Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة فصلت: الآيات ١٤ - ١٦
تَعْبُدُوا)). ﴿قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَيِّنَا لَأَنْزَلَ مَبِكَةٌ﴾ بدلَ الرُّسل (١)، ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ. كَفِرُونَ﴾
من الإنذار والتبشير. قيل: هذا استهزاءٌ منهم. وقيل: إقرارٌ منهم بإِرسالهم، ثم بعدَه
جحود وعناد.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ على عبادِ الله هود ومَن آمن معه
﴿يِغَيِّرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ﴾ اغتروا بأجسامهم حين تهدَّدهم بالعذاب، وقالوا:
نحن نقدر على دَفْع العذاب عن أنفسنا بفضل قوَّتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام
طوال وخَلْق عظيم(٢). وقد مضى في ((الأعراف))(٣) عن ابن عباس: أن أطولَهم كان
مئةَ ذراع وأقصرهم كان ستين ذراعاً. فقال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ﴾ وقُدرة، وإنما يقدرُ العبدُ بإقدار الله؛ فالله أقدرُ إذًا.
﴿وَانُوا بِنَايَتِنَا مَجحَدُونَ﴾ أي: بمعجزاتنا يكفرون.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ هذا تفسيرُ الصاعقة التي أرسلها عليهم،
أي: ريحاً باردةً شديدةً البرد وشديدةَ الصوت والهُبوب. ويقال: أصلُها صَرَّرَ من
الصّر فأَبدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل؛ كقولهم: كُبكِبُوا، أصله: كُبِّبوا،
وتَجَفْجَفَ الثوبُ أصله تجفَّف(٤). أبو عُبيدة(٥): معنى صَرْصَر: شديدة عاصفة.
عكرمة وسعيد بن جُبير: شديدة البرد. وأنشد قُطْرُب قول الحطيئة:
والحامِلون إذا اسْتُودُوا على النَّاسِ
المُظْعِمون إذا هَبّتْ بصَرْصَرةٍ
استودوا: إذا سُئلوا الدِّيَة. مجاهد: الشديدة السموم(٦). وروى معمر عن قتادة
(١) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٨/٥، وتفسير البغوي ١٠٩/٤.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ١١١ .
(٣) ٢٦٤/٩.
(٤) الصحاح (صرر).
(٥) مجاز القرآن ١٩٦/٢ .
(٦) النكت والعيون ١٧٤/٥، والكلام السالف منه، ولم نقف على البيت في ديوان الحطيئة المطبوع.

٤٠٢
سورة فصلت: الآية ١٦
قال: باردة(١). وقاله عطاء؛ لأن ((صَرْصَراً)) مأخوذ من صرّ، والصِّرُّ في كلام العرب
البرد، كما قال:
لها عُذَرٌ كقُرون النِّسا
ءِ رُكِّبْنَ في يومٍ ريح وصِرّ (٢)
وقال السدي: الشديدة الصَّوت(٣). ومنه صَرّ القلمُ، والبابُ يَصِرّ صريراً، أي:
صَوَّت. ويقال: درهم صَرِّيٌّ وصِرِّيٌّ للذي له صوت إذا نُقِد(٤). قال ابن السِّكّيت(٥):
صَرْصَر يجوز أن يكون من الصِّر، وهو البرد، ويجوز أن يكون من صرير الباب، ومن
الصَّرة، وهي الصيحة. ومنه ﴿فَأَقْبَلَتِ أَمْرَتُهُ فِى صَرَّقِ﴾ [الذاريات: ٢٩]. وصَرْصَر اسم نهر
العراق(٦).
﴿فيَّ أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أي: مشؤومات؛ قاله مجاهد وقتادة. كُنَّ آخرَ شوال من يوم
الأربعاء إلى يوم الأربعاء، وذلك ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] قال ابن
عباس: ما عُذِّب قومٌ إلا في يوم الأربعاء. وقيل: (نَحِسَاتٍ)) باردات؛ حكاه النقاش.
وقيل: متتابعات؛ عن ابن عباس وعطية. الضحاك: شِداد. وقيل: ذات غُبار؛ حكاه
ابن عیسی. ومنه قول الراجز:
قدِ اغْتَدى قبلَ طُلوعِ الشَّمس
للصَّيْدِ في يومٍ قَليلِ النَّحْسِ (٧)
قال الضحاك وغيره: أمسك اللهُ عنهم المطر ثلاثَ سنين، ودَرَّت الرياحُ عليهم
من غير مطر(٨)، وخرج منهم قومٌ إلى مكة يستسقون بها للعباد، وكان الناسُ في ذلك
(١) أخرجه الطبري ٣٩٨/٢٠ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٢٥٥/٦، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٦٥. والعُذّر: شعرات
من القفا إلى وسط العنق. اللسان (عذر).
(٣) النكت والعيون ١٧٤/٥.
(٤) الصحاح (صور).
(٥) ذكره عنه الأزهري في تهذيب اللغة ١٠٧/١٢ .
(٦) ذكره ابن منظور في اللسان (صور).
(٧) الرجز والأقوال التي قبله كلها من النكت والعيون ١٧٤/٥ - ١٧٥ ما عدا قول الضحاك، فقد ذكره ابن
عطية في المحرر الوجيز ٩/٥ .
(٨) تفسير البغوي ٤/ ١١١ .

