Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة يس: الآيات ٣٣ - ٣٦
وممَّا عملته أيديهم. وقرأ الكوفيون: ((وما عَمِلَتْ) بغير هاءٍ(١). الباقون: ﴿عَمِلَتْهُ﴾
على الأصل من غيرِ حذفٍ. وحذفُ الصلةِ أيضاً في الكلام كثيرٌ لطول الاسم.
ويجوز أن تكون ((ما)) نافيةً لا موضعَ لها، فلا تحتاجُ إلى صلةٍ ولا راجِعٍ، أي:
ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي أَنبته الله لهم. وهذا قولُ ابنِ عباس والضحَّاك
ومقاتل(٢).
وقال غيرهم: المعنى: ومِن الذي عَمِلَته أيديهم، أي: من الثمار، ومن أصنافٍ
الحَلاواتِ والأطعمة، وممَّا اتَّخذوا من الحبوب بعلاجٍ، كالخبز والدُّهْنِ المستَخْرَجِ
من السِّمْسِم والزيتون. وقيل: يرجع ذلك إلى ما يغرسُه الناس. روي معناه عن ابن
عباس أيضاً . ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ نِعَمَه؟!
قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾ نزَّه نفسَه سبحانه عن قول
الكفار؛ إذ عَبَدوا غيرَه مع ما رَأَوْه من نِعَمِه وآثارٍ قدرته. وفيه تقديرُ الأمرِ، أي:
سبِّحوه ونزْهوه عمَّا لا يَليقُ به. وقيل: فيه معنى التعجُّبِ، أي: عجباً لهؤلاء في
كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات! ومَن تعجَّب مِن شيءٍ قال: سبحان الله!
والأزواجُ: الأنواعُ والأصناف، فكلُّ صِنْفٍ زَوْجٌ(٣)؛ لأنه مختلفٌ في الألوان
والظُّعوم والأشكال والصِّغَرِ والكِبَر، فاختلافُها هو ازدواجُها. وقال قتادة: يعني الذَّكر
والأنثى. ﴿مِمَّا تُلِتُ الْأَرْضُ﴾ يعني من النبات؛ لأنه أصناف. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني
وخَلقَ منهم أولاداً أزواجاً، ذكوراً وإناثاً. ﴿وَمِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من أصنافِ خَلْقِه
في البرِّ والبحر والسماء والأرض. ثم يجوزُ أن يكون ما يَخْلقُه لا يَعْلِمُه البشر وتَعْلمُه
(١) قرأ بغير هاء أبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون من السبعة بالهاء. السبعة ص ٥٤٠، والتيسير ص١٨٤.
(٢) ذكره عن ابن عباس رضي الله عنهما النحاس في معاني القرآن ٥/ ٤٩٢، وأخرجه عنه سعيد بن منصور
وابن المنذر، كما في الدر المنثور ٢٦٣/٥. وذكره عن الضحاك ومقاتل الواحدي في الوسيط ٥١٣/٣،
والبغوي ٤/ ١٢ .
(٣) في (م): فكل زوج صنف.

٤٤٢
سورة يس: الآيات ٣٣ - ٣٨
الملائكة. ويجوزُ ألَّا يعلمَه مخلوق. ووجهُ الاستدلالِ في الآية: أنه إذا انفردَ بالخَلْقِ
فلا ينبغي أن يُشْرَك به.
قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ
وَالشَّمْسُ
٣٧
تَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ التَّهَارَ﴾ أي: وعلامةٌ دالَّةٌ على توحيدِ اللهِ
وقدرته ووجوبٍ إلا هِيَّته. والسَّلْخ: الكَشْطُ والنزع؛ يقال: سلخه الله من دينه، ثم
تُستعمل بمعنى الإخراج. وقد جَعَلَ ذهابَ الضوءِ ومجيءَ الظلمةِ كالسَّلْخِ من الشيء
وظهورِ المسلوخ، فهي استعارة.
و﴿مُظْلِمُونَ﴾: داخِلون في الظلام؛ يقال: أَظْلَمْنا، أي: دخلنا في ظلام الليل،
وأَظْهَرنا: دخلنا في وقتِ الظُهر، وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا. وقيل: ((منه))
بمعنى: عنه، والمعنى: نسلخ عنه ضياءَ النهار. ((فإذا هم مُظْلِمُونَ)) أي: في ظلمة؛
لأنَّ ضوءَ النهارِ يتداخلُ في الهواء فيُضيءُ، فإذا خرج منه أَظْلَم (١).
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ﴾ يجوزُ أن يكون تقديره: وآيةٌ لهم
الشمسُ. ويجوز أن يكون ((الشمس)) مرفوعاً بإضمارٍ فعلٍ يفسِّره الثاني. ويجوز أن
يكون مرفوعاً بالابتداء (٢) ﴿تَجْرِى﴾ في موضعِ الخبر، أي: جاريةٌ.
وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي ذرِّ قال: سألتُ رسولَ اللـه ﴾ عن قوله عزَّ وجلَّ:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ﴾ قال ((مَسْتَقْرُّها تحتَ العَرْشِ))(٣).
وفيه عن أبي ذرِّ أنَّ النبيَّ ﴾ قال يوماً: ((أَتَدْرون أين تذهبُ هذه الشمسُ؟)) قالوا:
اللهُ ورسولُه أَعْلَمُ. قال: ((إنَّ هذه تَجْرِي حتى تَنْتَهيَ إلى مُسْتَقَرِّها تحت العرش، فَتَخِرُّ
(١) النكت والعيون ١٥/ ١٧.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٤/٣ .
(٣) صحيح مسلم (١٥٩): (٢٥١)، وهو عند أحمد (٢١٤٠٦)، والبخاري (٤٨٠٣).

