Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة يس: الآيات ٤٥ - ٥٤ ﴿وَلَّ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ إذا ماتوا. وقيل: إنَّ معنى ((ولا إلى أهلهم يَرْجِعون)): لا يَرْجعون إليهم قولاً. وقال قتادة: ((ولا إلى أهلهم يَرْجِعون)) أي: إلى منازلهم؛ لأنَّهم قد أُعْجِلوا عن ذلك(١). قَالُواْ ٥١ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى الْصُورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ إِن يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن ◌َّرْقَدِنَّأْ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (فَ@) فَأَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (@) نَفْسُ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٥٤ قوله تعالى: ﴿وَتُفِغَ فِ الصُّورِ﴾ هذه النفخةُ الثانيةُ لِلنَّشْأة. وقد بيًَّّا في سورة النملِ أنَّهما نفختان لا ثلاثٌ(٢) وهذه الآيةُ دالَّةٌ على ذلك. وروى المباركُ بنُ فَضالة عن الحسن قال: قال رسول الله ﴾: ((بين النَّفْخَتين أربعون سنةٌ: الأُولى يُميتُ الله بها كلَّ حيٍّ، والأُخرى يُحيي اللهُ بها كلَّ مَيِّتٍ))(٣). وقال قتادةُ: الصُّورُ جمعُ صُورَة، أي: نُفخ في الصُّوَر الأرواحُ(٤). وصُورَةٌ وصُورٌ مثلُ سُورةِ البناءِ وسُوْر؛ قال العَجَّاجِ: ورُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورٍ سُرْتُ إليهِ في أَعالي السُّورِ (٥) وقد رُوي عن ابن هرمز أنه قرأ: ((ونُفِخَ في الصُّوَرِ))؛ النحاس(٦): والصحيحُ أنَّ (١) النكت والعيون ٢٢/٥، وأخرجه الطبري ٤٥٤/١٩ دون قوله: أي إلى منازلهم. (٢) عند تفسير الآية (٨٧) منها. (٣) النكت والعيون ٢٣/٥، وسلف عند تفسير الآية (٨٧) من سورة النمل. (٤) في (م): والأرواح. (٥) ديوان العجاج ص٢٢٩ - ٢٣٠، والكتاب ٥١/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣٩٩/٣، والكلام منه. قوله: سُرْت، أي: وثبت. شرح الشواهد للشنتمري ص٥٤٩ ، (٦) في إعراب القرآن ٣٩٩/٣، وما قبله منه، ووقع في النسخ: أبي هريرة، بدل: ابن هرمز، وهو تصحيف، وينظر المحرر الوجيز ٤٥٧/٤، والبحر ٣٤١/٧ . والقراءة في المحتسب ٢١٢/٢ عن قتادة. ٤٦٢ سورة يس: الآيات ٥١ - ٥٤ ((الصُّوْر)) بإسكان الواو: القَرْن، جاء بذلك التوقيفُ عن رسولِ اللـه﴾، وذلك معروفٌ في كلامِ العرب، أَنشد أهلُ اللغة: بالضَّابِحاتِ في غُبَارِ النَّفْعَيْنِ نحنُ نَطَحْناهم غَداةَ الغُورَيْنِ نَظحاً شديداً لا كَنَطْحِ الصُّورَيْن وقد مضى هذا في ((الأنعام)) مستوفىّ(١). ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَبْدَاثِ﴾ أي: القبور. وقرئ بالفاء: ((مِن الأَجْدافِ)) ذكره الزمخشريُّ(٢). يقال: جَدَثٌ وَجَدَفٌ. واللغةُ الفصيحةُ: جَدَثٌ؛ بالثاء، والجمعُ أَجْدُثٌ وأجداث؛ قال المتنخِّلُ الهُذَليُّ: عَرفتُ بِأَجْدُثٍ فَنِعَافِ عِرْقٍ عَلَاماتٍ كَتَحِيرِ النِّمَاطِ(٣) واجْتَدَثَ: أي: انّخذ جَدَثاً. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أي: يخرجون؛ قاله ابنُ عباس وقتادة(٤). ومنه قولُ امرئ القيس : فَسُلِّي ثِيابي من ثيابِك تَنْسِلٍ (٥) ومنه قيل للولد: نَسْل؛ لأنَّه يخرج من بطنٍ أمِّه. (١) ٤٣٠/٨ وما بعدها، وسلف ثَمَّة البيت الأول والثالث، والأول برواية: الجمعين، بدل: الغورين، والأبيات الثلاثة في أمالي القالي ٣٦/١. قوله: بالضابحات، من ضبحت الخيل: إذا عَدّت. اللسان (ضبح). (٢) في الكشاف ٣٢٥/٣ . (٣) ديوان الهذليين ١٨/٢، والصحاح (جدث)، والكلام منه. قال شارح الديوان: أجدث ونِعاف عِرقٍ: هي مواضع، كتحبير: كتنقيش. والنماط جمع نمط. اهـ وفي القاموس (نمط): النمط: ضربٌ من البُسُط. (٤) أخرج قولهما الطبري ١٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦ . (٥) ديوان امرئ القيس ص١٣، وسلف ١٤/ ٢٨٧. وصدره: وإن كنت قد ساءتك مني خليقة. ٤٦٣ سورة يس: الآيات ٥١ - ٥٤ وقيل: يُسرعون. والنَّسَلان والعَسَلان: الإسراعُ في السَّيْر، ومنه مِشْيةُ الذئب؛ قال : عَسَلانَ الذِّئْبِ أَمْسَى قَارِباً بَرَدَ الليلُ عليه فَنَسَلْ(١) يقال: عَسَل الذئبُ ونَسَل، يَعْسل ويَنْسِل، من باب ضَرَبَ يَضْرِب. ويقال: يَنسُل بالضم أيضاً. وهو الإسراع في المشي، فالمعنى: يخرجون مسرعين. وفي التنزيل: ﴿مَّا خَلْقُّكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقال: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَمْدَاثِ كَهُمْ جَرَدٌ مَُّثِيرٌ﴾ [القمر: ٧]، وفي ((سَأَلَ سائلٌ)): ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَعْدَاثِ سِرَا كَأَنَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الآية: ٤٣] أي: يُسْرعون. وفي الخبر: شَكَوْنا إلى النبيِّ﴾ الضعفَ فقال: ((عليكم بالنَّسْل))(٢) أي: بالإسراع في المشي، فإنَّه ينشِّط. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَوَيَِّنَا﴾ قال ابن الأنباريّ(٣): ((يا ويلنا)) وقفٌ حسنٌ، ثم تَبتدئُ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾. وروي عن بعضِ القراء: (يا ويلنا مِن بَعْثِنا)) بكسر مِن والثاء من البعث، رُوي ذلك عن عليٍّ﴾، فعلى هذا المذهبِ لا يَحْسُنُ الوقفُ على قوله: ((يا ويلنا))، حتى يقول: ﴿مِن ◌َّرْقَدِنَّا﴾، وفي قراءةٍ أبيّ بنِ كعب: ((مَنْ أَهَبَّنا))(٤) بالوصلِ(٥) (مِن مَرْقَدِنا))، فهذا دليلٌ على صحةٍ مذهبِ العامَّة. (١) البيت للبيد أو للنابغة الجعدي، وقد سلف ٢٨٧/١٤. قوله: قارباً؛ القارب هو طالب الماء ليلاً. اللسان (قرب). (٢) غريب الحديث لابن الجوزي ٤٠٥/٢، والنهاية ٥/ ٥٠، وأخرجه بنحوه ابن قتيبة في غريب الحديث ٢٢١/١ من طريق ابن عيينة عن رجل: أن النبي # مر بأصحابه وهم يمشون، فشكوا إليه الإعياء، فأمرهم أن ينسلوا، وإسناده ضعيف. (٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٥٤ . (٤) في (ظ): أبعثنا، وفي (م): هبنا، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إيضاح الوقف والابتداء، إلا أن ابن الأنباري نسبها لابن مسعود ﴾. وذكر ابن جني في المحتسب ٢١٤/٢ عن أبيٍّ أنه قرأ: ((هَّنا))، وعن ابن مسعود أنه قرأ: ((أهبَّنا)). (٥) قوله: بالوصل، ليس في (خ) و(ز) ولا في إيضاح الوقف والابتداء (والكلام منه). وسيذكر المصنف عن ابن الأنباري لاحقاً أنها بالوصل. ٤٦٤ سورة يس: الآيات ٥١ - ٥٤ قال المهدويُّ: قرأ ابنُ أبي ليلى: ((قالوا يا وَيْلَتَنا)) بزيادةِ تاءٍ(١)، وهو تأنيثُ الويل، ومثلُه: ﴿يَوَيَِّ ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]. وقرأ عليٍّ ﴾: ((يا وَيْلَنا مِن بَعْثِنا)) فـ((مِن)) متعلِّقةٌ بالويل، أو حالٌ من ((ويلنا)) فتتعلَّق بمحذوف، كأنه قال: يا ويلنا كائناً مِن بَعْثِنا، وكما يجوزُ أن يكون خبراً عنه كذلك يجوزُ أن يكون حالاً منه. و((مِن)) من قوله: ((مِنْ مَرْقَدِنَا)) متعلِّقةٌ بنفس البعث(٢). ثم قيل: كيف قالوا هذا وَهُم من المعذَّبين في قبورهم؟ فالجوابُ: أنَّ أُبيّ بن کعب قال: ينامون نومة(٣). وفي روايةٍ فيقولون: يا ويلنا من هَبَّنا (٤) من مرقدنا. قال أبو بكر الأنباريُّ: لا يُحمَلُ هذا الحديثُ على أنَّ ((هبَّنا)) من لَفْظِ القرآن كما قاله مَن طَعَنَ في القرآن، ولكنه تفسيرُ ((بَعَثَنَا)) أو مُعبِّرٌ عن بعضٍ مَعَانيه. قال أبو بكر: وكذا حَفِظْتُهُ: ((مَنْ هَبَّنا)) بغيرِ ألفٍ في ((هبَّنَا)) مع تَسْكينِ نونِ ((مَن))، والصوابُ فيه على طريق اللغة: ((مَنَ اهبَِّا)) بفتحِ النون على أنَّ فتحةَ همزةِ أهبَّ أُلْقِيتْ على نونِ (مَن)) وأُسقطت الهمزة، كما قالت العرب: مَنَ اخْبَركَ، مَنَ اعْلَمك؟ وهم يريدون: مَنْ أَخبرك. ويقال: أَهْببتُ النائم فهبَّ النائمُ. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي : وعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُني ولم يَغتمزْني قبل ذاكَ عَذُولُ(٥) (١) القراءات الشاذة ص١٢٥. وذكر ابن جني عن ابن أبي ليلى: ((يا ويلتا)) بالتاء بعدها ألف. وذكر أبو حيان في البحر ٧/ ٣٤١ القراءتين عن ابن أبي ليلى، وقال في الثانية: ومعنى هذه القراءة أن كل واحد منھم یقول: یا ویلتا. (٢) المحتسب ٢١٣/٢. وقراءة علي ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢٥ وقد سلفت قريباً. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٠/٣. وأخرج قول أبيٍّ ﴾ الطبري ٤٥٦/١٩. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٥٨/٤: وهذا غير صحيح الإسناد. (٤) في (د) و(م): أهبنا. (٥) الأمالي للقالي ٣٨/١، وزهر الآداب للحصري القيرواني ٣٥٦/١. وأحمد بن يحيى هو ثعلب. قال = ٤٦٥ سورة يس: الآيات ٥١ - ٥٤ وقال أبو صالح: إذا نُفِخَ النفخةُ الأُولى رُفِعَ العذابُ عن أهل القبور وهجعوا هجعةً إلى النفخة الثانية، وبينهما أربعون سنةً؛ فذلك قولُهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن نَّرْقَدِنَّأْ﴾ (١). وقاله ابنُ عباس وقتادة (٢). وقال أهلُ المعاني: إنَّ الكفار إذا عايَنوا جهنَّمَ وما فيها من أنواع العذابِ صار ما عُذِّبوا به في قبورهم إلى جنبٍ عذابها كالنوم(٣). قال مجاهد: فقال لهم المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. وقال قتادةُ: فقال لهم مَن هَدَى الله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وقال الفرَّاء: فقال لهم الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. النخَّاس (٤): وهذه الأقوالُ متَّفِقةٌ؛ لأنَّ الملائكةَ من المؤمنين وممَّن هَدَى الله عزَّ وجلَّ. وعلى هذا يُتأوَّلُ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] وكذا الحديث: ((المؤمنُ عندَ اللهِ خيرٌ من كلِّ ما خَلقَ)»(٥). ويجوزُ أن يكون الملائكةُ صلى الله عليهم وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَهُ﴾. وقيل: إنَّ الكفَّارَ لمَّا قال بعضُهم لبعضٍ: ((مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا)) صدَّقوا الرسلَ لمَّا عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا: ((هذا ما وَعَدَ الرحمنُ وصَدَقَ المُرْسَلون)) فكذَّبْنا به. أَقُرُّوا حين لم ينفعهم الإقرار. = البكري في سمط اللآلي شرح أمالي القالي: هذا الشعر لبعض بني فزارة، والاغتماز: الاستضعاف. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٠٠. (٢) تفسير البغوي ١٥/٤، وأخرجه عن قتادة الطبري ٤٥٦/١٩ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ١٥ . (٤) في إعراب القرآن ٤٠٠/٣، وما قبله منه، وقول الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٨٠. (٥) لم نقف عليه بهذا اللفظ عند غير النحاس، وأخرج ابن ماجه (٣٩٤٧) من حديث أبي هريرة ﴾، عن النبي # قال: ((المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض ملائكته)). قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢٨٨/٢: هذا إسناد ضعيف لضعف يزيد بن سفيان. ٤٦٦ سورة يس: الآيات ٥١ - ٥٤ وكان حفصٌ يقف على ((مِن مَرْقَدِنا)) ثم يبتدئُ فيقول: ((هذا))(١). قال أبو بكر بن الأنباريّ(٢): (مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا)) وقفٌ حَسَنٌ، ثم تَبتدئُ: ((هذا ما وَعَدَ الرحمنُ)). ويجوزُ أن تقف على: ((مرقدِنا هذا)) فتخفضُ ((هذا)) على الإتباع للمرقد، وتَبْتدىُ: ((ما وَعَدَ الرحمنُ)) على معنى: بَعْتُكم ما وعد الرحمن، أي: بَعْتُكُم وعدُ الرحمن. النحاس(٣): التمامُ على ((مِن مَرْقَدِنا))، و((هذا)) في موضعِ رفعٍ بالابتداء وخبرُه ((ما وَعَدَ الرحمنُ)). ويجوزُ أن يكون في موضعِ خفضٍ على النعت لـ ((مَرَقَدِنا))، فيكونُ التمامُ ((مِن مَرْقَدِنا هذا)) [ويكون] ((مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ)) في موضعِ رفعٍ من ثلاثٍ جهاتٍ، ذكر أبو إسحاقَ منها اثنتين قال: يكون بإضمارِ هذا. والجهةُ الثانية أن يكون بمعنى: حقّ ما وَعَد الرحمن(٤). والجهةُ الثالثة أنْ يكون بمعنى: بَعْتُكم ما وعد الرحمن. ﴿إِن كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةً وَحِدَةٌ﴾ يعني: إنَّ بعثهم وإحياءَهم كان بصيحةٍ واحدةٍ، وهي قولُ إسرافيلَ: أيتها العظام الباليةُ، والأوصالُ المتقطّعةُ، والعظام المتفرِّقة، والشعورُ المتمزّقةُ، إنَّ الله يأمركنَّ أن تجتمعنَ لفَصْلِ القضاء(٥). وهذا معنى قولِه الحقِّ: ﴿یَوْمَ يَتْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِآلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]، وقال: ﴿مُعْطِعِينَ إِلَى النَّاعِ﴾ [القمر: ٨] على ما يأتي. وفي قراءةٍ ابن مسعودٍ - إن صح عنه -: ((إِنْ كانت إِلَّا زَقْيَةً واحدةً»، والزقيةُ: الصيحةُ، وقد تقدَّم هذا(٦). ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ((فإذا هم جميع)) مبتدأُ وخبرُه، ((جَمِيعٌ)) نكرةٌ، (١) ذكر الداني في التيسير ص ١٤٢ عن حفص أنه كان يسكت مع مراد الوصل على الألف في قوله تعالى: «من مرقدنا»، ثم يقول: (هذا)). (٢) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٥٤ . (٣) في إعراب القرآن ٣/ ٤٠٠، وما سیرد بین حاصرتین منه. (٤) بعدها في النسخ: بعثكم، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس، ومعاني القرآن للزجاج ٢٩١/٤ . (٥) أخرجه بنحوه الطبري ٢١/ ٤٧٥ عن كعب الأحبار. (٦) ص٢١ من هذا الجزء. ٤٦٧ سورة يس: الآيات ٥١ - ٥٩ و ((مُحْضَرُون)) من صفته(١). ومعنى ((مُخْضَرْونَ)): مَجموعون أُحضروا موقفَ الحساب، وهو كقوله: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّ كَلَمْجِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]. قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ أي: لا تُنْقَصُ من ثوابٍ عَمَلٍ. ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ((مَا)) في محلٌ نَصْبٍ من وجهين: الأولُ انه مفعولٌ ثانٍ لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه. والثاني بنَزْعِ حرفِ الصفة، تقديرُه: إلَّا بما كنتم تعملون، أي: تعملونه، فحذف. هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ عَلَى الْأَرَآيِكِ مُتَّكُِّونَ ﴿٨ لَمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ وَلَهُم مَا يَدَّعُونَ سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ ٥٧ ٥٩ زَّحِيمٍ ﴾ وَأَمْتَزُواْ أَلْيَّوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وقتادةٌ ومجاهدٌ: شَغَلَهم افتِضاضُ العَذَارَى(٢). وذكر الترمذيُّ الحکیمُ في كتاب ((مشكل القرآن)) له: حدَّثنا محمد بن حميد الرَّازي حدَّثنا يعقوبُ القُمِّي، عن حفص ابن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ قال: شَغَلهم افْتِضاضُ العَذَارَى(٣). حدَّثنا محمد بن حميد، حدَّثنا هارون بن المغيرة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس بمثله(٤). وقال أبو قِلاَبةَ: بينما الرجلُ من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له: تَحوَّلْ إلى أهلك، فيقول: أنا مع أهلي مشغولٌ! فيقال: تحوَّلْ أيضاً إلى أهلك. وقيل: أصحابُ الجنةِ (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/٣، والنكت والعيون ٢٤/٥، وزاد المسير ٢٧/٧. (٣) أخرجه بهذا الإسناد الطبري ١٩/ ٤٦٠. (٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٤٦٠ من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما. ٤٦٨ سورة يس: الآيات ٥٥ - ٥٩ في شغلٍ بما هم فيه من اللَّذَّاتِ والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإنْ كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم(١)؛ قاله سعيد ابن المسيِّب وغیرُه. وقال وكيع: يعني في السماع. وقال ابن كيسان: ((في شُغُلٍ)) أي: في زيارةِ بعضِهم بعضاً. وقيل: في ضيافة الله تعالى(٢). وروي: أنه إذا كان يومُ القيامة نادى مُنادٍ: أين عبادي الذين أطاعوني وحَفِظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأنَّما وجوهُهم البدرُ والكوكبُ الدُّرِّيُّ، ركباناً على نُجُبٍ من نورٍ أَزِمَّتُها من الياقوت، تَطيرُ بهم على رؤوس الخلائقِ، حتى يقوموا بين يدي العرش، فيقولُ الله جلَّ وعزَّ لهم: السلامُ على عبادي الذين أطاعوني وحَفِظوا عهدي بالغيب، أنا اصْطَفيتُكم، وأنا اجْتَبيتُكم، وأنا اخْتَرتُكم، اذهبوا فادخلوا الجنةَ بغيرِ حسابٍ، فَـ ﴿لَ خَوْفُ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. فيمرُّون على الصراط كالبرقِ الخاطِفِ، فتفتح لهم أبوابها. ثم إنَّ الخَلْقَ في المحشر موقوفون، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: يا قوم، أین فلانٌ وفلان!؟ وذلك حين يسألُ بعضُهم بعضاً، فينادي منادٍ : ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَّوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾(٣). و((شُغُلٍ)) و(شُغْلٍ)) لغتان قُرئ بهما(٤)، مثل: الرُّعُبِ والرُّعْبِ؛ والسُّحُت والسُّخت، وقد تقدَّم(٥). (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/٣ . (٢) ذكر هذه الأقوال البغوي ١٦/٤. قال الألوسي في روح المعاني ٣٤/٢٣: ليس مراد أهل هذه الأقوال بذلك حصر شغلهم فيما ذكروه فقط، بل بيان أنه من جملة أشغالهم. (٣) لم نقف عليه. (٤) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ((شُغْل)) بإسكان الغين، والباقون بضمها. السبعة ص٥٤١ - ٥٤٢ ، والتيسير ص ١٨٤ . (٥) ٤٨٧/٧ - ٤٨٨ . ٤٦٩ سورة يس: الآيات ٥٥ - ٥٩ ﴿فَكِهُونَ﴾ قال الحسن: مَسْرُورون. وقال ابن عباس: فَرِحُون. مجاهدٌ والضحاك: مُعْجَبون. السُّدِّيُّ: ناعِمون(١). والمعنى متقارِبٌ. والفُكاهةُ: المزاحُ والكلامُ الطِّبُ. وقرأ أبو جعفر وشيبةُ والأعرجُ: ((فَكِهُون)) بغير ألفٍ (٢)، وهما لغتان كالفارِهِ والفَرِهِ، والحاذِرِ والحَذِر؛ قاله الفرَّاء(٣). وقال الكسائيُّ وأبو عبيدةَ: الفاكِهُ: ذو الفاكِهَةِ، مثل: شاحِمٍ ولاحِم وتامِرٍ ولابِن، والفَكِه: المتفكّه والمتنعِّم(٤). و((فَكِهُون)) بغير ألفٍ في قولٍ قتادةَ: مُعْجَبون(٥). وقال أبو زيد: يقال: رجلٌ فَكِهٌ: إذا كان طيِّبَ النفسِ ضَحوكاً (٦). وقرأ طلحَةُ بن مُصرِّف: ((فاكِهِين)) نَصَبَه على الحال(٧). ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِى ◌ِلَلٍ عَلَى الْأَرَّبِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ وخبرُه. ويجوزُ أن يكون ((هم)) توكيداً، (وأزواجُهم)) عطفٌ على المُضْمَر، و((مُتَّكئون)) نعتٌ لقوله: ((فاكِهُونَ))(٨) .. وقراءةُ العامَّةِ: ((في ظِلَالٍ)) بكَسْرِ الَّاءِ والألف. وقرأ ابنُ مسعود وعبيد بنُ عمير والأعمشُ ويحيى وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ: ((في ظلَلٍ)) بضمِّ الظاء من غير ألف(٩). (١) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٤٦٣/١٩، والنكت والعيون ٢٤/٥، وتفسير البغوي ٤/ ١٦، وزاد المسير ٢٨/٧ . (٢) النشر ٢/ ٣٥٤ عن أبي جعفر، وهو من العشرة. (٣) في معاني القرآن ٢/ ٣٨٠ . (٤) بنحوه في مجاز القرآن ٢/ ١٦٣ - ١٦٤. (٥) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٢٧/٦، وأبو الليث ١٠٣/٣، وابن عزيز في تفسير الغريب ص٣٥٥ دون نسبة. قالوا: وفاكهون ناعمون. (٦) تهذيب اللغة ٢٦/٦. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/٣ . (٨) المصدر السابق. (٩) السبعة ص٥٤٢، والتيسير ص١٨٤، والنشر ٣٥٥/٢ عن حمزة والكسائي وخلف. ٤٧٠ سورة يس: الآيات ٥٥ - ٥٩ فالظّلالُ جمعُ ظِلِّ، وظُلَل جمع ظُلَّة. ﴿عَلَى الْأَرَابِ﴾ يعني السُّرُرَ في الحِجال(١)، واحدُها أريكة، مثل سفينةٍ وسفائن؛ قال الشاعر: بوقتٍ الضُّحى في رَوْضِهِ المُتضاحِكِ كأنَّ احمرارَ الوَرْدِ فوقَ غُصُونِه تَھَادَیْنَ بالرَّيْحانِ فوقَ الأرائِكِ خُدُودُ عَذاری قد خَجِلنَ من الحَیَا وفي الخبر عن أبي سعيد الخُذْريّ: قال النبيُّ ﴾: ((إنَّ أهل الجنةِ كلَّما جامَعوا نساءَهم عُدْنَ أبكاراً))(٢). وقال ابن عباس: إنَّ الرجلَ من أهلِ الجنةِ لَيُعانِقُ الحَوْراءَ سبعين سنةً، لا يَمَلُّها ولا تَمَلُّه، كلَّما أتاها وَجَدَها بكراً، وكلَّما رجع إليها عادت إليه شهوتُه؛ فَيُجامِعُها بقوةٍ سبعين رجلاً، لا يكونُ بينهما مَنيٍّ؛ يأتي من غير منيٍّ منه ولا منها(٣). ﴿لَّمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ﴾ ابتداءٌ وخبر ﴿وَمُ مَّا يَدَّعُونَ﴾ الدَّالُ الثانيةُ مُبْدَلةٌ من تاء؛ لأنَّه يفتعلون مِن دعا(٤)، أي: مَن دعا بشيء أُعطِيَه. قاله أبو عبيدة(٥)، فمعنى «يَدَّعُونَ)): يَتمنَّوْن، من الدعاء. وقيل: المعنى: أنَّ مَن ادَّعى منهم شيئاً فهو له؛ لأنَّ الله تعالى قد طَبعَهم على ألَّ يدَّعيَ منهم أحدٌ إلَّ ما يَجمُلُ ويَحسُنُ أنْ يدَّعيَه. (١) جمع حَجَلَة، وهو موضع مثل القبة يتخذ للعروس، يزيّن بالثياب والستور والأَسِرَّة. معجم متن اللغة (حجل). (٢) أخرجه البزار (٣٥٢٧ - كشف)، والطبراني في المعجم الصغير (٢٤٩)، وابن الجوزي في العلل ٢/ ٩٣٠. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤١٧/١٠: فيه عبد الرحمن بن معلى الواسطي، وهو كذاب. اهـ وفي الباب عن أبي هريرة ﴾ عند ابن حبان (٧٤٠٢). (٣) لم نقف عليه بهذا السياق، ولأجزائه شواهد وردت مرفوعة، ينظر حديث أنس ﴾ عند الترمذي (٢٥٣٦) وصححه ابن حبان (٧٤٠٠)، وحديث زيد بن أرقم عند أحمد (١٩٢٦٩)، وحديث أبي أمامة عند الطبراني في الكبير (٧٤٧٩)، وحديث أبي هريرة في المعجم الكبير، الأحاديث الطوال ٢٥/ (٣٧). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/٣ . (٥) بنحوه في مجاز القرآن ١٦٤/٢. ٤٧١ سورة يس: الآيات ٥٥ - ٥٩ وقال يحيى بن سلام: ((يَدَّعُونَ)): يَشْتَهون. ابن عباس: يَسألون(١). والمعنى متقارب. قال ابن الأنباريّ(٢): ((ولهم ما يدَّعون)) وقفٌ حَسنٌ، ثم تَبتدئُ: ((سَلَامٌ))، على معنى: ذلك لهم سلامٌ. ويجوزُ أن يُرفَع السلامُ على معنى: ولهم ما يدَّعون مُسَلَّمٌ خالِصٌ. فَعَلَى هذا المذهبِ لا يَحسُنُ الوقفُ على ((ما يدَّعون)). وقال الزجَّاج (٣): ((سلامٌ) مرفوعٌ على البدل من ((ما))، أي: ولهم أنْ يسلِّم اللهُ عليهم، وهذا مُنَى أهلِ الجنة. وروي من حديث جابر بن عبد الله (٤): أنَّ رسول الله﴾ قال: ((بينا أهلُ الجنةِ في نعيمهم؛ إذ سَطَع لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم فإذا الربُّ تعالى قد اطّلع عليهم من فوقهم، فقال: السلامُ عليكم يا أهل الجنةِ، فذلك قوله: ﴿سَلَمُ قَوْلاً مِّن رٍَّ زَحِيمٍ﴾. فينظر إليهم وينظرونَ إليه، فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجبَ عنهم، فيبقَى نورُه وبركاتُه عليهم في ديارهم)) ذَكَرِه الثعلبيُّ والقشيريُّ(٥). ومعناه ثابتٌ في ((صحيح)) مسلم، وقد بيَّنَّاه في ((يونس)) عند قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ [الآية: ٢٦](٦). ويجوزُ أن تكون ((ما)) نكرةً، و((سَلَامٌ)) نعتاً لها، أي: ولهم ما يدَّعون مُسَلَّمٌ. ويجوزُ أن يكون ((ما)) رفع بالابتداء، و((سلامٌ)) خبر عنها. وعلى هذه الوجوهِ لا يوقَفُ على ((ولهم ما يدَّعون)). وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ: ((سلاماً)) يكونُ مصدراً، وإنْ شئتَ في (١) النكت والعیون ٢٦/٥، وفيه: ابن زياد، بدل: ابن عباس. (٢) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٥٤ - ٨٥٥ . (٣) في معاني القرآن ٢٩٢/٤. (٤) في النسخ: جرير بن عبد الله البجلي، وهو خطأ وينظر التعليق بعده. (٥) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وابن عدي ٢٠٣٩/٦، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٧٤، وأخرجه من طريق الثعلبي الواحدي في الوسيط ٥١٧/٣ ، والبغوي ١٦/٤ جمیعھم من حديث جابر ﴾. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٦٨/١: هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى الرقاشي. (٦) ٤٨٣/١٠، والحديث عند مسلم (١٨١) عن صهيب .4 ٤٧٢ سورة يس: الآيات ٥٥ - ٥٩ موضع الحال، أي: ولهم ما يدَّعون ذا سلام أو سلامةٍ، أو: مسلَّماً (١)؛ فعلَى هذا المذهبٍ لا يَحسُنُ الوقفُ على ((يدَّعون))(٢). وقرأ محمد بن كعب القُرَظِيُّ: ((سِلْمٌ)) على الاستئناف، كأنَّه قال: ذلك سِلْمٌ لهم لا يتنازعون فيه، ويكون ((ولهم ما يدَّعون)) تامّاً. ويجوزُ أن يكون ((سِلْم))(٣) بدلاً من قوله: ((ولهم ما يدَّعون))، وخبر ((ما يدَّعون)): لهم. ويجوز أن يكون ((سِلْم)) خبراً آخَرَ، ويكون معنى الكلام: أنَّه لهم خالصً من غير منازعٍ فيه. ﴿قَوْلًا﴾ مصدرٌ على معنى: قال الله ذلك قولاً. أو يقوله قولاً، ودلَّ على الفعل المحذوفِ لفظُ مَصْدرِه (٤). ويجوزُ أن يكون المعنى: ولهم ما يدَّعون قولاً، أي: عِدَةً من الله. فعَلَى هذا المذهبِ الثاني لا يَحسُنُ الوقفُ على ((يدَّعون)). وقال السِّجِسْتانيُّ: الوقفُ على قوله: ((سلامٌ)) تامٌّ. وهذا خطأٌ؛ لأنَّ القولَ خارجٌ ممَّا قَبْلَه(٥). قوله تعالى: ﴿وَأَمْتَزُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ ويقال: تَمَيَّزوا وامَّازوا وامتازوا بمعنىّ، ومِزْتُه فانْمَازَ وامْتاز، وميَّزته(٦) فتميَّز. أي: يقال لهم هذا عند الوقوف للسؤال حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، أي: اخْرُجوا من جملتهم. قال قتادة: عُزِلوا عن كلِّ (٧) خيرٍ(٧). وقال الضخَّاك: يمتازُ المجرمون بعضُهم من بعض؛ فيمتازُ اليهودُ فرقةً، (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٢/٣. وقراءة: ((سلاماً) في المحتسب ٢/ ٢١٥ عن عيسى الثقفي. ٠٠ (٢) إيضاح الوقف والابتداء ٨٥٦/٢ . (٣) في (خ) و(ظ) و(م): سلام، وكذا في الموضع الذي بعده، والمثبت من (د) و(ز)، وهو موافق لما في المحتسب ٢١٥/٢ . (٤) المحتسب ٢١٥/٢ . (٥) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٥٥ . (٦) في (د) و(ز) و(ظ): ومزته، وهما بمعنى ينظر العين ٣٩٤ والصحاح (ميز)، واللسان (ميز). (٧) أخرجه الطبري ٤٦٩/١٩ . ٤٧٣ سورة يس: الآيات ٥٥ - ٦٤ والنصارى فرقةً والمجوس فرقةً، والصابئون فرقةً، وعبدةُ الأوثانِ فرقة(١). وعنه أيضاً: إنَّ لكلِّ فرقةٍ في النار بيتاً تدخل فيه ويردُّ بابه، فتكون فيه أبداً لا تَرَى ولا تُرَى (٢). وقال داود بن الجرَّح: فيمتازُ المسلمون من المجرمين، إلَّا أصحابَ الأهواءِ، فیکونون مع المجرمین(٣). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ فُبِينٌ ﴿ وَأَنِ اعْبُدُونِ هَذَا صِرَطُ مُسْتَقِيمُ ﴾ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُرْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمَ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ (٧) هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣) أَضْلَوْهَا الْيَّوْمَ ٦٤ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّ ءَدَمَ﴾ العهدُ هنا بمعنى الوصية، أي: أَلَمْ أُوْصِكُم وأُبلِّغكم على ألسنةِ الرسل ﴿أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ﴾ أي: لا تُطيعوه في مَعْصِيتي. قال الكسائيُّ: لا للنَّهي ﴿وَأَنِ أَعْبُدُونِ﴾ بكسر النون على الأصل، ومَن ضمَّ كَرِه كسرةً بعدَها ضمةٌ(٤). ﴿هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: عبادتي