Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة الشورى: الآيتان ١٩ - ٢٠
فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]. وقيل: هو
ج
الذي يُعين على الخدمة ويُكثر المِدْحة. وقيل: هو الذي لا يُعاجل مَن عصاه، ولا
يُخَيِّب مَن رجاه. وقيل: هو الذي لا يردُّ سائِلَه ولا يُؤْيِّس آمِلَه. وقيل: هو الذي يعفو
عمن يهفو. وقيل: هو الذي يرحم مَن لا يرحم نَفْسَه. وقيل: هو الذي أوقد في أسرار
العارفين من المُشاهدة سِراجًا، وجعل الصراط المستقيمَ لهم مِنْهاجًا، وأجزل لهم من
سحائب بِرِّه ماء تَجَّاجًا. وقد مضى في ((الأنعام)) قولُ أبي العالية والجُنَيد أيضًا(١). وقد
ذكرنا جميع هذا في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) عند اسمه
اللطيف(٢)، والحمد لله.
﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ ويَحْرِم من يشاء. وفي تفضيل قوم بالمال حِكمةٌ؛ لِيحتاج البعض
إلى البعض؛ كما قال: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]، فكان هذا لُظْفًا
بالعباد. وأيضًا ليمتحن الغنيّ بالفقير والفقير بالغنيّ؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ
لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ أَتَصْبِرُونٌ﴾ [الفرقان: ٢٠] على ما تقدَّم بيانُه. ﴿وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ
حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اَلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ﴾ الحَرْثُ العمل
والكسب. ومنه قول عبد الله بن عمرو(٣): واخْرُتْ لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمَلْ
لآخرتك كأنك تموتُ غدًا(٤). ومنه سُمِّي الرجل حارثًا(٥). والمعنى: أي: مَن طلبَ
بما رزقناه حَرْئًا لآخرته، فأَدَّى حقوقَ الله، وأنفق في إعزاز الدِّين؛ فإنما نُعطيه ثوابَ
(١) ٨ / ٤٨٥ - ٤٨٦ .
(٢) وهو ليس في المطبوع منه.
(٣) في (د) و(ز) و(م): عمر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمصادر.
(٤) سلف ٣٨٦/٣.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٣٠٥/٦ - ٣٠٦.

٤٦٢
سورة الشورى: الآية ٢٠
ذلك للواحد عشراً إلى سبع مئة فأكثر.
﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا﴾ أي: طَلَبَ بالمال الذي آتاه اللهُ رِیاسةً الدنيا
والتوصُّلَ إلى المحظورات، فإنا لا نَحرِمه الرِّزق أصلاً، ولكن لا حظّ له في الآخرة
من ماله؛ قال الله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا
لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَّدْخُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ
كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ -١٩].
وقيل: ((نَزِدْ له في حَرْثِه)) نوفّقه للعبادة ونُسهِّلها عليه. وقيل: حرث الآخرة
الطاعة؛ أي: مَن أطاع فله الثواب. وقيل: ((نَزِد لَهُ في حَرْئِهِ)) أي: نُعطه الدنيا مع
الآخرة. وقيل: الآية في الغَزْو؛ أي: من أراد بِغَزْوِه الآخرةَ أُوتي الثواب، ومن أراد
بغزوه الغنيمةَ أُوتِي منها(١).
قال القُشيريّ: والظاهر أن الآيةَ في الكافر؛ يُوسَّع له في الدنيا؛ أي: لا ينبغي له
أن يَغْتَرَّ بذلك؛ لأن الدنيا لا تبقى.
وقال قتادة: إن الله يُعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على
نية الدنيا إلا الدنيا(٢). وقال أيضاً: يقول الله تعالى: مَن عَمِلَ لآخرته زِدْناه في عمله،
وأعطيناه من الدنيا ما كَتبنا له، ومن آثرَ دنياه على آخرته لم نَجْعَلْ له نصيبًا في الآخرة
إلا النارَ، ولم يُصِبْ من الدنيا إلا رزقًا قد قسمناه له لا بُدَّ أن كان يُؤتاه مع إيثار أو
غير إيثار. قلت: قول قتادة حسن(٣).
وروى جُوَيِرُ عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقوله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ
حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾: مَن كان من الأبرار يُريد بعمله الصالح ثوابَ الآخرة («نَزِدْ له في
حَرْئِهِ)) أي: في حسناته. ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ أي: من كان من الفُجَّار يُريد
(١) مجمع البيان ٢٥/ ٤٧ بنحوه.
(٢) النكت والعيون ٢٠١/٥ .
(٣) قوله: قلت: قول قتادة حسن، من (ظ).

٤٦٣
سورة الشورى: الآيتان ٢٠ - ٢١
بعمله الحَسَن الدنيا (نُؤْتِه منها))، ثم نُسخ ذلك في ((سبحان)): ﴿مِّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُرِيدٌ﴾(١) [الآية: ١٨]. والصواب أن هذا ليس بنسخ؛ لأن هذا
خبر، والأشياء كلُّها بإرادة الله عز وجل. ألا ترى أنه قد صحَّ عن النبيِّ# أنه قال:
((لا يَقُلْ أحدُكم: اللهم اغفرْ لي، إن شئتَ، اللهم ارحمني إنْ شئتَ))(٢). وقد قال
قتادة ما تقدَّم ذِكْره، وهو يُبيِّن لك أن لا نسخ. وقد ذكرنا في ((هود)) أن هذا من باب
المطلق والمقيَّد، وأن النسخَ لا يدخل في الأخبار (٣). والله المستعان.
مسألة: هذه الآيةُ تُبطِلُ مذهب أبي حنيفة في قوله: إنه من توضَّأ تَبَرُّدًا أنه يَجزيه
عن فريضة الوضوء الموظّف عليه؛ فإن فريضةَ الوضوء من حرث الآخرة والتبرُّد من
حرث الدنيا، فلا يدخل أحدُهما على الآخر، ولا تَجزي نِيَّته عنه بظاهر هذه الآية؛
قاله ابن العربي(٤).
قوله تعالى: ﴿أَمَّ لَهُمْ شُرَكَوْا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَِّينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوْا﴾ أي: ألهم؟ والميم صِلة، والهمزة للتقريع.
وهذا مُتَّصلٌ بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾، وقولِه تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ
أَنْزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانٌ﴾ كانوا لا يؤمنون به، فهل لهم آلهة شَرَعوا لهم الشِّرك الذي
لم يأذن به الله؟ وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشّرك، فمن أين يدينون به؟!
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ يوم القيامة حيث قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾
[القمر: ٤٦]. ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا، فعاجلَ الظالم بالعقوبة وأثابَ الطائع. ﴿وَإِّ
اُلَّالِمِينَ﴾ أي: المشركين. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ﴾ في الدنيا: القتلُ والأَسْر والقهر، وفي
(١) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (٧٨١)، وما بعده منه.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف ١٨٤/٣.
(٣) ٨٥/١١ - ٨٦.
(٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٥٥.

