Indexed OCR Text
Pages 1-20
كَارِ الْقُرآنِ الجامع الاـ ٧ وَالمُبَيِّنُ لَمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الْقُرْقَانِ تَأليفُ أَبِيِ عَبْدِ اللَّهِ مُحَقَدِيْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكْرِ القُرطِيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحقِيْق الدكتور عبد الّ بن عبد الحسن التربيّ شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء كَامِل محمّد العَّاط غيات الحاج أحمدْ المجزء آلثّا مِن عَشْرٌ مؤسسة الرسالة 1 جَميعُ الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦مـ مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت - لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460 Email:Resalah@Cyberia.net.Ib PUBLISHERS تفسير سورة الصافات مکیة في قول الجميع(١) بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ قوله تعالى: ﴿وَلََّفَّتِ صَفَّا ﴿﴿ فَالزَّجِرَتِ نَجْرًا ﴾ فَالتَّلِيَتِ ذِكْ ﴿ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَِّدٌ ٣ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَّنَفَّتِ صَفَّا فَالتَّحِرَتِ زَجْرًا فَالتَّلِيَتِ ذِكْرًا﴾ هذه قراءةُ أكثر القرّاء. وقرأ حمزةُ بالإدغام فيهنّ(٢). وهذه القراءة التي نَفَر منها أحمدُ بن حنبل لمَّا سَمِعَها. النحاس(٣): وهي بعيدةٌ في العربية من ثلاث جهات: إحداهنّ: أن التاء ليست من مَخْرج الصاد، ولا من مَخْرَج الزاي، ولا من مَخْرَج الذال، ولا من أَخَواتهن، وإنما أُختاها الطاء والدال، وأختُ الزاي الصاد والسين، وأختُ الذال الظاء والثاء. والجهة الثانية: أن التاء في كلمة، وما بعدها في كلمة أُخرى. والجهة الثالثة: أنك إذا أدغمتَ جمعتَ بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمعُ بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة؛ نحو: دابّة، وشابّة. ومجازٌ قراءة حمزة أن التاء قريبةُ المَخْرج من هذه الحروف. (وَالصَّافَّاتِ)) قَسَمٌ، الواو بدل من الباء. والمعنى: بربِّ الصَّافَّت، و ((الزَّاجِراتٍ)) عطف عليه . ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوٌَِّ﴾ جوابُ القسم. وأجاز الكسائي فتحَ إنَّ في القسم(٤). (١) زاد المسير ٤٤/٧. (٢) وهي قراءة أبي عمرو في رواية السوسي. السبعة ص٥٤٩، والتيسير ص١٨٥ . (٣) في إعراب القرآن ٤٠٩/٣، وما قبله منه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤١٠ . ٦ سورة الصافات: الآيات ١ - ٥ والمراد بـ ((الصَّافَّاتِ)) وما بعدها إلى قوله: ((فَالثَّالِيَاتِ ذِكْراً)) الملائكةُ في قول ابن عباس وابن مسعود وعِكرمة وسعيد بن جُبير ومجاهد وقتادة(١)، تصفُّ في السماء كصفوف الخَلْقِ في الدنيا للصلاة(٢). وقيل: تَصُفُّ أجنحتَها في الهواء واقفةً فيه حتى يأمرَها الله بما يُريد. وهذا كما تقومُ العبيدُ بين أيدي ملوكهم صفوفاً. وقال الحسن: ((صَفًّا)) لِصفوفهم عند ربهم في صلاتهم(٣). وقيل: هي الطير، دليلُه قولُه تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَّا إِلَى الَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَفَّتٍ﴾(٤) [الملك: ١٩]. والصفُّ ترتيبُ الجمع على خطّ، كالصفّ في الصلاة. ((وَالصَّانَّاتِ)) جمع الجمع؛ يقال: جماعةٌ صافَّة، ثم يُجمَع صافَّات(٥). وقيل: ((الصّافات)) جماعةُ الناس المؤمنين إذا قاموا صفًّا في الصلاة أو في الجهاد؛ ذكره القشيري(٦). ((فَالزَّاجِرَاتِ)) الملائكةُ في قول ابن عباس وابن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه. إما لأنها تَزجُر السحابَ وتَسوقه في قول السُّدي. وإما لأنها تَزجُر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة: هي زواجر القرآن. ((فَالثَّالِيَاتِ ذِكْراً)) الملائكة، تقرأ كتاب الله تعالى؛ قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جُبير والسُّدي(٧). (١) النكت والعيون ٣٦/٥، وزاد المسير ٤٤/٧ . (٢) نزهة القلوب السجستاني ص٢٩٩ . (٣) النكت والعيون ٣٦/٥ . (٤) تفسير البغوي ٢٢/٤، وزاد المسير ٤٤/٧. (٥) تفسير الطبري ١٩/ ٤٩٢ بنحوه. (٦) وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٦/٥ . (٧) النكت والعيون ٣٧/٥ . وقول قتادة أخرجه الطبري ٤٩٤/١٩ . أ أ ٧ سورة الصافات: الآيات ١ - ٥ وقيل: المراد جبريلُ وحده، فَذُكِرَ بلفظ الجمع؛ لأنه كبيرُ الملائكة، فلا يخلو من جنود وأتباع. وقال قتادة: المراد: كلُّ من تلا ذِكْرَ الله تعالى وكُتُبَهُ(١). وقيل: هي آياتُ القرآن، وَصَفَها بالتلاوة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُ عَلَى بَنِّ إِسْرَوِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن: تاليات؛ لأن بعضَ الحروف يتبع بعضاً؛ ذكره القشيري. وذكره الما وردي(٢): أن المراد بـ ((التَّالِيَات)) الأنبياءُ يتلون الذِّكر على أُمَمهم. فإن قيل: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفةً في الصفات؟ قيل له: إما أن تدلّ على ترتّب معانيها في الوجود، كقوله: يالَهْفَ زَيَّابَةً للحارِث الصـ صابِح فالغَانِم فالآيِبِ (٣) كأنه قال: الذي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ. وإما على ترتُّبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خُذِ الأفضلَ فالأكمل، واعمَلِ الأحسنَ فالأجمل. وإما على ترتّب موصوفاتها في ذلك، كقوله: رَحِمَ الله المُحلِّقين فالمقصِّرين. فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساقُ أمرُ الفاء العاطفة في الصفات قاله الزمخشري(٤). (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ)) جوابُ القسم. قال مقاتل: وذلك أنَّ الكفار بمكة قالوا: ﴿أَجَعَلَ آلْآَلِمَةَ إِلَهَا وَِدًا﴾ [ص: ٥] وكيف يَسَعُ هذا الخَلْقَ فردٌ إله(٥)؟! فأقسمَ اللهُ بهؤلاء تشريفاً، ونزلت الآية. (١) المحرر الوجيز ٤٦٥/٤، والكشاف ٣٣٣/٣. (٢) في النكت والعيون ٣٧/٥ . (٣) البيت لابن زيَّابة التيمي، وهو في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٤٧/١ وأمالي ابن الشجري ٥٠٨/٢ ، وخزانة الأدب ٥/ ١٠٧ . وزيَّابة اسم أمّ الشاعر، فيما قاله البغدادي. (٤) في الكشاف ٣/ ٣٣٤ . (٥) ذكره بنحوه البغوي في تفسيره ٤/ ٢٢ دون نسبة. 1 أ أ أ ٨ سورة الصافات: الآيات ١ - ٥ قال ابن الأنباري(١): وهو وقفٌ حسن، ثم تبتدئ ﴿رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ على معنى : هو ربُّ السماوات. النحاس(٢): ويجوز أن يكون ((رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرض)) خبراً بعد خبرٍ، ويجوز أن يكون بدلاً من ((وَاحِدٌ». قلت: وعلى هذين الوجهين لا يوقف (لَوَاحِدٌ)). وحكى الأخفش(٣): «رَبَّ السَّماواتِ)) و((رَبَّ الْمَشَارِقِ)) بالنَّصْب على النعت لاسم ((إن))(٤). بَيَّن سبحانه معنى وحدانيَتِه وأُلوهيَّته وكمالِ قُدرته بأنه ((رَبُّ السَّماواتِ والأرض)) أي: خالقُهما ومالِكُهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ﴾ أي: مالكُ مطالع(٥) الشمس. ابن عباس: للشمس كلَّ يوم مشرقٌ ومغرب؛ وذلك أن اللهَ تعالى خلقَ للشمس ثلاثَ مئة وخمسةً وستين كَوَّة في مَظْلِعها، ومثلها في مَغْرِبها على عَدَد أيام السنة الشمسية، تطلُع في كل يوم في كَوَّة منها، وتغيبُ في كَوَّة، لا تطلعُ في تلك الكَوَّة إلا في ذلك اليوم من العام المُقبِل. ولا تطلعُ إلا وهي كارهةُ فتقول: ربِّ لا تُطلعِني على عبادك، فإني أَراهم يعصونك(٦). ذكرَ (٧) أبو عمر في كتاب ((التمهيد))(٨)، وابنُ الأنباري في كتاب ((الرد)) عن عكرمة، قال: قلت لابن عباس: أرأيتَ ما جاء عن النبي ﴿ في أُميَّةَ بن أبي الصَّلْت: (١) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٥٧. (٢) في إعراب القرآن ٣/ ٤١٠ . (٣) في معاني القرآن ٦٦٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤١٠. (٤) وهذا يجوز في اللغة لا في التلاوة. (٥) في النسخ: مطلع، والمثبت من (م). (٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٥٠) و (٦٧٢). (٧) في (د) و (ز) و (م): ذكره، ولم تجود في (ظ)، والمثبت من (ف). (٨) ٧/٤ - ٨ . ٩ سورة الصافات: الآيات ١ - ٥ ((آمَنَ شِعرهُ وكَفَرَ قَلْبُه)» (١) قال: هو حقٌّ، فما أَنكرتُم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قوله: حمراءَ يُصبِحُ لونُها يتَورَّدُ والشمسُ تطلُعُ كلَّ آخِرٍ ليلةٍ إلَّا مُعَذَّبةً وإلَّا تُجْلَدُ(٢) ليستْ بطالعةٍ لَهم في رِسْلِها ما بالُ الشمس تُجْلَد؟ فقال: والذي نفسي بيده، ما طلعتْ شمسٌ قظُ حتى يَنْخُسَها سبعون ألف مَلَك، فيقولون لها: اطلعي اطلعي، فتقول: لا أَطْلُعُ على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملكٌ فيستقل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطانٌ يريد أن يصدَّها عن الطُّلوع، فتطلعُ بين قَرْنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، فذلك قولُ رسول الله *: ((ما طلعتْ إلا بين قرنَيْ شيطان، ولا غربَتْ إلا بين قَرْني شيطان))(٣) وما غربَتْ قط إلا خَرَّتْ لله ساجدةُ، فيأتيها شيطانٌ يريدُ أن يصدَّها عن السجود، فتغربُ بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها(٤). لفظ ابن الأنباري. وذَكّر عن عكرمة، عن ابن عباس قال: صدَّق رسولُ اللـه ﴿ أُميّةَ بن أبي الصَّلْت في هذا الشعر: والنَّسر للأُخرى وليثُ مُرْصَدُ رَجُلٌ(٥) وثَوْرٌ تحتَ رِجلٍ يَمِينِهِ حمراءَ يُصبِحُ لونُها يَتَورَّدُ والشمسُ تَطلُعُ كلَّ آخرٍ ليلةٍ (١) سلف ٣٨٤/٩ بهذا اللفظ، وأخرجه مسلم (٢٢٥٥) من حديث الشَّريد بن سُويد﴾ أن النبيَّ﴾، استنشده من شعر أمية فأنشده .. فقال النبي : ((فلقد كاد يُسلم في شعره)». (٢) ديوان أمية بن أبي الصلت ص ٥٠ - ٥١ وصدر البيت الثاني فيه: تأبى فلا تبدو لنا في رسلها. (٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي # قال: ((لا تَحيَّنوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان)) أخرجه أحمد (٤٦١٢)، والبخاري (٣٢٧٣)، ومسلم (٨٢٨): (٢٩٠). (٤) بعدها في النسخ الخطية: فذلك قول رسول الله ﴾: ((ولا غربت إلا بين قرني شيطان)) والمثبت من (م). (٥) في (م): زحل، وهو كذلك في الإصابة ٢١١/١، والمثبت من النسخ الخطية، وديوان أمية ص٥٠-٥١ ، وخزانة الأدب ٢٤٨/١ . ١٠ سورة الصافات: الآيات ٦ - ١٠ إلّا مُعذَّبةً وإلّا تُجْلَدُ ليست بطالعةٍ لهم في رِسْلِها قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي، أَتُجْلَدُ الشمس؟ فقال: إنما اضطره الرَّويّ إلى الجلد، لكنها تخافُ العقاب(١). ودلَّ بذكر المطالع على المغارب؛ فلهذا لم يذكُر المغارب، وهو كقوله: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. وخصَّ المشارقَ بالذِّكر؛ لأن الشُّروق قبل الغروب(٢). وقال في سورة ((الرحمن): ﴿رَبُّ الْثَرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ﴾ [الآية: ١٧] أراد بالمشرقين أقصى مَطْلِع تطلُع منه الشمسُ في الأيام الطّوال، وأقصر يوم في الأيام القِصار على ما تقدَّم في (يس))(٣) والله أعلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ ﴾ وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَانِ مَّارِدٍ لَّا يَسَمَّعُونَ إلَى الْعَلَاِ اْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ﴾ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَصِبُ ﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطِفَةَ فَأَنْبَعَهُمِ شِهَابُ ثَاقِبٌ ( قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِيَةٍ الْكَوَكِ﴾ قال قتادة: خُلقت النجومُ ثلاثاً: رجوماً للشياطين، ونوراً يُهتدَى بها، وزينةَ السماء الدنيا (٤). وقرأ مسروق والأعمش والنخعي وعاصم وحمزة: ((بِزِينةٍ)) مخفوض منوَّن (الكواكبٍ)) خفض على البدل من ((زينةٍ)) لأنها هي. وقرأ أبو بكر كذلك إلا أنه نصب (الكواكبَ))(٥) بالمصدر الذي هو («زينة)). والمعنى: بأنْ زيَّنا الكواكبَ فيها. ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني؛ كأنه قال: إنَّا زيَّنَّاها ((بِزينة)) أعني (١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨/٤ - ٩ دون قول عكرمة: يا مولاي، أتجلد الشمس .. وقول عكرمة هذا أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٥٠). (٢) النكت والعيون ٣٧/٥ -٣٨، وزاد المسير ٤٥/٧ - ٤٦، وينظر تفسير الطبري ٤٩٦/١٩. (٣) ٢٨/١٥. (٤) النكت والعيون ٣٨/٥ . (٥) السبعة ص٥٤٦، والتيسير ص١٨٦ . ١١ سورة الصافات: الآيات ٦ - ١٠ ((الكواكِبَ)). وقيل: هي بدل من ((زينة)) على الموضع. ويجوز ((بِزِينَةٍ الكواكبُ))(١) بمعنى: بأنَّ زينتَها الكواكبُ. أو بمعنى: هي الكواكب. الباقون: ((بِزِينَةِ الكواكبِ)) على الإضافة. والمعنى: زيَّنا السماءَ بتزيين الكواكِبِ؛ أي: بُحسْنِ الكواكب. ويجوز أن يكون كقراءة من نوَّن إلا أنه حذفَ التنوين استخفافاً (٢). ﴿وَحِفْظًا﴾ مصدر؛ أي: حَفِظناها حِفْظاً ﴿مِّنِ كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِمٍ﴾ لمَّا أخبر أن الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بيَّن أنه حَرَس السماءَ عن استراق السَّمع بعد أن زيَّنها بالكواكب. والمارد: العاتي من الجنّ والإنس، والعرب تُسمِّيه شيطاناً(٣). قوله تعالى: ﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْعَلَِّ الْأَعْلَى﴾ قال أبو حاتم: أي: لئلا يسمَّعوا، ثم حذفَ [اللام و] ((أن)) فرفع الفعل(٤). الملأ الأعلى: أهلُ السماء الدنيا فما فوقها، وسمَّى الكلَّ منهم أعلى بالإضافة إلى ملأ الأرض. الضمير في ((يَسَّمَّعُون)) للشياطين. وقرأ جمهورُ الناس: ((يَسْمَعُونَ)) بسكون السين وتخفيف الميم. وقرأ حمزةٌ وعاصمٌ في رواية حفص: ((لا يَسَّمَّعُونَ)) بتشديد السين والميم، من التسميع(٥) . فينتفي على القراءة الأُولى سماعُهم وإنْ كانوا يستمعون، وهو المعنى الصحيح، ويعضُده قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] وينتفي على القراءة (١) حكاها الزهراوي كما في المحرر الوجيز ٤ /٤٦٦ . (٢) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤١٠ - ٤١١، وينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢٢١/٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤١١/٣ . (٤) ذكره السمين الحلبي في الدر المصون ٩/ ٢٩٣ (وما بين حاصرتين منه) ثم قال: وفيه تعسُّف. (٥) وهي قراءة الكسائي. السبعة ص٥٤٧ ، والتيسير ص١٨٦ . ١٢ سورة الصافات: الآيات ٦ - ١٠ الأخيرة أن يقعَ منهم استماعٌ أو سَماع. قال مجاهد: كانوا يتسمَّعون، ولكن لا يسمعون. وروي عن ابن عباس: ((لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الملأ)) قال: هم يَسَّمَّعون ولا يَسْمَعون(١). وأصل ((يَسَّمَّعُونَ)) يتسمَّعون، فأُدغِمَتِ التاءُ في السين لِقُربها منها. واختارها أبو مُبيد؛ لأن العربَ لا تكاد تقول: سمعتُ إليه، وتقول: تسمَّعت إليه(٢). ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَاِبٍ﴾ أي: يُرمَون من كل جانب؛ أي: بالشُّهب. ﴿يُحُورًا﴾ مصدر؛ لأن معنى ((يُقْذَفُونَ)) يُدْحَرون؛ دحرته دَخْراً ودُحُوراً، أي: طردته. وقرأ السُّلَمي ويعقوب الحَضْرمي: ((دَحُوراً)) بفتح الدال(٣)، يكون مصدراً على فَعول. وأما الفرَّاء، فقدَّره(٤) على أنه اسمُ الفاعل. أي: ويُقْذَفون بما يَذْحَرهم، أي: بدحور، ثم حذف الباء؛ والكوفيون يستعملون هذا كثيراً [كما أنشدوا]: تَمرُّون الديارَ ولم تَعوجُوا (٥) واختُلف هل كان هذا القذف قبل المَبْعث، أو بعده لأجل المَبْعث؛ على قولين. وجاءت الأحاديثُ بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة ((الجن))(٦) عن ابن عباس. وقد يُمكن الجمعُ بينهما أن يقال: إنَّ الذين قالوا: لم تكن الشياطين تُرْمَى بالنجوم قبل مَبْعث النبيِّ ﴿، ثم رُميت؛ أي: لم تكن تُرمَى رمياً يَقْطَعُها عن السَّمع، ولكنها (١) في (خ) و (د) و (ز) و(م): هم لا يسمعون ولا يتسمعون. وفي (ظ): هم لا يتسمعون. والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٤١١/٣، والنكت والعيون ٣٨/٥، وتفسير الرازي ١٢٢/٢٦. (٢) المحرر الوجيز ٤ /٤٦٦ . (٣) وهي غير المشهورة عن يعقوب، وقراءته المشهورة عنه كقراءة الجماعة، وقراءة السلمي في القراءات الشاذة ص ١٢٧ . (٤) في (م): فإنه قدَّره. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤١٢/٣، وما بين حاصرتين منه. والبيت لجرير، وهو في ديوانه ٢٧٨/١، وعجزه: كلامُكُمُ عليَّ إذاً حرامُ. ووقع صدره في الديوان: أتمضون الرسومَ ولا تُحيَّى. وهو برواية المصنف في الخزانة ٩/ ١٢١ . (٦) في تفسير الآيات (٨ - ١٠). ١٣ سورة الصافات: الآيات ٦ - ١٠ كانت تُرمَى وقتاً ولا تُرمَى وقتاً، وتُرمى من جانب ولا تُرمَى من جانب. ولعل الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورَّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يُقذَفون إلا من بعض الجوانب، فصاروا يُرمَوْن واصباً. وإنما كانوا من قبلُ كالمُتَجَسِّسة من الإنس، يبلغُ الواحدُ منهم حاجته ولا يبلُغها غيرُه، ويَسْلَمُ واحدٌ ولا يَسلَمُ غيره، بل يُقْبَضُ عليه ويُعاقب وينكل . فلما بُعث النبيُّ# زِيد في حفظ السماء، وأُعِدَّت لهم شُهُبٌ لم تكن من قبل؛ لِيُذْحَروا عن جميع جوانب السماء، ولا يَقَرُّوا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها؛ فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يَختطِفَ أحدٌ منهم بخفّة حركته خطفةً، فيتبعه شهابٌ ثاقبٌ قبلَ أن يَنزِلَ إلى الأرض، فَيُلقيها إلى إخوانه فيحرقه؛ فبطلت من ذلك الكهانة، وحصلت الرسالةُ والنبوَّة. فإن قيل: إن هذا القذفَ إن كان لأجل النبوّة فَلِمَ دامَ بعد النبي ﴿؟ فالجواب: أنه دامَ بدوام النبوّة، فإن النبي﴾ أخبر ببطلان الكهانة فقال: ((ليس منَّا من تَكَهَّن)) (١) فلو لم تُحرَسْ بعد موته لعادت الجنُّ إلى تسمُّعها؛ وعادت الكهانة. ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأنَّ قَطْعَ الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوّة فعادت الكهانة دخلت الشُّبهة على ضُعفاء المسلمين، ولم يُؤْمَن أن يظنُّوا أنَّ الكهانة إنما عادت لِتناهي النبوّة، فصحَّ أن الحِكمة تقتضي دوامَ الحراسة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد أن توفَّه الله إلى كرامته صلى الله عليه وعلى آله. ﴿وَمْ عَذَابٌ وَاصِبُّ﴾ أي: دائم؛ عن مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس: شديد. الكلبي والسدّي وأبو صالح: مُوجِع؛ أي: الذي يَصِلُ وجعُه إلى القلب؛ مأخوذٌ من الوَصَب، وهو المرض(٢). (١) أخرجه البزار في البحر الزخار (٣٥٧٨) من حديث عمران بن حصين ﴾ بلفظ: ((ليس منا تطيّر أو تُطْيُر له، أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له .. )) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٧/٥: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع، وهو ثقة. وسلف نحوه ٩/ ٣٠٧ . (٢) تفسير الطبري ٥٠٦/١٩ - ٥٠٧، والنكت والعيون ٣٩/٥ . ١٤ سورة الصافات: الآيات ٦ - ١٠ ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ استثناء من قوله: ﴿وَيُقْذَّفُونَ مِنْ كُلِّ جَانٍِ﴾ وقيل: الاستثناء يرجع إلى غير الوحي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] فيسترقُ الواحدُ منهم شيئاً مما يَتفاوضُ فيه الملائكة مما سيكون في العالم قبلَ أن يعلمَه أهلُ الأرض؛ وهذا لِحقَّة أجسام الشياطين، فَيُرجَمون بالشُّهب حينئذ. ورُوي في هذا الباب أحاديثُ صحاح، مضمنها: أن الشياطين كانت تَصعَدُ إلى السماء، فتقعد للسمع واحداً فوق واحد، فيتقدَّم الأجسرُ نحو السماء، ثم الذي يَليه، ثم الذي يَليه، فيقضي اللهُ تعالى الأمرَ من أمر الأرض، فيتحدَّث به أهلُ السماء، فيسمعه منهم الشيطان الأَدْنى، فَيُلقيه إلى الذي تحته، فربما أحرقَه شهاب وقد أَلقى الكلامَ، وربما لم يُخْرِقه، على ما بيَّناه. فتنزل تلك الكلمةُ إلى الكُهَّان، فيكذِبون معها مئةَ كذبة، وتصدق تلك الكلمة، فَيُصدِّق الجاهلون الجميعَ، كما بيَّناه في ((الأنعام))(١). فلما جاء الله بالإسلام حُرِست السماء بشدّة، فلا يُفلت شيطانٌ سمع بَّةً. والكواكبُ الراجمة هي التي يراها الناس تنقضّ. قال النقَّاش ومكِّي: وليست بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا تُرى حركتها، وهذه الراجمة تُرى حركتها؛ لأنها قريبة منا(٢). وقد مضى في هذا الباب في سورة ((الحجر)) (٣) من البيان ما فيه كفاية. وذكرنا في (سبأ))(٤) حديثَ أبي هريرة. وفيه: ((والشياطينُ بعضُهم فوق بعض)) وقال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح. وفيه: عن ابن عباس: ((ويختطفُ الشياطينُ السَّمْعَ، فَيُرمَوْن، (١) ٤٠٥/٨، وذكر المصنف ثمة في هذا المعنى حديث عائشة رضي الله