دينٌ قويم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: أَغْوَى ﴿جِلًا كَثِيرًا﴾ أي: خَلْقاً كثيراً؛ قاله مجاهد. قتادة: جموعاً كثيرة. الكلبيُّ: أُمماً كثيرةً(٥)، والمعنى واحد. وقرأ أهل المدينة وعاصمٌ: ((جِبِلّاً)) بكسرِ الجيمِ والباء. وأبو عمرو وابنُ عامر: (جُبْلاً)) بضمِّ الجيمِ وإسكانِ الباء. الباقون: ((جُبُلاً)) بضمِّ الجيم والباءِ وتخفيفٍ اللام(٦). وشدَّدها الحسنُ وابنُ أبي إسحاق وعيسى بنُ عمر وعبدُ الله بن عبيد والنَّضْرُ (١) النكت والعيون ٢٦/٥ . (٢) تفسير البغوي ١٦/٤ . (٣) النكت والعيون ٥/ ٢٧ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٠٢ . (٥) النكت والعيون ٢٧/٥، وقول مجاهد أخرجه الطبري ١٩/ ٤٧١ . (٦) وقرأ بها أيضاً من السبعة ابن كثير وحمزة والكسائي. السبعة ص٥٤٢ ، والتيسير ص ١٨٤ . ٤٧٤ سورة يس: الآيات ٦٠ - ٦٤ ابن أنس(١). وقرأ أبو يحيى والأشهبُ العقيليُّ: ((جِبْلاً)) بكسرِ الجيم وإسكانِ الباءِ وتخفيفِ اللَّام(٢). فهذه خمسُ قراءات. قال المهدويُّ والثعلبيُّ: وكلُّها لغاتٌ بمعنى الخَلْقِ. النخَّاس(٣): أبينُها القراءةُ الأولى؛ والدليلُ على ذلك أنَّهم قد أجمعوا على أنْ قرؤوا: ﴿وَالْجِلَّةَ الْأَوَِّينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] فيكون ((جِبِلّاً)) جمعَ جِبِلَّةٍ، والاشتقاقُ فيه كلِّه واحدٌ. وإنَّما هو مِن: جَبَلَ الله عزَّ وجلَّ الخَلْقَ، أي: خَلَقَهم. وقد ذُكِرتْ قراءةٌ سادسةٌ وهي: ((ولقد أَضَلَّ منكم چِيلاً كثيراً» بالياء. وحكي عن الضخَّاك أنَّ الجِبِلَّ (٤) الواحدَ عشرة آلافٍ، والكثير ما لا يُحصيه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ؛ ذَكَرِه الماورديُّ (٥). ﴿أَفَلَمَ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ عداوتَه، وتَعْلَموا أنَّ الواجبَ طاعةُ الله. ﴿هَذِهِ .. أي: تقولُ لهم خزنةُ جهنّم: هذه جهنّمُ التي وُعدِتُم فكذَّبتم بها. ورُوي عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللـه ﴿ قال: «إذا كان يومُ القيامةِ جَمَعَ اللهُ الإنسَ والجنَّ والأَوَّلينَ والآخِرِينَ في صعيدٍ واحدٍ، ثم أَشْرفَ عنقٌ من النار على الخلائق فأحاط بهم، ثم ينادي منادٍ: ﴿هَذِهِ، جَهَنَُّ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . أَضْلَوْهَا الْتَّوَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فحينئذٍ تَجثو الأممُ على رُكِها، وتَضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وتَذْهَل كلٌّ مُرْضِعةٍ عمَّا أَرْضَعتْ، وتَرى الناسَ سُكَارَى وما هم بسُكَارَى ولكنَّ عذاب اللهِ شديدٌ))(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٢/٣، والمحتسب ٢١٦/٢ وشدَّدها أيضاً يعقوب - وهو من العشرة - في رواية روح. اهـ. وعبد الله بن عبيد هو أبو هاشم الليثي المكي، تابعي جليل، توفي سنة (١١٣هـ). طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٤٣٠ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٠٣، والمحتسب ٢١٦/٢، وهي قراءة شاذة. (٣) في إعراب القرآن ٣/ ٤٠٣ . (٤) في (م): الجيل. (٥) في النكت والعيون ٢٧/٥ . (٦) أخرجه بنحوه الطبري ١٩/ ٤٧٠، من طريق إسماعيل بن رافع، عمن حدثه، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة، عن النبي ﴾. وإسناده ضعيف لضعف إسماعيل بن رافع، ولا بهام شيخه. ٤٧٥ سورة يس: الآيات ٦٥ - ٦٨ قوله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ (٥) وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْنِهِمْ فَأَسْتَبَقُواْ الصِّرَّطَ فَأَّ يُبْصِرُونَ يَكْسِبُونَ وَلَوْ نَشَآءُ لَّمَسَخْتَهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ فَمَا أَسْتَطَعُواْ مُضِيًّا وَلَا يَزْجِعُونَ ٦٦ وَمَنْ تُعَمِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِىِ الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِرُ عَلَى أَفْوَدِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ في ((صحيح)) مسلم(١) عن أنس بنِ مالكِ قال: كنَّا عندَ رسولِ الله ◌ِ﴾، فضحك فقال: ((هل تَدْرونَ مِمَّ أَضْحكُ؟)) قلنا: اللهُ ورسولُه أَعْلمُ. قال: ((من مُخاطبةٍ العبدِ ربَّه، يقول: يا ربِّ، أَلَمْ تُجِرْني من الظُّلْم؟ قال: يقول: بلى، فيقول: فإِنِّي لا أُجيزُ على نفسي إلَّ شاهداً منِّ. قال: فيقولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ اليومَ عليكَ شهيداً، وبالكرامِ الكاتِينَ شُهوداً، فقال: فيُخْتَمُ على فِيهِ، فيقال لأركانه: انْطِقي، قال: فَتَنْطِقُ بأعماله، قال: ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعداً لَكُنَّ وسُحقاً، فعنكنَّ كنتُ أُناضِل)). خرَّجه أيضاً من حديث أبي هريرةَ. وفيه: ((ثم يُقالُ له: الآنَ نَبْعثُ شاهدَنا عليك. ويَتَفكّر(٢) في نفسه: مَن ذا الذي يَشْهِدُ عليَّ، فيُخْتَم على فيه، ويقال لفَخِذِه [ولَحمِه وعظامه]: انْطِقي، فتَنْطِقُ فخذُه ولحمُه وعظامُه بعمله، وذلك ليُعْذِرَ مِن نَفْسِه، وذلك المنافقُ، وذلك الذي يَسْخَطُ الله عليه))(٣). وخرَّج الترمذيُّ عن معاويةً بن حَيْدَةً عن النبيِّ ﴾ في حديثٍ ذَكّره قال: وأشار بيده إلى الشام فقال ((ها هنا(٤) إلى ها هنا تُحشَرون ركباناً ومشاةً، وتُجرُّون على وجوهكم يومَ القيامةِ، على أفواهكم الفِدَامُ، تُؤْفُون سبعينَ أمةً أنتم خيرُهم وأكرمُهم (١) برقم (٢٩٦٩). (٢) في النسخ الخطية: فيفكر، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في صحيح مسلم. (٣) صحيح مسلم (٢٩٦٨)، وما سلف بین حاصرتين منه. (٤) في (د) و(م): من ها هنا. ٤٧٦ سورة يس: الآيات ٦٥ - ٦٨ على الله، وإنَّ أولَ ما يُعرِبُ عن أحدِكم فخذُه))(١) في روايةٍ أُخرى: ((فخذُه وكفُّه))(٢) الفِدامُ مِصْفاةُ الكوزِ والإبريقِ؛ قاله الليث. قال أبو عبيد: يعني أنَّهم مُنعوا الكلامَ حتى تكلّم أفخاذُهم، فشبَّه ذلك بالفِدَامِ الذي يُجعل على الإبريق(٣). ثم قيل في سببِ الختِم أربعةٌ أَوْجُهٍ : أحدُها: لأنَّهم قالوا﴿ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فختم الله على أفواههم حتى نَطَقتْ جوارحُهم؛ قاله أبو موسى الأشعريُّ(٤). الثاني: لِيَعْرِفَهم أهلُ الموقفِ فیتميَّزون منهم؛ قاله ابن زياد. الثالث: لأنَّ إقرارَ غيرِ النَّاطقِ أبلغُ في الحجة من إقرارِ النَّاطقِ؛ لخروجه مخرجَ الإعجاز، وإنْ كان يوماً لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع: لِيَعْلَم أنَّ أعضاءه التي كانت [له] أعواناً في حقِّ نفسِه صارت عليه شهوداً في حقِّ ربِّه. فإن قيل: لمَ قال: ﴿ وَتُكَلِمُنَا أَيَّدِيْهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم﴾ فجعل ما كان من اليد كلاماً، وما كان من الرِّجل شهادة؟ قيل: لأنَّ اليد مُباشِرةٌ لعملِه، والرجل حاضرةٌ، وقولُ الحاضِرِ على غيره شهادةٌ، وقولُ الفاعل على نفسِه إقرارٌ بما قال أو فَعَل؛ فلذلك عبَّر عمَّا صَدَر من الأيدي بالقول، وعمَّا صَدَر من الأَرْجُلِ بالشهادة. وقد رُوي عن عُقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله ﴿ يقول: ((أولُ عظم من الإنسان يتكلّم يومَ يُخْتَمُ على الأفواهِ فَخِذُه من (١) سنن الترمذي (٢٤٢٤) و(٣١٤٣)، وهو في مسند أحمد (٢٠٠٣١) و(٢٠٠٥٠)، والنسائي في الكبرى (١١٣٦٧) ولفظ المصنف أقرب إليه. (٢) أخرجه أحمد (٢٠٠٢٦). (٣) تهذيب اللغة ١٤ / ١٤٧، وقول أبي عبيد في غريب الحديث ٤٩/١ بنحوه. (٤) أخرجه مطولاً الطبري ٤٧٢/١٩ - ٤٧٣، والكلام من النكت والعيون ٢٧/٥، وما سيرد بين حاصرتین منه. ٤٧٧ سورة يس: الآيات ٦٥ - ٦٨ الرِّجل اليسرى)) ذَكَره الماورديُّ(١) والمهدويُّ. وقال أبو موسى الأشعريُّ: إنِّي لأحسبُ أنّ أولَ ما ينطقُ منه فخذُه اليمنى(٢)؛ ذكره المهدويُّ أيضاً. قال الماورديُّ(٣): فاحتَمَل أن يكون تقدُّمُ الفخذِ بالكلام على سائر الأعضاء؛ لأنَّ لذةَ معاصيهِ يُدْرِكُها بحواسِه التي هي في الشطر [الأعلى من جسده، وأقربُ أعضاءِ الشطرِ] الأسفلِ منها الفخذُ، فجاز لقُرْبِه منها أنْ يتقدَّم في الشهادة عليها. قال: وتقدَّمت اليُسرى؛ لأنَّ الشهوةَ في ميامِنِ الأعضاءِ أقوى منها في مَيَاسِرِها؛ فلذلك تقدَّمت اليسرى على اليمنى لقلَّة شهوتها. قلت: أو بالعكس لغلبةِ الشهوة، أو كلاهما معاً والكفُّ؛ فإنَّ بمجموع ذلك يكونُ تمامُ الشهوةِ واللذة. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَأَسْتَبَقُواْ الْصِرَطَ فَقَّ يُصِرُونَ﴾ حكى الكسائيُّ: طَمَسَ يَطمِسُ ويَطْمُس (٤). والمطموسُ والطَّمِيس عند أهلِ اللغةِ: الأعمى الذي ليس في عينيه شقٌ. قال ابنُ عباس: المعنى: لأَعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون أبداً إلى طريقِ الحقّ(٥). وقال الحسن والسُّدِّي: المعنى: لتركناهم عُمْياً يتردّدون. فالمعنى: لأعميناهم فلا يُبصِرون طريقاً إلى تصرُّفهم في منازلهم ولا غيرِها. وهذا اختيارُ الطبريِّ(٦). وقولُه: ﴿فَأَسْتَبَقُواْ الْصِرَطَ﴾ أي: استَبَقوا الطريقَ لَيَجُوزوا ﴿فَّى يُبْصِرُونَ﴾ أي: فمِنْ أین یُبصرون. (١) في النكت والعيون ٢٨/٥، وأخرجه أحمد (١٧٣٧٤) وينظر الكلام عليه في حاشية المسند. (٢) قطعة من خبر طويل عن أبي موسى أخرجه الطبري ١٩/ ٤٧٢ - ٤٧٣، وقد سلف بعضه. (٣) في النكت والعيون ٢٨/٥، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٠٣ . (٥) أخرجه الطبري ١٩ / ٤٧٤ بنحوه. (٦) في تفسيره ١٩/ ٤٧٥، وأخرجه عن الحسن. وذكره عن الحسن والسدي البغوي ١٨/٤. ٤٧٨ سورة يس: الآيات ٦٥ - ٦٨ وقال عطاءٌ ومقاتلٌ وقتادةُ، وروي عن ابن عباس: ولو نشاء لفَقَأُنا أعينَ ضلالتِهم، وأعميناهم عن غَيِّهم، وحوَّلْنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى؛ فاهتَدَوْا وأَبْصِرُوا رُشْدَهم، وتَبادَروا إلى طريقِ الآخرة. ثم قال: ﴿فَّى يُبْصِرُونَ﴾ ولم نَفْعَلْ ذلك بهم (١)، أي: فكيف يهتدون وعينُ الهدَى مطموسةٌ، على الضلالِ باقيةٌ. وقد روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه الآيةِ غيرُ ما تقدَّم، وتَأوَّلها على أنَّها في يوم القيامة. وقال: إذا كان يومُ القيامةِ ومُدَّ الصِّراطُ، نادى منادٍ: ليقُمْ محمدٌ ﴾ وأمتُه، فيقومون بَرُّهم وفاجِرُهم يَتبعونه ليَجُوزُوا الصِّراطَ، فإذا صاروا عليه طَمَسَ الله أعينَ فُجَّارِهم، فاستَبَقوا الصراطَ، فمِن أين يبصرونه حتى يُجاوزُوه؟ ثم ينادي منادٍ: ليقُمْ عيسى ﴾ وأمتُه، فيقومُ فيتبعونه برُّهم وفاجرُهم، فيكون سبيلُهم تلك السبيلَ، وكذا سائرُ الأنبياءِ عليهم السلامُ. ذكره النحاس(٢). وقد كتبناه في ((التذكرة)) بمعناه حَسْبَ ما ذكره ابنُ المبارك في ((رقائقه)) (٣). وذكر(٤) القشيريُّ: وقال ابن عباسٍ ﴾: أخذ الأسودُ بنُ عبد الأسودِ(٥) حجراً ومعه جماعةٌ من بني مخزوم ليطرحَه على النبيِّ ◌َ﴾، فَطَمَسَ الله على بَصَرِهِ، وأَلْصَقَ الحجرَ بيده، فما أبصره ولا اهتَدَى، ونزلت الآية فيه (٦). والمطموسُ هو الذي لا يكونُ بين جَفْنَه شَقٌّ، مأخوذٌ من: طَمَسَ الريحُ الأثَرِ؛ قاله الأخفشُ والقُتَبِيّ(٧). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْتَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا أُسْتَطَعُواْ مُضِيًّا وَلَا (١) تفسير البغوي ١٨/٤. (٢) في إعراب القرآن ٣/ ٤٠٤. (٣) برقم (٣٩٨ - زوائد نعيم)، وهو في التذكرة ص٣٣٨. (٤) في (ظ) و(م): وذكره. (٥) في (م): الأسود بن الأسود. ولعل الصواب: الأسود بن عبد الأسد، وهو أخو أبي سلمة ﴾، وكان الأسود من المستهزئين بالنبي # ومات كافراً، كما ذكر الحافظ في الإصابة ٢٠٠/١. (٦) لم نقف عليه بهذا السياق، وينظر ما سلف ص٤١٢-٤١٣ و٤١٦ من هذا الجزء. (٧) النكت والعيون ٢٩/٥، وقول ابن قتيبة في تفسير الغريب له ص٣٦٧ . ٤٧٩ سورة يس: الآيات ٦٥ - ٦٨ يَزَّجِعُونَ﴾ المسخُ: تبديلُ الخِلْقَةِ وقَلْبُها حجراً أو جماداً أو بهيمةً. قال الحسن: أي: لأَقْعَذْناهم فلا يستطيعون أن يَمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم(١). وكذلك الجمادُ لا يتقدَّم ولا يتأخَّر. وقد يكون المسخُ تبديلَ صورةِ الإنسانِ بهيمةً، ثم تلك البهيمةُ لا تَعْقِلُ موضعاً تقصدُه، فتتحيّر، فلا تُقبِلُ ولا تُدپِر. ابن عباس: المعنى: لو نشاءُ لأهلكناهم في مساكنهم(٢). وقيل: المعنى: لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي اجترؤوا فيه على المعصية. ابن سلام: هذا كلَّه يومَ القيامةِ، يَظْمسُ الله تعالى أعينَهم على الصِّراط(٣). وقرأ الحسن والسُّلَميُّ وزِرّ بن حُبّيش وعاصمٌ في روايةِ أبي بكر: ((مَكَانَاتِهِمْ)) على الجمع، الباقون بالتوحيد(٤). وقرأ أبو حَيْوَة: ((فما استطاعوا مَضِيّا))(٥) بفتح الميم. والمُضيُّ بضمِّ الميم مصدر مَضَى يَمْضي مُضِيًّا: إذا ذهب. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تُّعَِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِ الْخَلْقِ﴾ قرأ عاصم وحمزةُ: ((نُنَكِّسْه)) بضمٌ النون الأُولى وتشديدِ الكافِ، من التنكيس. الباقون: ((نَنْكُسْه)) بفتح النونِ الأُولى وضمِّ الكاف(٦)، مِن نَكَسْتُ الشيءَ أَنْكُسُه نَكْساً: قلبته على رأسه فانْتَكَس. قال قتادة: المعنى: أنَّه يَصيرُ إلى حالِ الهَرَمِ الذي يُشْبِهِ حالَ الصِّبا(٧). وقال سفيان في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تُعَِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ﴾: إذا بلغ ثمانين سنةً تغيَّر جسمُه وضَعُفَتْ قوَّته (٨)، قال الشاعر: (١) أخرجه الطبري ٤٧٧/١٩ مختصراً بلفظ: لو نشاء لأقعدناهم. (٢) أخرجه الطبري ١٩/ ٤٧٧ - ٤٧٨ . (٣) سلف قول عبد الله بن سلام بنحوه مطولاً في تفسير الآية السابقة. (٤) السبعة ص ٥٤٢ - ٥٤٣، والتيسير ص ١٠٧ . (٥) المحرر الوجيز ٤٦١/٤. وقال الزمخشري في الكشاف ٣٢٩/٣: وقرئ ((مضيّاً) بالحركات الثلاث. (٦) السبعة ص٥٤٣، والتيسير ص ١٨٥ . (٧) أخرجه بنحوه الطبري ٤٧٨/١٩ . (٨) ذكره بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٢٩/٥ . ٤٨٠ سورة يس: الآيات ٦٥ - ٧٠ وخانه ثِقَتَاه السَّمْعُ والبصرُ(١) مَن عاش أَخْلَقَت الأيامُ جِدَّتَهُ فطولُ العمرِ يصيِّر الشباب هَرَماً، والقوةَ ضعفاً، والزيادةَ نقصاً، وهذا هو الغالبُ. وقد تَعوَّذَ ﴾ من أن يُردَّ إلى أَرْذَلِ العمرِ(٢). وقد مضى في ((النحل)) بيانُهُ(٣). ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ مَن فَعَلَ هذا بكم قادرٌ على بَعْثِكم. وقرأ نافعٌ وابنُ ذكوان: (تَعقِلون)) بالتاء. الباقون بالياء(٤). ٦٩٦ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُّ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيَّا وَيَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾ فيه أربع مسائل: الأولى: أَخبر تعالى عن حالٍ نبيِّهِ ﴾، وردَّ قولَ مَن قال مِن الكفار: إنَّه شاعر، وإنَّ القرآن شعرٌ، بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُمْ﴾ وكذلك كان رسولُ الله ◌ِ﴾ لا يقولُ الشعرَ ولا يَزِنُه، وكان إذا حاولَ إنشادَ بيتٍ قديم متمثِّلاً كَسَر وَزْنَه، وإنَّما كان يُحرِزُ المعانيَ فقط ﴾. مِن ذلك أنَّه أَنْشَد يوماً قولَ طَرَفةَ: سَتُبدِي لكَ الأیامُ ما کنت جاهلاً ويأتيكَ مَن لم تُزوِّدْه بالأخبار(٥) (١) البيت لابن أبي فنن، كما في عيون الأخبار ٣٢٠/٢، والعقد الفريد ٥٧/٣ . (٢) صحيح البخاري (٢٨٢٢). (٣) ٣٧٥/١٢. (٤) التيسير ص ١٨٥، وذكرها ابن مجاهد في السبعة ص ١٤٣ عن نافع وحده. (٥) المحرر الوجيز ٤٦١/٤، والبيت من معلقة طرفة، وهو في ديوانه ص٤١، وأصله: ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد. والخبر أخرجه مطولاً عبد الرزاق ٢/ ١٤٥، وبنحوه الطبري ١٩/ ٤٨٠ من طريق قتادة عن عائشة رضي الله عنها. وحديث قتادة عن عائشة مرسل كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٤٢ . وأخرجه أحمد (٢٤٠٢٣) و(٢٥٠٧١)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٩٢)، والترمذي (٢٨٤٨) من طرق عن عائشة رضي الله عنها، وفيه: ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد، على أصل رواية البيت. قال الترمذي: حسن صحيح. اهـ وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٩٣) عن ابن عباس رضي الله عنهما.