٤٦٤
سورة الشورى: الآيات ٢١ - ٢٣
الآخرة عذاب الدنيا.
وقرأ ابن هُرْمُز: ((وأنّ) بفتح الهمزة(١)، على العطف على ((ولولا كلمةُ))،
والفَصْلُ بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب ((لولا)) جائزٌ. ويجوز أن يكون موضع
((أنّ)) رفعاً على تقدير: وجب أنَّ الظالمين لهم عذابٌ أليم؛ فيكون منقطعاً مما قبلَه
كقراءة الكسر؛ فاعْلَمه.
قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ
ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَانِ الْجَنَّاتِّ لَهُ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ
هُوَ الْفَضْلُ الْكِيرُ
قوله تعالى: ﴿تَرَى الَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ أي: خائفين ﴿مِّمَا كَسَبُواْ﴾ أي: من جزاء
ما كسبوا. والظالمون هاهنا الكافرون؛ بدليل التقسيم بين المؤمن والكافر. ﴿وَهُوَ
وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: نازلٌ بهم. ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَاتِ﴾
الروضة: الموضع الَّذِهِ الكثير الخُضرة. وقد مضى في ((الروم)) (٢). ﴿لَهُمُ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ
رَيِّهِمْ﴾ أي: من النعيم والثواب الجَزِيل . ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي: لا
يُوصَفُ ولا تهتدي العقولُ إلى كُنْهِ صِفته؛ لأن الحقَّ إذا قال: كبير، فمن ذا الذي
يقدر قَدْره؟.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ قُل لَّ
أَسْشَلُكُمْ عَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِىُّ وَمَن يَفْتَرِفْ حَسَنَّةُ نَزِدْ لَهُمْ فِيهَا حُسْنَاْ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ شَكُرُ
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ قُرئ: ((يُبَشِّر)) مِن بَشَّره(٣)،
(١) القراءات الشاذة ص ١٣٤، والمحتسب ٢٥٠/٢.
(٢) ١٤ / ١١ - ١٢.
(٣) قرأ بها نافع وعاصم وابن عامر. السبعة ص ٢٠٥ - ٢٠٦، والتيسير ص ١٩٥ .

٤٦٥
سورة الشورى: الآية ٢٣
وَايُبْشِر)) من أبشره(١)، وَ((يَبْشُر)) مِن بَشَره(٢)، وفيه حذف؛ أي: يُبَشِّر اللهُ به عبادَه
المؤمنين لِيتعجَّلوا السرور ويزدادوا منه وَجْدًا في الطاعة.
قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبُ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: قُلْ يا محمد: لا
أسألكم على تبليغ الرسالة جُعْلاً. ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبُ﴾ قال الزجاج (٣): ((إِلَّ الْمَوَدَّةَ))
استثناء ليس من الأول؛ أي: إلا أن تَوَدُّوني لقرابتي فتحفظوني. والخِطاب لقريش
خاصَّةً؛ قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبيّ وغيرهم (٤). قال
الشعبيّ: أَكْثَر الناسُ علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها؛ فكتب أن
رسولَ الله ﴿ كان أوسطَ الناس في قريش، فليس بَظْنٌ من بطونهم إلا وقد وَلَده؛
فقال الله له: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَّدَّةَ فِىِ الْقُرْبُ﴾ إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي
منكم؛ أي: تُراعوا ما بيني وبينكم فتصدِّقوني(٥). فـ ((الْقُرْبَى)) هاهنا قرابة الرَّحِم؛ كأنه
قال: اتَّبعوني للقرابة إن لم تتَّبعوني للنبوَّة.
قال عكرمة: وكانت قريش تَصِلُ أرحامَها، فلما بُعث النبيّ ﴿ قَطَعَتْهُ؛ فقال:
صِلُوني كما كنتم تفعلون. فالمعنى على هذا: قُلْ: لا أسألكم عليه أجراً، لكن
أُذكِّركم قرابتي؛ على أنه (٦) استثناءٌ ليس من الأوّل؛ ذكره النحاس(٧).
وفي البخاريّ(٨): عن طاوس عن ابن عباس أنه سُئل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ
(١) قرأ بها مجاهد وحُميد بن قيس. المحتسب ٢/ ٢٥١ .
(٢) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي. السبعة ص ٢٠٥ - ٢٠٦، والتيسير ص ١٩٥ .
(٣) في معاني القرآن ٣٩٨/٤ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٣٠٨/٦، وأخرج أقوالهم الطبري ٢٠/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور كما في فتح الباري ٨/ ٥٦٥، وأخرجه بنحوه الطبري ٤٩٥/٢٠ .
(٦) قوله: أنه، ليس في (م).
(٧) في معاني القرآن ٣٠٨/٦ .
(٨) الحديث (٤٨١٨).