٤٤٣
سورة يس: الآيتان ٣٧ - ٣٨
ساجدةٌ، فلا تَزالُ كذلك حتَّى يُقالَ لها : ارْتَفِعي، ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فتَرْجِعُ،
فتُصبِحُ طالِعةٌ من مَظْلِعِها، ثم تَجري حتَّى تنتهيَ إلى مستقرِّها تحتَ العرشِ، فَتَخِرُّ
ساجدةً، ولا تزالُ كذلك حتَّى يقال لها : ارتفعي، ارجعي من حیث جِئْتِ، فترجع،
فتُصبحُ طالِعةٌ من مَظْلِعها، ثم تَجري لا يَسْتَنكرُ الناسُ منها شيئاً حتى تنتهيَ إلى
مستقرِّها ذاك تحتَ العرش، فيقال لها: ارتفعي، أَصْبِحِي طالعةً من مَغرِبِكِ، فتُصبحُ
طالعةٌ من مَغرِبها)) فقال رسول اللـه ﴾: («أتدرون متى ذلكم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا
إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨])(١).
ولفظُ البخاريِّ: عن أبي ذرِّ قال: قال النبيُّ ﴾ لأبي ذرِّ حين غَرَبت الشمسُ:
((تَدْري أين تَذْهبُ؟)) قلتُ: اللهُ ورسولُه أَعْلَمُ، قال: «فإنَّها تَذْهبُ حتى تَسْجُدَ تحت
العرشِ، فتستأذنَ فِيُؤْذَنُ لها، ويُوشِكُ أن تَسْجُدَ فلا يُقبلَ منها، وتستأذنَ فلا يؤذنَ
لها، يقال لها: ارْجِعي من حيث جِئْتِ، فتَطْلعُ من مَغْرِبها فذلك قوله تعالى:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾))(٢).
ولفظُ الترمذيِّ: عن أبي ذرِّ قال: دخلتُ المسجدَ حين غابت الشمسُ والنبيُّ #
جالسٌ. فقال النبيُّ﴾: ((يا أبا ذرّ، أتدري أين تذهبُ هذه؟)) قال: قلتُ: اللهُ ورسولُه
أَعْلَمُ؛ قال: «فإنَّها تذهبُ فتستأذنُ في السُّجودِ فيؤذنُ لها، وكأنَّها قد قيل لها: اطلُعي
من حيث جِئْتٍ، فتطلعُ من مَغرِبها)) قال: ثم قرأ: ((ذلك مُسْتَقَرٌّ لها)) قال: وذلك قراءةُ
عبدِ الله. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(٣).
وقال عكرمةُ: إنَ الشمس إذا غَرَبت دخلت محراباً تحت العرش تسبِّحُ الله حتى
تصبحَ، فإذا أصبحتْ اسْتَعْفَتْ ربَّها من الخروج، فيقولُ لها الربُّ: ولمَ ذاك؟ قالت:
(١) صحيح مسلم (١٥٩): (٢٥٠)، وهو بنحوه عند أحمد (٢١٤٥٩).
(٢) صحيح البخاري (٣١٩٩).
(٣) سنن الترمذي (٣٢٢٧)، وأخرجه البخاري (٧٤٢٤)، ومسلم (١٥٩): (٢٥٠)، وبنحوه عند أحمد
(٢١٥٤١).

٤٤٤
سورة يس: الآيتان ٣٧ - ٣٨
إِنِّي إذا خرجتُ عُبِدْتُ من دونك. فيقول الربُّ تبارك وتعالى: اخرجي، فليس عليك
من ذلك شيءٌ، سأبعثُ إليهم(١) جهنَّمَ مع سبعين ألفَ مَلَكٍ يقودونها حتى يُدخلوهم
فيها.
وقال الكلبيُّ وغيره: المعنى: تجري إلى أبعدٍ منازلها في الغروب، ثم ترجع إلى
أدنى منازلها (٢)، فمستقرُّها بلوغُها الموضعَ الذي لا تتجاوزُه بل ترجعُ منه، كالإنسان
يقطعُ مسافةً حتى يبلغ أقصى مقصودِه فيقضي وَطَرَه، ثم يرجعُ إلى منزله الأوَّلِ الذي
ابتدأ منه سَفَرَه. وعلى تبليغ الشمسِ أقصى منازِلها، وهو مستقرُّها إذا طلعت
الهَنْعَةِ(٣)، وذلك اليومُ أطولُ الأيامِ في السَّنة، وتلك الليلةُ أقصرُ الليالي، فالنَّهارُ
خمسَ عَشْرَةَ ساعةٌ، والليلُ تسعُ ساعات. ثم يأخذُ في النقصان وترجعُ الشمس، فإذا
طلعت الثريّا استوى الليلُ والنهار، وكلُّ واحدٍ ثنتا عَشْرةَ ساعةً. ثم تبلغ أدنى منازلها
وتَظْلعُ النَّعائم(٤)، وذلك اليومُ أقصرُ الأيام، والليلُ خَمْسَ عَشْرةَ ساعةً. حتى إذا طلع
فَرْغُ الدَّلْوِ المؤخّرُ (٥) استوى الليلُ والنهار، فيأخذ الليلُ من النهار كلَّ يومٍ عُشْرَ ثلثِ
ساعة، وكلَّ عشرةٍ أيامٍ ثلثَ ساعةٍ، وكلَّ شهرٍ ساعةً تامةً، حتى يستويا، ويأخذُ الليل
حتى يبلغ خَمْسَ عَشْرةَ ساعةً، ويأخذ النهارُ من الليل كذلك. وقال الحسن: إنَّ
للشمس في السنة ثلاثَ مئةٍ وستِّين مطلعاً، تنزلُ في كلِّ يوم مطلعاً، ثم لا تنزلُه إلى
(١) في (خ): عليهم.
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ١٧ .
(٣) الهَنْعة: كوكبان بينهما قيد سوط، وهي منزل من منازل القمر، ينظر الأزمنة والأمكنة ١٧٦/١ و١٧٩.
ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً على ما يأتي، وفي العمدة لابن رشيق ٢٥٣/٢: السنة ثلاث مئة
وخمسة وستون يوماً، وهو المقدار الذي تقطع فيه الشمس بروج الفلك الاثني عشر، لكل برج منزلتان
وثلث منزلة. وينظر ما سيأتي ص٣١ من هذا الجزء.
(٤) منزل من منازل القمر، وهو ثمانية كواكب. ينظر الأزمنة والأمكنة ١٧٦/١ و١٨٤.
(٥) من منازل القمر، وهما فرغان؛ فرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخَّر، وكلُّ واحد منهما كوكبان.
الصحاح (فرغ)، وينظر الأزمنة والأمكنة ١٨٥/١ .