٤٠٣
سورة فصلت: الآية ١٦
الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جَهْدٌ طلبوا إلى الله تعالى الفَرَجَ منه، وكانت طلبتهم ذلك
من الله تعالی عند بيته الحرام مکة؛ مُسلمھم وکافرهم، فیجتمع بمكة ناسٌ کثیر شتی،
مختلفةٌ أديانهم، وكلُّهم مُعَظِّم لمكة، عارفٌ حُرمتها ومكانها من الله تعالى.
وقال جابر بن عبد الله والتَّيمي: إذا أراد اللهُ بقوم خيراً أرسلَ عليهم المطرَ
وحبس عنهم كَثْرة الرياح، وإذا أراد اللهُ بقوم شرًّا حبس عنهم المطر وسلَّط عليهم
كثرة الرياح(١). وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ((نَحْساتٍ)) بإسكان الحاء على أنه
جمع نَحْس الذي هو مصدر وصف به. الباقون: ((نَحِسَاتٍ)) بكسر الحاء (٢)، أي:
ذوات نحس. ومما يدلُّ على أن النَّحْس مصدر قوله: ﴿فِ يَوْمِ نَخْسٍ مُّسْتَمِرٍ﴾ [القمر: ١٩]
ولو كان صفةً لم يُضف اليوم إليه؛ وبهذا كان يحتجُّ أبو عمرو على قراءته (٣)؛ واختاره
أبو حاتم. واختار أبو عُبيد القراءةَ الثانيةَ وقال: لا تصحُّ حُجَّةُ أبي عمرو؛ لأنه أضاف
اليومَ إلى النحس فأسكن، وإنما كان يكون حُبَّةٌ لو نوّن اليوم ونعت وأسكن؛ فقال:
فِي يَوْمِ نَحْسٍ، وهذا لم يقرأُ به أحدٌ نعلمه. وقال المهدوي: ولم يُسمَعْ في ((نَحْسٍ))
إلا الإسكان.
قال الجوهري(٤): وقُرئ في قوله: ((في يَوْمِ نَخْسٍ)) على الصفة، والإضافة أكثرُ
وأجودُ. وقد نَحِسَ الشيء - بالكسر - فهو نَحِسٌ أيضًا؛ قال الشاعر:
طَيًّا وَبَهْرَاءَ قومٌ نصرُهم نَحِسُ (٥)
أَبْلِغْ جُذاماً ولَخْماً أنّ إخوتهم
ومنه قيل: أيام نَحِسَات. ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ أي: لكي نُذِيقَهم ﴿عَذَابَ الْخِيِ فِي الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ بالريح العقيم. ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى﴾ أي: أعظمُ وأشدُّ ﴿وَهُمْ لَا يُصَرُّونَ﴾.
(١) المحرر الوجيز ٩/٥ .
(٢) السبعة ص ٥٧٦ ، والتيسير ص ١٩٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٩/٥ بنحوه.
(٤) في الصحاح (نحس).
(٥) لم نقف عليه في غير الصحاح.

٤٠٤
سورة فصلت: الآيتان ١٧ - ١٨
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْمُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ
اُلْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ () وَنََّا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ أي: بَيَّنا لهم الهُدى والضلال؛ عن ابن عباس
وغيره(١). وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وغيرهما: ((وَأَمَّا ثَمُودَ)) بالنصب(٢)، وقد
مضى الكلامُ فيه في ((الأعراف))(٣). ﴿فَأَسْتَحَبُواْ أَلْعَمَ عَلَى الْمُدَى﴾ أي: اختاروا الكفر
على الإيمان. وقال أبو العالية: اختاروا العمى على البيان. السدي: اختاروا المعصية
على الطاعة (٤).
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَحِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾ (الهُونِ)) بالضم الهوان. وهون بن خُزَيْمة بن
مدركة بن إلياس بن مُضَر أخو كنانة وأسد. وأهانه: استخفَّ به. والاسمُ الهَوان
والمهانة(٥). وأُضيف الصاعقة إلى العذاب، لأن الصاعقةَ اسمٌ للمبيد المُهلك، فكأنه
قال: مُهلك العذاب؛ أي: العذاب المُهلك. والهُون وإن كان مصدراً فمعناه الإهانة،
والإهانة عذاب، فجاز أن يجعل أحدهما وصفاً للآخر؛ فكأنه قال: صاعقة الهون.
وهو كقولك: عندي علمُ اليقين، وعندي العلم اليقين. ويجوز أن يكون الهُون اسماً
مثل الدُّون؛ يقال: عذابٌ هون، أي: مُهين؛ كما قال: ﴿مَا لَّبِثُواْ فِىِ اٌلْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾
[سبأ: ١٤]. وقيل: أي: صاعقةُ العذاب ذي الهُون. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من تكذيبهم
صالحاً وعقرهم الناقةَ، على ما تقدّم(٦).
﴿وَّيِّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني صالحاً ومَن آمن به؛ أي: ميَّزناهم عن الكفار، فلم
يحلَّ بهم ما حلَّ بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكُفَّارهم.
(١) تفسير البغوي ٤/ ١١١.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٣٣.
(٣) ٩ / ٢٦٥ - ٢٦٦ .
(٤) النكت والعيون ١٧٥/٥ .
(٥) الصحاح (هون).
(٦) ١٥٢/١١ وما بعدها.

٤٠٥
سورة فصلت: الآيات ١٩ - ٢١
١ حَّ إِذَا مَا
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٥)
وَقَالُوا
لِبُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَلُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَّعُونَ﴾ قرأ نافع: ((نَحْشُرُ))
بالنون، ((أَعْدَاءَ» بالنصب. الباقون: ((يُخْشَرُ)) بياء مضمومة ((أَعْدَاءُ)) بالرفع(١)،
ومعناهما بَيِّن. وأعداء الله: الذين كذَّبوا رُسُلَه وخالفوا أَمْرَه. ((فَهُمْ يُوزَعُونَ)) يُساقون
ويُدفعون إلى جهنم. قال قتادة والسدي: يُحبس أوَّلُهم على آخرهم حتى يجتمعوا(٢)؛
قال أبو الأحوص: فإذا تكاملت العدةُ بُدئ بالأكابر فالأكابر جُرماً(٣). وقد مضى في
((النمل)) الكلامُ في ((يُوزَعُونَ)) مستوفّى(٤).
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا مَا ◌َءُوهَا﴾ ((مَا)) زائدة ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم
بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ الجلود يعني بها الجلود بأعيانها في قول أكثر المفسرين. وقال
السدي وعُبيد الله بن أبي جعفر(٥) والفراء: أراد بالجلود الفروج(٦)؛ وأنشد بعضُ
الأدباء لعامر بن جُؤَيّة :
مةٍ والسلامةُ حسبه
المرء يسعى لِلسلا
ـّى جلدُه وابيضَّ رأسه (٧)
أَوَ سالمٌ من قد تشــ
وقال: جلده كناية عن فرجه. ﴿وَقَالُواْ﴾ يعني الكفار ﴿لِبُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنًا﴾
وإنما كنا نُجادل عنكم ﴿قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ لما خَاطَبَتْ وخُوطِبَتْ
(١) السبعة ص ٥٧٦ ، والتيسير ص ١٩٣ .
(٢) تفسير البغوي ١١٢/٤. وقول قتادة والسدي أخرجهما الطبري ٤٠٥/٢٠ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٢٥٧ .
(٤) ١٦/ ١١٧ وما بعدها .
(٥) أخرجه الطبري ٤٠٦/٢٠ .
(٦) معاني القرآن ١٦/٣.
(٧) لم نقف عليهما.