٤٦٦
سورة الشورى: الآية ٢٣
فِي الْقُرْبِىُ﴾ فقال سعيد بن جُبير: قُربى آل محمد؛ فقال ابن عباس: عَجِلت، إن
النبيَّ :﴿ لم يكن بطنٌ من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تَصِلوا ما بيني
وبينكم(١) من القرابة. فهذا قول.
وقيل: القُربى قرابةُ الرسول : #، أي: لا أَسألُكم أجرًا إلا أن تودُّوا قرابتي وأهل
بيتي، كما أمر بإعظامهم ذوي القُربى. وهذا قولُ علي بن حسين وعمرو بن شُعيب
والسُّدّي(٢). وفي رواية سعيد بن جُبير عن ابن عباس: لما أنزل اللهُ عز وجل: ﴿قُل لَّ
أَسْلُكُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبُ﴾ قالوا: يا رسولَ الله، من هؤلاء الذين نَوَدُّهم؟
قال: ((عليٍّ وفاطمةُ وأبناؤهما))(٣). ويدلُّ عليه أيضًا ما رُوي عن عليٍّ ﴾ قال:
شكوتُ إلى النبيِّ حَسَدَ الناس لي. فقال: ((أما ترضى أن تكونَ رابعَ أربعة أوّل من
يدخلُ الجنةَ: أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجُنا عن أيماننا وشمائلنا وذُرِّيتنا
خلفَ أزواجنا))(٤). وعن النبي ◌َ﴾: ((حُرِّمتِ الجنةُ على من ظلمَ أهلَ بيتي وآذاني في
عِثْرتي، ومن اصطنع صنيعةً إلى أحدٍ من ولد عبد المطلب ولم يُجازه عليها، فأنا
أُجازيه عليها غدًا إذا لَقِيني يومَ القيامة))(٥).
وقال الحسن وقتادة: المعنى: إلا أن يتودّدوا إلى الله عز وجل ويتقرَّبوا إليه
بطاعته(٦). فـ ((الْقُرْبَى)) على هذا بمعنى القربة. يقال: قُرْبَة وقُرْبى بمعنَى؛ كالزُّلفة والزُّلْفى.
(١) في (د) و(ز) و(ف) و(م): إلا أن تصلوا ما بينكم، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لصحيح البخاري.
(٢) أخرجه عنهم الطبري ٤٩٩/٢٠ - ٥٠٠ .
(٣) أخرجه الطبراني (١٢٢٥٩)، وفي إسناده حسين الأشقر، قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث
الكشاف ص ١٤٥ : ضعيف ساقط، وقد عارضه ما هو أولى منه .. وذكر حديث طاوس عن ابن عباس
رضي الله عنهما الذي أخرجه البخاري، وقد ذكره المصنف قريباً.
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٦٧ ، قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٥ :
سنده واهٍ.
(٥) نسبه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٥ إلى الثعلبي من حديث علي ﴾، ثم قال:
فيه عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، وهو كذاب.
(٦) أخرجه الطبري ٢٠/ ٥٠٠ - ٥٠١ .

٤٦٧
سورة الشورى: الآية ٢٣
وروى قَزَعةُ بن سُويد عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي 8*
((قل: لا أَسألُكم على ما آتيتكم به أجرًا إلا أن تَوادُّوا وتقرَّبوا إليه بالطاعة))(١). وروى
منصور وعوف عن الحسن ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِىُ﴾ قال: يتودَّدون
إلى الله عز وجل ويتقرَّبون منه بطاعته(٢).
وقال قوم: الآيةُ منسوخةٌ وإنما نزلت بمكة؛ وكان المشركون يُؤذون رسولَ الله ◌ِ﴾
فنزلت هذه الآية، وأمرهم الله بمودّة نبيِّه# وصِلة رَحمِه، فلما هاجر آوته الأنصارُ
ونصروه، وأراد الله أن يُلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا: ﴿وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ
أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩]، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلّئُكُم مِّنْ
أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ [سبأ: ٤٧] فنسخت بهذه الآية وبقوله: ﴿قُلْ مَّ
أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَأْ مِنَ الُّْكِفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وقولِه: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْحًا فَخَرَاجُ رَيِّكَ
خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢]، وقولِه: ﴿أَّ تَتْعَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِن مَّغْرَمٍ تُتْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠]؛ قاله
الضحاك والحسين بن الفضل(٣). ورواه جُوَيبر عن الضحاك عن ابن عباس. قال
الثَّعْلبيّ: وليس بالقويّ، وكفى قُبْحًا بقول من يقول: إن التقرّبَ إلى الله بطاعته ومودَّة
نبيه* وأهل بيته منسوخٌ؛ وقد قال النبيّ ﴾: ((مَن ماتَ على حُبِّ آل محمد ماتَ
شهيداً. ومَن مات على حُبِّ آل محمد جعل الله زُؤَّار قبره ملائكةَ الرحمة (٤)، ومن
مات على حُبِّ آل محمد مات على السُّنة والجماعة(٥). ومَن مات على بُغْض آل
(١) أخرجه أحمد (٢٤١٥)، والطبري ٥٠٠/٢٠، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٧٨٨)، وقّزَعَةُ بن
سُويد ضعيف، كما في تهذيب التهذيب ٤٣٩/٣ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٠/ ٥٠٠ .
(٣) تفسير البغوي ١٢٥/٤. وقال: وهذا قول غير مرضي؛ لأن مودة النبي # وكفَّ الأذى عنه ومودّة
أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين.
(٤) في (د) و(ز) و(ف) و(م): الملائكة والرحمة، وفي (ظ): الملائكة، والمثبت من الكشاف ٣/ ٤٦٧ -
والكلام منه كما سيذكر المصنف - وسيأتي الحديث مطولاً عند المصنف بهذا اللفظ.
(٥) قوله: ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، زيادة من (ظ)، وهي قطعة من
الحديث. وسيذكره المصنف بتمامه.

٤٦٨
سورة الشورى: الآية ٢٣
محمد جاء يومَ القيامة مكتوباً بين عينيه: آيسُ اليومَ من رحمة الله. ومَن ماتَ على
بُغض آل محمد لم يَرَحْ رائحة الجنة. ومَن مات على بُغض آل بيتي فلا نصیبَ له في
شفاعتي)(١).
قلت: وذكر هذا الخبر الزمخشريُّ في ((تفسيره)) بأطولَ مِن هذا فقال: وقال
رسولُ اللهِ ﴾: ((مَن ماتَ على حُبِّ آلٍ محمد ماتَ شهيداً، أَلاَ ومن مات على حُبِّ
آل محمد مات مؤمناً مُستكمِلَ الإيمان، أَلَا ومن ماتَ على حُبِّ آل محمد بَشَّره ملكُ
الموت بالجنة ثم مُنْكر ونكير، ألا ومَن مَات على حُبِّ آل محمد يُزَفُّ إلى الجنة كما
تُزَفُّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومَن مات على حُبِّ آلِ محمد فُتح له في قبره
بابان إلى الجنة، ألا ومَن ماتَ على حُبِّ آل محمد جَعَلَ اللهُ قِبرَه مزارَ ملائكةٍ
الرحمة، ألا ومَن ماتَ على حُبِّ آل محمد مات على السُّنة والجماعة، ألا ومَن ماتَ
على بُغض آل محمد جاء يومَ القيامة مكتوباً بين عينيه: آيسٌ من رحمة الله، ألَا ومَن
ماتَ على بُغض آلٍ محمد مات كافراً، ألَا ومَن مَات على بُغض آل محمد لم يَشَمَّ
رائحةَ الجنة))(٢).
قال النحاس: ومذهبُ عِكرمة ليست بمنسوخة؛ قال: كانوا يَصِلون أرحامَهم،
فلما بُعِثَ النبيُّ # قطعوه فقال: قل: لا أَسألُكم عليه أجراً إلا أن تَوَدُّوني وتحفظوني
لِقرابتي، ولا تُكذِّبوني(٣).
قلت: وهذا هو معنى قول ابن عباس في البخارِيُّ والشعبيّ عنه بعينه؛ وعليه لا
نسخ.
قال النحاس(٤): وقول الحسن حسن، ويدلُّ على صحته الحديثُ المُسنَدُ عن
(١) ينظر التعليق التالي.
(٢) الكشاف ٤٦٧/٣، ونسبه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٥ إلى الثعلبي وقال:
آثار الوضع عليه واضحة.
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٦١٩/٢، وسلف قول عكرمة أول هذه المسألة.
(٤) في الناسخ والمنسوخ ٦٢٠/٢.