٤٤٥
سورة يس: الآيات ٣٧ - ٣٩
الحول، فهي تجري في تلك المنازلِ، وهي مستقرُّها(١). وهو معنَى الذي قبله سواء.
وقال ابن عباس: إنَّها إذا غربتْ وانتهتْ إلى الموضع الذي لا تتجاوزُه استقرَّتْ
تحت العرشِ إلى أن تطلع.
قلت: ما قاله ابنُ عباس يَجمعُ الأقوالَ فتأمَّلْه.
وقيل: إلى انتهاءِ أَمَدِها عند انقضاءِ الدنيا.
وقرأ ابن مسعود وابنُ عباس: ((والشمسُ تَجري لا مُسْتَقَرَّ لها)) أي: إنها تجري
في الليل والنهار لا وقوفّ لها ولا قرار(٢)، إلى أنْ يُكوِّرها اللهُ يومَ القيامة. وقد احتجَّ
مَن خالفَ المصحفَ فقال: أنا أقرأُ بقراءةِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباس. قال أبو بكر
الأنباريّ: وهذا باطلٌ مردودٌ على مَن نَقَلَه؛ لأنَّ أبا عمرٍو رَوَى عن مجاهدٍ عن ابن
عباس، وابنُ كثير رَوَى عن مجاهدٍ عن ابن عباس: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ﴾
فهذان السَّنّدانِ عن ابن عباس - اللذان يَشهْدُ بصحّتهما الإجماعُ - يُبْطِلان ما روي
بالسند الضعيف ممَّا يخالف مذهبَ الجماعة وما اتفقتْ عليه الأمة.
قلت: والأحاديثُ الثابتةُ التي ذكرناها تردُّ قولَه، فما أَجْراَه على كتاب الله،
قاتله الله.
وقولُه: ﴿لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ﴾ أي: إلى مستقرِّها، والمستقرُّ: موضعُ القرار. ﴿ذَلِكَ
تَقْدِيرُ﴾ أي: الذي ذُكر من أمرِ الليلِ والنهارِ والشمسِ تقديرُ ﴿ الْمَّهِزِ الْعَلِيمِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاَلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّ عَادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿والقمرُ﴾ يكونُ تقديرُه: وآيةٌ لهم القمرُ. ويجوزُ أن يكون
(١) أخرجه بنحوه الطبري ٢٨٣/٢٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم نقف عليه من الحسن.
(٢) النكت والعيون ١٧/٥، والقراءة في المحتسب ٢١٢/٢.

٤٤٦
سورة يس: الآية ٣٩
((والقمرُ)) مرفوعاً بالابتداء. وقرأ الكوفيون ﴿وَالْقَمَرَ﴾ بالنصب على إضمارِ فعلٍ(١)،
وهو اختيارُ أبي عبيد؛ قال: لأنَّ قبلَه فعلاً وبعدَه فعلاً؛ قبلَه: ((نسلخُ))، وبعده
((قدَّرْناه)). النحاس(٢): وأهلُ العربيةِ جميعاً فيما علمتُ على خلافِ ما قال، منهم
الفراء(٣)؛ قال: الرفعُ أَغْجبُ إليّ، وإنَّما كان الرفعُ عندهم أَوْلَى؛ لأنه معطوفٌ على
ما قبلَه، ومعناه: وآيةٌ لهم القمرُ. وقولُه: إنَّ قبله ((تَسْلَخُ))، فَقَبْلَه ما هو أقربُ [إليه] منه
وهو (تَجْرِي)) وقبلَه «والشمسُ)) بالرفع. والذي ذَكَره بعده وهو «قدَّرناه)) قد عَمل في
الهاء. قال أبو حاتم: الرفعُ أَوْلَى؛ لأنك شَغَلْتَ الفعلَ عنه بالضمير، فرفعتَه بالابتداء.
ويقال: القمرُ ليس هو المنازِلَ، فكيف قال: ﴿قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾؟ ففي هذا
جوابان: أحدهما: قدَّرناه ذا منازلَ، مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. والتقديرُ
الآخَرُ: قدَّرنا له منازلَ، ثم حُذفت اللام، وكان حَذْفُها حسناً لتعدِّي الفعلِ إلى
مفعولين، مثل: ﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥].
والمنازلُ ثمانيةٌ وعشرون منزلاً ، ينزلُ القمرُ كلَّ ليلةٍ منها بمنزل، وهي:
الشَّرَطَان. الْبُطَيْن. الثُّريًّا. الدَّبَران. الهَفْعَة. الهَنْعة. الذِّراع. النَّثْرة. الطَّرْف. الجَبْهة.
الخَرَاتانِ. الصَّرْفة. العَوَّاء. السِّمَاك. الغَفْرِ. الزُّبَانَيَان. الإِكْليل. القَلْبِ الشَّؤْلة. النَّعَائم.
البَلْدَة. سَعْدٌ الذَّابحُ. سَعْدُ بُلَعَ. سَعْدُ السُّعود. سَعْدُ الأَخْبِية. الفَرْغُ المقدَّمُ الفَرِغُ
المؤخّر. بطنُ الحوت (٤). فإذا صار القمرُ في آخِرِها عاد إلى أوَّلها، فيقطع الفَلَكَ في
ثمانٍ وعشرين ليلةً. ثم يَسْتَسِرُّ، ثم يطلع هلالاً، فيعودُ في قطع الفَلَكِ على المنازل،
وهي منقسمةٌ على البروج لكلِّ برجٍ منزلان وثلثٌ. فللحَمَلِ الشَّرَطانُ والبُطَينُ وثلثُ
(١) وهي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة ص ٥٤٠، والتيسير ص١٨٤ .
(٢) في إعراب القرآن ٣٩٤/٣، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) في معاني القرآن ٣٧٨/٢ .
(٤) ذكرها المرزوقي في الأزمنة والأمكنة ١٧٦/١ - ١٨٦، وابن رشيق فى العمدة ٢٥٣/٢ - ٢٥٧،
وینظر شرحها فيهما.