عنها، وهو عند البخاري (٣٢١٠)، وينظر حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند مسلم (٢٢٢٩)، وهذا الكلام وما بعده من المحرر الوجيز ٤ /٤٦٦ . (٢) قال ابن عطية: في هذا نظر. (٣) ١٨٧/١٢ وما بعدها . (٤) ٢٩٦/١٤ . ١٥ سورة الصافات: الآيات ٦ - ١٠ فَيَقذِفُونه إلى أوليائهم، فما جاءوا به على وَجْههِ فهو حقٌّ، ولكنهم يُحرِّفونه ويَزيدون)). قال: هذا حديثٌ حسن صحيح(١). والخَظْف: أخذُ الشيء بسرعة؛ [يقال: ] خَطَفَ وخَطِفَ وخَطَّفَ وخِظَّفَ وخِطّف(٢). والأصل في المُشدَّدات: اختطف، فأدعم التاء في الطاء لأنها أُختها، وفتحت الخاء؛ لأن حركةَ التاء أُلقيت عليها. ومَن كَسَرها فلالتقاء الساكنين. ومَن گَسَرَ الطاء أتبع الكسر الكسر(٣). ﴿فَنْتَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي: مُضيء؛ قاله الضحاك والحسن وغيرهما(٤). وقيل: المراد كواكبُ النار تَتْبعهم حتى تُسقطهم في البحر. وقال ابن عباس في الشهب: تُحرقهم من غير موت(٥). وليست الشُّهُب التي يرجم(٦) بها من الكواكب الثوابت. يدلُّ على ذلك رؤيةُ حركاتها، والثابتة تجري ولا تُرى حركاتُها لِيُعْدها. وقد مضى هذا. وجمعُ شِهاب شُهُب، والقياسُ في القليل أَشْهِبة وإن لم يُسمَع من العرب(٧). و((ثَاقِبٌ)) معناه: مُضِيء؛ قاله الحسن ومجاهد وأبو مِجْلَز. ومنه قوله: وَزَنْدُكَ أَثْقَبُ أزنادِها(٨). أي: أضوأ. وحكى الأخفش في الجمع: شُهُبٌ تُقُبٌ، وثواقب وثقاب. وحكى الكسائي: ثَقَبِتِ النارُ تَثْقُبُ ثَقابةً وثقوبا، إذا اتَّقدت، وأَثقبتُها أنا(٩). وقال زيد ابن أسلم في الثاقب: إنه المستوقد؛ من قولهم: أَثْقِب زَنْدَك، أي: استوقد نارَك؛ (١) سنن الترمذي (٣٢٢٤). (٢) وهذه قراء الحسن وقتادة وعيسى كما في القراءات الشاذة ص ١٢٧ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤١٢/٣ . (٤) النكت والعيون ٣٩/٥ عن الضحاك. (٥) أخرجه الطبري ٥٠٨/١٩ . (٦) بعدها في (م): الناس. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٤١٣/٣ . (٨) معاني القرآن للنحاس ١٣/٦، والزَّند: خشبة يُستَقْدَح بها. اللسان (زند). (٩) إعراب القرآن للنحاس ٤١٣/٣، وينظر اللسان (ثقب). ١٦ سورة الصافات: الآيات ٦ - ١٧ قاله الأخفش. وأنشد قول الشاعر: بينما المرءُ شِهابٌ ثاقبٌ ضربَ الدهرُ سَناهُ فَخَمدْ(١) قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمَ مَنْ خَلَقْنَاً إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لََّزِبٍ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴿ وَإِذَا ذُكِرُواْ لَا يَذَّكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْ ءَايَةٌ يَسْتَسْخِرُونَ ١٤ (١) أَوَ وَقَالُواْ إِنْ هَذَا إِلََّ سِخْرٌ مُّبِينُ ( أَوِذَا مِنْنَا وَكُنَا نُرَابًا وَعِظَمَا لَمِنَا لَمَبْعُونُونَ ءَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ﴾ أي: سَلْهم، يعني أهل مكة؛ مأخوذٌ من استفتاء المُفتي. ﴿أَهُ أَشَدُّ خَلْفًا أَمَ مَنْ خَلَقْنَا﴾ قال مجاهد: أي: مَن خَلَقنا مِن السماوات والأرض والجبال والبحار. وقيل: يدخل فيه الملائكة ومَن سلف من الأمم الماضية. يدلّ على ذلك أنه أخبر عنهم بـ«مَنْ)) قال سعيد بن جُبير: الملائكة. وقال غيره: من الأُمم الماضية، وقد هلكوا، وهم أشدُّ خَلْقاً منهم (٢). نزلت في أبي الأشدّ بن كَلَدَة، وسُمِّ بأبي الأشدّ لِشِدَّةِ بَطْشه وقوَّته(٣). وسيأتي في ((البلد))(٤) ذِكْره. ونظيرُ هذه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وقوله: ﴿وَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ التَّهُ﴾ (٥) [النازعات: ٢٧]. ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِن ◌ِينٍ لَّازِبٍ﴾ أي: لاصق؛ قاله ابن عباس. ومنه قول عليّ ﴾: تَعَلَّمْ فَإنّ الله زادكَ بَسطةً وأخلاقَ خيرٍ كلّها لكَ لَازِبُ (١) النكت والعيون ٣٩/٥، وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري ٥٠٩/١٩، والبيت لعبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، ذكره الجاحظ في ((البرصان)» ص١٢٢ . (٢) هذه الأقوال في النكت والعيون ٥/ ٤٠، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٥١٠/١٩ . (٣) الكشاف ٣٣٧/٣، وأبو الأشدّ الجمحي قُتل كافراً، وذكر السهيلي في الروض الأنف ٢/ ٦٥ أنه قال للنبي#: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول الله ﴾ مراراً فلم يؤمن. (٤) في تفسير الآيات (٥ - ٩). (٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٣ . ١٧ سورة الصافات: الآيات ١١ - ١٧ وقال قتادة وابن زيد: معنى ((لَازِبٍ)) لازق. الماوردي(١): والفرقُ بين اللّاصق واللّزق: أن اللَّصق: هو الذي قد لَصِقَ بعضُه ببعض، واللَّازق: هو الذي يلتزق بما أصابه. وقال عِكرمة: (لَازِبٍ)) لزج(٢). سعيد بن جُبير: أي: جيد حرٌّ يَلْصَق باليد. مجاهد: (لَازِب)) لاتم (٣). والعرب تقول: طينٌ لازِبٌ ولازِمٌ، تبدل الباء من الميم. ومثله قولهم: لاتب ولاتم(٤). على إبدال الباء بالميم. واللازب الثابت؛ تقول: صار الشيء ضَرْبةَ لازب، وهو أفصحُ من لازم. قال النابغة: ولا يَحْسِبُونَ الخيرَ لا شَرَّ بعدَهُ ولا يَحْسِبُونَ الشرَّ ضربةَ لَازِبٍ (٥) وحكى الفرّاء عن العرب: طين لاتب بمعنى لازِم (٦). واللاتِب الثابت؛ تقول منه: لَتَبِ يَلْتُب لَْباً ولُتُوباً، مثل: لَزَب يَلْزُب - بالضم - لُزوباً؛ وأنشد أبو الجرَّاح في اللَّاتب: فإِنِّيَّ من شُربِ النّبيذِ لَقَائِبُ فإن يَكُ هذا من نَبیذٍ شربْتُهُ وَغَمٌّ مع الإِشْرَاقِ في الْجَوفِ لَاتِبُ صُدَاعٌ وَتَوْصِيمُ العِظَامِ وفَتْرَةٌ واللَّتب أيضاً: اللَّصق: مثل: اللَّزب، عن الأصمعي، حكاه الجوهري(٧). (١) في النكت والعيون ٥/ ٤٠، وما قبله منه، وقول قتادة أخرجه الطبري ١٩/ ٥١٣. (٢) أخرجه الطبري ١٩/ ٥١٢. (٣) تفسير مجاهد ٢/ ٥٤٠، وأخرجه الطبري ٥١٣/١٩ . (٤) في (خ) و (ز) و(ف): لائب ولائم، وفي (٥): لاثب ولازم، وفي (م): لاتب ولازم، والمثبت من (ظ). واللَّتْب واللَّتْم: الطعن في النحر. اللسان (لتم). (٥) تفسير الطبري ٥١١/١٩، والصحاح (لزب) والبيت في ديوان النابغة ص ١٣. (٦) معاني القرآن للفراء ٣٨٤/٢، ونسب هذه اللغة لقيس، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤١٣ . (٧) في الصحاح (لتب) و (لزب) والبيتان فيه، والبيت الثاني في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٨٤، وتفسير الطبري ١٩/ ٥١١ ، وفيهما: وغنيّ، بدل: وغمِ. ١٨ سورة الصافات: الآيات ١١ - ١٧ وقال السدي والكلبي في اللّازب: إنه الخالص. مجاهد والضحَّاك: إنه المُنتن(١). قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ قراءةُ أهل المدينة وأبي عمر وعاصم بفتح التاء خِطاباً للنبي #(٢)؛ أي: بل عجبتَ مما نزل عليك من القرآن وهم يسخرون به. وهي قراءة شُرَيح و[أنكر قراءة الضم وقال:] إن الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم. وقيل: المعنى بل عجبت من إنكارها للبعث(٣). وقرأ الكوفيون إلا عاصماً بضم التاء(٤). واختارها أبو عُبيد والفرّاء، وهي مرويَّة عن عليٍّ وابن مسعود؛ رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: ((بَلْ عَجِبْتُ)) بضم التاء. وتُروَى عن ابن عباس(٥). قال الفرَّاء(٦) في قوله سبحانه: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفعُ أحبُّ إليَّ؛ لأنها عن علي وعبد الله وابن عباس. وقال أبو زكريا الفراء: العجبُ إن أُسْنِد إلى الله عز وجل فليس معناه من الله كمعناه من العباد؛ وكذلك قوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد. وفي هذا بيان الكسر لقول شُريْح حيث أنكر القراءة بها. روى جرير عن الأعمش (٧) عن أبي وائل شَقِيق بن سَلَمة قال: قرأها عبد الله يعني ابن مسعود: ((بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)) قال شُريح: إنَّ الله لا يعجبُ من شيء، إنما يعجبُ مَن لا يعلم. قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم فقال: إنَّ شُريحاً كان يُعجبه (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٤ . (٢) السبعة ص ٥٤٧، والتيسير ص١٨٦، والنشر ٣٥٦/٢. (٣) معاني القرآن للنحاس ١٥/٦، وما بين حاصرتين منه. وقال الزجاج في معاني القرآن ٤/ ٣٠٠ : وإنكارها هذا غلط؛ لأن القراءة والرواية كثيرة، والعجبُ من