Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة الزمر: الآية ٧٥ حرف، وقال الأخفش(١): ((مِنْ)) زائدة، أي: حافّين حولَ العرش. وهو كقولك: ما جاءني من أحد، فمن توکید. الثعلبي: والعرب تُدخل الباء أحياناً في التسبيح وتحذفها أحياناً، فيقولون: سبِّح بحمدٍ ربِّك، وسبِّح حمداً لله؛ قال الله تعالى: ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وقال: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]. ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِآلْحَقِّ﴾ بين أهل الجنة والنار. وقيل: قُضي بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء وبين أُممهم بالحقّ والعَدْل(٢). ﴿وَقِيلَ اْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: يقول المؤمنون: الحمدُ لله على ما أثابنا من نعمه وإحسانه ونَصَرنا على مَن ظَلّمنا. وقال قتادة في هذه الآية: افتتح اللهُ أولَ الخَلْقِ بالحمد لله، فقال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ النُّلُنَتِ وَالنُّورِّ﴾ [الأنعام: ١] وخَتَم بالحمد، فقال: ﴿وَقُضِىَ بَيِنَهُم بِالِّْ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(٣). فلزم الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كلِّ أمر بحمده وخاتمته بحمده. وقيل: إن قول: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ من قول الملائكة، فعلى هذا يكون حَمْدُهم لله تعالى على عَدْله وقضائه(٤). ورُوِيّ من حديث ابن عمر أن رسول الله ﴾ قرأ على المنبر آخر سورة ((الزمر)) فتحرَّك المِنبر مرَّتين(٥). تم تفسير سورة ((الزمر)). (١) في معاني القرآن ٦٧٣/٢ . (٢) تفسير الطبري ٢٠/ ٢٧٢ . (٣) أخرجه الطبري ٢٧٣/٢٠ . (٤) النكت والعيون ١٣٩/٥ . (٥) أخرجه أحمد (٥٤١٤)، ومسلم (٢٧٨٨) بنحوه، وأورده بلفظ المصنف الذهبي في الميزان ٣٧٨/٢ وفي إسناده عبّاد بن ميسرة، ضعَّفه أحمد ويحيى فيما قاله الذهبي. تفسير سورة غافر وهي سورة المؤمن، وتسمى سورة الطّوْل وهي مكيةٌ في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر(١). وعن الحسن إلا قوله: ((وَسَبِّخْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)) لأن الصلواتِ نزلت بالمدينة(٢). وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة، وهما ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ [الآية: ٣٥] والتي بعدها(٣). وهي خمسٌ وثمانون آية. وقيل: ثنتان وثمانون آية (٤). وفي ((مسند)) الدارمي قال: حدّثنا جعفر بن عون، عن مِسْعر، عن سعد بن إبراهيم قال: كنَّ الحواميم يُسمَّين العرائسَ(٥). ورُوي من حديث أنس أن رسولَ الله ﴾ قال: ((الحواميمُ دِيباجُ القرآن)»(٦). ورُوي عن ابن مسعود مثلُه. وقال الجوهري وأبو عُبيد(٧): وآل حم سورٌ في القرآن. قال ابن مسعود: آلُ حم دِيباج القرآن(٨). قال الفراء: إنما هو كقولك: آلُ فلان وآلُ فلان، كأنه نَسَبَ السورةَ كلَّها إلى حم؛ قال الكُمَيْت: وَجَدْنا لكم في آلٍ حَامِيمَ آیةً تَأوَّلَهَا مِنَّا تَقِيُّ ومُعْزِبُ(٩) (١) النكت والعيون ١٤١/٥ . (٢) مجمع البيان ١٧٨/٢٤ . (٣) النكت والعيون ١٤١/٥، وزاد المسير ٢٠٤/٧ . قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٥/٤ : هذه السورة مكية بإجماع، وقد روي في بعض آياتها أنها مدنية، وهذا ضعيف، والأول أصح. (٤) ذكرهما السيوطي في الإتقان ١/ ٢١٤. (٥) سنن الدارمي (٣٤٢٢). (٦) أخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم كما في الدر المنثور ٣٤٤/٥ . (٧) في (د) و(م): أبو عبيدة. (٨) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٤٧١). (٩) ديوان الكميت بن زيد ص١٨، وفيه وفي الصحاح (حمم) والخزانة ٣١٨/٤: ومعرب. قال البغدادي: يقول الشاعر: من تأوّل هذه الآية لم يسعه إلا التشيّع في آل النبي # وإبداء المودة لهم على تَقِيَّة كانت أو غير تقية. وقوله: تقيٍّ ومعرب، قال الجوهري [الصحاح (عرب)]: أعرب بحجته إذا أفصح بها ولم يتقٍ أحداً. ٣٢٣ سورة غافر: الآيات ١ - ٤ قال أبو عُبيد(١): هكذا رواها الأُموي بالزاي، وكان أبو عمرو يرويها بالراء. فأما قولُ العامة: الحواميم، فليس من كلام العرب. وقال أبو عُبيدة: الحواميمُ سورٌ في القرآن على غير قياس؛ وأنشد: وبالحواميم التي قد سُبِّعَتْ(٢) قال: والأولى أن تُجمع بذوات حم(٣). ورُوي أن النبي ﴾ قال: ((لكلِّ شيء ثمرةٌ، وإن ثمرةَ القرآن ذواتُ حم، هنَّ روضاتٌ حِسان مُخصبات مُتجاورات، فمن أحبَّ أن يرتعَ في رياض الجنة فَلْيقرأ الحواميم)» (٤). وقال النبي﴾: ((مَثَلُ الحواميم في القرآن كمثل الحِبَرَاتِ في الثياب)» ذكرهما الثعلبي(٥). وقال أبو عُبيد: وحدّثني حجَّاج بن محمد عن أبي مَعْشر، عن محمد بن قيس قال: رأى رجلٌ سبعَ جوارٍ حِسان مُزيَّنات في النوم، فقال: لمن أنتنَّ بارك الله فيكنَّ؟ فقلن: نحن لمن قرأنا، نحن الحواميم(٦). بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ غَافِرِ الذَّنِ قوله تعالى: ﴿حَمَ ﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَقَابِلِ الثَّوْبِ شَدِيدٍ الْمِقَابٍ ذِى الطَّوْلِ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ مَا يُحَدِلُ فِيّ ءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُُّمْ فِي الْبِلَدِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿حَمّ﴾ اختلف في معناه؛ فقال عكرمة: قال النبيُّ ﴾: ((حم)) اسمٌ (١) في (م): أبو عبيدة. والكلام في غريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ٩٤ . (٢) ذكره صاحب اللسان (حمم)، وقبله: وبالطواسين التي قد ثُلِّثتْ. (٣) الصحاح (حمم). (٤) أورده السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٤، وعزاه لابن الضُّريس. (٥) لم نقف عليه. (٦) غريب الحديث ٤ / ٩٣ . ٣٢٤ سورة غافر: الآيات ١ - ٤ من أسماء الله تعالى، وهي مفاتيحُ خزائن ربِّك))(١) قال ابن عباس: ((حم)) اسمُ الله الأعظم. وعنه: ((الر)) و((حم)) و((ن)) حروفُ الرحمنُ مقطّعة. وعنه أيضاً: اسمٌ من أسماء الله تعالى أَقسم به. وقال قتادة: إنه اسمٌ من أسماء القرآن. مجاهد: فواتحُ السُّور (٢). وقال عطاء الخُراساني: الحاء افتتاحُ اسمه حَميدٌ وحنانٌ وحلیمٌ وحکیمٌ، والمیم افتتاحُ اسمه مَلِكٌ ومجيدٌ ومنَّانٌ ومُتكبِّرٌ ومصوّرٌ (٣)؛ يدلُّ عليه ما روى أنسٌ أن أعرابيًّا سأل النبيَّ ﴾: ما ((حم)) فإنَّا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبيُّ ﴾: ((بَذْهُ أسماء وفواتح سُوَرَه))(٤). وقال الضحاك والكسائي: معناه: قُضِي ما هو كائن. كأنه أراد الإشارة إلى تهجّي ((حم)؛ لأنها تصير حُمَّ، بضم الحاء وتشديد الميم؛ أي: قُضِي ووَقَع(٥). قال كعب بن مالك: فلما تَلَاقَينا ودارت بِنَا الرَّحى وليس لِأَمْر حمَّهُ اللـه مَدْفَعُ(٦) وعنه أيضاً: إن المعنى: حُمَّ أمرُ الله، أي: قَرُبَ؛ كما قال الشاعر: قد حُمَّ يومي فسُرَّ قومٌ قومٌ بهم غَفْلَةٌ ونَومٌ ومنه سُمِّيت الحُمَّى؛ لأنها تُقُرِّب من المَنِيَّةَ(٧). والمعنى المراد: قَرُبَ نصرُه لأوليائه، وانتقامُه من أعدائه كيوم بدر. وقيل: حروف هجاء؛ قال الجَرْمي: ولهذا تُقرأ ساكنةَ الحروف، فخرجت مخرجَ التهجِّي، (١) لم نقف عليه، وهو هكذا مرسل. (٢) هذه الأقوال في تفسير الطبري ٢٧٤/٢٠-٢٧٥، والنكت والعيون ١٤١/٥، وتفسير البغوي ٤ / ٩٠. (٣) أورده البغوي في تفسيره ٤/ ٩٠ . (٤) لم نقف عليه. (٥) تفسير البغوي ٤/ ٩٠ . (٦) ديوان كعب بن مالك ص١٨٣. (٧) النكت والعيون ١٤١/٥ . ٣٢٥ سورة غافر: الآيات ١ - ٤ وإذا سَمَّيت سورةً بشيء من هذه الحروف أعربت؛ فتقول: قرأتُ ((حمّ)) فتنصب؛ قال الشاعر : يُذَكْرِنِي حاميم والرُّمح شاجِرٌ فهلَا تلا حاميمَ قَبْلَ التَّقدُّمِ(١). وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: ((حمّ)) بفتح الميم على معنى: اقرَأُ حم، أو لالتقاء الساكنين. وابن أبي إسحاق وأبو السَّمَّال بكسرها. والإمالة والكسر لالتقاء الساكنين(٢)، أو على وجه القسم. وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم. الباقون بالوصل. وكذلك في ﴿حَمّ عَسَقَ﴾ [الشورى: ١-٢]. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء. ورُوي عن أبي عمرو بين اللَّفظين، وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة. الباقون بالفتح مُشبعاً (٣). قوله تعالى: ﴿تَزِيلُ الْكِتَبِ﴾ ابتداء، والخبر ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِمِ﴾. ويجوز أن يكون ((تَنْزِيلُ)) خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا ((تَنْزِيلُ الْكِتَابِ)) (٤). ويجوز أن يكون ((حم) مبتدأ و((تَنْزِيلُ)) خبره، والمعنى: إن القرآنَ أنزله اللهُ، وليس منقولاً ولا مما يجوز أن يُكذَّب به. قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّبِ شَدِيدِ الْعِقَابٍ﴾ قال الفراء(٥): جعلها كالنعت للمعرفة، وهي نكرة. وقال الزجاج: هي خفضٌ على البدل(٦). النحاس(٧): (١) قائله شريح بن أبي أوفى العبسي، أورده البخاري قبل الحديث (٤٨١٥)، والطبري ٢٠/ ٢٧٥، وقيل: البيت الأشتر النخعي، وقيل غير ذلك، كما في فتح الباري ٨/ ٥٥٤ . (٢) قراءة عيسى بن عمر في إعراب القرآن للنحاس ٢٥/٤، وقراءة أبي السمّال في المحرر الوجيز ٥٤٦/٤ . (٣) السبعة ص٥٦٦، والتيسير ص١٩١، والنشر ٢/ ٧٠ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٥/٤ . (٥) في معاني القرآن ٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦/٤. (٦) معاني القرآن للزجاج ٣٦٦/٤، وفيه: ((غافرِ الذنب وقابل التوب)) على صفات الله، فأما خفض ((شديد العقاب)) فعلى البدل لأنه مما يوصف به النكرة. (٧) إعراب القرآن ٢٦/٤ . ٣٢٦ سورة غافر: الآيتان ٣ - ٤ وتحقيقُ الكلام في هذا وتلخيصُه أن ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوْبٍ﴾ يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لِمَا مضَى فيكونا نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين، ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا، ولكن يكون خَفْضُها على البدل، ويجوز النصب على الحال، فأما ((شديد العقابِ)) فهو نكرةٌ، ويكون خفضُه على البدل. قال ابن عباس: ((غَافِرِ الذَّنْبِ)) لمن قال: ((لا إله إلا الله)) ((وقَابِل الثَّوْبِ)) ممن قال: ((لا إله إلا الله)) ((شَدِيدِ العقابِ)) لمن لم يقل: ((لا إله إلا الله)) (١). وقال ثابت البُنَاني: كنتُ إلى سرادق مُصْعَب بن الزبير في مكان لا تمرُّ فيه الدوابُّ، قال: فاستفتحت ﴿حمّ تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فمر عليَّ رجلٌ على دابة، فلما قلت: ((غَافِرِ الذَّنْبِ)) قال: قل: يا غافرَ الذنب، اغفِرْ لي ذنبي، فلما قلت: ((قَابِلِ التوْبِ)) قال: قل: يا قابل التوب، تقبَّل توبتي، فلما قلت: ((شَدِيدٍ العقابِ)) قال: قلْ: يا شديدَ العقاب، اعفُ عني، فلما قلتُ: ((ذِي الطَّوْلِ)) قال: قل: يا ذا الطّول، ظُلْ عليّ بخير؛ فقمتُ إليه فَأُخِذَ ببصري، فالتفتُّ يميناً وشمالاً فلم أرَ شيئاً (٢). وقال أهلُ الإشارة: (غَافِرِ الذَّنْبِ)) فَضْلاً ((وَقَابِلِ التَّوبِ)) وعداً ((شَديدِ العِقَابِ)) عدلاً ((لا إله إلا هو إليه المصيرُ)) فرداً. ورُوي عن عمر بن الخطاب ﴾ أنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام؛ فقيل له: تتابعَ في هذا الشَّراب؛ فقال عمر لكاتبه: اكتبْ: من عمرَ إلى فلان، سلامٌ عليك، وأنا أحمدُ اللهَ إليك الذي لا إله إلا هو ﴿إِسْمِ أَقَِّ اَلَنِ الرَّحَةِ * حمّ تَغْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّبِ شَدِيدٍ الْمِقَابِ ذِى الَّوْلِ لَآ إَِهَ إِلَّ هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ثم ختمَ الكتابَ، وقال لرسوله: لا تدفَعْه إليه حتى تَجِدَهُ صاحياً، ثم أمر مَن عنده بالدُّعاء له بالتوبة، فلما أتَتْه الصحيفةُ جعل يقرؤها ويقول: (١) تفسير البغوي ٤/ ٩٠ . (٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٢٨ بنحوه. ٣٢٧ سورة غافر: الآيتان ٣ - ٤ قد وعدني الله أن يغفِرَ لي، وحذَّرني عِقابَه، فلم يبرحْ يُرَدِّدها حتى بكى، ثم نزع فأحسن النَّزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمرَ أمرُه قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أحدكم قد زلَّ زلَّةٌ، فسدِّدوه وادعوا اللهَ له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشیاطین علیه(١). و ((التَّوْب)) يجوز أن يكون مصدر تابَ يتوبُ تَوْباً، ويَحتمِلُ أن يكون جمعَ توبة، نحو دَوْمَة ودَوْم وعَزْمة وعَزْم؛ ومنه قوله: فَيَخْبو ساعَةً ويَهُبُّ ساعًا(٢) ويجوز أن يكون التوبُ بمعنى التوبة. قال أبو العباس: والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدراً؛ أي: يقبل هذا الفعل، كما تقول: قال قولاً، وإذا كان جمعاً فمعناه: يقبل التوبات . ﴿ذِى الَّوْلِ﴾ على البدل [لأنه نكرة] وعلى النعت، لأنه معرفة(٣). وأصل الطول الإنعام والفضل يقال منه: اللهم ◌ُلْ علينا، أي: أَنعم وتفضَّل. قال ابن عباس: ((ذِي الطَّوْلِ)) ذي النعم. وقال مجاهد: ذي الغنى والسَّعة (٤)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] أي: غِنّى وسَعَةً. وعن ابن عباس أيضاً: (ذِي الطَّوْلِ)) ذي الغِنى عمن لا يقول: لا إله إلا الله(٥). وقال عكرمة: ﴿ذِى الَّوْلِ﴾ ذي المَنّ(٦). قال الجوهري(٧): والطّوْل بالفتح المنّ؛ يقال منه: طال عليه وتطوَّل عليه، إذا (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤ / ٩٧ بنحوه. (٢) قائله القطامي، وهو في ديوانه ص٣٤ ، وصدره: وكنا كالحريق أصاب غابا. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٦/٤، وما بين حاصرتين منه. (٤) النكت والعيون ٥/ ١٤٢، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٧٨/٢٠ . (٥) تفسير البغوي ٤ / ٩٠ . (٦) النكت والعيون ٥/ ١٤٢. (٧) في الصحاح (طول). ٣٢٨ سورة غافر: الآيتان ٣ - ٤ امتنَّ عليه. وقال محمد بن كعب: ((ذِي الطَّوْلِ)) ذي التفضُّل؛ قال الماوردي(١): والفرق بين المَنِّ والتفضُّل أن المنَّ عفوٌ عن ذنب. والتفضل إحسانٌ غيرُ مُستَحَقٌ. والطّول مأخوذٌ من الطُول، كأنه طال بإنعامه على غيره. وقيل: لأنه طالت مُدَّة إنعامه. ﴿لَّ إَِهَ إِلَّ هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع. قوله تعالى: ﴿مَا يُجَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سجَّل سبحانه على المُجادِلين في آيات الله بالكُفر، والمراد الجِدالُ بالباطل؛ من الطّعن فيها، والقَصْد إلى إدحاض الحقِّ، وإطفاءِ نور الله تعالى. وقد دلَّ على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَدَلُواْ بِاَلْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ اَلْحَقَّ﴾ [غافر: ٥]. فأما الجِدال فيها لإيضاح مُلتبَسها، وحلِّ مُشْكِلها، ومُقادحة أهل العلم في استنباط مَعانيها، وردِّ أهل الزَّيْغ بها وعنها، فأعظمُ جهاد في سبيل الله. وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة)) عند قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِثَرَِّمَ فِ رَبِّهِ﴾﴾ [الآية: ٢٥٨] مستوفى. ﴿فَلَ يَغْرُرْكَ﴾ وَقُرئ: ((فَلَا يَغُرَّكَ))(٢)، ﴿تَقَلُُّهُمْ﴾ أي: تصرُّفهم ﴿فِ الْبِلَدِ﴾ فإني وإن أَمهلتُهم لا أُهمِلُهم، بل أُعاقبهم. قال ابن عباس: يُريد تجارتهم من مكة إلى الشام وإلى اليمن. وقيل: ((لَا يَغْرُرْكَ)) ما هم فيه من الخير والسَّعة في الرزق، فإنه متاعٌ قليلٌ في الدنيا. وقال الزجاج(٣): (لَا يَغْرُرْكَ)) سلامتُهم بعد كُفرهم، فإن عاقبتهم الهَلاك. وقال أبو العالية: آيتان ما أشدّهما