٤٤٧
سورة يس: الآية ٣٩
الثريا، وللثور ثلثا الثريا والدَّبَران وثلثا الهَقْعة، ثم كذلك إلى سائرها. وقد مضى في
((الحجر) تسميةُ البروج(١)، والحمد لله.
وقيل: إنَّ الله تعالى خَلَقَ الشمسَ والقمرَ من نارٍ، ثم كُسِيا النورَ عند الطلوع،
فأمَّا نورُ الشمسِ فمِن نورِ العرش، وأمَّا نورُ القمرِ فمِن نورِ الكرسيِّ، فذلك أصلُ
الخلقةِ وهذه الكِسوة. فأمَّا الشمسُ فتُرِكتْ كِسوتُها على حالها لتُشَعشِعَ وتُشْرِقَ، وأمَّا
القمرُ فأمرَّ الروحُ الأمينُ جناحَه على وجهه فمحا ضوءَه بسلطانِ الجناح، وذلك أنَّه
روحٌ، والروحُ سلطانُه غالِبٌ على الأشياء. فبقي ذلك المحوُ على ما يراه الخَلْقُ، ثم
جُعِلَ في غلافٍ من ماء، ثم جُعِلَ له مَجْرىّ، فكلّ ليلةٍ يبدو للخلق من ذلك الغلافِ
قمراً بمقدارٍ ما يُقْمِرُ لهم (٢)، حتى ينتهيَ بدؤُه ويراه الخلقُ بكماله واستدارته. ثم لا
يزال يعودُ إلى الغلاف كلَّ ليلةٍ شيءٌ منه، فينقصُ من الرؤية والإقمارِ بمقدارٍ ما زاد في
البدء. ويبتدئُ في النقصان من الناحية التي لا تراه الشمس، وهي ناحيةُ الغروب،
حتى يعودَ كالعُرْجون القديم، وهو العِذقُ المتقوِّسُ لِيُبْسِه ودقَّتِهِ. وإنَّما قيل: القمر؛
لأنه يُقمِر، أي: يُبيِّضُ الجوَّ ببياضِه إلى أن يَسْتسِرَّ.
الثانية: ﴿حَّ عَادَ كَالْمُرُونِ الْقَدِيمِ﴾ قال الزجَّاج: هو عُودُ العِذْقِ الذي عليه
الشَّمَاريخ، وهو فُعْلون من الانعراج، وهو الانعطافُ، أي: سار في مَنازِلِه، فإذا كان
في آخِرِها دقَّ واسْتَقْوسَ وضاق حتى صار كالعُرجون(٣). وعلى هذا فالنونُ زائدة.
وقال قتادة: هو العِذْقُ اليابسُ المُنْحني من النخلة (٤).
ثعلب: ((كالعُرْجونِ القديم)) قال: العُرْجون: الذي يبقى من الكِباسة في النخلة إذا
(١) ١٨٦/١٢ .
(٢) كلام ظاهر البطلان.
(٣) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٨٧/٤، والكشاف ٣٢٣/٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٤١ .

٤٤٨
سورة يس: الآية ٣٩
قُطِعتْ، و((القديم)): البالي(١).
الخليل - في بابِ الرباعيِّ -: العُرْجون أصلُ العِذْق، وهو أصفرُ عريضٌ يشبَّه به
الهلالُ إذا انحنى(٢).
الجوهريُّ(٣): العُرْجُون: أصلُ العِذْقِ الذي يَعْوَجُ وتُقْطَعُ منه الشماريخُ، فيبقى
على النخل يابساً، وعَرْجَنه: ضَرَبَه بالعُرْجون. فالنونُ على قولِ هؤلاء أصليةٌ، ومنه
شعرُ أعشى بني قيس :
شَرَقَ المسْكُ والعبيرُ بها فهي صفراءُ كعُرْجونِ القمر (٤)
فالعرجونُ إذا عَتَقَ ويَبِس وتقوَّس شُبِّه القمرُ في دقَّته وصُفْرتِه به. ويقال له أيضاً:
الإهان والكِباسةُ والقِنْو، وأهلُ مصر يسمُّونه الإسباطة.
وقرئ: ((العِرْجَوْن)) بوزن الفِرْجَون(٥)، وهما لغتان، كالبُزْيُون والبِزْيَوْن؛ ذكره
الزمخشريُّ(٦) وقال: هو عودُ العِذْقِ ما بين شماريخِه إلى منبته من النخلة.
واعلم أن السَّنَة منقسمةٌ على أربعةِ فصولٍ، لكلِّ فصلٍ سبعةُ منازلَ: فأوَّلُها
الربيعُ، وأولُه خمسةَ عشرَ يوماً من آذار، وعددُ أيامِه اثنان وتسعون يوماً، تقطعُ فيه
(١) ياقوتة الصراط لغلام ثعلب ص ٤٢٢ . والكِباسة: العِذْق التام بشماريخه ورُطَبه. معجم متن اللغة
(کبس).
(٢) بنحوه في العين ٣٢٠/٢.
(٣) في الصحاح (عرجن).
(٤) النكت والعيون ١٨/٥، وليس هو في ديوان أعشى قيس، وهو في المفضليات ص ٩٢، والعمدة لابن
رشيق ١١٨/٢ منسوب للمرَّار بن منقذ، وبلا نسبة في العين ١٨٢/١، واللسان (عبق)، وروايته في
هذه المصادر عدا النكت: عَبِقَ العنبرُ والمسك بها، وفي المفضليات والعمدة :... كعرجون العمر.
(٥) الفِرَجَوْن، كبِرْذَوْن: المِحَسَّة (آلة من حديد لها أسنان تنظف بها الدابة) القاموس والمعجم الوسيط
(فرجن).
(٦) في الكشاف ٣٢٣/٣، والقراءة في القراءات الشاذة ص١٢٥ . والبزيون؛ كچِرْدَحْل وعُصْفُور:
السندس. القاموس (بزين).