٤٠٦
سورة فصلت: الآيات ٢١ - ٢٥
أُجريتْ مُجرى من يعقل . ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: رَكَّب الحياة فيكم بعد أن
كنتم نُطفاً، فمن قدر عليه قدر على أن يُنطق الجُلودَ وغيرها من الأعضاء. وقيل:
﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ ابتداءُ كلامٍ من الله.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وفي ((صحيح)) مسلم: عن أنس بن مالك قال: كنا عند
رسول اللـه * فَضَحِكَ فقال: ((هل تدرون مِمَّ أضحك؟)) قلنا: اللهُ ورسولهُ أعلم،
قال: ((مِن مُخاطبةِ العبدِ ربَّه، يقول: يا رب، ألم تُجرني من الظّلم، قال: يقول:
بلى، قال: فيقول: فإني لا أُجيز على نفسي إلا شاهداً مني، قال: يقول: كفى
بِنفسِكَ اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شُهوداً، قال: فَيُخْتَم على فيه فيقال
لأركانه: انطِقي، فَتَنْطِقُ بأعماله قال: ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام قال: فيقول: بُعْدًا
لَكُنَّ وسُحْقًا، فعنكُنَّ كنتُ أُناضِلُ))(١).
وفي حديث أبي هريرة: ثم يقال: ((الآن نبعثُ شاهِدَنا عليك، ويتفكّر في نَفْسه؛
مَنْ ذا الذي يشهدُ فَيُخْتَم على فيه، ويقال لفخذه [ولحمه وعظامه]: انطِقي، فَتَنطِقُ
فَخْذُه ولحمه وعظامُه بعمله، وذلك لِيُعْذِر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي
سَخِط الله عليه)) خرجه أيضاً مسلم(٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا
◌ُلُودُكُمْ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (*) وَذَلِكُمْ ظَنْكُ الَّذِى
فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوَى لَّ
ظَنَنْتُم بِرَّكُمْ أَرْدَانَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ (َ)
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيِّنَ
وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (٨)
أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىّ أُمَمٍ قَدْ خَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ
إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَيْكُمْ سَمْمَّكُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا من
(١) صحيح مسلم (٢٩٦٩).
(٢) الحديث (٢٩٦٨)، وما بين حاصرتين منه.

٤٠٧
سورة فصلت: الآيات ٢٢ - ٢٥
قول الجوارح لهم، ويجوز أن يكونَ من قول الله عز وجل أو الملائكة(١).
وفي ((صحيح)) مسلم: عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثةُ نفر؛ قُرَشيان
وثَقَفيٍّ، أو ثَقَفِيَّان وقرشيٍّ؛ قليلٌ فِقْهُ قلوبهم، كثيرٌ شحمُ بطونهم، فقال أحدهم:
أَترون اللهَ يسمعُ ما نقول؟ فقال الآخر: يسمعُ إنْ جَهَرْنا، ولا يسمعُ إِنْ أَخْفينا؛ وقال
الآخر: إنْ كان يسمع إذا جَهَرْنا فهو يسمع إذا أَخْفَيْنَا؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا
كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ﴾ الآية(٢).
خرجه الترمذي فقال: اختصم عند البيت ثلاثةُ نفرٍ. ثم ذكره بلفظه حرفاً حرفاً
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح؛ حدّثنا هَنّاد قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
عمارة بن عُمَير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: كنتُ مستتراً بأستار
الكعبة، فجاء ثلاثة نفرٍ كثيرٌ شحمُ بطونهم قليلٌ فِقهُ قلوبهم، قرشيّ وخَتنَاه ثَقَفيان،
أو ثَقفيّ وخَتَناه قرشيان، فتكلَّموا بكلام لم أفْهَمه؛ فقال أحدهم: أَترون أن الله يسمع
كلامَنا هذا، فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتَنا سَمِعَه، وإذا لم نرفع أصواتَنا
لم يَسْمعه، فقال الآخر: إنْ سمع منه شيئاً سمعه كلّه، فقال عبد الله: فذكرت ذلك
للنبي # فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَاَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا
جُلُودُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ قال: هذا حديث حسن صحيح(٣).
قال الثعلبي: والثقفيّ عبدُ يالِيل، وخَتَناه ربيعة وصفوان بن أمية (٤).
ومعنى ((تَسْتَتِرُونَ)): تَستخفون، في قول أكثر العلماء؛ أي: ما كنتم تستخفون من
أنفسكم حَذَراً من شهادة الجوارح عليكم؛ لأن الإنسانَ لا يُمكنه أن يُخفي من نَفْسِهِ
عَمَلَه، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية. وقيل: الاستتار بمعنى الاتقاء؛ أي:
(١) المحرر الوجيز ١١/٥.
(٢) صحيح مسلم (٢٧٧٥)، وأخرجه أحمد (٣٦١٤).
(٣) سنن الترمذي (٣٢٤٨) و(٣٢٤٩).
(٤) المحرر الوجيز ١١/٥.