٤٦٩
سورة الشورى: الآية ٢٣
رسول الله ﴿ كما حدَّثنا أحمدُ بن محمد الأزدي قال: أخبرنا الربيعُ بن سليمان
المُرادي قال: أخبرنا أسدُ بن موسى قال: حدثنا قَزَعةُ - وهو ابن سُويد (١) البصري -
قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجيح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسولَ الله ﴾ قال:
((لا أسألُكم على ما أُنبئكم به من البيّنات والهُدَى أجرًا إلا أن توادُّوا الله عزّ وجلّ
وأن تتقرَّبوا إليه بطاعته)). فهذا المُبيِّن عن الله عز وجل قد قال هذا، وكذا قالت
الأنبياء صلى الله عليهم قبلَه: ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: ٧٢].
الثانية: واختلفوا في سبب نزولها؛ فقال ابن عباس: لما قَدِمَ النبيُّ # المدينةَ
كانت تنوبه نوائبُ وحقوق لا يسعها ما في يديه؛ فقالت الأنصار: إنَّ هذا الرجل
هداكم اللهُ به، وهو ابن أُختكم(٢)، وتنوبه نوائبُ وحقوقٌ لا يسعها ما في يديه،
فنجمع له؛ ففعلوا، ثم أَتَوْه به فنزلت(٣).
وقال الحسن: نزلت حين تفاخرت الأنصارُ والمهاجرون، فقالت الأنصار: نحن
فعلنا، وفَخَرت المهاجرون بقرابتهم من رسول اللـه *. روى مِقْسَم عن ابن عباس
قال: سمع رسولُ الله # شيئًا، فخطب فقال للأنصار: ((ألم تكونوا أَذِلَّاءَ فَأَعزَّكم الله
بي. ألم تكونوا ضُلَالاً فهداكم الله بي. ألم تكونوا خائفين فأمَّنكم الله بي، ألا تردُّون
عليَّ))؟ فقالوا: بِمَ نُجيبكَ؟ قال: ((تقولون: ألم يَظْرُدْكَ قومُك فآويناك. ألم يُكَذِّبك
قومُك فصدَّقناك)) فعدَّد عليهم. قال: فَجَثَوْا على رُكَبهم فقالوا: أَنْفُسنا وأموالنا لك؛
فنزلت: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ اَلْقُرْبُ﴾(٤).
(١) في النسخ: يزيد، وهو خطأ، والمثبت من المصادر، وسلف الحديث قريباً، وذكرنا أنه ضعيف.
(٢) في (د) و(ز) و(ف) و(م): أخيكم، والمثبت من (ظ).
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ٣٩٣ .
(٤) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط (٣٨٧٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢/١٠: رواه
الطبراني عن شيخه علي بن سعيد، وفيه لين. قلنا: وفيه يزيد بن أبي زياد، قال الحافظ ابن كثير في
تفسيره ٧/ ٢٠١ : هو ضعيف. والحديث أخرجه - دون ذكر نزول الآية - أحمد (١٢٠٢١) من حديث
أنس ﴾، وأخرجه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد بنحوه. قال =

٤٧٠
سورة الشورى: الآيتان ٢٣ - ٢٤
وقال قتادة: قال المشركون: لعلّ محمدًا فيما يتعاطاه يطلب أجرًا؛ فنزلت هذه
الآية، لِيحُثَّهم على مودَّته ومودّة أقربائه(١). قال الثعلبي: وهذا أشبهُ بالآية، لأن
السورةَ مکیةٌ.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتِفْ حَسَنَةٌ﴾ أي: يكتسب. وأصلُ القَرْف الكسب، يقال:
فلان يَقْرِف لِعياله، أي: يَكسِبُ. والاقتراف الاكتساب(٢)، وهو مأخوذٌ من قولهم:
رجلٌ قُرَفَة، إذا كان مُحتالاً (٣). وقد مضى في ((الأنعام)) القول فيه (٤).
وقال ابن عباس: ﴿وَمَن يَقْتِفْ حَسَنَةٌ﴾ قال: المودّة ◌ِآل محمد﴾(٥). ﴿فَزِدْ لَهُ فِيهَا
حُسْتًا﴾ أي: نُضاعف له الحسنة بعشرٍ فصاعدًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ﴾ قال قتادة: (غَفُورٌ)) للذنوب، ((شَكُورٌ)) للحسنات. وقال
السّدي: ((غَفُورٌ)) لذنوب آل محمد عليه الصلاة والسلام، ((شَكُورٌ)» لحسناتهم(٦).
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا فَإِنِ يَشٍَ اَللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكُ وَيَمْحُ اللّهُ
الْبَطِلَ وَيُّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ: إِنَّهُ عَلِيٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
(٢٤)
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَ عَلَى اللَّهِ كَذِبً﴾ الميم صلة، والتقدير: أيقولون:
افترى. واتَّصل الكلام بما قبلُ؛ لأن الله تعالى لما قال: ﴿وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِن
كِتَبٍ﴾ [الشورى: ١٥]، وقال: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ أَنزَلَ الْكِتَبَ بِالحَقِ﴾ [الشورى: ١٧] قال
إتماماً للبيان: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اَللَِّ كَذِبًا﴾ يعني: كفار قريش قالوا: إنّ محمدًا
= الحافظ ابن كثير: وذِكْرُ نزولها في المدينة فيه نَظَرٌ، لأن السورة مكية، وليس يظهر بين هذه الآية
الكريمة وبين السياق مناسبة.
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٩٥ بنحوه.
(٢) الصحاح (قرف).
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣١٠/٦.
(٤) ٨ / ٥٠٥ .
(٥) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٢٥/ ٥١ عن السدي.
(٦) النكت والعيون ٢٠٢/٥ .

٤٧١
سورة الشورى: الآية ٢٤
اختلق الكذب على الله.
﴿فَإِنِ يَشَلٍ اللّهُ يَخْتِمْ﴾ شرطٌ وجوابُه. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ قال قتادة: يطبع على قلبك
فينسيك القرآن؛ فأخبرهم اللهُ أنه لو افترى عليه لَفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه
الآية. وقال مجاهد ومقاتل: ((إنْ يشأ اللـهُ)) يربِظ على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا
يدخل قلبك مشقَّةٌ من قولهم. وقيل: المعنى: إنْ يشأ يُزِلْ تمييزك. وقيل: المعنى: لو
حدَّثت نَفْسَك أن تفتريّ على الله كذبًا لَطبع على قلبك؛ قاله ابن عيسى(١).
وقيل: فإن يشأ الله يَخْتِمْ على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم، ويعاجلهم (٢)
بالعقاب. فالخِطاب له والمرادُ الكفار؛ ذكره القشيري.
ثم ابتدأ فقال: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ﴾ قال ابن الأنباري(٣): ((يَخْتِمْ على قَلْبِكَ)) تامّ.
وقال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ؛ مجازه: واللهُ يمحو الباطل؛ فحذف منه الواو
في المصحف، وهو في موضع رفع. كما حُذِفت من قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَايَةَ﴾
[العلق: ١٨]، ﴿وَيَدْعُ الْإِسَنُ﴾ (٤) [الإسراء: ١١] ولأنه عطفٌ(٥) على قوله: ﴿يَخْتِمْ عَلَ
قَلِكُ﴾.
وقال الزجاج: قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تمام؛ وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ
الْبَطِلَ﴾ احتجاجٌ على مَن أنكر ما أتى به النبيّ ﴾؛ أي: لو كان ما أتى به باطلًا لَمحاه
كما جرت به عادته في المُفترين(٦).
(١) هذه الأقوال في النكت والعيون ٢٠٢/٥ - ٢٠٣، وتفسير البغوي ١٢٦/٤.
(٢) في النسخ: وعاجلهم، والمثبت من فتح القدير ٥٣٥/٤، وروح المعاني ٣٥/٢٥، والقول فيهما.
(٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٨١ .
(٤) تفسير البغوي ١٢٦/٤.
(٥) كذا في النسخ، والمفسرون على أنه مرفوع - كما ذكر المصنف آنفاً - وليس معطوفاً على ((يختم). ينظر
الكشاف ٤٦٨/٣، ومجمع البيان ٤٨/٢٥، وروح المعاني ٣٤/٢٥.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٨١/٤ .

٤٧٢
سورة الشورى: الآيتان ٢٤ - ٢٥
﴿وَيُحِقُّ الْمَّ﴾ أي: الإسلام فَيُبيِّنه(١) ﴿بِكَلِمَتِهِ﴾ أي: بما أنزله من القرآن. ﴿إِنَّهُ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ عامٌّ، أي: بما في قلوب العباد. وقيل: خاصٌّ. والمعنى: إنك
لو حدَّثت نفسَك أن تفتريّ على الله كذباً لَعلمه وطَبَعَ على قلبك.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةً عَنْ عِبَادِهِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا
نَفْعَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: لما نزل قوله
تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَّدَّةَ فِ اَلْقُرْبُ﴾ [الشورى: ٢٣] قال قومٌ في نفوسهم:
ما يريد إلا أن يَحُثَّنا على أقاربه من بعده؛ فأخبر جبريلُ النبيَّ ◌َ﴾، وأنهم قد اتَّهموه،
فأنزل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًّ﴾ الآية؛ فقال القوم: يا رسولَ الله، فإنا نشهدُ
أنك صادقٌ ونتوب. فنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النََّةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. قال ابن عباس: أي:
عن أوليائه وأهل طاعته (٢).
والآية عامة. وقد مضى الكلامُ في معنى التّوبة وأحكامِها(٣)؛ ومضى هذا اللفظ
في ((براءة)) (٤).
﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: عن الشِّرك قبلَ الإسلام. ﴿وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ﴾ أي: من
الخير والشرّ.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء على الخطاب(٥)، وهي قراءة ابن
مسعود وأصحابه(٦). الباقون بالياء على الخبر، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم؛ لأنه بين
(١) في (م): فیثبته.
(٢) ذكر قولي ابن عباس رضي الله عنهما البغوي في تفسيره ١٢٦/٤ .
(٣) ١٤٩/٦ وما بعدها.
(٤) ٣٦٦/١٠
(٥) السبعة ص ٥٨١، والتيسير ص ١٩٥، والنشر ٣٦٧/٢.
(٦) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥/٥.

٤٧٣
سورة الشورى: الآيات ٢٥ -٢٧
خبرين: الأوّل: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ والثاني: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنِ فَضْلِهِ، وَالْكَفِرُونَ
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ )
((الَّذِينَ)) في موضع نصب؛ أي: ويستجيبُ اللهُ الذين آمنوا (١)، أي: يقبل عبادةً
من أخلص له بقلبه وأطاع ببدنه. وقيل: يُعطيهم مسألتَهم إذا دَعَوْه. وقيل: ويُجيب دعاء
المؤمنين بعضهم لبعض؛ يقال: أجاب واستجاب بمعنّى، وقد مضى في ((البقرة))(٢).
وقال ابن عباس: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ يُشَفِّعهم في إخوانهم.
﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ﴾ قال: يُشفِّعهم في إخوان إخوانهم (٣).
وقال المُبرَّد: معنى ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: وَلِيستدع (٤) الذين آمنوا الإجابة؛
هكذا حقيقةُ معنى استفعل. فـ(الَّذِينَ)) في موضع رفع(٥). ﴿ وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا
يَشَاءُ إِنَُّ بِعِبَادِهِ، خِيْرُ بَصِيرٌ
فيه مسألتان :
الأولى: في نزولها؛ قيل: إنها نزلت في قوم من أهل الصُّفَّة تمنَّوْا سَعةَ الرزق.
وقال خَبَّاب بن الأرَتّ: فينا نزلت؛ نظرنا إلى أموال بني النَّضير وقُريظة وبني قَيْتُقَاع
فتمنَّيناها فنزلت(٦).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٨٢/٤.
(٢) ١٧٧/٣ وما بعدها.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ١٢٧.
(٤) في (ظ): ويستدع.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٣١٣/٦ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٦/٥ .