٤٤٩
سورة يس: الآية ٣٩
الشمسُ ثلاثةَ بروج: الحَمَل، والثور، والجَوْزاء، وسبعةً منازِلَ: الشَّرَطان،
والبُطَين، والثُّرِيًّا، والدَّبَران، والهَفْعة، والهَنْعة، والذِّراع. ثم يدخلُ فصلُ الصيف في
خمسةَ عشر يوماً من حَزِيران، وعددُ أيامِه اثنان وتسعون يوماً، تقطعُ الشمسُ فيه ثلاثةً
بروجِ: السَّرَطان، والأسد، والسُّنْبلة، وسبعةَ منازِلَ؛ وهي: النَّثْرة، والطَّرْف،
والجبهةُ، والخَرَاتان، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسِّمَاك. ثم يدخل فصلُ الخريفِ في
خمسةَ عشرَ يوماً من أيلول، وعددُ أيامِه أحدٌ وتسعون يوماً، تقطعُ فيه الشمسُ ثلاثةً
بروج، وهي الميزان، والعقرب، والقوس، وسبعةً منازِلَ: الغَفْرِ، والزُّبانان،
والإكليل، والقلب، والشَّؤْلة، والنعائم، والبلدة. ثم يدخل فصلُ الشتاء في خمسةً
عَشَر يوماً من كانون الأوّل، وعددُ أيامِه تسعون يوماً، وربَّما كان أحداً وتسعين يوماً،
تقطعُ فيه الشمسُ ثلاثةَ بروجٍ؛ وهي: الجَدْي، والدَّلْو، والحوت، وسبعةً منازِلَ:
سعد الذَّابح، وسعد بُلَع، وسعد السُّعود، وسعد الأَخِية، والفَرْغ المقدَّم، والفرغ
المؤّر، وبطن الحوت. وهذه قسمة السريانيين لشهورها: تشرين الأوّل، تشرين
الثاني، كانون الأوّل، كانون الثاني، أشباط(١)، آذار، نيسان، أيار، حَزِیران، تَمُّوز،
آب، أيلول، وكلُّها أحدٌ وثلاثون إلَّا تشرينَ الثاني ونيسانَ وحزِیرانَ وأيلول، فهي
ثلاثون، وأشباط ثمانيةٌ وعشرون يوماً وربعُ يوم.
وإنَّما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ
مَنَازِلَ﴾. فإذا كانت الشمسُ في منزلٍ أهلَّ الهلال بالمنزل الذي بعده، وكان الفجر
بمنزلتين مِن قَبْلِه. فإذا كانت الشمسُ بالثريا في خمسةٍ وعشرين يوماً من نيسان، كان
الفجرُ بالشَّرَطَيْن، وأهلَّ الهلالُ بالدَّبَران، ثم يكون له في كلِّ ليلةٍ منزلةٌ حتى يقطع في
ثمانٍ وعشرين ليلةً ثمانياً وعشرين منزلةً، وقد قطعت الشمسُ منزلتين فيقطعُهما، ثم
يَظْلعُ في المنزلةِ التي بعدَ منزلةِ الشمسِ فـ ﴿ذَلِكَ تَّقْدِيرُ الْغَيِزِ الْعَلِيمِ﴾(٢).
(١) وفي القاموس: شُباط، كغُراب.
(٢) من قوله: واعلم أن السنة منقسمة، إلى هذا الموضع وقع في (خ) و(ظ) قبل المسألة الثانية.

٤٥٠
سورة يس: الآيتان ٣٩ - ٤٠
الثالثة: قولُه تعالى: ﴿اَلْقَدِيمِ﴾ قال الزمخشريُّ(١): القديم: المُحوِل(٢)، وإذا
قَدُم؛ دَقَّ وانحنى واصفرَّ، فشُبِّه القمرُ به من ثلاثةِ أوجُهٍ. وقيل: أقلُّ عدَّةِ الموصوفِ
بالقديم (٣) الحَوْلُ، فلو أنَّ رجلاً قال: كلُّ مملوكٍ لي قديم فهو حرٌّ، أو كَتَبَ ذلك في
وصيته، عتقَ مَن مَضَى له حولٌ أو أكثر.
قلت: قد مضى في ((البقرة)) ما يترتَّب على الأهِلَّة من الأحكام(٤)، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النََّارِ وَكُلّ
فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ رُفعت ((الشمس)) بالابتداء،
ولا يجوزُ أن تعمل ((لا)) في معرفة. وقد تكلَّم العلماءُ في معنى هذه الآية، فقال
بعضهم: معناها أنَّ الشمس لا تُدْرِكُ القمرَ فتُبْطِل معناه(٥)، أي: لكلِّ واحدٍ منهما
سلطانٌ على حِياله، فلا يَدخُلُ أحدُهما على الآخَر فيُذهب سلطانه، إلى أن يُبْطِلَ الله
ما دَبَّر من ذلك، فتطلع الشمسُ من مَغْرِبها على ما تقدَّم في آخِر سورةِ الأنعام بيانُه(٦).
وقيل: إذا طلعت الشمسُ لم يكن للقمر ضوءٌ، وإذا طلع القمرُ لم يكن للشمس
ضوءٌ. روي معناه عن ابن عباس والضحاك(٧).
وقال مجاهد: أي: لا يُشْبِه ضوءُ أحدِهما ضوءَ الآخَر (٨).
(١) في الكشاف ٣٢٣/٣ .
(٢) من أَحْوَلَ، يقال: أَحْوَل بالمكان، أي: أقام به حَوْلاً. ينظر القاموس (حول).
(٣) في الكشاف: أقل مدة الموصوف بالقدم.
(٤) ٢٢٨/٣ وما بعدها.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٥/٣.
(٦) ١٢٧/٩ وما بعدها.
(٧) أخرجه الطبري ١٩/ ٤٤٠ عن الضحاك، ولم نقف عليه عن ابن عباس.
(٨) النكت والعيون ١٨/٥، وعلقه البخاري عنه قبل الحديث (٤٨٠٢) وفيه: لا يستر، بدل: لا يشبه،
وكذا أخرجه الطبري ٤٣٩/١٩ .