٤٠٨
سورة فصلت: الآيات ٢٢ - ٢٥
ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحُكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفاً
من هذه الشهادة. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ أي: تظنون
﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَئِّكُمْ سَمْعَّكُمْ﴾(١) بأن يقول: سمعت الحقَّ وما وعيت، وسمعت ما لا
يجوز من المعاصي، ﴿وَلَاَ أَبْصَارَكُمْ﴾ فتقول: رأيت آياتِ الله وما اعتبرت، ونظرت
فيما لا يجوز ((ولا جُلُودُكُمْ)) تقدَّم.
﴿وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من أعمالكم، فجادَلتُم على ذلك
حتى شَهِدتْ عليكم جوارحُكم بأعمالكم.
روى بَهْز بن حَكيم، عن أبيه، عن جدِّه عن النبي # في قوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ
سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَّكُمْ وَلاَ جُلُودُّكُمْ﴾ قال: ((إنكم تُدْعَون يومَ القيامة مُفَدَّمة أفواهُكم بِفدام،
فأول ما يُبين عن الإنسان فَخِذُه وكفُّه))(٢) قال عبد الله بن عبد الأعلى الشامي(٣)
فأحسن :
وتقالُ عَثراتُ الفتى فيعودُ
العمرُ يَنْقُصُ والذُّنُوبِ تَزِيدُ
رجلٌ جوارِحُه عليهِ شُهودٌ
هل يستطِيعُ جُحُود ذنبٍ واحِدٍ
تقلِيلَها وعنِ المماتِ يحِيدُ
والمرءُ يسأل عن سِنيهِ فيشتهي
وعن مَعْقِل بن يسار عن النبيّ# قال: ((ليس مِن يومٍ يأتي على ابن آدمَ إلا يُنادى
فيه: يا ابنَ آدمَ، أنا خلقٌ جديد، وأنا فيما تعملُ غداً عليك شهيد، فاعملْ فيَّ خيرًا
أَشهدْ لك به غدًا، فإني لو قد مضيتُ لم ترني أبداً، ويقول الليلُ مثلَ ذلك» ذكره أبو
(١) هذه الأقوال بنحوها في تفسير الطبري ٤٠٩/٢٠ - ٤١٠، والنكت والعيون ١٧٦/٥.
(٢) أخرجه بنحوه ومطولاً أحمد (٢٠٠٤٣). والفدام: ما يُشَدّ على فم الإبريق والكوز من خرقة لتصفية
الشراب الذي فيه، أي: إنهم يُمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم. النهاية (قدم).
(٣) كذا في النسخ، وفي أدب الدنيا والدين ص ٨٩ - والأبيات التالية منه - وفي شرحه ص ١٦٦ :
عبد الأعلى بن عبد الله. وفي سير أعلام النبلاء ٢٢٨/١٠: عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى،
الإمام، توفي سنة (٢١٨هـ).

٤٠٩
سورة فصلت: الآيات ٢٣ - ٢٥
نُعيم الحافظ(١)، وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة)) (٢) في باب شهادة الأرض والليالي
والأيام والمال. وقال محمد بن بشير(٣) فأحسن:
ويومُك هذا بِالفِعال شهيدُ
مَضَى أَمسُك الأَدنى شهيداً معدَّلًا
فثَنِّ بِإحسانٍ وأنتَ حميدُ
فإنْ تكُ بِالأمسِ اقترفت إِساءةً
لعلّ غدًا يأتِي وأنت فَقِيدُ
ولا تُرْجِ فِعلَ الخير مِنك إِلى غدٍ
قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ◌َتْكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ أَزْدَتَكُمْ﴾ أي: أهلككم فأوردكم
النار. قال قتادة: الظنّ هنا بمعنى العِلْم. وقال النبي ﴾: ((لا يَمُوتنَّ أحدُكم إلا وهو
يُحسِنُ الظَّنَّ بالله، فإن قوماً أساءوا الظنَّ بربِّهم فأهلكهم، فذلك قوله: ﴿وَذَلِكٌ لَكُ
الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ﴾))(٤).
وقال الحسن البصري: إنَّ قوماً أَلْهتهم الأمانيُّ حتى خرجوا من الدنيا وما لهم
من حسنة، ويقول أحدُهم: إني أُحسِنُ الظنَّ بربِّي، وكذب، ولو أحسنَ الظنّ لأحسنَ
العمل، وتلا قول الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ
اْخَسِرِينَ﴾.
(١) في حلية الأولياء ٣٠٣/٢ . وفي إسناده زيد بن الحواري العَمِّي، وهو ضعيف كما في تقريب التهذيب.
قال أبو نعيم: حديث معاوية [يعني ابن قرة] تفرد به عنه زيد، ولا أعلمه رُوي مرفوعاً عن النبي # إلا
بهذا الإسناد.
(٢) ص ٢٨٨ .
(٣) لعله محمد بن بشير بن عبد الله بن عقيل أبو سليمان، من بني خارجة، ومن شعراء الدولة الأموية.
الأغاني ١٠٢/١٦. ووقع في (ق): يسير، ولعله محمد بن يَسير الرِّياسي، من شعراء أهل البصرة
وأدبائهم. الأغاني ١٤ / ١٧ .
(٤) قوله منه: ((لا يموتن أحدُكم إلا وهو يُحسن الظن بالله)) صحيح، أخرجه أحمد (١٤٤٨١)، ومسلم
(٢٨٧٧) من حديث جابر ، وأخرجه بتمامه أحمد (١٥١٩٧)، وفي إسناده النضر بن إسماعيل ومحمد
ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهما ضعيفان كما في التقريب.
:

٤١٠
سورة فصلت: الآيات ٢٣ - ٢٥
وقال قتادة: من استطاع منكم أن يموت وهو حسنُ الظنِّ بربِّه فليفعل، فإن الظنَّ
اثنان: ظنٌّ يُنْجِي وظنٌّ يُردي(١).
وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: هؤلاء قومٌ كانوا يُدمِنون المعاصي ولا
يتوبون منها، ويتكلَّمون على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليسَ، ثم قرأ:
﴿وَذَلِكُمْ ◌َتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُمْ بِرَيَّكُمْ أَزْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَى لَمّ﴾ أي: فإنْ يصبروا في الدنيا على
أعمال أهل النار فالنار منوّى لهم. نظيره: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] على
ما تقدَّم.
﴿فَإِن يَسْتَعِْبُوا﴾ في الدنيا وهم مُقيمون على كُفرهم ﴿فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
وقيل: المعنى: ((فَإِنْ يَصْبِرُوا)) في النار أو يَجْزَعوا «فَالنَّارُ مُثْوّى لهم)) أي: لا
مَحيصَ لهم عنها، ودلَّ على الجَزَعِ قولُه: (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا))؛ لأن الْمُسْتَعْتِبَ جَزِعٌ،
والمُعتب المقبول عتابُه؛ قال النابغة:
فإنْ أَكُ مَظْلُوماً فَعَبْدٌ ظَلَمْتَه
وإِنْ تَكُ ذَا عُثْبَى فَمِثْلِكَ يُعْتِبُ(٢)
أي: مثلك من قَبِل الصُّلح والمراجعة إذا سُئِل. قال الخليل: العِتاب مُخاطبة
الإدلال ومُذاكرة المَوْجِدة. تقول: عاتبته مُعاتبة، وبينهم أُغْتوبة يتعاتبون بها. يقال: إذا
تعاتبوا أصلحَ ما بينهم العِتاب. وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مَسَرَّتي راجعاً عن
الإِساءة، والاسم منه العُثْبى، وهو رجوعُ المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب.
واستعتبَ وأَعتب بمعنى، واستعتبَ أيضاً طلب أن يُعْتَب؛ تقول: استعتبته فأَعتبني،
أي: استرضيتُه فأرضاني(٣).
(١) أخرجه بنحوه الطبري ٤١٤/٢٠ .
(٢) ديوان النابغة ص ١٨ .
(٣) الصحاح (عتب).

٤١١
سورة فصلت: الآيات ٢٤ - ٢٥
فمعنى (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا)) أي: طلبوا الرِّضا لم ينفعهم ذلك، بل لا بدَّ لهم من النار.
وفي التفاسير: وإن يستقيلوا ربَّهم فما هم من المُقالين(١).
وقرأ عُبيد بن عُمير وأبو العالية: ((وَإِنْ يُسْتَعْتَبُوا)) بفتح التاء الثانية وضم الياء على
الفعل المجهول ((فما هم مِنَ المُعْتَبِينَ)) بكسر التاء(٢)، أي: إن أقالهم الله وردَّهم إلى
الدنيا لم يعملوا بطاعته لِما سبق لهم في علم الله تعالى من الشقاء، قال الله تعالى:
﴿وَلَوَّ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ذكره الهروي(٣). وقال ثعلب: يقال: أَعتب
إذا غَضِبَ، وأَعتب إذا رَضِي (٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ﴾ قال النقَّاش: أي: هيَّأْنا لهم شياطين(٥).
وقيل: سلَّطنا عليهم قُرناء يُزيِّنون عندهم المعاصي، وهؤلاء القُرناء من الجنّ
والشياطين ومن الإنس أيضاً؛ أي: سبَّبْنا لهم قُرناء؛ يقال: قَيَّض الله فلاناً لفلان،
أي: جاءه به وأَتاحه له، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَّيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ﴾. القشيري: ويقال:
قيّض الله لي رزقاً، أي: أتاحه كما كنتُ أَطلبُه، والتقبيض الإبدال، ومنه المُقايضة،
قايضتُ الرجل مُقايضةً، أي: عاوضتُه بمتاع، وهما قيِّضان، كما تقول: بيِّعان.
﴿فَيَّنُوْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِهِمْ﴾ من أمر الدنيا، فحسّنوه لهم حتى آثروه على الآخرة
﴿وَمَا خَلْفَهُمَّ﴾ حسَّنوا لهم ما بعد مَماتهم وَدَعَوْهم إلى التكذيب بأمور الآخرة؛ عن
مجاهد. وقيل: المعنى: ﴿وَقَّيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ﴾ في النار ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُمْ﴾ أعمالَهم في
الدنيا؛ والمعنى: قدَّرنا عليهم أن ذلك سيكون، وحكمنا به عليهم. وقيل: المعنى:
(١) النكت والعيون ١٧٧/٥ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٣٣، والمحتسب ٢٤٥/٢، والمحرر الوجيز ١٢/٥، والدر المصون ٥٢٢/٩
وعند جميعهم: عمرو بن عبيد، بدل: عبيد بن عمير.
(٣) تهذيب اللغة ٢/ ٢٧٧ .
(٤) النكت والعيون ١٧٧/٥.
(٥) المصدر السابق.

٤١٢
سورة فصلت: الآية ٢٥
أحوجناهم إلى الأقران؛ أي: أَحوجنا الفقيرَ إلى الغني لِینالَ منه، والغنيَّ إلى الفقير،
لِيستعينَ به، فزيَّن بعضُهم لبعض المعاصي(١). وليس قوله: ((وما خَلْفَهُمْ)) عطفاً على
((ما بين أَيْدِيهِم)) بل المعنى: وأَنْسَوهم ما خلفَهم، ففيه هذا الإضمار.
قال ابن عباس: ((ما بين أيديهم)) تكذيبُهم بأمور الآخرة ((وما خَلْفَهُمْ)) التسويف
والترغيب في الدنيا(٢). الزجاج(٣): ((ما بين أيديهم)) ما عملوه ((وما خلفهم)) ما عَزَموا
علی أن یعملوه. وقد تقدّم قولُ مجاهد.
وقيل: المعنى: لهم مثلُ ما تقدَّم من المعاصي ((وما خلفهم)) ما يعمل بعدهم.
﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَّ أُمَمٍ﴾ أي: وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأُمم
الذين من قبلهم الذين كفروا کكفرهم. وقيل: ((في)» بمعنى مع؛ فالمعنى هم داخلون
مع الأُمم الكافرةِ قبلَهم فيما دخلوا فيه (٤). وقيل: ((في أُمَم)) في جُملة أُمَم، ومثلُه قولُ
الشاعر :
إِنْ تَكُ عن أحسنِ الصَّنيعةِ مَأْ فُوكاً ففي آخَرِينَ قد أُفِكوا (٥)
يُريد: فأنت في جُملة آخرين لست في ذلك بأوحد. ومحل ((في أُمَم)) النصب على
الحال من الضمير في ((عليهم)) أي: حقَّ عليهم القولُ كائنين في جملة أُمم (٦). ﴿إِنَّهُمْ
كَانُواْ خَسِرِينَ﴾ أعمالَهم في الدنيا وأنفسَهم وأهليهم يومَ القيامة.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٥٨/٤ .
(٢) المصدر السابق.
(٣) معاني القرآن ٣٨٤/٤.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٥٨/٤ بنحوه.
(٥) قائله عروة بن أذينة، وهو في إصلاح المنطق ص ٢٧ ، وفيه: المرؤَّة، بدل: الصنيعة. قال ابن
السِّكيت: الأَفْك: مصدر أَفَكَهُ عن الشيء يَأْفِكُه، إذا صرفه عنه وقلبه.
(٦) تفسير الرازي ١١٩/٢٧.