الله عز وجل خِلافُه من الآدميِّين. (٤) السبعة ص ٥٤٧، والتيسير ص١٨٦، والنشر ٣٥٦/٢ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤١٣/٣ . (٦) في معاني القرآن ٢/ ٣٨٤ . (٧) في (م): والأعمش. وجرير: هو ابن عبد الحميد الضبي. ١٩ سورة الصافات: الآيات ١١ - ١٧ رأيه، إن عبد الله كان أعلمَ من شُرَيح، وكان يقرؤها عبد الله: (بَلْ عَجِبْتُ))(١). قال الهرويّ: وقال بعضُ الأئمة: معنى قوله: ((بَلْ عَجِبْتُ)): بل جازيتهم على عجبهم(٢)؛ لأن الله تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحقّ؛ فقال: ﴿وَمُواْ أَن ◌ََّهُ مَُّذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤]، وقالوا(٣): ﴿إِنَّ هَذَا لَثَىُ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ [يونس: ٢] فقال تعالى: ((بَلْ عَجِبْتُ)) بل جازيتهم على التعجُّب. قلت: وهذا تمامُ قول الفرّاء، واختاره البيهقي (٤). وقال علي بن سليمان: معنى القراءتين واحد، والتقدير: قُلْ يا محمد: بل عجبت؛ لأن النبيَّ # مُخاطب بالقرآن. النحاس(٥): وهذا قول حسن، وإضمارُ القول کثیر. البيهقي(٦): والأول أصَّ. المهدوي: ويجوز أن يكون إخبارُ اللهِ عن نفسه بالعجب محمولاً على أنه أظهر من أمره وسخطه على من كَفَر به ما يقوم مقامَ العجب من المخلوقين؛ كما يُحْمَل إخباره تعالى عن نفسه بالضَّحِك لمن يرضى عنه - على ما جاء في الخبر عن النبي ﴾(٧) - على أنه أَظْهرَ له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازاً واتِّساعاً. (١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٩٩١). (٢) نسبه ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٥٠ لابن الأنباري. (٣) في (م): وقال. (٤) في الأسماء والصفات ٤١٦/٢ . (٥) في إعراب القرآن للنحاس ٤١٣/٣، وما قبله منه. (٦) في الأسماء والصفات ٤١٦/٢ . (٧) مثل حديث: ((يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد)) أخرجه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠) من حديث أبي هريرة ﴾. ٢٠ سورة الصافات: الآيات ١١ - ١٧ قال الهرويّ: ويقال: معنى ((عَجِبَ رَبُّكُم)): أي: رضي وأثاب؛ فسمَّاه عجباً، وليس بعجب في الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] معناه: ويُجازيهم الله على مَكْرهم، ومثلُه في الحديث: ((عَجبَ رَبُّكُمْ مِنْ إِلَّكُمْ وقُنوطكم))(١). وقد يكون العجبُ بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيماً. فيكون معنى قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ أي: بل عَظُم فِعْلُهم عندي. قال البيهقي(٢): ويُشبه أن يكون هذا معنى حديثٍ عُقبة بن عامر قال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((عَجِبَ ربُّك من شاب ليست له صَبْوة))(٣) وكذلك ما خرَّجه البخاري عن [أبي هريرة عن النبي # قال: ((عَجِبَ اللهُ من قومٍ يدخلون الجنة في السلاسل))(٤)]. قال البيهقي : وقد یکون هذا الحدیثُ وما ورد من أمثاله أنه يعجبُ ملائكته من كرمه ورأفته بعباده(٥)، حين حَمَلَهم على الإيمان به بالقتال والأَسْر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أَدخلهم الجنة. وقيل: معنى ((بَلْ عَجِبْتُ)): بل أنكرتُ. حكاه النقّاش. وقال الحسين بن الفَضْل: التعجبُ من الله إنكارُ الشيء وتعظيمه، وهو لغةٌ العرب. وقد جاء في الخبر: ((عَجِبَ ربُّكم من إِلّكم وقُنوطكم)). ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ قيل: الواو واو الحال؛ أي: عَجِبتُ منهم في حال سُخريتهم. (١) أورده أبو عبيد في غريب الحديث ٢٦٩/٢. وقال: فإن كان المحفوظ قوله: ((من إلّكم)) بكسر الألف، فإني أحسبها: من ألَّكم، بالفتح، وهو أشبه بالمصادر. وهو أن يرفع الرجل صوته بالدعاء، ويجار فيه. (٢) في الأسماء والصفات ٢/ ٤١٧ - ٤١٨. (٣) أخرجه أحمد (١٧٣٧١). (٤) من قوله: وكذلك .. إلى هنا، ليس في (خ) و (د) و (ز) و (ظ)، ووقع في (ف): وكذلك ما خرجه البخاري عن، وبعده بياض إلى هنا، وما بين حاصرتين من صحيح البخاري (٣٠١٠)، وأخرجه أحمد (٩٢٧١). (٥) الصواب إثبات صفة العَجَب لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته.