Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ سورة ص : الآية ٤٤ وجل يعلم أني كنتُ أَمُرُّ على الرجلين يتزاعمان، فكلٌّ يحلف بالله، أو على النَّفر يتزاعمون، فأَنقلب إلى أهلي، فأُكفّر عن أيمانهم إرادةَ ألاّ يأثم أحدٌ يذكره، ولا يذكره إلا بحقّ فنادى ربَّه: ﴿أَنَّ مَسَِّىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ وذكر الحديث(١). فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع أيوب، وأن من كفَّر عن غيره بغير إِذْنه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه الكفارة. السادسة: استدلَّ بعض جُهَّال المتزهِّدة؛ وطَغَام المتصوّفة بقوله تعالى لأيوب: ﴿أَرَكُضْ بِلٌِ﴾ على جواز الرَّقْص. قال أبو الفرج الجوزي(٢): وهذا احتجاجٌ بارد؛ لأنه لو كان أُمِرَ بضرب الرِّجل فرحاً كان لهم فيه شُبهة، وإنما أُمِرَ بضرب الرِّجل لِينَبَعَ الماء. قال ابن عَقيل: أين الدلالة في مُبتلّى أُمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لِينبَعَ الماءُ إعجازاً من الرَّقص؟!، ولئن جاز أن يكون تحريكُ رِجْل قد أنحلها تحكّم الهوامّ دلالة على جواز الرقص في الإسلام، جاز أن يُجعلَ قولُه سبحانه لموسى: ﴿أَخْرِبِ بِّعَصَاكَ الْحَجِّ﴾ دلالةً على ضرب الجماد(٣) بالقُضبان! نعوذ بالله من التلاعب بالشّرع. وقد احتجَّ بعضُ قاصِريهم بأنَّ رسولَ اللـه :﴿ قال لعليّ: ((أنت منّي وأنا منك)) فحَجَلَ، وقال لجعفر: ((أشبهت خَلْقي وخُلُقي)) فَحَجل، وقال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)) فَحَجل(٤). ومنهم من احتجَّ بأنَّ الحبشة زَفَنت والنبي# ينظر إليهم(٥). والجواب - أما (١) سلف مطولاً ٢٦٠/١٤، ينظر الكلام عليه ثمة، وسلف مختصراً ص ٢١٧ من هذا الجزء. (٢) في تلبيس إبليس ص٢٤٩ . (٣) في (د) و(ز): المخاد، وفي (م): المحاد، والمثبت من تلبيس إبليس. (٤) أخرجه أحمد (٧٧٠) و(٨٥٧) من حديث علي ، وإسناده حسن دون ذكر الحجل، فقد تفرد بذكره هانئ بن هانئ، ومثله لا يحتمل تفرده. (٥) أخرجه أحمد (٢٤٨٥٤)، وبنحوه البخاري (٤٥٤)، ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة رضي الله عنها ... ٢٢٢ سورة ص : الآية ٤٤ الحَجْل فهو نوع من المشي يُفعَل عند الفرح، فأين هو والرقص؟!، وكذلك زَفْن الحبشة نوعٌ من المشي يُفعل عند اللِّقاء للحرب. السابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْتَهُ صَاِراً﴾ أي: على البلاء. ﴿نِعْمَ الْعَبْدِّ إِنَّهُ؟ أَوَّابُ﴾ أي: تؤَّاب رجَّاع مُطيع. وسُئل سفيان عن عبدين ابتُلي أحدُهما فصبر، وأُنعم على الآخر فشكر؛ فقال: كلاهما سواء؛ لأن الله تعالى أثنى على عبدين، أحدهما صابر والآخر شاكر ثناءً واحداً؛ فقال في وصف أيوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّبُ﴾ وقال في وصف سليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدِّ إِنَّهُ: أَوََّبُ﴾(١) [ص: ٣٠]. قلت: وقد ردَّ هذا الكلامَ صاحبُ ((القوت))(٢) واستدلَّ بقصة أيوب في تفضيل الفقير على الغنيّ وذكر كلاماً كثيراً شيّد به كلامَه، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع من كتاب ((منهج العباد ومَحجَّة السالكين والزُّهاد))، وخَفِيَ عليه أن أيوب عليه السلام كان أحدَ الأغنياء من الأنبياء قبل البلاء وبعده، وإنما ابتُلي بذهاب ماله وولده وعظيم الداء في جسده، وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه صبروا على ما به امتُحِنوا وفُتِنوا. فأيوب عليه السلام دخل في البلاء على صفة، فخرج منه كما دخل فيه، وما تغيَّر منه حال ولا مقال، فقد اجتمع(٣) مع أيوب في المعنى المقصود، وهو عدمُ التغيُّر الذي يفضل فيه بعض الناس بعضاً. وبهذا الاعتبار يكون الغنيُّ الشاكر والفقير الصابر سواء. وهو كما قال سفيان. والله أعلم. وفي حديث ابن شهاب عن النبي #: ((إنَّ أيوبَ خرج لِمَا كان يخرج إليه من حاجته فأوحى الله إليه: ﴿أَرَكُضْ بِرْلِكٌ هَذَا مُعْتَلٌ بَرِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاغتسل، فأعاد اللهُ لحمه وشعره وبَشَره على أحسن ما كان، ثم شَرِبَ، فأذهب الله كلَّ ما كان في جوفه من ألَم أو ضَعْف، وأنزل اللهُ عليه ثوبين من السماء أبیضین فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ثم أقبل يمشي إلى منزله ورَاثَ(٤) على امرأته، فأقبلتْ حتى لقيته، وهي لا تعرفه، (١) ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب ٢٠٢/١ ونسبه لبعض القدماء. (٢) ٢٠٢/١-٢٠٣. (٣) يعني سليمان عليه السلام. (٤) أي: أبطأ. القاموس (ريث). ٢٢٣ سورة ص : الآيات ٤٤ - ٤٧ فسلَّمتْ عليه وقالت: أي يرحمك الله، هل رأيتَ هذا الرجل المُبتَلَى؟ قال: من هو؟ قالت: نبيُّ الله أيوب، أما والله، ما رأيتُ أحداً قط أشبهَ به منك إذ كان صحيحاً. قال: فإني أیوبُ، وأخذ ضِغْئاً فضربها به)). فزعم ابن شهاب أن ذلك الضِّغْث كان ثُماماً (١). وردّ الله إليه أهله ومِثْلَهم معهم، فأقبلت سحابةٌ حتى سَجَلتْ في أَنْدَرٍ(٢) قمحِهِ ذهباً حتى امتلأ، وأقبلت سحابةٌ أُخرى إلى أنْدَر شعيره وقطانِيه(٣)، فسَجَلت فيه وَرِقاً حتى امتلأ (٤). إِنَّآ قوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرٌ عِبَدَنَا إِنَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ٠ ٤٧ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَغْيَارِ ٤٦ أَغْلَضَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الَّارِ قوله تعالى: ﴿وَذَكُرْ عِبَدَنَآ إِنََّهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ وقرأ ابن عباس: ((عَبْدَنا)) بإسناد صحيح؛ رواه ابن عُيَينة عن عمرو عن عطاء عنه(٥)، وهي قراءةُ مجاهد وحُميد وابن مُحَيْصن وابن كثير (٦)؛ فعلى هذه القراءة يكون ((إبراهيم)) بدلاً من ((عبدنا)) و﴿ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ عطف. والقراءة بالجمع أبين، وهي اختيار أبي عُبيد وأبي حاتم، ويكون ((إبراهيم)) وما بعده على البدل. النحاس(٧): وشرحُ هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيتُ أصحابَنا زيداً وعمراً وخالداً، فزيد وعمرو وخالد بدل، وهم الأصحاب، وإذا قلت: رأيتُ صاحبنا زيداً (١) الثُّمام: عشب من الفصيلة النجيلية. المعجم الوسيط (ثمم). (٢) الأندر: البيدر. القاموس (ندر). وسجل الماء: صَّه صبًّا متصلاً. المعجم الوسيط (سجل). (٣) القطاني: الحبوب التي تدخر كالحِمَّص والعدس والباقلا .. معجم متن اللغة (قطن). (٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٧٩) (زوائد نعيم)، وسلف قسم منه ١٤/ ٢٦٠، ينظر تتمة تخريجه ثمة. (٥) أخرجه الطبري ٢٠/ ١١٤ . (٦) السبعة ص٥٥٤، والتيسير ص١٨٨ . (٧) إعراب القرآن ٣/ ٤٦٦، وينظر ما قبله فيه. ٢٢٤ سورة ص : الآيات ٤٥ - ٤٧ وعمراً وخالداً، فزيدٌ وحدَه بدل، وهو صاحبنا، وعمرو وخالد(١) عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلا بدليلٍ غيرِ هذا، غير أنه قد علم أن قوله: ﴿وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ داخل في العبودية. وقد استدلَّ بهذه الآية من قال: إن الذبيح إسحاق لا إسماعيل(٢)، وهو الصحيح(٣) على ما ذكرناه في كتاب ((الإعلام بمولد النبي عليه السلام)). ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾ قال النحاس(٤): أما ((الأَبْصَار)) فمتفقٌ على تأويلها أنها البصائر في الدين والعلم. وأما ((الأيدي)) فمختلفٌ في تأويلها؛ فأهلُ التفسير يقولون: إنها القوّة في الدين. وقوم يقولون: ((الأيدي)) جمعُ يد، وهي النعمة؛ أي: هم أصحاب النّعم؛ أي: الذين أنعم الله عز وجل عليهم. وقيل: هم أصحاب النِّعم والإحسان؛ لأنهم قد أحسنوا وقدَّموا خيراً. وهذا اختيارُ الطبري. ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ أي: الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته. ومُصطفَين جمع مصطفى، والأصلُ مصتفي، وقد مضى في ((البقرة)) عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ اٌلِينَ﴾ [الآية: ١٣٢] ((والأخيار)) جمع خَيِّر. وقرأ الأعمش وعبد الوارث والحسن وعيسى الثقفي: ((أَولي الأيدِ)) بغير ياء في الوصل والوقف(٥) على معنى أولي القوّة في طاعة الله. ويجوز أن يكون كمعنى قراءة الجماعة، وحُذفت الياء تخفيفاً (٦). (١) في النسخ: وزيد وعمرو، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٢) المحرر الوجيز ٥٠٩/٤ ، وقال: هذا ضعيف كله. (٣) هذا رأي المصنف رحمه الله، والصواب أن الذبيح إسماعيل عليه السلام، وهو الصحيح المقطوع به فيما ذكره الحافظ ابن كثير وغيره، وسلفت هذه المسألة مطولة ٦١/١٨ وما بعدها، فينظر أقوال العلماء فيها ثمة. (٤) في إعراب القرآن ٣/ ٤٦٧ . (٥) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحتسب ٢٣٣/٢. (٦) تفسير الطبري ١١٦/٢٠ بنحوه. ٢٢٥ سورة ص : الآيات ٤٥ -٤٧ قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَخْلَصْنَهُم بِخَالِمَةٍ ذِكْرَى النَّارِ﴾(١) قراءة العامة ((بِخَالِصَةٍ)) منونة، وهي اختيار أبي عُبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ابن عامر: ((بخالصةِ ذِكرى الدَّارِ)) بالإضافة(٢)، فمن نوَّن خالصة فـ((ذِكْرَى الدَّار)) بدل منها؛ التقدير: إنا أَخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهَّبوا لها، ويرغبوا فيها ويُرَغِّبوا الناس فيها. ويجوز أن يكون ((خَالِصَّةٍ)) مصدراً لخلص و ((ذِكْرَى)) في موضع رفع بأنها فاعله، والمعنى: أخلصناهم بأن خلصتْ لهم ذكرى الدار؛ أي: تذكير الدار الآخرة. ويجوز أن يكون ((خالصة)) مصدراً لأخلصَتْ، فحذفت الزيادة، فيكون ((ذِكْرَى)) على هذا في موضع نصب، التقدير: بأن أخلصوا ذكرى الدار. والدار يجوز أن يُراد بها الدنيا؛ أي: ليتذگّروا الدنيا ويزهَدوا فيها، ولتخلص لهم بالثناء الحسن عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] ويجوز أن يراد بها الدار الآخرة وتذكير الخلق بها. ومن أضاف خالصة إلى الدار فهي مصدر بمعنى الإخلاص، والذكرى مفعول به أُضيف إليه المصدر؛ أي: بإخلاصهم ذكرى الدار. ويجوز أن يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل والخالصة مصدر بمعنى الخلوص؛ أي: بأن خلصت لهم ذكرى الدار، وهي الدار الآخرة أو الدنيا على ما تقدّم(٣). وقال ابن زيد: معنى أخلصناهم، أي: بذكر الآخرة؛ أي: يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا. وقال مجاهد: المعنى: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا (٤) الجنة لهم(٤). (١) هذه الآية قبل الآية السابقة لكن المصنف رحمه الله ذكر تفسيرها آخراً! (٢) قراءة نافع وهشام عن ابن عامر في السبعة ص٥٥٤ ، والتيسير ص١٨٨ . (٣) هذا الكلام بنحوه في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٣١/٢-٢٣٢، والمحرر الوجيز ٥٠٩/٤ . (٤) أخرجهما بنحوهما الطبري ١١٨/٢٠ . ٢٢٦ سورة ص : الآيات ٤٨ - ٥٤ ج هَذَا ذِكْرٌ ٤٨ قوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِّ وَكُلُّ مِنَ الْأَخْيَارِ مُتَكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ ٥٠ (® جَنَّتِ عَدْنٍ تُفَتَّحَةٌ لَهُمُ الْأَبْوَبُ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ فِيهَا بِفَكِهَذِ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴾ وَعِندَهُمْ قَضِرَتُ اُلْطَرْفِ أَنْرَبُ بَ هَذَا مَا نُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ٥٤ قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِّ﴾ مضى ذكر اليسع في ((الأنعام)) (١) وذكر ذي الكفل في ((الأنبياء))(٢). ﴿وَكُلُّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ أي: ممن اختير للنبوّة. ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ بمعنى هذا ذكر جميل في الدنیا وشرف يُذكّرون به في الدنيا أبداً. ﴿وَإِنَّ لِلْمُنَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ أي: لهم مع هذا الذِّكر الجميل في الدنيا حسنُ المَرْجع في القيامة. ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: ﴿جَّتِ عَدْنٍ﴾ والعَذْن في اللغة الإقامة؛ يقال: عَدَنَ بالمكان إذا أقام. وقال عبد الله بن عمرو (٣): وجنة عَدْن قصر في الجنة له خمسةُ آلاف باب على كل باب خمسةُ آلاف خَيْرة(٤)، لا يدخله إلا نبيّ أو صِدِّيق أو شهيد. ﴿ُقَنَّمَةٌ ﴾ حال ﴿لَمُ الْأَبُ﴾ رفعت الأبوابُ لأنه اسم ما لم يُسمَّ فاعله. قال الزجاج(٥): أي: مفتحة لهم الأبواب منها. وقال الفرّاء: مفتحة لهم أبوابها. وأجاز الفرّاء (٦): ((مُفَتَّحَةً لهم الأبوابَ)) بالنصب. قال الفرّاء: أي: مفتحة الأبواب، ثم جئت بالتنوین فنصبت. وأنشد هو وسیپویه: (١) ٤٤٨/٨ - ٤٥٠ . (٢) ١٤/ ٢٦٣-٢٦٤. (٣) في (د) و(ز) و(م): عمر، والمثبت من (ظ)، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٤٦٨/٣ . (٤) في (م): حِبَرة، وهو خطأ. والخيرة: يعني ذات خير، والجمع: خيرات، والمراد الحور العين. وسلف الخبر ٥٩/١٢-٦٠ والله أعلم بصحته. (٥) في معاني القرآن ٤/ ٣٣٧. (٦) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٨، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس ٤٦٨/٣، والكلام منه. ٢٢٧ سورة ص : الآيات ٤٨ - ٥٤ أجَبّ الظَّهْرَ ليس له سَنَامِ(١). ونأخذُ بعدهُ بِذِنَابٍ عَيْشٍ وإنما قال: ((مُفَتَّحَةً)) ولم يقل: مفتوحة؛ لأنها تُفتح لهم بالأمر لا بالمس. قال الحسن: تُكلَّم: انفتحي فتنفتح، انغلقي فتنغلق(٢). وقيل: تَفْتحُ لهم الملائكةُ الأبواب. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ فِهَا﴾ هو حال قُدمت على العامل فيها، وهو قوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ أي: يَدْعُون في الجنات مُتكئين فيها(٣). ﴿بِفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أي: بألوان الفواكه ﴿وَشَرَابٍ﴾ أي: وشراب كثير، فحذف لدلالة الكلام عليه. قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَّتُ اٌلَّرْفِ﴾ أي: على أزواجهنَّ، لا ينظرن إلى غيرهم، وقد مضى في ((الصافات))(٤). ﴿أَنْزَابُ﴾ أي: على سِنّ واحد، وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوَيْن في الحُسن والشَّباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة(٥). قال ابن عباس: يُريد الآدميات(٦). و((أَتْرَابٌ)) جمع تِرْب، وهو نعت لقاصرات؛ لأن ((قَاصِرَاتُ)) نكرة وإن كان مضافاً إلى المعرفة. والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه كما قال : مِن القاصِراتِ الظَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ من الذَّرِّ فوقَ الإِثْبِ منها لَأَثَّرا(٧) قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: هذا الجزاءُ الذي وُعدِتم به. (١) قائله النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ١١٠، وفيه: ونُمسِك، بدل: ونأخذ، وسلف ١٢٩/١٠، وهو في الكتاب ١٩٦/١ . (٢) تفسير الطبري ٢٠/ ١٢٢. (٣) تفسير الرازي ٢١٩/٢٦. (٤) في الصفحة ٣٣ من هذا الجزء. (٥) النكت والعيون ١٠٦/٥ عن يحيى بن سلام. (٦) ذكره الآلوسي في روح المعاني ٢١٤/٢٣ . (٧) قائله امرؤ القيس، وسلف ص٣٤ من هذا الجزء، وينظر شرحه ثمة، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٤٦٨/٣ . ٢٢٨ سورة ص : الآيات ٥٣ - ٦١ وقراءة العامة بالتاء، أي: ما تُوعدون أيها المؤمنون. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب بالياء على الخبر(١) - وهي قراءة السُّلَمي واختيار أبي عُبيد وأبي حاتم - لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلْمُنَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ فهو خبر. ((لِيومِ الحسابِ)) أي: في يوم الحساب، قال الأعشى: المُهِينين مَا لَهُمْ لِزمانِ السَّـ ـوءٍ حتى إِذا أفاق أفاقوا(٢) أي: في زمان السوء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ دليلٌ على أن نعيمَ الجنة دائمٌ لا ينقطع؛ كما قال: ﴿عَطَةُ غَيْرَ تَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨] وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]. ٥٦ ◌ِ جَهَنَّمَ يَصْلَوَّنَهَا فَلْسَ الِهَادُ قوله تعالى ﴿هَذَّا وَإِنَّ لِلَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَجُ ٨ هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَّاقٌ ( ◌َعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمَّ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ ﴿ قَالُواْ بَلْ أَنْتُ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَّ فَأْسَ الْقَرَارُ ﴾ قَالُواْ رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِ النَّارِ قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلِّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ﴾ لما ذَكَر ما للمتقين