٤١٣
سورة فصلت: الآيات ٢٦ - ٢٩
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
فَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَهُمْ أَسْوَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارِّ لَهُمْ فِيَهَا دَارُ اَلْخُلْدِّ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ بَِايَفِنَا يَحْمَدُونَ (٨) وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنّ وَالْإِنِسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا
مِنَ الْأَسْفَلِينَ
٢٢٩
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَغَواْ فِيهِ﴾ لمَّا أَخبر تعالى عن
كُفر قوم هود وصالح وغيرهم أَخبر عن مُشركي قريش وأنهم كذَّبوا القرآن فقالوا: ((لا
تَسْمَعُوا)). وقيل: معنى ((لا تَسْمَعُوا)) لا تُطيعوا(١)؛ يقال: سمعتُ لك أي: أَطعتُك.
((والغَوْا فيهٍ)) قال ابن عباس: قال أبو جهل: إذا قرأ محمدٌ فصيحوا في وجهه حتى لا
يدري ما يقول. وقيل: إنهم فعلوا ذلك لمَّا أَعجزهم القرآن(٢). وقال مجاهد: المعنى:
((والغَوْا فيهِ)) بالمُكَاء والتَّصفيق والتخليط في المَنْطِق حتى يصير لَغْوًا(٣). وقال
الضحاك أكثروا الكلامَ لِيختلط عليه ما يقول(٤). وقال أبو العالية وابن عباس أيضاً:
قِعُوا فيه وعَيِّبوه(٥)، ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ محمداً على قراءته فلا تظهر ولا تستميل(٦)
القلوب.
وقرأ عيسى بن عمر والجَحْدري وابن أبي إسحاق وأبو حَيْوةَ وبكر بن حبيب
السَّهمي: ((والغُوا)) بضم الغين(٧)، وهي لغةٌ مِن لغا يلغو. وقراءة الجماعة من لَغِيَ
يَلْغَی.
(١) النكت والعيون ١٧٨/٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٥٩/٥ .
(٣) أخرجه الطبري ٤١٨/٢٠ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ١١٣ .
(٥) النكت والعيون ١٧٨/٥ .
(٦) في (د) و(ز) و(م): فلا يظهر ولا يستميل. والمثبت من (ظ).
(٧) القراءات الشاذة ص ١٣٣، والمحتسب ٢٤٦/٢.

٤١٤
سورة فصلت: الآيات ٢٦ - ٢٩
قال الهروي: وقوله: ((والْغَوْا فيهٍ)) قيل: عارِضوه بكلام لا يفهم. يقال: لَغَوْت
أَلْغو وأَلْغَى، وَلَغِيَ يَلْغَى، ثلاث لُغات. وقد مضى معنى اللَّغو في ((البقرة))(١) وهو
ما لا يُعلَم له حقيقةٌ ولا تحصیل.
قوله تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قد تقدَّم أن الذَّوقَ يكون
محسوساً، ومعنى العذاب الشديد: ما يتوالى فلا ينقطع. وقيل: هو العذابُ في جميع
أجزائهم. ﴿وَلَنَجْزِيَّهُمْ أَسْوَاَ اَلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: وَلنجزينَّهم في الآخرة جزاءَ قُبْحِ
أعمالهم التي عَمِلُوها في الدنيا. وأسوأُ الأعمال الشّرك.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارِّ﴾ أي: ذلك العذابُ الشديد، ثم بيَّنه
بقوله: ((النَّارُ)). وقرأ ابن عباس: ((ذلكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ دَارُ الْخُلْدِ))(٢) فترجم
بالدار عن النار وهو مَجاز الآية. و((ذلك)) ابتداء و((جَزَاءُ)) الخبر، و((النَّارُ)) بدل من
((جَزَاءُ))، أو خبر مبتدأ مضمر، والجملة في موضع بيانٍ للجملة الأُولى(٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: في النار، فذكره بلفظ الماضي،
والمراد المستقبل ﴿رَبَّآ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ اُلِْنِّ وَالْإِنسِ﴾ يعني إبليس وابن آدم الذي
قتل أخاه؛ عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما(٤)؛ ويشهد لهذا القول الحديثُ
المرفوع: ((ما مِن مسلم يُقتَلُ ظُلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كِفْل من ذَنْبه؛ لأنه أوّلُ
من سنَّ القَتْل)) ويروى: ((أسنَّ القتل))(٥). خرَّجه الترمذي(٦).
(١) ٤ / ١٧.
(٢) ذكرها الطبري ٤١٩/٢٠ عن ابن مسعود ﴾.
(٣) المحرر الوجيز ١٣/٥.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٦٥/٦ وأخرجه الطبري ٤٢٠/٢٠ - ٤٢١ عن علي ﴾ وقتادة. قال الآلوسي في
تفسيره ٢٤/ ١٢٠: وُتُعقّب بأنه لا يصحّ عن علي كرم الله وجهه، فإن قابيل مؤمن عاصٍ، والظاهر أن
الكفار إنما طلبوا إراءة المضلين بالكفر المؤدي إلى الخلود، وكونهم رئيس الكفرة ورئيس أهل الكبائر
خلاف الظاهر. اهـ.
(٥) قوله: ويروى: ((أسنَّ القتل)) من (ظ) و(ق).
(٦) في سننه (٢٦٧٣). وأخرجه أحمد (٣٦٣٠)، والبخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧) من حديث ابن
مسعود ﴾ وعندهم: نفس، بدل: مسلم. ودمها، بدل: ذنبه.

٤١٥
سورة فصلت: الآيات ٢٩ - ٣٢
وقيل: هو بمعنى الجنس(١)، وبُني على التثنية لاختلاف الجنسين.
◌ِنَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن
يجعلوهم تحت أقدامهم ﴿لِيَكُوْنَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ في النار وهو الذَّرك الأسفل. سألوا أن
يُضعِّف اللهُ عذابَ مَنْ كان سببَ ضلالتهم من الجن والإنس.
وقرأ ابن مُحيصن والسوسي عن أبي عمرو وابن عامر وأبو بكر والمُفضَّل: ((أَرْنَا))
بإِسكان الراء(٢)، وعن أبي عمرو(٣) أيضاً باختلاسها. وأشبع الباقون كسرتها، وقد
تقدّم في ((الأعراف)» (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَيُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ
أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ (٣٥) نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ
فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَدَّعُونَ ٣ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ تَحِيم
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدَمُوا﴾ قال عطاء عن ابن عباس:
نزلَتْ هذه الآيةُ في أبي بكر الصدّيق ﴾؛ وذلك أن المشركين قالوا: رُّنا اللهُ
والملائكةُ بناتُه، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلم يستقيموا. وقال أبو بكر: ربُّنا اللهُ
وحدَه لا شريكَ له، ومحمدٌ ﴿ عبدُه ورسوله؛ فاستقام(٥) .
وفي الترمذي: عن أنس بن مالك أن رسولَ الله ◌ِ ﴾ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا
اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدمُوا﴾ قال: ((قد قال الناسُ، ثم كَفَرَ أكثرُهم، فمن مات عليها فهو ممن
استقام)) قال: حديثٌ غريب، ويُروى في هذه الآية عن النبيّ # وأبي بكر وعمر
(١) المحرر الوجيز ١٤/٥ .
(٢) وقرأ بها ابن كثير من السبعة. السبعة ص ٥٧٦، والتيسير ص ١٩٣ .
(٣) في رواية الدوري.
(٤) كذا في النسخ: الأعراف، وصوابه في البقرة ٣٩٨/٢ .
(٥) أسباب النزول للواحدي ص ٣٩٤ .