٤٧٤
سورة الشورى: الآية ٢٧
﴿وَلَوْ بَسَطَ﴾ معناه: وَسَّع. وبسط الشيء نشره. وبالصاد أيضًا. ﴿لَبَغَوْ فِ الْأَرْضِ﴾
طغَوْا وعصَوْا. وقال ابن عباس: بَغْيهم طَلَبهم منزلةً بعد منزلة، ودابَّةً بعد دابَّة، ومركباً
بعد مركب، ومَلْبساً بعد مَلْبس(١).
وقيل: أراد: لو أعطاهم الكثيرَ لَطلبوا ما هو أكثرُ منه، لقوله: ((لو كان لابن آدمَ
واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثًا))(٢) وهذا هو البَغْيُ، وهو معنى قول ابن عباس.
وقيل: لو جعلناهم سواءً في المال لما انقاد بعضُهم لبعض، ولتعطّلت الصنائع.
وقيل: أراد بالرزق المطر الذي هو سببُ الرزق؛ أي: لو أدام المطرَ لَتشاغلوا به عن
الدعاء، فيقبِض تارةً لِيتضرَّعوا وَيَبْسُط أُخرى لِيشكروا. وقيل: كانوا إذا أخصبوا أغار
بعضُهم على بعض؛ فلا يبعد حملُ البغي على هذا.
الزّمخشرِيّ(٣): (لَبَغَوْا)) من البغي وهو الظُلم؛ أي: لَبغى هذا على ذاك وذاك
على هذا؛ لأن الغِنَى مَبْطَرة مَأْشرة، وكفى بقارون عبرة، ومنه قوله عليه الصلاة
والسلام: ((أَخْوَفُ ما أخاف على أمتي زَهْرةُ الدنيا وكَثْرتُها)»(٤). ولبعض العرب:
وقد جعل الوسْمِيُّ يُنبت بيننا وبين بني رُومان نَبْعًا وشَوْحَطا (٥)
(١) تفسير البغوي ٤/ ١٢٧.
(٢) أخرجه أحمد (٢١١١١) من حديث أَبَيّ ﴾ بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (٦٤٣٦) من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما، ومسلم (١٠٤٨) من حديث أنس ﴾ وفيهما: ((من مال)) بدل: ((من ذهب))،
وفي الباب عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، تنظر في مسند أحمد.
(٣) الكشاف ٤٦٩/٣ .
(٤) أخرجه البخاري (٦٤٢٧)، ومسلم (١٠٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾ بنحوه، وسلف
٢٠٨/١٣.
(٥) أورده أبو العلاء في رسالة الصاهل والشاحج ص ٥٤٠، وابن قتيبة في المعاني الكبير ٢/ ٨٩٥ ، وابن
منظور في اللسان (شحط). وفيه وفي (م): دودان، بدل: رومان.
وبنو رومان: رَهْط من طيِّئ، كما في الاشتقاق ص ٣٨٠، والوسميّ: مطر الربيع الأول. القاموس
(وسم)، والتَّبع والشَّوْحط ضربان من الشجر، وهي هاهنا القِسيّ. قاله ابن قتيبة.

٤٧٥
سورة الشورى: الآية ٢٧
يعني: أنهم أُحْيُوا فحدَّثوا أنفسهم بالبغي والتفاتن(١). أو من البَغْي، وهو البَذَغُ
والكِبْر؛ أي: لَتَكَّروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكِبْرَ من العُلوِّ فيها والفساد.
﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾ أي: يُنزِّل أرزاقَهم بقدر ما يشاء لِكفايتهم. وقال
مقاتل: ((يُنَزِّلُ بِقَدَر ما يشاءُ)) يجعل من يشاء غَنيًّا ومن يشاء فقيرًا.
الثانية: قال علماؤنا: أفعالُ الربِّ سبحانه لا تخلو عن مصالح وإن لم يَجِبْ على
الله الاستصلاح؛ فقد يعلم من حال عبدٍ أنه لو بَسَطَ عليه قادَه ذلك إلى الفساد فَيَزْوِي
عنه الدنيا؛ مصلحةً له. فليس ضيقُ الرزق هوانًا ولا سعةُ الرزق فضيلةً؛ وقد أعطى
أقواماً مع علمه بأنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلافَ ما فعل لكانوا أقربَ
إلى الصلاح. والأمرُ على الجُملة مفوَّضٌ إلى مشيئته، ولا يمكن التزام مذهب
الاستصلاح في كل فعل من أفعال الله تعالى. وروى أنسٌ عن النبيّ # فيما يرويه عن
ربِّه تبارك وتعالى قال: ((مَنْ أهان لي وليًّا فقد بازرني بالمُحاربة، وإني لأَسرعُ شيء
إلى نُصْرة أوليائي، وإني لأُغضبُ لهم كما يغضب الليث الحَرِد، وما تردَّدت في شيءٍ
أنا فاعلُه تردُّدي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموتَ وأنا أكره إساءته ولا بدَّ له
منه. وما تقرَّب إليَّ عبدي المؤمنُ بمثل أداءِ ما افترضتُ عليه. وما يزال عبدي المؤمن
يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ له سمعًا وبصرًا ولسانًا ويدًا ومُؤَيِّدًا،
فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبتُه. وإنَّ من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من
العبادة وإني عليمٌ أَنْ لو أعطيتُه إيَّه لَدخله العُجْب فأفسده. وإن من عبادي المؤمنين
من لا يُصلحه إلا الغِنى، ولو أفقرتُه لأَفسده الفَقْر. وإنَّ من عبادي المؤمنين من لا
يُصلحه إلا الفقر، ولو أغنيتُه لأفسده الغِنى. وإني لَّأُدَبِّر عبادي لِعلمي بقلوبهم، فإني
عليمٌ خبير)). ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يُصلحهم إلا الغِنى،
فلا تُفقرني برحمتك(٢).
(١) في (د) و(م) و(ي): التغابن، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للكشاف.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ البغوي في تفسيره ١٢٧/٤. دون قول أنس ﴾ وضعَّفه الحافظ ابن حجر في الفتح =