على الذين يُجادلون في القرآن: قوله: ﴿مَا يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِ اَلْكِتَبِ لَبِ شِقَاقٍِ بَيِدٍ﴾(٤) [البقرة: ٦/ (١) في النكت والعيون ٥/ ١٤٢، وقول محمد بن كعب الذي قبله منه. (٢) قرأ بها زيد بن علي وعبيد بن عمير، كما في البحر المحيط ٤٤٩/٧ . (٣) في معاني القرآن ٣٦٦/٤ . (٤) تفسير البغوي ٤ / ٩١ . ٣٢٩ سورة غافر: الآيات ٥ - ٩ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَّلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوَةٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَثُ رَيْكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾ الَّذِينَ ۵ يْلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ اَلْجِ ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَّتِى وَعَدَتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآَبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُّ وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُ﴾﴾ على تأنيث الجماعة، أي: كذَّبتِ الرُّسُلَ(١). ﴿وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: والأُمم الذين تحزَّبوا على أنبيائهم بالتكذيب، نحو عاد وثمود فَمن بعدَهم (٢). ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُدُوّةٌ﴾ أي: ليحبسوه ويُعذِّبوه. وقال قتادة والسُّدِّي: لِيقتلوه (٣) والأَخْذُ يَرِد بمعنى الإهلاك؛ كقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرٍ﴾ [الحج: ٤٤]. والعرب تُسمِّي الأَسيرَ الأخيذ؛ لأنه مأسورٌ للقتل؛ وأنشد قطرب قول الشاعر: فإمَّا تأخُذونِي تَقْتُلوني فكّمْ مِنْ آخِذٍ يَهْوَى خُلودِي (٤) وفي وقت أَخذهم لرسولهم قولان: أحدهما: عند دعائه لهم. الثاني: عند نزول (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٦/٤ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٩١ . (٣) النكت والعيون ١٤٣/٥. (٤) جاء الشطر الثاني في النسخ الخطية: ومن أخذ فليس إلى خلودي، وضبط في (ز): أَخْذٍ، ووضع عليها (صح). والمثبت من (م)، وهو كذلك في الدر المصون ٩/ ٤٥٨ ، والبيت أورده الماوردي في النكت والعيون ١٤٣/٥ (والكلام منه) وعجز البيت فيه: ومن يأخذ فليس إلى خلودي. ٣٣٠ سورة غافر: الآيات ٥ - ٩ العذاب بهم. ﴿وَجَدَلُواْ بِاَلْبَطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: لِيُزيلوا. ومنه: مكان دَخْض، أي: مَزْلَقةٍ(١)، والباطل داحض؛ لأنه يَزْلَق ويَزِلّ فلا يستقر. قال يحيى بن سلّام: جادَلوا الأنبياء بالشِّرك لِيبطلوا به الإيمان(٢). ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب. ﴿فَكَفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ أي: عاقبة الأُمم المُكذِّبة. أي: أليس وجدوه حقًّا؟ !. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أي: وجبت ولَزِمتْ؛ مأخوذٌ من الحق لأنه اللازم(٣). ﴿كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ هذه قراءةُ العامة على التوحيد. وقرأ نافع وابن عامر: ((كَلِمَاتُ)) جمعاً (٤). ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوَا أَنَّهُمْ﴾ قال الأخفش(٥): أي: لأنهم وبأنهم. قال الزجاج: ويجوز: إنهم بكسر الهمزة(٦). ﴿أَضْحَبُ النَّارِ﴾ أي: المُعذَّبون بها، وتمَّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: ﴿ الَّذِينَ يَحْلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ويُروى: أن حَمَلَة العرش أرجلُهم في الأرض السُّفلى ورؤوسهم قد خَرقت العرش، وهم خشوعٌ لا يرفعون طَرْفهم، وهم أشرافُ الملائكة وأفضلُهم. ففي الحديث: ((إن الله تبارك وتعالى أمرَ جميعَ الملائكة أن يَغْدُوا ويروحوا بالسَّلام على حَمَلةِ العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة))(٧). ويقال: خلقَ اللهُ العرشَ من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خَفَقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل: حولَ العرش سبعون ألف صفٍّ من الملائكة (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٦/٤ . (٢) النكت والعيون ١٤٤/٥ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٦/٤ . (٤) السبعة ص ٥٦٧ ، والتيسير ص ١٢٢ . (٥) في معاني القرآن ٢/ ٦٧٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦/٤ وما بعده منه. (٦) يعني في اللغة لا في التلاوة، والكلام في معاني القرآن للزجاج ٤/ ٣٦٧ . (٧) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٥، ولم نقف عليه عند غيره. ٣٣١ سورة غافر: الآيات ٦ - ٩ يَطوفون به مُهَلِّلين مُكَبِّرين، ومِن ورائهم سبعون ألف صفٍّ قيام، قد وَضَعوا أيديهم على عواتقهم، ورافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومِن ورائهم مئة ألف صفٍّ، قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يُسبِّح بما لا يُسبِّح(١) به الآخر. وقرأ ابن عباس: ((العُرْش)) بضم العين(٢)؛ ذگر جميعه الزمخشري رحمه الله. وقيل: اتصل هذا بذكر الكفار؛ لأن المعنى - والله أعلم -: ﴿الَِّينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ يُنزِّهون الله عزَّ وجلَّ عما يقوله الكفار ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: يسألون لهم المغفرة من الله تعالى(٣). وأقاويلُ أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مُجَسَّم خلقه اللهُ عزّ وجلّ، وأمرَ ملائكةٌ بحمله، وتَعَّدهم بتعظيمه والطّوافِ به؛ كما خلق في الأرض بيتاً وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة(٤). وروى ابن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسولُ اللـه﴾: ((أُذِنَ لي أنْ أُحَدِّثَ عن مَلَكِ من ملائكة الله من حَمَلة العرش ما بين شحمةِ أُذنه إلى عاتقه مسيرُ سبع مئة عام)) ذكره البيهقي(٥)، وقد مضى في ((البقرة)) في آية الكرسي عِظَم العرش، وأنه أعظمُ المخلوقات(٦). وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن كعب الأحبار أنه قال: لما خَلَقَ اللهُ تعالى العرشَ قال: لن يخلقَ اللهُ خلقاً أعظمَ مني؛ فاهتزَّ فطوَّقه الله بحية، للحية (١) في النسخ الخطية: بما سبّح، والمثبت من (م)، وهو الموافق للكشاف ٣/ ٤١٥ ، والكلام منه كما سيذكر المصنف. (٢) القراءات الشاذة ص ١٣٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٦/٤-٢٧ . (٤) الأسماء والصفات ٢/ ٢٧٢ . (٥) في الأسماء والصفات (٨٤٦). (٦) ٤/ ٢٧٥ وما بعدها. ٣٣٢ سورة غافر: الآيات ٧ - ٩ سبعون ألفٍ جناح، في الجناح سبعون ألفِ ريشة، في كلِّ ريشة سبعون ألف وجه، في كلِّ وجه سبعون ألف فم، في كلِّ فم سبعون ألف لسان. يخرجُ من أفواهها في كلِّ يوم من التسبيح عَدَدَ قَطْر المطر، وعددَ ورق الشجر، وعددَ الحصى والثرى، وعددً أيام الدنيا، وعددَ الملائكة أجمعين، فالتّوَت الحيةُ بالعرش، فالعرشُ إلى نصف الحية وهي ملتوية به(١) وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظُلْمة، وحجاب نور وحجاب ظُلمة(٢). ﴿رََّا﴾ أي: يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا﴾ أي: وَسِعَتْ رحمتُك وعِلْمُك كلَّ شيء، فلما نقل الفعل عن الرحمة والعلم نصب على التفسير (٣). ﴿فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ أي: من الشِّرك والمعاصي ﴿ وَأَنَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ أي: دين الإسلام. ﴿وَفِهِمْ عَذَابَ الْجَم﴾ أي: اصرفه عنهم حتى لا يَصِلَ إليهم. قال إبراهيم النخعي: كان أصحابُ عبد الله يقولون: الملائكةُ خيرٌ من ابن الكَوَّاء؛ هم يستغفرون لمن في الأرض وابن الكَوَّاء يشهد عليهم بالكفر (٤)، قال إبراهيم: وكانوا يقولون: لا يَحْجُبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مُطَرِّف ابن عبد الله: وجدنا أنصحَ عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغشَّ عبادِ الله لعباد الله الشيطان، وتلا هذه الآية(٥). وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها، فما في العالم جنةٌ أرجى منها؛ إنَّ مَلَكاً واحداً لو سأل الله أن يغفرَ لجميع المؤمنين لَغْفَرَ لهم، كيف (١) هذا الخبر من الإسرائيليات التي يرويها كعب الأحبار عن كتب أهل الكتاب. (٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٥٦). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٤، وتفسير البغوي ٩٣/٤ بنحوه. (٤) أخرجه أبو عبيد وابن المنذر كما في الدر المنثور ٣/٦، وعبد الله هو ابن مسعود ﴾، وابن الكوَّاء رجل من الخوارج، كما في تفسير أبي الليث ١٦٢/٢ والخبر فيه. (٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٧٨/٢ -١٧٩ . ٣٣٣ سورة غافر: الآيات ٧ - ٩ وجميعُ الملائكة وَحَملةُ العرش يستغفرون للمؤمنين. وقال خلف بن هشام البزار القارئ: كنتُ أقرأُ على سليم بن عيسى فلما بلغتُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بكى، ثم قال: يا خلف، ما أكرمَ المؤمن على الله، نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدّنٍ﴾ يُروى أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن. قال: قصورٌ من ذهب في الجنة يدخلُها النبيُّون والصِّدِّيقون والشهداء وأئمةُ العدل(١). ﴿الَّتِى وَعَدَتَّهُمْ﴾ ((التي)) في محل نصب نعتاً للجنات. ﴿وَمَن صَلَحَ﴾ ((مَنْ)) في محل نصب عطفاً على الهاء والميم في قوله: ((وَأَدْخِلْهُم))(٢). ((وَمَنْ صَلَحَ)) بالإيمان. ﴿مِنْ ءَِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ﴾ وقد مضى في ((الرعد)) نظيرُ هذه الآية(٣). قال سعيد ابن جُبير: يدخلُ الرجلُ الجنة، فيقول: يا رب، أين أبي وجدِّي وأمي؟ وأين ولدي وولدُ ولدي؟ وأين زوجاتي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا كعملك؛ فيقول: يارب، كنتُ أعملُ لي ولهم؛ فيقال: أَدخِلوهم الجنة. ثم تلا: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرَِّتِهِمْ﴾ (٤). وَيقرُبُ من هذه الآية قوله: ﴿والَّذين آمَنُوا وأَتْبعناهم ذُرِّيَّاتِهِم بإيمانٍ الْحَقْنا بهمِ ذُرِّيَّاتهم﴾(٥) [الطور: ٢١]. قوله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ قال قتادة: أي: وَقِهم ما يسوءهم، وقيل: التقدير: وَقِهم عذابَ السيئات(٦)، وهو أمْرٌ من: وَقَاه الله يَقِيه وقايةً؛ بالكسر؛ أي: حَفِظَه . ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: بدخول الجنة ﴿ وَذَلِكَ هُوَ أَلْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ﴾ أي: النجاة الكبيرة. (١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٧٨/٢ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٧ . (٣) ١٢ / ٦٠. (٤) أخرجه الطبري ٢٨٦/٢٠ . (٥) هذه قراءة أبي عمرو. السبعة ص٦١٢، والتيسير ص٢٠٣ . (٦) المحرر الوجيز ٥٤٨/٤ بنحوه. ٣٣٤ سورة غافر: الآيات ١٠ - ١٢ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَّمَقْتُ اَللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ قَالُوا رَبَّنَّا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾) أَنْتَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ١ ذَلِكُم بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِ اَلْكَبِيرِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن ◌َقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ قال الأخفش(١): ((لَمَقْتُ)) هذه لام الابتداء وقعت بعد ((يُنَادَوْنَ)) لأن معناه: يقال لهم، والنداء قول. وقال غيره: المعنى: يقال لهم: ((لَمَقْتُ اللهِ)) إيَّاكم في الدنيا ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَنِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ((أَكْبَرُ)) من مقت بعضِكم بعضاً يومَ القيامة؛ لأن بعضَهم عادَى بعضاً وَمقَتَّهُ يومَ القيامة، فأذعنوا عند ذلك، وخَضَعوا وطلبوا الخُروجَ من النار(٢). وقال الكلبي: يقول كلُّ إنسان من أهل النار لنفسه: مَقَتُّكِ يا نفس؛ فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لَمقتُ الله إيَّاكم إذ أنتم في الدنيا وقد بُعِثَتْ(٣) إليكم الرُّسل فلم تؤمنوا أشدُّ من مَقْتكم أَنْفُسَكم اليوم. وقال الحسن: يُعْطَون كتابَهم، فإذا نظروا إلى سيئاتكم مقتوا أنفسهم، فينادون (لَمَقْتُ الله)) إيَّاكم في الدنيا ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ اليوم. وقال معناه مجاهد(٤). وقال قتادة: المعنى: (لَمَقْتُ اللهِ)) لكم ((إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ» («أكبرُ مِنْ مَفْتِكُمْ أنْفُسَكُمْ» إذ عاينتم النار(٥). فإن قيل: كيف يَصِحُّ أن يَمِقُتوا أنْفُسَهم؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنهم أحلوها بالذُّنوب محلَّ (١) في معاني القرآن ٢/ ٦٧٥ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٤ . (٣) في (م): بعث. (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٠٦/٦-٢٠٧ . (٥) أخرج قول مجاهد بنحوه وقول قتادة الطبري ٢٨٨/٢٠ . ٣٣٥ سورة غافر: الآيات ١٠ - ١٢ الممقوت. الثاني: أنهم لما صاروا إلى حال زال عنهم الهوى وعلموا أن نفوسَهم هي التي أُوْبقتهم(١) في المعاصي مَقَتُوها(٢). وقال محمد بن كعب القُرَظي: إنَّ أهل النار لمَّا يَئِسوا مما عند الخَزَنةِ وقال لهم مالك: ﴿إِنَّكُر ◌َّكِنُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] على ما يأتي. قال بعضُهم لبعض: يا هؤلاء، إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون، فهلمَّ فلنصبر، فلعلَّ الصبر ينفعنا كما صبر أهلُ الطاعة على طاعة الله، فنفعهم الصبرُ إذ صبروا، فأجمعوا رأيَهم على الصبر، فصبروا، فطال صبرُهم، ثم جَزِعوا فنادَوْا ﴿سَوَّءُ عَلَيْنَآَ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَّنَا مَا لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ﴾ أي: من ملجأ؛ فقال إبليسُ عند ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ لَّْ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَّ أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُضْرِفِىٌ﴾ يقول: بمغنٍ عنكم شيئاً ﴿إِنّ كَفَرْتُ بِمَّا لَثْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] فلما سَمِعوا مَقَالتَه مَقَّتُوا أنْفُسَهم. قال: فَنُودوا: ﴿لَمَقْتُ اَللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوّنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجَ مِّن سَبِيلٍ﴾ قال: فردَّ عليهم: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَلْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ اَلْكَبِيرِ﴾ ذكره ابن المبارك(٣). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ﴾ اختلف أهلُ التأويل في معنى قولهم: ﴿أَمَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ فقال ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم، ثم أماتَهم المَوْتةَ التي لابدَّ منها في الدنيا، ثم أحیاهم للبعث والقيامة، فهاتان حياتان وموتتان، وهو قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَخْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. (١) في (م): أبقتهم. (٢) النكت والعيون ١٤٥/٥- ١٤٦ . (٣) وأخرجه الطبري ٦٢٧/١٣ و٦٣١ من طريق ابن المبارك. ٣٣٦ سورة غافر: الآيات ١١ - ١٢ وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أَحياهم في قبورهم (١) للمسألة، ثم أُميتوا، ثم أُحيوا في الآخرة(٢). وإنما صار إلى هذا؛ لأن لفظَ الميت لا ينطلق في العُرف على النطفة . واستدلَّ العلماء من هذا في إثبات سؤال القبر، ولو كان الثوابُ والعقابُ للروح دون الجسد، فما معنى الإحياء والإماتة؟ والروحُ عند من يقصر أحكامَ الآخرة على الأرواح لا تموتُ ولا تتغير ولا تفسدُ، وهو حيٍّ لنفسه لا يتطرّق إليه موتٌ ولا غشية ولا فَناء. وقال ابن زيد في قوله: ﴿رَبََّّآ أَتَّنَا أَثْنَيْنِ﴾ الآية قال: خلقَهم في ظهر آدم، وأخرجهم(٣) وأحياهم، وأخذَ عليهم الميثاق، ثم أماتَهم، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم(٤). وقد مضى هذا في ((البقرة))(٥). ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف ونَدِمُوا حين لا ينفع(٦) النَّدم. ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ أي: هل نُرَدُّ إلى الدنيا لِنعملَ بطاعتك؛ نظيره: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]، وقوله: ﴿فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقوله: ﴿يَلَيْلَنَا نُرَةُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٧]. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ﴾ ((ذلكم)) في موضع رفع، أي: الأمر ((ذَلِكُمْ)) أو ((ذَلِكُم)) العذاب الذي أنتم فيه بكفركم. وفي الكلام متروٌ تقديره: فأُجيبوا بأن لا سبيل إلى الردّ. وذلك لأنكم ((إذا دُعِيَ الله)) أي: وُحِّدَ الله (١) في (م): القبور. (٢) أخرج الأقوال السالفة الطبري ٢٩٠/٢٠- ٢٩٢. (٣) في النسخ الخطية: واستخرجهم، والمثبت من (م). (٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٩/٤ بنحوه، وقال: هذا قول ضعيف، لأن الإحياء فيه ثلاث مرات. (٥) ٣٧٤/١-٣٧٥. (٦) في (م): حيث لا ينفعهم. ٣٣٧ سورة غافر: الآيات ١٢ - ١٧ (وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ)) وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، وإن أشرك به مشركٌ صدَّقتموه وآمنتم بقوله(١). قال الثعلبي: وسمعتُ بعضَ العلماء يقول: ﴿وَإِن يُشْرَكَ بِهِ.) بعد الردّ إلى الدنيا لو كان ﴿تُؤْمِنُواْ﴾ تُصَدِّقوا المُشرِك؛ نظيره: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنّهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿فَلُكّمُ لِلَّهِ آلْعَلِي الگپیرِ﴾ عن أن یکون له صاحبة أو ولد. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًاْ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِبُ ﴿ فَدْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ (١) رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُنَذِرَ يَوْمَ يَوْمَ هُمْ بَِزُونٌّ لَا يَخْفَ عَلَى الَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌّ لِلَّهِ الْوَِدِ النَّلَاقِ القھارِ أَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا مُظْلَمَ اَلْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الِسَابِ قوله تعالى: ﴿هُوَ أَّذِى يُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ،﴾ أي: دلائلَ توحيده وقُدرته ﴿وَيُنَزِّكُ لَكُمْ ◌ِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ جَمَعَ بين إظهارِ الآيات وإنزال الرِّزق؛ لأن بالآيات قِوام الأديان، وبالرِّزق قِوامَ الأبدان. وهذه الآياتُ هي السماوات والأرضون وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والبحار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هَلَكوا. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي: ما يَتَّعِظُ بهذه الآياتِ، فيوحِّد الله ﴿إِلَّ مَن يُنِيبُ﴾ أي: يرجع إلى طاعة الله ﴿فَدْعُواْ اللَّهَ﴾ أي: اعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ أي: العبادة. وقيل: الطاعة(٢). ﴿وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ عبادةَ الله، فلا تعبدوا أنتم غيرَه. قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (ذُو العَرْش)) على إضمار مبتدأ. قال (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٩٣ . (٢) تفسير البغوي ٤ / ٩٤ بنحوه. ٣٣٨ سورة غافر: الآيات ١٥ - ١٧ الأخفش(١): ويجوز نصبُه على المدح . ومعنى ((رَفِيعُ الدَّرَجات)) أي: رفيع الصِّفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن جُبير: رَفَعَ(٢) السماواتِ السَّبع. وقال يحيى بن سلَّام: هو رفعه درجات(٣) أوليائه في الجنة. فـ((رَفِيعُ)) على هذا بمعنى رافع؛ فَعِيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه: الذي لا أرفع قدراً منه، وهو المُستَحِقُّ لدرجات المَذْحِ والثناء، وهي أصنافُها وأبوابها لا مُستَحِقَّ لها غيره؛ قاله الحَلِيمي(٤). وقد ذكرناه في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٥) والحمد لله. (ذُو العَرْشِ)) أي: خالقه ومالِكْه، لا أنه مُحتاج إليه. وقيل: هو من قولهم: ثُلَّ عرشُ فلان، أي: زال مُلكه وعِزُّه(٦)، فهو سبحانه ((ذُو العَرْش)) بمعنى ثبوت مُلكه وسُلطانه، وقد بيَّناه في ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٧). ﴿يُلْقِى الرُّوحَ﴾ أي: الوحي والنبوة ﴿عَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وسُمِّي ذلك روحاً لأن الناس يَحيون به؛ أي: يَحيَوْن من موت الكفر كما تحيا الأبدانُ بالأرواح(٨). وقال ابن زيد: الرُّوح القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَاْ﴾(٩) [الشورى: ٥٢]. وقيل: الروح جبريل؛ قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٤]، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَتُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحِ﴾ [النحل: ١٠٢]. ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: من قوله. وقيل: من قَضائه. وقيل: ((مِنْ)) بمعنى الباء، أي: (١) في معاني القرآن ٦٧٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الناس في إعراب القرآن ٢٨/٤ . (٢) في النسخ: رفيع، والمثبت من النكت والعيون ١٤٧/٥. والكلام منه. (٣) في (م): رفعة درجة. (٤) في المنهاج في شعب الإيمان ١/ ١٩٠ . (٥) ص ١٧٧ . (٦) الصحاح (عرش) بنحوه. (٧) ص ١٨٣. (٨) تفسير البغوي ٤/ ٩٤ . (٩) أخرجه الطبري ٢٩٥/٢٠ . ٣٣٩ سورة غافر: الآيات ١٥ - ١٧ بأمره(١). ﴿عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِيَّةٍ﴾ وهم الأنبياءُ، يشاء هو أن يكونوا أنبياءً، وليس لأحد فيهم مشيئة. ﴿لِنْذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ﴾ أي: إنما يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله: ((لِيُنْذِرَ)) يرجع إلى الرسل(٢). وقيل: أي: لينذر اللهُ ببعثه الرُّسلَ إلى الخلائق ((يَوْمَ الثَّلَاقِ)). وقرأ ابن عباس والحسن وابن السَّمَيْفَعِ: ((لِتُنْذِرَ)) بالتاء خطاباً للنبي عليه الصلاة والسلام(٣). (يَوْمَ التَّلَاقِ)) قال ابن عباس وقتادة: يوم تلتقي أهلُ السماء وأهل الأرض. وقال قتادة أيضاً وأبو العالية ومقاتل: يلتقي فيه الخَلْق والخالق. وقيل: العابدون والمعبودون. وقيل: الظالم والمظلوم. وقيل: يَلْقى(٤) كل إنسان جزاءً عمله. وقيل: يلتقي الأولون والآخرون على صعيدٍ واحد؛ رُوي معناه عن ابن عباس(٥). وكلُّه صحیح المعنى. ﴿يَوْمَ هُم بَِزُونَ﴾ يكون بدلاً من ((يوم)) الأول(٦). وقيل: ((هم)) في موضع رفع بالابتداء، و((بَارِزُونَ» خبرُه، والجملة في موضع خفض بالإضافة؛ فلذلك حذف التنوين من ((يومَ)) وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا كان الظرف بمعنى إذ؛ تقول: لقيتك يومَ زيدٌ أميرٌ. فإن كان بمعنى إذا لم يَجُزْ، نحو: أنا ألقاك يومَ زيدٌ أميرٌ (٧). ومعنى ((بَارِزُونَ)) خارجون من قبورهم لا يسترهم شيءٍ (٨)؛ لأن الأرضَ يومئذ (١) زاد المسير ٣١٠/٧-٣١١. (٢) في (م): الرسول. (٣) القراءات الشاذة ص١٣٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٨/٤. (٤) في النسخ الخطية: يلتقي، والمثبت من (م). (٥) هذه الأقوال في النكت والعيون ١٤٨/٥، وتفسير البغوي ٩٤/٤، وزاد المسير ٣١١/٧ . (٦) المحرر الوجيز ٥٥١/٤ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٨/٤. (٨) تفسير البغوي ٥/ ٩٤ . ٣٤٠ سورة غافر: الآيات ١٦ - ١٧ قاع صفصف، لا عوج فيها ولا أمْتًا على ما تقدَّم في ((طه)) بيانه(١). ﴿لَا يَخْفَ عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾ قيل: إن هذا هو العامل في ((يومَ هم بارِزُون))، أي: لا يخفى عليه شيء منهم ومن أعمالهم ((يوم هم بارِزُونَ))(٢). ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ﴾ وذلك عند فَناء الخَلْقِ. وقال الحسن: هو السائل تعالى وهو المُجيبُ(٣)؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد يُجيبه، فَيُجيب نَفْسه سبحانه فيقول: ﴿اللَّهِ اٌلْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾. النحاس(٤): وأصحُّ ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يُحشَرُ الناسُ على أرض بيضاء مثل الفضة لم يُعْصَ اللهُ جلّ وعزّ علیھا، فیؤمر منادٍ ينادي: (لِمَن المُلْكُ اليوم)) فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: ((للهِ الواحدِ القَّارِ)) فيقول المؤمنون هذا سروراً وتلذُّذاً، ويقول الكافرون غمًّا وانقياداً وخضوعاً. فأما أن يكون هذا والخَلْقِ غير موجودين فبعيد؛ لأنه لا فائدةَ فيه، والقولُ صحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يُؤخذ بالقياس ولا بالتأويل. قلت: والقولُ الأول ظاهرٌ جدًّا؛ لأن المقصودَ إظهارُ انفراده تعالى بالمُلك عند انقطاع دعاوى المُدَّعين وانتساب المُنتسبين؛ إذ قد ذهب كلُّ مَلِك ومُلْكه ومُتكبِّر ومُلكه، وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودلَّ على هذا قولُه الحقّ عند قَبْضٍ الأرواح وطيّ السماء: ((أنا الملِك، أين ملوكُ الأرض)) كما تقدَّم في حديث أبي هريرة(٥)، وفي حديث ابن عمر: ((ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبّارون، أين المتكبِّرون))(٦). وعنه: قوله سبحانه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ﴾ هو انقطاعُ زمن الدنيا وبعدَه يكون البعثُ والنَّشْر. (١) ١٣٦/١٤ وما بعدها. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥٥١ بنحوه. (٣) المصدر السابق. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٨/٤-٢٩ . (٥) ٢١٨/١ و٣٠٨/١٨، وهو عند البخاري (٧٣٨٢)، ومسلم (٢٧٨٧). (٦) أخرجه البخاري (٧٤١٢)، ومسلم (٢٧٨٨).