٤١٦
سورة فصلت: الآيات ٣٠ - ٣٢
وعثمان وعليّ معنى ﴿أَسْتَقَمُواْ﴾(١).
ففي ((صحيح)) مسلم: عن سفيان بن عبد الله الثقفيّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله،
قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدَك - وفي رواية - غيرَك. قال: ((قل:
آمنتُ بالله ثم استَقِمْ))(٢) زاد الترمذي: قلت: يا رسولَ الله، ما أخوفُ ما تخاف
عليَّ؟ فأخذ بلسان نَفْسِه وقال: ((هذا))(٣).
وروي عن أبي بكر الصدّيق ﴾ أنه قال: ﴿ثُمَّ أَسْتَقَامُوا﴾ لم يُشركوا بالله شيئاً.
وروى عنه الأسودُ بن هلال أنه قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُوا﴾ و﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَلْنَهُم بِظُلٍّ﴾
[الأنعام: ٨٢] فقالوا: استقاموا فلم يُذنبوا ولم يَلْبِسوا إيمانهم بخطيئة؛ فقال أبو بكر:
لقد حملتموها على غير المَحْمل ﴿قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَدَمُوا﴾ فلم يلتفتوا إلى إله غيره
﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ﴾ بشرك ﴿أُوْلَكَ لَمُ الْأَمْنِّ وَهُمْ تُهْتَدُونَ﴾ (٤) [الأنعام: ٨٢].
ورُوي عن عمر أنه قال على المنبر وهو يخطب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اُسْتَقَدمُوا﴾ فقال: استقاموا - والله - على الطريقة لِطاعته ثم لم يَروغُوا رَوَغان
الثعالب(٥).
وقال عثمان : ثم أخلصوا العملَ لله. وقال عليّ ﴾: ثم أُدُّوا الفرائض.
وأقوال التابعين بمعناها. قال ابن زيد وقتادة: استقاموا على الطاعة لله. الحسن:
استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد وعكرمة:
استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا. وقال سفيان الثوري: عَمِلُوا على
(١) سنن الترمذي (٣٢٥٠) وليس في مطبوعه ذِكْر عثمان وعلي رضي الله عنهما، وسيذكر المصنف
أقوالهم قريباً.
(٢) صحيح مسلم (٣٨)، وأخرجه أحمد (١٥٤١٦).
(٣) سنن الترمذي (٢٤١٠)، وأخرجه أحمد (١٥٤١٩).
(٤) أخرجه الطبري ٢٠/ ٤٢٣ بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري ٤٢٥/٢٠ .

٤١٧
سورة فصلت: الآيات ٣٠ - ٣٢
وفاق ما قالوا. وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زَهِدوا
في الفانية ورَغِبوا في الباقية. وقيل: استقاموا إسراراً كما استقاموا إقراراً. وقيل:
استقاموا فِعْلاً كما استقاموا قولاً(١).
وقال أنس: لما نزلت هذه الآيةُ قال النبيُّ #: ((هم أمتي وربّ الكعبة))(٢). وقال
الإمام ابن فُورَك: السين سين الطلب، مثل: استسقى، أي: سألوا من الله أن يُثبّتَهم
على الدين. وكان الحسنُ إذا قرأ هذه الآيةَ قال: اللهمَّ أنت ربُّنا فارزقنا الاستقامة(٣).
قلت: وهذه الأقوالُ وإن تداخلَتْ فتلخيصُها: اعتدَلوا على طاعة الله عقداً وقولاً
وفعلاً، وداموا على ذلك.
﴿تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ قال ابن زيد ومجاهد: عند الموت. وقال مقاتل
وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال ابن عباس: هي بُشرى تكون لهم من
الملائكة في الآخرة. وقال وكيع وابن زيد: البُشرى في ثلاثةِ مواطنَ عند الموت وفي
القبر وعند البعث (٤).
﴿أَلَّا تَخَافُواْ﴾ أي: بألّا تَخَافُوا، فحذف الجار. وقال مجاهد: لا تخافوا الموت
﴿وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ على أولادكم(٥)، فإنَّ اللهَ خليفتُكم عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح:
لا تخافوا ردَّ ثوابكم فإنه مقبولٌ، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أَغْفِرُها لكم. وقال
عكرمة: لا تخافوا أمامَكم، ولا تحزنوا على ذُنوبكم ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ
.(٦)
تُوعَدُونَ﴾ (٦).
(١) هذه الأقوال في تفسير الطبري ٤٢٤/٢٠ - ٤٢٥، والنكت والعيون ١٧٩/٥، والمحرر الوجيز
١٤/٥ - ٠١٥
(٢) لم نقف عليه.
(٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١١٤ .
(٤) الأقوال السالفة في تفسير الطبري ٤٢٥/٢٠ - ٤٢٧، والنكت والعيون ١٨٠/٥، وتفسير البغوي
٤ / ٠١١٤
(٥) النكت والعيون ١٨٠/٥ .
(٦) تفسير البغوي ١١٤/٤ بنحوه .