ذَكّر ما للطّاغين. قال الزجاج(٣): ((هذا)) خبر ابتداء محذوف، أي: الأمرُ هذا، فيوقف على ((هذا))، قال ابن الأنباري(٤): ((هذا)) وقف حسن، ثم تبتدئ ((وإِنَّ لِلطَّاغينَ)) وهم الذين كذَّبوا الرُّسل. ﴿لَشَرَّ مَثَابٍ﴾ أي: مُنقَلَب يصيرون إليه. ثم بيّن ذلك بقوله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوَّنْهَا فَأْسَ اَلِهَادُ﴾ أي: بئس ما مهَّدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم. ومنه مَهْد الصبيّ. وقيل: فيه حذف، أي: بئس موضع المهاد. وقيل: أي: هذا الذي وصفتَ لهؤلاء المتقين، ثم قال: وإن للطاغين لَشرُّ مَرْجعٍ، فيوقف على ((هذا)) أيضاً. (١) قراءة ابن كثير وأبي عمرو في السبعة ص ٥٥٥، والتيسير ص ١٨٨. (٢) ديوان الأعشى ص ٢٦٣ . (٣) في معاني القرآن ٣٣٨/٤ . (٤) في إيضاح الوقف والابتداء ٨٦٣/٢ . ١٠ ٢٢٩ سورة ص : الآيات ٥٧ - ٦١ قوله تعالى: ﴿هَذَا فَيَذُوقُوهُ حِيمٌ وَغَنَّاقٌ﴾ ((هذا)) في موضع رفع بالابتداء وخبره (حَمِيمٌ)) على التقديم والتأخير؛ أي: هذا حميم وغسَّاق فليذوقوه. ولا يُوقَف على (فَلْيَذُوقُوهُ)) ويجوز أن يكون ((هذا)) في موضع رفع بالابتداء و((فَلْيَذُ وقُوهُ)) في موضع الخبر، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في ((هذا)) فيوقف على ((فَلْيَذُوْقُوهُ)) ويرتفع ((حَمِيمٌ)) على تقدير: هذا حميم. قال النحاس(١): ويجوز أن يكون المعنى: الأمر هذا، وحميم وغسَّاق إذا لم تجعلهما خبراً، فَرفْعُهما على معنى: هو حميم وغسّاق. والفرّاء(٢) يرفعهما بمعنى: منه حميم ومنه غسَّاق، وأَنشدَ: حتّى إذا ما أَضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُورُ (٣) وقال آخر : قِثْبٌ وغَرْب إذا ما أُفْرِغَ انْسَحَقًا (٤) لها مَتَاعٌ وأَعْوانٌ غَدَوْنَ بِهِ ويجوز أن يكون ((هَذا)) في موضع نصب بإضمار فعل يُفسِّره ((فَلْيَذُوقُوهُ» كما تقول: زيداً اضربه. والنصب في هذا أولى(٥)، فيوقف على ((فَلْيَذُوُقُوهُ)) وتبتدئ ((حَمِيمٌ وغَسَّاقٌ)) على تقدير: الأمر حميم وغسَّاق(٦). وقراءةُ أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين في ((وغَسَّاق)). وقرأ يحيى بن وثَّب والأعمش وحمزة والكسائي: ((وغسَّاق)) بالتشديد(٧)، وهما لغتان (١) في إعراب القرآن للنحاس ٤٦٩/٣، وينظر ما قبله فيه وفي مشكل إعراب القرآن ٦٢٧/٢. (٢) في معاني القرآن ٤١٠/٢. (٣) وذكره الطبري في تفسيره ١٢٦/٢٠ دون نسبة. (٤) قائله زهير، وهو في ديوانه ص٦٧ (برواية الشنتمري) وسلف ٥/ ٢١٠ قال شارحه الشنتمري. قوله: لها متاع، أي: لهذه الناقة التي يُستقى عليها، وقوله: قِتْب وغَرْبٌ تبيين للمتاع، والقِتْب: أداة السانية، والغرب: الدلو العظيمة. (٥) إعراب القرآن ٤٦٩/٣ -٤٧٠ . (٦) تفسير الرازي ٢٢١/٢٦ بنحوه. (٧) وقرأ بها عاصم في رواية حفص وخلف. السبعة ص ٥٥٥، والتيسير ص١٨٨، والنشر ٢/ ٣٦١ . ٢٣٠ سورة ص : الآيات ٥٧ - ٦١ بمعنى واحد في قول الأخفش(١). وقيل: معناهما مختلف؛ فمن خفّف فهو اسمٌ مثل: عَذاب وجَواب وصوّاب، ومَن شدَّد قال: هو اسمُ فاعل نُقل إلى فعّال للمبالغة، نحو ضرّاب وقتّال، وهو فعّال من غَسَق يَغسِق، فهو غسّاق وغاسِق. قال ابن عباس: هو الزمهرير يُخوِّفهم ببرده. وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما: إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحرِّه. وقال عبد الله بن عمرو: هو قيحٌ غليظٌ لو وقع منه شيء بالمشرق لأَنتن مَنْ في المغرب، ولو وقع منه شيء في المغرب لأنتنَ مَنْ في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزُّناة ومن نَثْن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنَّتْن(٢). وقال محمد بن كعب: هو عُصارة أهل النار. وهذا القول أشبه باللغة؛ يقال: غَسَق الجرح يغسِق غسقاً إذا خرج منه ماء أصفر؛ قال الشاعر: إذا ما تَذَكَّرْتُ الحياةَ وِيبَها إليَّ جَرَى دَمْعٌ من العين(٣) غاسِقُ أي: بارد. ويقال: ليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار. وقال السدّي: الغسّاق الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يُسقَوْنه مع الحميم(٤). وقال ابن زيد: الحميم دموعُ أعينهم، يُجمع في حياض النار فيُسقَوْنه، والصديد الذي يخرج من جُلودهم. والاختيار على هذا ((وغَسّاق)) حتى يكون مثل سيّال(٥). وقال كعب: الغسّاق عين في جهنم يسيل إليها سُمُّ كلِّ ذي حُمَةٍ من عقرب : (١) نقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ١٠٧/٥ . (٢) هذه الأقوال في تفسير الطبري ١٢٨/٢٠-١٣٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤٧٠/٣. (٣) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): الليل، والمثبت من (ف)، والبيت لعمران بن حِطَّان، ذكره أبو بكر الأنباري في الأضداد ص٥ . (٤) أخرجه الطبري ١٢٨/٢٠ . (٥) معاني القرآن للنحاس ١٢٩/٦. ٢٣١ سورة ص : الآيات ٥٧ - ٦١ وحيةٍ (١). وقيل: هو مأخوذٌ من الظُلمة والسواد. والغَسَقُ أوّل ظلمة الليل، وقد غَسَقَ الليلُ يغسِق، إذا أظلم(٢). وفي الترمذي(٣) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبيّ ﴾ قال: ((لو أن دَلْواً من غَسَّاق يُهَرَاق في الدنيا لأَنتنَ أهلُ الدنيا)). قلت: وهذا أشبه على الاشتقاق الأوّل كما بينا، إلا أنه يحتمل أن يكون الغسَّاق مع سيلانه أسودَ مُظلماً فيصحّ الاشتقاقان. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ، أَزْوُ﴾ قرأ أبو عمرو: ((وَأُخَرُ» جمع أُخرى مثل الكبرى والكُبَر. الباقون: ((وَآخَرُ)) مفرد مذكر (٤). وأنكر أبو عمرو ((وَآخَرُ)) لقوله تعالى: (زواج)) أي: لا يُخبر بواحد عن جماعة. وأنكر عاصم الجحدري: ((وأُخَرُ)) قال: ولو كانت ((وَأُخَرُ)) لكان: من شكلها. وكلا الردّين لا يلزم، والقراءتان صحيحتان. ((وآخَرُ)) أي: وعذابٌ آخَرُ سوى الحميم والغسَّاق(٥). ((مِنْ شَكْلِهِ)) قال قتادة: من نحوه. قال ابن مسعود: هو الزمهرير(٦). وارتفع ((وآخرُ)) بالابتداء و((أزْوَاجٌ)) مبتدأ ثانٍ و((مِنْ شَكْلِهِ)) خبره، والجملة خبر (آخر)). ويجوز أن يكون ((وآخر)) مبتدأ والخبر مُضمَر دلَّ عليه «هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ)) لأن فيه دليلاً على أنه لهم، فكأنه قال: ولهم آخر، ويكون ((مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ)) صفةً لآخر، فالمبتدأ متخصص بالصفة و((أَزْوَاجٌ)) مرفوع بالظرف(٧). (١) النكت والعيون ١٠٦/٥ . (٢) الصحاح (غسق). (٣) الحديث (٢٥٨٤). (٤) السبعة ص ٥٥٥، والتيسير ص١٨٨ . (٥) معاني القرآن للنحاس ١٣٠/٦. (٦) أخرجهما الطبري ٢٠/ ١٣١- ١٣٢. (٧) مشكل إعراب القرآن ٦٢٨/٢ بنحوه. ٢٣٢ سورة ص : الآيات ٥٨ - ٦١ ومن قرأ: ((وَأُخَرُ)) أراد: وأنواعٌ من العذاب أُخَرُ، ومن جمع ـ وهو يريد الزمهرير - فعلى أنه جعل الزمهرير أجناساً فجمع لاختلاف الأجناس. أو على أنه جعل لكل جزء منه زمهريراً، ثم جمع كما قالوا: شابَتْ مفارقُه. أو على أنه جمع، لِمَا في الكلام من الدلالة على جواز الجمع؛ لأنه جعل الزمهرير الذي هو نهاية البرد بإزاء الجمع في قوله: ((هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ))، والضمير في ((شَكْلِهِ)) يجوز أن يعود على الحميم أو الغسّاق. أو على معنى: ((وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ)) ما ذكرنا. ورفع ((أُخَرُ)) على قراءة الجمع بالابتداء، و((مِنْ شَكْلِهِ)) صفةٌ له، وفيه ذِكْر يعود على المبتدأ، و((أزْوَاجٌ)) خبر المبتدأ. ولا يجوز أن يُحمل على تقدير: ولهم أُخَر. و((مِنْ شَكْلِهِ)) صفة لأخر، و((أَزْوَاجٌ)) مرتفعة بالظرف كما جاز في الإفراد؛ لأن الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع ((أَزْوَاجٌ)) بالظرف، ولا ضمير في الظرف، والهاء في ((شَكْله)) لا تعود على أُخَر لأنه جمع، والضمير(١) مفرد؛ قاله أبو علي(٢). و((أَزْوَاجٌ)) أي: أصناف وألوان من العذاب. وقال يعقوب: الشَّكْل بالفتح: المِثل، وبالكسر: الدَّلّ(٣). قوله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّفْنَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ قال ابن عباس: هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: ((هَذَا فَوْجٌ)) يعني الأتباع، والفوج الجماعة، ((مقْتَحِمٌ معَكُمْ)) أي: دخل النار معكم؛ فقالت السادة: ﴿لَ مَرْجَبً بِهِمْ﴾ أي: لا اتَّسعت منازلهم في النار. والرُّحب السِّعة(٤)، ومنه رحبة المسجد وغيره. وهو في مذهب الدعاء، فلذلك نصب؛ قال النابغة: إنْ كانَ تَفْرِيقُ الأَحِبَّةِ فِي غَدٍ (٥). لا مَرْحَباً بِغَدٍ ولا أهْلاَّ بِهِ (١) من قوله: بالظرف، ولا ضمير .. إلى هنا سقط من (م). (٢) في الحجة ٦/ ٨٠، وينظر اللام السالف فيه وفي مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨٠ . (٣) معاني القرآن للنحاس ١٣١/٦. والدَّلُّ: خُنْج المرأة. الصحاح (دلل). (٤) تفسير البغوي ٤/ ٦٧ . (٥) ديوان النابغة الذبياني ص٣٨. ٢٣٣ سورة ص : الآيات ٥٩ - ٦٤ قال أبو عبيدة (١): العرب تقول: لا مرحباً بك؛ أي: لا رَحُبَتْ عليك الأرض ولا اتَّسعت. ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ﴾ قيل: هو من قول القادة، أي: إنهم صالوا النار كما صَلَيناها. وقيل: هو من قول الملائكة متصل بقولهم: ((هَذَا فَوْجٌ مِقْتَحِمٌّ معَكُمْ))، و(( قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ)) هو من قول الأتباع (٢). وحكى النقَّاش أن الفوج الأوّل قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر(٣). والظاهر من الآية أنها عامَّة في كل تابع ومتبوع. ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَّاً﴾ أي: دعوتمونا إلى العصيان ﴿فَْسَ اُلْقَرَارُ﴾ لنا ولكم. ﴿قَالْوَا﴾ يعني الأتباع ﴿رَبَّا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ قال الفراء: من سوّغُ (٤) لنا هذا وسَنَّه. وقال غيره: مَن قدَّم لنا هذا العذابَ بدعائه إيَّانا إلى المعاصي ﴿فَزِدُهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِى النَّارِ﴾ [أي: عذاباً بكفره](٥) وعذاباً بدعائه إيانا فصار ذلك ضعفاً. وقال ابن مسعود: معنى عذاباً ضعفاً في النار الحيات والأفاعي (٦). ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾(٧) [الأعراف: ٣٨]. أَخَذْتَهُمْ سِخْرِيًّا قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَُ ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَقَّ تَخَاصُ أَهْلِ النَّارِ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ﴾ يعني أكابر المشركين ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُذُّهُم مِّنَ (١) في مجاز القرآن ١٨٦/٢ . (٢) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٥١١/٤، وتفسير الرازي ٢٢٢/٢٦ . (٣) النكت والعيون ١٠٨/٥ . (٤) في معاني القرآن للفراء ٢/ ٤١١، وإعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٧٠ (والكلام منه): شرع. (٥) ما بين حاصرتين من إعراب القرآن للنحاس. (٦) تفسير البغوي ٦٨/٤ . (٧) تفسير الرازي ٢٢٢/٢٦. ٢٣٤ سورة ص : الآيات ٦٢ - ٦٤ اُلْأَثْرَارِ﴾ قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد #؛ يقول أبو جهل: أين بلال، أين صُهَيْب، أين عَمّار(١). أولئك