٤٧٦
سورة الشورى: الآية ٢٨
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ
ج
الحَمِیدُ
قرأ ابن كثير وابن مُحِيْصن وحُميد ومجاهد وأبو عمرو ويعقوب وابن وَثّاب
والأعمش وغيرهما والكسائي: ((يُنزِل)) مُخفّفًا. الباقون بالتشديد(١). وقرأ ابن وَثَّاب
أيضًا والأعمش وغيرهما: («قنِطوا)) بكسر النون(٢)؛ وقد تقدَّم جميعُ هذا(٣). والغيث
المطر؛ وسُمِّي الغيثُ غيثاً لأنه يَغيثُ الخلق. وقد غاث الغيثُ الأرضَ، أي: أصابها.
وغاث اللهُ البلاد يَغيئها غَيْئًا. وغِيئت الأرضُ تُغاث غَيْئًا، فهي أرضٌ مَغيثة ومَغْيُوثة.
وعن الأصمعيّ قال: مررتُ ببعض قبائل العرب وقد مُطِروا، فسألتُ عجوزاً منهم:
أتاكم المطر؟ فقالت: غِثنا ما شئنا غَيْئًا؛ أي: مُطِرِنا. وقال ذو الرُّمة: قاتل اللهُ أَمَةَ
بني فلان ما أفصحَها! قلتُ لها: كيف كان المطرُ عندكم؟ فقالت: غِثْنا ما شئنا. ذكر
الأوّل الثعلبي والثاني الجوهري(٤). وربما سُمِّي السحاب والنبات غَيْئًا.
والقنوط الإِياس؛ قاله قتادة(٥). ذُكِر أنّ رجلًا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير
المؤمنين، قَحَط المطرُ، وَقَلَّ الغيثُ، وقَنَطَ الناس؟ فقال: مُطِرِتُم إنْ شاء الله؛ ثم
قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا فَنَطُواْ﴾(٦). والغيث ما كان نافعاً في وقته،
والمطر قد يكون نافعاً وضارًّا في وقته وغير وقته؛ قاله الماورديّ.
ج
﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ قيل: المطر؛ وهو قول السُّدي. وقيل: ظهور الشمس بعد
= ٣٤٣/١١، وأخرج بعض ألفاظه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف ٤١١/٧،
وقول أنس ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦/٥ .
(١) قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ويعقوب - وقرأ بها حمزة - في السبعة ص ١٦٥، والتيسير
ص٧٥، والنشر ٢١٨/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٦/٥.
(٣) ٢٥١/٢ و٢٢٣/١٢.
(٤) في الصحاح (غيث).
(٥) بعدها في (م) و(ي): وغيره، قال قتادة. والمثبت موافق للنكت والعيون (والكلام منه) ٢٠٣/٥ .
(٦) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦/٥، والزمخشري في الكشاف ٤٦٩/٣.

٤٧٧
سورة الشورى: الآيات ٢٨ - ٣١
المطر؛ ذكره المَهدَوِي. وقال مقاتل: نزلت في حبس المطر عن أهل مكةً سبعَ سنين
حتى قَنَطوا، ثم أنزل الله المطر(١). وقيل: نزلت في الأعرابي الذي سأل رسولَ الله ◌ِ﴾
عن المطر يومَ الجمعة في خبر الاستسقاء(٢)؛ ذكره القشيري، والله أعلم. ﴿وَهُوَ الْوَلِىُّ
الْحَمِيدُ﴾ ((الوَلِيُّ)) الذي ينصر أولياءه. ((الحَمِيدُ)» المحمود بكل لسان.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَثَ فِيهِمَا مِن دَآَبَّةٍ وَهُوَ عَلَى
جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: علاماته الدَّالة على قُدرته.
﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ قال مجاهد: يدخل في هذا الملائكةُ والناس(٣)، وقد قال
تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. وقال الفرَّاء: أراد: ما بثَّ في الأرض دون
السماء؛ كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُقُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح
دون العَذْب (٤). وقال أبو عليّ: تقديره: وما بثَّ في أحدهما؛ فحذف المضاف.
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي: من أحدهما. ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿إِذَا
يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَضَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ
وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا
کتیرِ ﴾
نَصِیرٍ
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ قرأ نافع وابن عامر:
(١) تفسير البغوي ١٢٨/٤ .
(٢) أخرجه أحمد (٣٦٩٣)، والبخاري (١٠٣٣)، ومسلم (٨٩٧) من حديث أنس ﴾ وأوله: بينا
رسول الله # يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابيٍّ فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال،
فادع الله لنا أن يسقينا ...
(٣) أخرجه الطبري ٢٠/ ٥١٢.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٤/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٨٢/٤.

٤٧٨
سورة الشورى: الآيتان ٣٠ - ٣١
(بِمَا كَسَبَتْ)) بغير فاء. الباقون ((فَبِمَا)) بالفاء(١)، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم للزيادة في
الحرف والأجر.
قال المهدَوِيّ: إنْ قدَّرت أن ((ما)) الموصولة جاز حذفُ الفاء وإثباتُها، والإثباتُ
أحسنُ. وإن قدَّرتها التي للشرط لم يَجُزِ الحذفُ عند سيبويه، وأجازه الأخفش واحتجَّ
بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ (٢) [الأنعام: ١٢١].
والمصيبة هنا الحدود على المعاصي؛ قاله الحسن(٣). وقال الضحاك: ما تعلّم
رجلٌ القرآنَ ثم نَسِيه إلا بذنب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا
كَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ثم قال: وأيّ مُصيبة أعظمُ من نسيان القرآن؛ ذكره ابن المبارك (٤) عن
عبد العزيز بن أبي رؤَّاد. قال أبو عبيد(٥): إنما هذا على الترك، فأما الذي هو دائبٌ
في تلاوته، حريصٌ على حِفْظه إلا أن النِّسيان يغلِبه فليس من ذلك في شيء. ومما
يُحقِّق ذلك أن النبيّ # كان ينسى الشيء من القرآن حتى يذكره؛ من ذلك حديث
عائشة أنَّ(٦) النبي ﴾ سمع قراءةً رجل في المسجد فقال: ((ماله - رَحِمه الله - لقد
أَذْكرني آياتٍ كنت أُنسيتها من سورة كذا وكذا)»(٧).
وقيل: ((ما)) بمعنى الذي، والمعنى: الذي أصابكم فيما مضى بما كسبت
أيديكم(٨). وقال عليّ ﴾: هذه الآيةُ أرجى آية في كتاب الله عز وجل. وإذا كان يُكفَّر
عني بالمصائب، ويعفو عن كثير فيما يبقى بعدَ كفارته وعفوِه؟! وقد رُوي هذا المعنى
(١) السبعة ص ٥٨١ ، والتيسير ص ١٩٥ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٧/٥ بنحوه.
(٣) أخرجه الطبري ٥١٤/٢٠ .
(٤) في الزهد (٨٥).
(٥) في غريب الحديث ١٤٩/٣ - ١٥٠.
(٦) في (د) و(م): عن.
(٧) أخرجه أحمد (٢٤٣٣٥)، والبخاري (٥٠٣٨) ومسلم (٧٨٨). والرجل الذي سمع النبي # صوته هو
عباد بن بشر ﴾﴾. كما في صحيح البخاري (٢٦٥٥) وفتح الباري ٢٦٥/٥ .
(٨) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٨٣/٤ واستبعده.

٤٧٩
سورة الشورى: الآيتان ٣٠ - ٣١
مرفوعًا عنه ، قال عليّ بن أبي طالب ﴾: ألَا أُخبركم بأفضلٍ آية في كتاب الله
حدّثنا بها النبيُّ ◌َ﴾: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية: ((يا عليّ،
ما أصابَكم من مرضٍ أو عقوبةٍ أو بلاءٍ في الدنيا فبما كسبت أيديكم. واللهُ أكرمُ من
أن يُئِنِّيَ عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلمُ من أن يُعاقب به
بعد عَفْوه))(١). وقال الحسن: لما نزلت هذه الآيةُ قال النبيّ ﴾: ((ما مِن اختلاج عِرْق
ولا خَذْشِ عُود ولا نَكْبةِ حَجَر إلّا بذنب، ولما يعفو اللهُ عنه أكثر))(٢) .
وقال الحسن: دخلنا على عمران بن حُصين فقال رجل: لا بدَّ أن أسألك عما
أرى بك من الوَجَع؛ فقال عمران: يا أخي لا تفعل، فوالله، إني لأُحِبُّ الوَجَع،
ومَنْ أحبَّه كان أحبَّ الناس إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا
كَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ فهذا مما كسبت يدي، وعَفْوُ ربي عما بقي أكثرُ. وقال
مُرَّة الهَمْداني: رأيتُ على ظهر كفِّ شُريح قرحةً فقلت: يا أبا أُميَّة، ما هذا؟ قال:
هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير(٣).
وقال ابن عَون: إن محمد بن سِیرین لما رَكِبه الدَّين اغتمَّ لذلك فقال: إني
لأعرفُ هذا الغمَّ، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة(٤). وقال أحمد بن أبي الحَوَارِي:
قيل لأبي سليمان الدّاراني: ما بال العقلاء أزالوا اللَّوْمَ عمن أساء إليهم؟ فقال:
لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن
تُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾(٥). وقال عِكرمة: ما من نكبةٍ أصابت
عبدًا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله لِيغفره له إلا بها أو لِينال درجةً لم يكن
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٦٤٩)، والبغوي في تفسيره ١٢٨/٤. وفي إسناده الأزهر بن راشد الكاهلي،
وهو ضعيف، والخضر بن القواس وأبو سُخيلةً، وهما مجهولان، فيما قاله الحافظ ابن حجر في
التقریب. وقد أخرجه بنحوه ودون ذكر الآية أحمد (٧٧٥). والترمذي (٢٦٢٦) وقال: هذا حديث حسن
غریب صحیح.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٩/٦ ، وهو هكذا مرسل.
(٣) ذكر هذا الخبر والذي قبله ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧/٥ .
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٧١ .
(٥) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧/٥، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٨٨/٧ .

٤٨٠
سورة الشورى: الآيتان ٣٠ - ٣١
يُوصله إليها إلا بها(١).
ورُوي أن رجلاً قال لموسى: يا موسى، سَلٍ الله لي في حاجة يقضيها لي هو
أعلمُ بها؛ ففعل موسى؛ فلما نزل إذا هو بالرجل قد مزَّق السَّبع لحمه وقَّتَله؛ فقال
موسى: ما بال هذا يا رب؟ فقال اللهُ تبارك وتعالى له: يا موسى، إنه سألني درجةً
عَلِمتُ أنه لم يبلُغْها بعمله فأصبتُه بما ترى لأجعلها وسيلةً له في نّيْل تلك الدرجة.
فكان أبو سليمان الدَّارَاني إذا ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من كان قادراً على أن
يُنِيلَه تلك الدرجة بلا بلوى! ولكنه يفعل ما يشاء(٢).
قلت: ونظيرُ هذه الآية في المعنى قولُه تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
[النساء: ١٢٣] وقد مضى القولُ فيه.
قال علماؤنا: وهذا في حقِّ المؤمنين، فأما الكافر فعقوبته مؤخّرةٌ إلى الآخرة.
وقيل: هذا خطابٌ للكفار، وكان إذا أصابهم شرٌّ قالوا: هذا بشؤم محمد؛ فردًّ عليهم
وقال: بل ذلك بشؤم گُفرکم. والأوّل أکثرُ وأظھرُ وأشهر.
وقال ثابت البُنانِيّ: إنه كان يقال: ساعات الأذى يُذهبن ساعاتٍ الخطايا. ثم
فيها قولان: أحدهما: أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبةً لهم، وفي الأطفال أن
تكون مَثُوبة لهم. الثاني: أنها عقوبةٌ عامة للبالغين في أنفسهم والأطفال في غيرهم من
والد ووالدة.
﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي: عن كثير من المعاصي ألا يكون عليها حدود؛ وهو
مقتضى قول الحسن. وقيل: أي: يعفو عن كثير من العُصاة ألّا يعجل عليهم
بالعقوبة(٣) . ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْچِينَ فِي الأَرْضِ﴾ أي: بفائتین الله؛ أي: لن تُعجزوه ولن
تفوتوه ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ تقدَّم في غير موضع (٤).
(١) تفسير البغوي ١٢٨/٤ .
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٣×٩) بحوه دون قول أبي سليمان.
(٣) النكت والعيون ٢٠٤/٥ .
(٤) ٣١١/٢