٤١٨
سورة فصلت: الآيات ٣١ - ٣٦
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِىِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةَ﴾ أي: تقول لهم
الملائكةُ الذين تتنزلُ عليهم بالبِشارة: ((نحن أَوْلِيَاؤُكُمْ)» قال مجاهد: أي: نحن
قُرناؤكم الذين كنَّا معكم في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامة قالوا: لا نُفارقكم حتى
نُدخِلَكم الجنة. وقال السدي: أي: نحن الحَفَظَةُ لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في
الآخرة(١). ويجوز أن يكون هذا من قول الله تعالى، والله وليُّ المؤمنين ومولاهم.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ﴾ أي: من المَلاذٌ. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ﴾
تسألون وتتمنَّون. ﴿نُزُلًا﴾ أي: رِزْقاً وضيافةً. وقد تقدَّم في ((آل عمران»(٢) وهو
منصوبٌ على المصدر، أي: أنزلناه نُزُلاً. وقيل: على الحال(٣). وقيل: هو جمع
نازل، أي: لكم ما تدَّعون نازلين، فيكون حالاً من الضمير المرفوع في ((تَدَّعُونَ)) أو
من المجرور في ((لكم)).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اَللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ
ج
اٌلْمُسْلِمِينَ ﴾ وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَِّئَةُ أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيمٌ (﴿ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتُهَا
إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ (9) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَن دَعَا إِلَى اللّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ هذا توبيخٌ للذين
تواصَوْا باللَّغو في القرآن. والمعنى: أيُّ كلام أحسنُ من القرآن، ومن أحسنُ قولاً من
الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد ﴾. قال ابن سيرين والسُّدي وابن زيد والحسن:
هو رسولُ اللهِ ﴾(٤).
(١) أخرجه الطبري ٤٢٨/٢٠، وأورده البغوي في تفسيره ١١٤/٤ .
(٢) ٥/ ٤٨٢ - ٤٨٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٦٠ .
(٤) أخرجه الطبري ٤٣٠/٢٠ عن السدي وابن زيد، وذكره عن ابن سيرين البغوي في تفسيره ١١٤/٤ .

٤١٩
سورة فصلت: الآيات ٣٣ - ٣٦
وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسولُ الله، هذا حبيبُ الله، هذا وليُّ
الله، هذا صفوةُ الله، هذا خِيرة الله، هذا - والله - أحبُّ أهل الأرض إلى الله؛
أجاب اللهَ في دعوته، ودعا الناسَ إلى ما أجاب إليه(١).
وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد: نزلت في
المُؤَذّنين(٢). قال فُضيل بن رُفيدة: كنتُ مُؤَذِّناً لأصحاب عبد الله بن مسعود، فقال لي
عاصم بن هُبيرة: إذا أذَّنتَ فقلت: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فقل: وأنا من
المسلمين؛ ثم قرأ هذه الآية(٣).
قال ابن العربي(٤): الأول أصحُّ؛ لأن الآيةَ مكيَّةٌ والأذان مدني؛ وإنما يدخل
فيها بالمعنى؛ لا أنه كان المقصودَ وقتَ القول، ويدخل فيها أبو بكر الصدّيق حين
قال في النبيّ﴾ وقد خَنَقَهُ الملعون(٥): ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]
وتتضمَّن كلَّ كلام حَسَنٍ فيه ذِكْرُ التوحيد والإيمان.
قلت: وقولٌ ثالثٌ، وهو أحسنُها؛ قال الحسن: هذه الآيةُ عامةٌ في كل مَنْ دعا
إلى الله. وكذا قال قيس بن أبي حازم قال: نزلت في كل مؤمن. قال: ومعنى ((وَعَمِلَ
صَالِحًا)) الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة؛ قال: صلَّى ركعتين بين الأذان
والإقامة. وقال عكرمة: ((وعَمِلَ صَالِحًا)) صلّى وصام. وقال الكلبي: أدَّى
الفرائض(٦).
قلت: وهذا أحسنُها مع اجتناب المحارم وكَثْرةِ المندوب. والله أعلم.
(١) أخرجه الطبري ٤٢٩/٢٠ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٠/ ٤٣٠ عن قيس بن أبي حازم، وذكره عن عائشة رضي الله عنها ابن عطية في
المحرر الوجيز ١٥/٥ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٦١/٤، والمحرر الوجيز ١٦/٥.
(٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٥٠ .
(٥) يعني عقبة بن أبي مُعَيط، وسلفت قصته ٣٠٨/١٥ .
(٦) هذه الأقوال في النكت والعيون ١٨١/٤، والمحرر الوجيز ١٥/٥ - ١٦ وتفسير البغوي ١١٤/٤ .

٤٢٠
سورة فصلت: الآيات ٣٣ - ٣٦
﴿وَقَالَ إِنَِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال ابن العربي(١): وما تقدَّم يدلُّ على الإسلام،
لكن لمَّا كان الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العملُ
يكون للرِّياء والإخلاص، دلَّ على أنه لا بدَّ من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كلِّه،
وأن العملَ لوجهه.
مسألة: لما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ولم يقل له: اشترط إنْ
شاء الله، كان في ذلك ردٌّ على من يقول: أنا مسلم إنْ شاء الله (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ قال الفراء: ((لا)) صلة، أي: ولا
چ
تَسْتَوِي الحسنةُ والسيئةُ(٣)، وأنشد:
ما كان يَرْضَى رسولُ الله فِعْلَهُمُ
والطَّيِّبانِ أبو بكر ولا عمرُ(٤)
أراد: أبو بكر وعمر؛ أي: لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد، وما المشركون
عليه من الشِّرك. قال ابن عباس: الحسنةُ لا إله إلا الله، والسيئة الشِّرك. وقيل:
الحسنةُ الطاعة، والسيئة الشِّرك. وهو الأولُ بعينه. وقيل: الحسنة المُداراة، والسيئة
الغِلْظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: الحسنة العلم(٥)،
والسيئة الفحش. وقال عليّ بن أبي طالب ﴾: الحسنةُ حبُّ آل الرسول، والسيئة
بُغْضُهم.
قوله تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ نُسِخَتْ بآية السيف(٦)، وبقي المُسْتَحَبُّ من
ذلك: حسنُ العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن عباس: أي: ادفع بحلمك جَهْلَ
(١) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٥٠ .
(٢) المصدر السابق.
(٣) تفسير البغوي ٤ / ١١٥ .
(٤) قائله جرير، وهو في ديوانه ١٥٩/١، وفيه: دينهم، بدل: فعلهم.
(٥) في النكت والعيون ١٨٢/٥ (والكلام منه): الحلم، وكذا في زاد المسير ٢٥٨/٧ .
(٦) زاد المسير ٢٥٨/٧ .