في الفردوس. واعجباً لأبي جهل! مسكين؛ أسلم ابنُه عكرمة، وابنته جُوَيرية، وأسلمتْ أُمُّه، وأسلم أخوه، وكفر هو؛ قال: ونوراً أضاءَ الأرضَ شَرْقاً ومَغْرباً وموضعُ رِجليٍ مِنْهُ أسْوَدُ مُظْلِمُ (٢) ﴿ أَخَذْتَهُمْ سِخْرِنَا﴾ قال مجاهد: أنَّخذناهم سخرياً في الدنيا فأخطأنا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلم نعلم مكانَهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا؛ اتَّخذوهم سخرياً، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا مَحْفَرةً لهم. وقيل: معنى ((أمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصَارُ)) أي: أَهم معنا في النار فلا نراهم(٣)؟. وكان ابن كثير والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي يقرؤون: ((مِنَ الأَشْرَارِ اتَّخَذْنَاهُمْ)) بحذف الألف في الوصل. وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر يقرؤون: (أَتَّخَذْنَاهُمْ)) بقطع الألف على الاستفهام(٤)، وسقطت ألف الوصل؛ لأنه قد استُغني عنها؛ فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على ((الأَشْرَارِ)) لأن ((اتَّخَذْنَاهُمْ)) حال. وقال النحاس(٥) والسجستاني: هو نعتٌ لرجال. قال ابن الأنباري(٦): وهذا خطأ؛ لأن النعت لا يكون ماضياً ولا مستقبلاً. ومن قرأ: ((أَتَّخذناهم)) بقطع الألف وقف على ((الأَشْرَارِ)). قال الفراء(٧): والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب، ((أمْ زاغت عنهم الأبصار))؛ إذا قرأتَ بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأتَ بغير الاستفهام فهي بمعنى بل. (١) أخرجه الطبري ١٣٦/٢٠ بنحوه من قول مجاهد. (٢) قائله البحتري، وهو في ديوانه ١٩٧٦/٣، وفيه: وبدر، بدل: ونوراً. (٣) النكت والعيون ١٠٩/٥ . (٤) السبعة ص٥٥٦، والتيسير ص١٨٨، والنشر ٢/ ٣٦٢، وقراءة ابن كثير المتواترة عنه بقطع الألف. (٥) في إعراب القرآن ٣/ ٤٧١ . وينظر ما قبله فيه. (٦) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٦٤-٨٦٥، وما قبله منه. (٧) في معاني القرآن ٢/ ٤١١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس ٤٧١/٣. ٢٣٥ سورة ص : الآيات ٦٤ - ٧٠ وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة والمفضَّل وهبيرة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي: ((سُخْرِيّاً)) بضم السين. الباقون بالكسر (١). قال أبو عبيدة(٢): من كسر جعله من الهُزْء، ومن ضم جعله من التسخير. وقد تقدم (٣). ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَقٌ تَخَصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ((لَحَقٌّ)) خبر إنَّ و((تَخَاصُمُ)) خبر مبتدأ محذوف بمعنى: هو تخاصم. ويجوز أن يكون بدلاً من حق. ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر. ويجوز أن يكون بدلاً من ذلك على الموضع(٤). أي: إن تخاصم أهل النار في النار لحقُّ. يعني قولهم: ((لَا مَرْحَبًا بِكُمْ)) الآية، وشبهه من قول أهل النار. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ مُنذِرٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ اللَّهُ الْوَِدُ الْقَهَّارُ (٥ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَُّ ٣ قُلْ هُوَ نَبَأْ عَظِيمُ ( أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ إِ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلِّ بِالْعَلَ الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ ﴿ إِن يُوحَىّ إِلَىَّ إِلَّ أَنَّ أَنَا نَّذِيرٌ مُبِينٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنََّا أَنَأْ مُنذِرٌ﴾ أي: مخوفٌ عقاب الله لمن عصاه، وقد تقدّم. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهِ﴾ أي: معبود. ﴿إِلَّ الَّهُ الْوَبِدُ الْقَهَّارُ﴾ الذي لا شريك له ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَّنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّرُ﴾ بالرفع على النعت، وإن نصبت الأول نصبته. ويجوز رفع الأول ونصب ما بعده على المدح(٥). ((والْعَزِيزُ)) معناه المنيع الذي لا مثل له. ((الغَفَّارُ)) الستّار لذنوب خَلْقه. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَّا عَظِيمٌ﴾ أي: وقل لهم يا محمد: ((هُوَ نَبَأْ عَظِيمٌ)) أي: ما أُنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبرٌ عظيم القدر، فلا ينبغي أن يُستخفَّ به. (١) السبعة ص٥٥٦، والتيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٢٩/٢. (٢) في مجاز القرآن ١٨٧/٢ . (٣) ١٥ / ٩٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٧١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٦٢٩/٢. (٥) وهذا يجوز في غير التلاوة، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٤٧٢/٣. ٢٣٦ سورة ص : الآيات ٦٧ - ٧٠ قال معناه قتادة(١). نظيره قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَقَسَلَّلُونَ. عَنِ النَّبَلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١-٢]. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني القرآن الذي أنبأتُكم (٢) به خبر جليل(٣). وقيل: عظيم المنفعة ﴿أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلٍّ بِلْمَلاَ الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ﴾ الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسّدي اختصموا في أمر آدم حين خُلق فـ ﴿قَالُواْ أَجْعُلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وقال إبليس: ﴿أَنَأْ خَيْرٌّ مِنْهُ﴾(٤) [ص: ٧٦]. وفي هذا بيانٌ أن محمداً﴾ أخبر عن قصة آدم وغيره، وذلك لا يُتصوَّر إلا بتأييد إلهي؛ فقد قامت المُعجزة على صِدقه، فما بالهم أَعرضوا عن تدبُّر القرآن ليعرفوا صِدْقه؛ ولهذا وصل قوله بقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَؤُّأْ عَظِيمُ . أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾. وقولٌ ثانٍ رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسولُ الله﴾: ((سألني ربي فقال: يا محمد، فِيم اختصم الملأ الأعلى، قلت: في الكفارات والدرجات قال: وما الكفارات، قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في السَّبَرَات والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة قال: وما الدرجات؟ قلت: إنشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاةُ بالليل والناسُ نِيام)»(٥) خرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس، وقال فيه: حديث غريب، وعن معاذ بن جبل أيضاً وقال: حديث حسن صحيح(٦). وقد كتبناه بكماله في كتاب ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))، (١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٥٤/٧. (٢) في (د) و(م): أنبأكم. (٣) أخرجه الطبري ١٤٠/٢٠-١٤١ عن مجاهد والسدي وشريح، وذكره عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة الطبرسي في مجمع البيان ١٣١/٢٣ . (٤) أخرجه الطبري ١٤٢/٢٠ بنحوه. (٥) نقله المصنف من النكت والعيون ١١٠/٥، وهو هكذا مرسل، وينظر ما بعده. وأبو الأشهب: هو جعفر بن حيان العطاردي البصري، مات سنة (١٦٥هـ). تهذيب التهذيب ٣٠٣/١. وقوله: السَّبَرات: جمعَ سَّبْرة، وهي شدة البرد. النهاية (سبر). (٦) سنن الترمذي (٣٢٣٤) و(٣٢٣٥)، والحديثان في مسند أحمد (٣٤٨٤) و(٢٢١٠٩). قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٣٤/١: أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة. وينظر تتمة تخريجه والكلام عليه في مسند أحمد. ٢٣٧ سورة ص : الآيات ٦٩ - ٧٤ وأوضحنا إشكاله والحمد لله. وقد مضى في ((يس)) القولُ في المشي إلى المساجد، وأن الخُطَا تُكفّر السيئات، وترفع الدرجات(١). وقيل: الملأ الأعلى الملائكة، والضمير في «يَخْتَصِمُونَ)) لفرقتین. یعني قول من قال منهم: الملائكة بنات الله، [ومن قال: آلهة تعبد]. وقيل: الملأ الأعلى هاهنا قريش؛ يعني اختصامهم فيما بينهم سِرّاً، فأطلع الله نبيَّه على ذلك(٢). ﴿إِن يُوحَىّ إِلَّ إِلَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ أي: إن يُوحى إليَّ إلا الإنذار، وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع: ((إلاَّ إِنَّمَا)) بكسر الهمزة(٣)؛ لأن الوحيّ قولٌ، كأنه قال: يقال لي: إنما أنت نذيرٌ مبين، ومَن فتحها جعلها في موضع رفع؛ لأنها اسمُ ما لم يُسمَّ فاعلُه. قال الفراء(٤): كأنك قلت: ما يُوحَى إليَّ إلا الإنذار، النحاس(٥): ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى: إلا لأنما. والله أعلم. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِنِّ خَلِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَسَجَدَ الْمَلَبِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّ إِيَلِيسَ فِيهِ مِن رُوحِى فَفَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ٢٧٤ أَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ ٠ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَّكَةِ﴾ ((إِذْ)) من صلة ((يَخْتَصِمُونَ)) المعنى: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى حين يختصمون حين ﴿قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ﴾. وقيل: ((إِذْ قال)) بدل من ((إِذْ يَخْتَصِمُونَ))(٦)، و((يَخْتَصِمُونَ)) يتعلَّق بمحذوف؛ لأن (١) ١٧ /٤٢٠ . (٢) المحرر الوجيز ٥١٣/٤-٥١٤، وما بين حاصرتين منه بنحوه. (٣) النشر ٣٦٢/٢ . (٤) معاني القرآن ٤١٢/٢ . (٥) إعراب القرآن ٣/ ٤٧٢ . (٦) المحرر الوجيز ٥١٤/٤ . ٢٣٨ سورة ص : الآيات ٧١ - ٨٣ المعنى: ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقتَ اختصامهم. ﴿فَإِذَا سَوَيْتُهُ﴾ ((إذَا)) تردُّ الماضي إلى المستقبل؛ لأنها تُشبه حروفَ الشرط وجوابُها كجوابه(١)؛ أي: خلقته. ﴿وَنَفَْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ أي: من الروح الذي أَمْلكه ولا يَمْلكه غيري. فهذا معنى الإضافة، وقد مضى هذا المعنى مجوَّداً في ((النساء)) في قوله في عيسى ﴿وَرُوحٌ مِنَّةٌ﴾ [الآية: ١٧١]. ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ نصب على الحال. وهذا سجودُ تحية لا سجودَ عبادة. وقد مضى في ((البقرة))(٢). ﴿فَسَجَدَ اٌلْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ أي: امتثلوا الأمر وسجدوا له خضوعاً له وتعظيماً لله بتعظيمه ﴿إِلَّ إِيسَ﴾ أَنْفَ من السجود له جهلاً بأنَّ السجودَ له طاعةٌ لله، والأَنَفَة من طاعة الله استكباراً كُفرٌ، ولذلك كان من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى. وقد مضى الكلامُ في هذا في ((البقرة)) مستوفى (٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ يَِّلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىِّ أَسْتَكْبَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اٌلْعَالِينَ ﴿ قَالَ أَنْ خَيْرٌ مِنَّةٌ خَلَقْتَنِ مِن ثَّارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ (١٨) قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا وَإِنَّ عَلَيْكَ لَغْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الذِينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِيِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ( قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْطَرِنَ ﴾ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾ قَالَ فَبِعِزَِّكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ ٧٩ (ن) أَجْمَعِينَ ﴿٨ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قوله تعالى: ﴿قَالَ بَإِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ﴾ أي: صرفك وصَدَّك ﴿أَنْ تَسْجُدَ﴾ أي: عن أنْ تسجد ﴿لِمَا خَلَفْتُ بِيَدَىٌّ﴾ أضاف خَلْقه إلى نفسه تكريماً له، وإن كان خالقَ كل شيءٍ، (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٧٢. (٢) ٤٣٦/١ . (٣) ٤٤١/١ . ٢٣٩ سورة ص : الآيات ٧٥ - ٨٣ وهذا كما أضاف إلى نفسه الرُّوح والبيت والناقة والمساجد؛ فخاطب الخلق(١) بما يعرفونه في تعاملهم، فإنَّ الرئيس من المخلوقين لا يُباشر شيئاً بيده إلا على سبيل الإعظام والتكُّم، فَذِكْر اليد هنا بمعنى هذا. قال مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد(٢) والصلة؛ مجازه: لِمَا خلقتُ أنا، كقوله: ﴿وَبْقَى وَجْهُ رَّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: يبقى ربك. وقيل: التشبيه في اليد في خلق الله تعالى دليلٌ على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة؛ وإنما هما صِفتان من صفات ذاته تعالى. وقيل: أراد باليد القدرة(٣)، يقال: ما لي بهذا الأمر يدٌ. وما لي بالحِمْلِ الثقيل يَدَانِ. ويدلُّ عليه أن الخَلْقَ لا يقع إلا بالقدرة بالإجماع. وقال الشاعر: تَحمَّلْتُ مِن عَفْرَاءَ(٤) ما ليس لي بِه ولا للجِبالِ الرّاسِياتِ يَدَانِ وقيل: ((لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)) لما خلقت بغير واسطة. ﴿أَسْتَكْبَرَتَ﴾ أي: عن السجود ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ أي: المُتكبرين على ربِّك. وقرأ محمد بن صالح، عن شِبْل، عن ابن كثير وأهل مكة: ((بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ)) موصولة الألف على الخبر(٥)، وتكون أم منقطعة بمعنى: بل، مثل: ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)) وشبهه. ومن استفهم: ((أم)) معادلة لهمزة الاستفهام، وهو تقرير وتوبيخ(٦). أي: استكبرتَ بنفسك حين أبيتَ عن السجود لآدم، أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت لهذا(٧). (١) في (م): الناس. (٢) في (م): التأكد. (٣) مذهب السلف أن صفة اليد ثابتة لله سبحانه، فَتُثبت ما أثبته الله لنفسه من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل. وينظر الكلام السالف بمعناه في الأسماء والصفات ٢/ ١٢٧ . (٤) في النسخ الخطية: دلفاء، والمثبت من المصادر، والبيت لعروة بن حزام، وعفراء ابنة عمه. الخزانة ٢١٥/٣ و٣٧٨، والنكت والعيون ١١١/٥ . (٥) ذكرها ابن مجاهد في السبعة ص٥٥٦ ، وهي غير المشهورة عن ابن كثير. (٦) المحرر الوجيز ٥١٥/٤ بنحوه. (٧) زاد المسير ٧/ ١٥٧ . ٢٤٠ سورة ص : الآيات ٧٦ - ٨٨ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ قال الفرّاء: من العرب من يقول: أنا أخيرُ منه وأشرُّ منه؛ وهذا هو الأصل إلا أنه حذف منه(١) لكثرة الاستعمال. ﴿فَقْتَنِ مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ فَضَّل النارَ على الطين، وهذا جهلٌ منه؛ لأن الجواهر متجانسةٌ، فقاسَ فأخطأ القياس. وقد مضى في ((الأعراف)) بيانه(٢). ﴿قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا﴾ يعني من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَحِيمٌ﴾ أي: مرجومٌ بالكواكب والشُّهب(٣) ﴿وَإِنَّ عَلَيَّكَ لَغْنَتِىّ﴾ أي: طردي وإبعادي من رحمتي ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ تعريفٌ بإصراره على الكُفر؛ لأن اللَّعنَ منقطعٌ حينئذ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن، ﴿قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْفِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أراد الملعون ألا يموت، فلم يُجَبْ إلى ذلك، وَأُخِّر إلى الوقت المعلوم، وهو يوم يموت الخلقُ فيه، فَأُخِّر إليه تهاوناً به. ﴿قَالَ فَبِعِزَِّكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لما طرده بسبب آدم حلفَ بِعِزَّة الله أنه يُضِلُّ بني آدم بتزيين الشهوات وإدخال الشُّبَه عليهم، فمعنى: ((لَأُغْوِيَنَّهُمْ)): لأَستدعِيَنَّهم إلى المعاصي، وقد عَلِمَ أنه لا يَصِلُ إلا إلى الوسوسة، ولا يُفسد إلا مَن كان لا يصلحُ لو لم يوسوسه(٤)؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين أخلصتَهم لعبادتك، وعَصَمتَهم مني. وقد مضى في ((الحجر)) بيانه(٥). قوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمَعَنْ تَبِّعَكَ مِنْهُمْ قُلّ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرِ وَمَا أَنَأْ مِنَ الْتُكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ رفيق أَجْمَعِينَ وَلَعَلَمُنَّ نَبَمُ بَعْدَ حِينٍ (١) لِلْعَلَمِينَ قوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقَّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ هذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة (١) يعني: حُذفت منه الألف كما في إعراب القرآن للنحاس ٤٧٣/٣. وسقطت لفظة ((منه)) من (م). (٢) ٩ / ١٦٥. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٧٣/٣ . (٤) المصدر السابق. (٥) ٢١٢/١٢.