونَ الجرُّ والنصب على إضمار حرفِ القَسَم وحذفِهِ. والرفع على قولهم: أَیمُنُ الله، وأمانة الله، ويمين الله، ولَعْمُرُك، ويكون قولُه: ((إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ)) جوابَ القسم؛ كأنه قال: وأقسم بقيله: ياربِّ، أو: قيلهِ: يا ربِّ قَسَمي، إنَّ هؤلاءِ قومٌ لا يؤمنون(٣). وقال ابن الأنباري(٤): ويجوز في العربية: ((وقيلُه)) بالرفع، على أنْ تَرفعَه بـ «إِنَّ هؤلاءِ قومٌ لا يؤمنون)). المهدوي: أو يكون على تقدیر : وقِيلُه قِيلُه يا ربّ؛ فحذف قيله الثاني(٥) الذي هو خبر. وموضع (يا ربّ)) نصبٌ بالخبر المضمَر، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع حذفُ بعضٍ الموصول وبقي بعضه؛ لأن حذف القول قد كَثُر حتى صار بمنزلة المذكور. والهاء في ((قِيله)) لعيسى(٦)، وقيل: لمحمد ﴿، وقد جرى ذِكْرُه إذ قال: ((قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ)»(٧). (١) الوقف والابتداء ٢/ ٨٨٧. وبيت كعب في ديوانه ص٨٩، وروايته: يسعى الوشاة بجنبيها وقولهم. (٢) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٥٢ . (٣) الكشاف ٣/ ٤٩٨ . (٤) في الوقف والابتداء ٢/ ١٨٨٧. (٥) في النسخ الخطية: الأول. (٦) ضعَّف هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ٦٧/٥ . (٧) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ١٢٤/٤. وينظر تفسير الطبري ٦٦٤/٢٠، ومشكل إعراب القرآن ٦٥٢/٢. ٩٧ سورة الزخرف: الآيتان ٨٨ - ٨٩ وقرأ أبو قلابة: ((يَاربَّ)) بفتح الباء(١). والقيل مصدر كالقول؛ ومنه الخبر: ((نهى عن قِيْلٍ وقال))(٢). ويقال: قلت قَوْلًا وقِيلًا وقالًا. وفي النساء: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الَّهِ قِيلًا﴾ [الآية: ١٢٢]. قوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحَ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٨٩١ قال قتادة: أمرَه بالصَّفح عنهم، ثم أمره بقتالهم، فصار الصفحُ منسوخاً بالسيف. ونحوُه عن ابن عباس قال: ((فَاصْفَحْ عَنْهُمْ)): أَعرِض عنهم. ﴿ وَقُلْ سَلَمْ﴾ أي: معروفًا؛ أي: قل لمشركي أهل مكة ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)) ثم نُسخ هذا في سورة براءةٌ بقوله تعالى: ﴿فَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [الآية: ٥](٣). وقيل: هي مُحْكَمة لم تُنسخ. وقراءة العامة: (فَسَوْفَ يعلمون)) بالياء؛ على أنه خبرٌ من الله تعالى لنبيِّه بالتهديد. وقرأ نافعٌ وابن عامر: (تَعْلَمُونَ)) بالتاء(٤)؛ على أنه من خطاب النبيِّ # للمشركين بالتهديد. و((سلامٌ)) رفع بإضمار: عليكم؛ قاله الفرَّاء(٥). ومعناه: الأمر بتوديعهم بالسلام، ولم يجعله تحيَّةً لهم؛ حكاه النقَّاش. وروى شعيب بن الحَبْحاب أنه عرَّفه بذلك كيف السلامُ عليهم(٦)؛ والله أعلم. (١) مشكل إعراب القرآن ٦٥٢/٢، والمحرر الوجيز ٦٧/٥، وهي قراءة شاذة. (٢) أخرجه مسلم (١٧١٥) من حديث أبي هريرة، وسلف ٢٥١/٥ . (٣) أخرج قولهما النحاس في الناسخ والمنسوخ ٦٢٤/٢، وقول قتادة أخرجه أيضاً الطبري ٦٦٥/٢٠. (٤) السبعة ص٥٨٩ ، والتيسير ص ١٩٧ . (٥) في معاني القرآن ٣٨/٣ . (٦) النكت والعيون ٢٤٣/٥ . ٠ سورة الدُّخَان مكية باتفاق؛ إلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّا كَشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ [الآية: ١٥]. وهي سبعٌ وخمسون آية. وقيل: تسع(١). وفي مسند الدَّارميِّ(٢) عن أبي رافع قال: ((مَن قرأ الدخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفوراً له، وزُوِّج من الحور العين)). رفعه الثعلبيُّ من حديث أبي هريرةً أن النبيَّ ﴾ قال: ((مَن قرأ الدخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفوراً له))(٣). وفي لفظ آخر عن أبي هريرةَ أن النبيَّ﴾ قال: ((مَن قرأ الدخان في ليلة، أصبح يستغفر له سبعون ألفَ ملَك))(٤). وعن أبي أمامةً قال: سمعت النبيَّ ◌َ﴾ يقول: ((مَن قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، بنى الله له بيتاً في الجنة))(٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ قوله تعالى: ﴿حَمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ إن جعلت ((حم)) جوابَ القسم، تمَّ الكلام عند قوله: ((المُبِين))، ثم تبتدِئُ: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)). وإن جعلت ((إِنَّا كُنَّا مُنْذِرين)) جواب القسم الذي هو ((الكتاب))، وقفت على: (١) الكشاف ٤٩٩/٣، وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٦٨/٥، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٣٦/٧ أن السورة مكية كلها . (٢) برقم (٣٤٢١). (٣) أخرجه الترمذي (٢٨٨٩) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المِقدام يضعف، ولم يسمع الحسنُ من أبي هريرة، هكذا قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد. (٤) أخرجه الترمذي (٢٨٨٨) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعُمر بن أبي خَثْعَم يضعف، قال محمد [يعني البخاري]: وهو منكر الحديث. (٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٠٢٦)، قال الهيثمي في المجمع ١٦٨/٢: فيه فضّال بن جبير وهو ضعيف جدًّا. ٩٩ سورة الدخان: الآيات ١ - ٣ (مُنْذِرِينَ))، وابتدأت: ((فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم))(١). وقيل: الجواب: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ))(٢)، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمُقْسَم به، ولا تكون صفة المقسَم به جواباً للقَسَم. والهاء في ((أَنْزَلْنَاهُ)) للقرآن(٣). ومَن قال: أقسم بسائر الكتب فقوله: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)) كنَى به عن غير القرآن، على ما تقدَّم بيانه في أوَّل ((الزخرف))(٤). والليلةُ المباركة ليلةُ القدر. ويقال: ليلةُ النصف من شعبان، ولها أربعةُ أسماء: الليلةُ المباركة، وليلةُ البراءة، وليلة الصَّكّ، وليلة القدر(٥). ووصفها بالبركة لِمَا يُنزِّل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب. وروى قتادة عن واثلةَ أن النبيَّ # قال: ((أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لِستٍّ مَضَيْنَ من رمضان، وأُنزِلت الزَّبور لاثنتي عَشْرةَ من رمضان، وأُنزِل الإنجيل لثمان عَشْرة خلت من رمضان، وأُنزِل القرآن الأربع وعشرين مضت من رمضان)) (٦). ثم قيل: أُنزِل القرآن كلُّه إلى السماء الدنيا في هذه الليلة. ثم أُنزِل نَجْماً نَجْماً في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب(٧). وقيل: كان ينزل في كلِّ ليلة القدر ما ينزل (١) إيضاح الوقف والابتداء ٨٨٨/٢ . (٢) الكشاف ٤٩٩/٣، وزاد المسير ٣٣٦/٧ . (٣) زاد المسير ٣٣٦/٧ . (٤) ص٦ من هذا الجزء. (٥) الكشاف ٤٩٩/٣ . (٦) النكت والعيون ٢٤٥/٥، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٧٥٢)، والبيهقي ١٨٨/٩ وفيه أن الإنجيل أنزل لثلاث عشرة خلت، وأن الزبور أنزل لثمان عشرة خلت. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا عمران القطان، ولا يروى عن رسول الله # إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٩٧: فيه عمران القطان، ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وسلف ١٦١/٣ دون ذكر الزبور، وفيه أن الإنجيل أنزل لثلاث عشرة. (٧) سلف هذا القول في سورة البقرة ١٦٠/٣ - ١٦١ . ١٠٠ سورة الدخان: الآيات ١ - ٤ في سائر السنة(١). وقيل: كان ابتداء الإنزال في هذه الليلة(٢). وقال عكرمة: الليلةُ المباركة ها هنا ليلةُ النصف من شعبان(٣). والأوّل أصحُّ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كلَّه في ليلة القدر من أمّ الكتاب إلى بيت العِزَّة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه :﴿ في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة (٤). وهذا المعنى قد مضى في ((البقرة))(٥) عند قوله تعالى: ﴿َشَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [الآية: ١٨٥]، ويأتي آنفاً إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾ قال ابن عباس: يُحْكِم اللهُ أمرَ الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق. وقاله قتادة ومجاهد والحسن وغيرُهم(٦). وقيل: إلا الشقاءَ والسعادةَ فإنهما لا يتغيَّران. قاله ابن عمر (٧). قال المهدوي: ومعنى هذا القول: أمرَ الله عزَّ وجلَّ الملائكةَ بما يكون في ذلك العام، ولم يَزَّل ذلك في علمه عزَّ وجلَّ. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان، يُبْرَم فيها أمر السَّنة، ويُنسَخ الأحياءُ من الأموات، ويُكتَب الحاجُ، فلا يُزادُ فيهم أحد ولا يُنْقَص منهم أحد (٨). وروى عثمان بن المغيرة قال: قال النبيُّ: ((تُقطَع الآجال من شعبانَ إلى (١) ينظر تفسير أبي الليث ٢١٥/٣، والوسيط ٤/ ٨٥ . (٢) المحرر الوجيز ٦٨/٥ . (٣) أخرجه الطبري ٩/٢١. (٤) أخرج قول ابن زيد الطبريُّ ٦/٢١، وأورد قول قتادة البغوي في تفسيره ١٤٨/٤. (٥) ١٦٠/٣ - ١٦١ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٣٩٦/٦ - ٣٩٧ . (٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ لابن أبي حاتم. (٨) أخرجه الطبري ٩/٢١ .