٤٥١
سورة يس: الآية ٤٠
وقال قتادةُ: لكلٍّ حدٍّ وعَلَمٌ لا يَعْدُوه ولا يقصرُ دونه، إذا جاء سلطانُ هذا ذهب
هذا (١)
وقال الحسن: إنَّهما لا يجتمعان في السماء ليلةَ الهلالِ خاصةً (٢). أي: لا تبقى
الشمسُ حتى يَطْلُعَ القمر، ولكنْ إذا غَرَبت الشمسُ طلع القمر.
يحيى بن سلام: لا تُذْرِكُ الشمسُ القمرَ ليلةَ البدرِ خاصةً؛ لأنه يبادر بالمَغيبِ قبل
طلوعها. وقيل: معناه: إذا اجتمعا في السماء كان أحدُهما بين يدي الآخَرِ في منازلَ
لا يَشْتَرِكانِ فيها؛ قاله ابنُ عباس أيضاً (٣).
وقيل: القمرُ في السماء الدنيا، والشمسُ في السماء الرابعة، فهي لا تُدركه؛
ذكره النخَّاس(٤) والمَهْدَويُّ.
قال النحاس: وأَحْسَنُ ما قيل في معناها وأَبْيَنُهُ ممَّا لا يُدفَعِ: أنَّ سَيْرَ القمرِ سَيْرٌ
سريع، والشمسُ(٥) لا تُذْرِكُه في السَّيْر؛ ذكره المَهْدويُّ أيضاً.
فأمَّا قولُه سبحانه: ﴿وَيُعَ الثَّْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فذلك حين حَبْسِ الشمسِ عن
الظُّلوع، على ما تقدَّم بيانُه في آخِرِ ((الأنعام))(٦)، ويأتي في سورة القيامةِ أيضاً.
وجَمْعُهما علامةٌ لانقضاءِ الدنيا وقيامِ الساعة.
• يعني من الشمس والقمر والنجوم ﴿فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: يَجْرون.
وقيل: يَدُورون. ولم يَقُلْ: تَسْبَحُ؛ لأنه وَصَفَها بفِعْلٍ مَن يَعْقِل.
وقال الحسن: الشمسُ والقمرُ والنجومُ في فَلَكِ بين السماء والأرض غير
(١) في (م): ذهب سلطان هذا، والخبر أخرجه الطبري ٤٣٩/١٩.
(٢) النكت والعيون ١٨/٥، وأخرجه عبد الرزاق ١٤٣/٢.
(٣) النكت والعيون ١٨/٥، وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٤٤٠/١٩ بنحوه.
(٤) في إعراب القرآن ٣٩٥/٣ .
(٥) في إعراب القرآن: فالشمس.
(٦) ١٢٩/٩.

٤٥٢
سورة يس: الآيات ٤٠ - ٤٤
مُلْصَقةٍ، ولو كانت مُلْصَقةً ما جَرَتْ؛ ذكره الثعلبيُّ والماورديُّ(١).
واستدلَّ بعضُهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا الَِّلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ على أنَّ النهار مخلوقٌ قبل
الليل، وأنَّ الليل لم يَسْبِقْه بِخَلْقٍ (٢).
وقيل: كلُّ واحدٍ منهما يجيءُ وقتُه ولا يَسْبِقُ صاحبَه، إلى أنْ يُجمعَ بينَ الشمسِ
والقمرِ يومَ القيامة، كما قال: ﴿وَجُعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، وإنَّما هذا التعاقُبُ
الآنَ لتتمَّ مَصَالحُ العِبَادِ ﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِِّنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [الإسراء: ١٢] ويكونَ الليلُ
للإجمام والاستراحة، والنهارُ للتصرُّف، كما قال تعالى: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُمُ الَّيْلَ
وَاَلنَّهَارَ لِتَسَكُواْ فِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُ سُبَانًا﴾
[النبأ: ٩] أي: راحةً لأبدانِكم من عمل النهار. فقوله: ﴿وَلَا الَّتْلُ سَابِقُ النََّارِ﴾ أي:
غالب النهار؛ يقال: سبق فلانٌ فلاناً، أي: غلبه.
وذكر المبرِّد قال: سمعت عمارةً(٣) يقرأ: ((ولا الليلُ سابِقُ النهارَ)) فقلت: ما
هذا؟ قال: أردتُ: سابِقٌ النهارَ، فحذفتُ التنوين لأنه أَخَفّ. قال النحاس(٤): يجوزُ
أن يكون (النهار)) منصوباً بغيرِ تنوينٍ، ويكون التنوينُ حُذِفَ لالتقاءِ الساكِنَيْن.
قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَمُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْخُونِ
وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن
مِثْلِهِ، مَا يَّكَبُونَ (٨) وَلِن ◌َّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَ صَرِيَخَ لَمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ﴿ إِلَّا رَحْمَةً
مِنَّا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ
قوله تعالى: ﴿وَءَايَّةٌ لٌَّ﴾ يَحْتَمِلُ ثلاثةَ مَعَانٍ: أحدها: عِبرةٌ لهم؛ لأنَّ في
الآياتِ اعتباراً. الثاني: نعمةٌ عليهم؛ لأنَّ في الآياتِ إنعاماً. الثالث: إنذارٌ لهم؛ لأنَّ
(١) في النكت والعيون ١٨/٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٥/٣.
(٣) ابن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية اليربوعي، يكنى أبا عقيل، شاعر فصيح قدم من اليمامة فمدح
المأمون، وبقي إلى أيام الواثق ومدحه. معجم الشعراء للمرزباني ص٧٨ .
(٤) في إعراب القرآن ٣٩٥/٣ - ٣٩٦، وما قبله منه.

٤٥٣
سورة يس: الآيات ٤١ - ٤٤
في الآياتِ إنذاراً(١).
﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِهِم (٢) في الفُلْكِ المشحون﴾ مِن أَشْكَلِ ما في السورة؛ لأنَّهم هم
المحمولون(٣). فقيل: المعنى: وآيةٌ لأهلِ مكةَ أنَّا حملنا ذُرِّيَّةَ القرونِ الماضيةِ في
الفُلْكِ المشحون، فالضميران مختلفان؛ ذكره المهدويُّ. وحكاه النخَّاس(٤) عن عليّ
ابن سليمان أنَّه سمعه يقولُه.
وقيل: الضَّميران جميعاً لأهلِ مكةً، على أنْ يكون ذرِّياتهم أولادهم وضعفاءَهم.
فالفُلْكُ على القولِ الأولِ سفينةُ نوح. وعلى الثاني يكونُ اسماً للجنس؛ خبَّر جلَّ وعزَّ
بلُظْفِه وامتنانه، وأنَّه خَلَق السفنَ يُحمَلُ فيها مَن يَصْعبُ عليه المشيُّ والركوبُ من
الذُّرِّيَّة والضعفاء، فيكونُ الضَّميران على هذا مُتَّفْقَين.
وقيل: الذُّرِّيَّةُ: الآباءُ والأجداد، حَمَلَهم الله تعالى في سفينة نوحٍ عليه السلام.
فالآباءُ ذُرِّيَّةٌ، والأبناءُ ذُرِّيَّةٌ، بدليلِ هذه الآيةِ؛ قاله أبو عثمان. وسمَّى الآباءَ ذُرِّيَّةً؛
لأنَّ منهم ذَرَأَ الأبناء(٥).
وقولٌ رابعٌ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ النُّطَفُ، حَمَلَها الله تعالى في بطون النساء تشبيهاً بالفُلْكِ
المشحون؛ قاله عليّ بن أبي طالب ﴾؛ ذكره الماورديُّ(٦). وقد مضى في ((البقرة))
اشتقاقُ الذُرِّيَّةِ والكلامُ فيها مُسْتَوفِىّ(٧). و((المَشْحُون)): المملوءُ المُؤْقَر، و((الفُلْكُ))
يكون واحداً وجمعاً. وقد تقدَّم في ((يونس)) القولُ فيه (٨).
(١) النكت والعيون ١٩/٥ .
(٢) بالجمع، قراءة نافع وابن عامر من السبعة، وقرأ الباقون: ((ذريتهم)) بالتوحيد. السبعة ص ٥٤٠،
والتيسير ص١٨٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٦/٣.
(٤) في إعراب القرآن ٣٩٦/٣ .
(٥) النكت والعیون ١٩/٥ ، وفيه: أبان بن عثمان، بدل: أبو عثمان.
(٦) في النكت والعيون ١٩/٥. وقال أبو حيان في البحر ٣٣٨/٧: وهذا لا يصح؛ لأنه نوعٌ من تفسير
الباطنية وغلاة المتصوفة الذين يفسرون كتاب الله على شيءٍ لا يَدلَّ عليه اللفظ بجهة من جهات
الدلالة، يحرِّفون الكلم عن مواضعه.
(٧) ٣٦٨/٢.
(٨) ٤٧٤/١٠، وينظر في الكلام فيه أيضاً ٢/ ٤٩٤ .

٤٥٤
سورة يس: الآيات ٤١ - ٤٤
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَزَّكَبُونَ﴾ والأصلُ: يركبونه، فحذفت الهاءُ
لطول الاسم وأنَّه رأسُ آيةٍ. وفي معناه ثلاثةُ أقوالٍ:
مذهبُ مجاهدٍ وقتادةً وجماعةٍ من أهل التفسير، وروي عن ابن عباس: أنَّ معنى
(مِن مِثْلِه)) للإبل(١)، خَلَقها لهم للركوب في البرِّ مثل السفن المركوبةِ في البحر،
والعرب تشبّه الإبلَ بالسفن؛ قال طَرَفةُ :
كأنَّ حُدُوجَ المالكيَّةِ غُدوةً
خلايا سَفِينٍ بالنَّواصِفِ مِن دَرٍ(٢)
جمعُ خَليَّة، وهي السفينةُ العظيمة.
والقولُ الثاني أنه للإبل والدوابُ وكلِّ ما يُرْكَبُ.
والقولُ الثالث: أنه للسفن؛ النحاس: وهو أصحُها؛ لأنَّه متَّصلُ الإسنادِ عن ابن
عباس؛ ﴿وَخَلَقْنَا لَّم مِّن مِّثْلِهِ، مَا يَّكَبُونَ﴾ قال: خَلَق لهم سفناً أمثالَها يركبون فيها(٣).
وقال أبو مالك: إنَّها السفنُ الصغارُ خَلَقها مثلَ السفنِ الكبار. ورُوي عن ابن عباس
أيضاً والحسن (٤). وقال الضحاك وغيره: هي السفنُ المتَّخذةُ بعد سفينةٍ نوحِ(٥).
قال الماوَرْديُّ: ويَجيءُ على مقتضَى تأويلٍ عليٍّ ﴾ في أنَّ الذّرّيّةَ في الفُلْكِ
المشحونِ هي النُّطَفُ في بطونِ النساءِ قولٌ خامسٌ في قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا
بَكَبُونَ﴾ أنْ يكون تأويلُه: النساءُ خُلِقْنَ لركوبِ الأزواجِ، لكنْ لمْ أَرَه مَحْکیًا(٦)!
قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّشَأْ تُغْرِقْهُمْ﴾ أي: في البحر، فتَرجِعُ الكنايةُ إلى أصحاب
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٦/٣، دون قوله: وروي عن ابن عباس. وأخرجه عن ابن عباس ومجاهد
الطبري ٤٤٦/١٩ .
(٢) ديوان طرفة ص ٢٠، والنكت والعيون ٢٠/٥، والكلام منه. الخُدوج جمع حِدْج، وهو مَرْكَب من
مراكب النساء. والمالكيَّة منسوبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة. والنواصف جمع ناصفة، وهي الرحبة
الواسعة تكون في الوادي. ودد: موضع. اللسان (ددا).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٦/٣. والخبر أخرجه الطبري ٤٤٤/١٩.
(٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٤٤٤ عن أبي مالك والحسن.
(٥) أخرجه الطبري ٤٤٥/١٩ .
(٦) النكت والعيون ٢٠/٥، وسلف الكلام على خبر علي في تفسير الآية السابقة، وأنه من تحريف
الكلم عن مواضعه.

٤٥٥
سورة يس: الآيات ٤١ - ٥٠
الذُّرِّيَّةِ، أو إلى الجميع. وهذا يدلُّ على صحّة قولِ ابن عباس ومَن قال: إنَّ المرادَ
((مِن مِثْلِه)) السفنُ لا الإبل.
﴿فَلَ صَرِيخَ لَمُمْ﴾ أي: لا مُغيثَ لهم، رواه سعيدٌ عن قتادةً. ورَوَى شيبان عنه: فلا
مَنَعَةً لهم(١). ومعناهما مُتقاربان. و((صَرِيخ)) بمعنى مُصرِخ، فعيلٌ بمعنى فاعل.
ويجوزُ: ((فلا صَريخٌ لهم))(٢)؛ لأنَّ بعدَه ما لا يَجوزُ فيه إلَّ الرفعُ؛ لأنَّه معرفةٌ
وهو ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾، والنحويون يختارون: لا رجلٌ في الدارِ ولا زيدٌ. ومعنى:
(يُنْقَذُونَ)): يُخلَّصون من الغَرَق. وقيل: من العذاب.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّ﴾ قال الكسائيُّ: هو نصبٌ على الاستثناء. وقال الزجَّاج: نُصِبَ
[لأنه] مفعولٌ من أجله، أي: للرحمة، ﴿وَمَتَعًا﴾ معطوفٌ عليه(٣).
﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى الموت؛ قاله قتادة. يحيى بن سلام: إلى القيامة(٤)، أي: إلَّا
أنْ نَرْحَمَهم ونمتِّعهم إلى آجالهم، وأنَّ الله عجَّل عذابَ الأمم السالفة، وأخّر عذابَ
أمَّةِ محمدٍ ﴿ - وإن كذَّبوه - إلى الموت والقيامة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَنَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ (٢) وَ
تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِنَّا
رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظْعِمُ مَن لَّوْ بَيْشَاءُ اللّهُ أَلْعَمَهُ: إِنْ أَنْتُمْ
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُمْ صَدِقِينَ (٨) مَا يَنْظُرُونَ
إِلَّا فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ
٤٧
إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِضِّمُونَ ﴿﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةٌ وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ
يَرْجِعُونَ (@)
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَّقُواْ مَا بَيِّنَ أَيْدِيْكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ قال قتادةُ: يعني ((اتَّقُوا
(١) النكت والعيون ٥/ ٢٠، وأخرج الأول عبد الرزاق ٢/ ١٤٤، والطبري ٤٤٧/١٩.
(٢) وقد قرئ بها كما ذكر العكبري في الإملاء ٢٢٩/٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٧/٣، وما سلف بن حاصرتين منه، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢٨٩/٤.
(٤) النكت والعيون ٢٠/٥، وقول قتادة أخرجه الطبري ١٩/ ٤٤٧.

٤٥٦
سورة يس: الآيات ٤٥ - ٥٠
ما بين أيديكم)) أي: من الوقائع فيمَن كان قَبْلَكم من الأمم، ((وما خَلْفَكم)) من
الآخرة(١).
ابن عباس وابن جُبير ومجاهد: ((ما بين أيديكم)): ما مضى من الذُّنوب، ((وما
خَلْفَكم)): ما يأتي من الذُّنوب(٢).
الحسن: ((ما بين أيديكم)): ما مضى من أجَلِكُمْ، ((وما خَلْفَكم)): ما بقيَ منه.
وقيل: ((ما بين أيديكم)): من الدنيا، ((وما خَلْفَكم)): من عذاب الآخرة؛ قاله
سفيان(٣). وحَكَى عَكْسَ هذا القولِ الثعلبيُّ عن ابن عباس. قال: ((ما بين أيديكم)):
من أمر الآخرة فاعملوا لها(٤)، ((وما خَلْفَكم)): من أمرٍ الدنيا فاحذروها ولا تغترُّوا
بها.
وقيل: (ما بين أيديكم)): ما ظَهَر لكم، ((وَمَا خَلْفَكُمْ)): ما خفيَ عنكم.
والجوابُ محذوفٌ، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أَعْرَضوا، دليلُه قولُه بعدُ: ﴿وَمَا
تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ فاكتَفَى بهذا عن ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي: تَصَدَّقوا على الفقراء. قال
الحسن: يعني اليهودَ، أُمِروا بإطعام الفقراء(٥).
وقيل: هم المشركون قال لهم فقراءُ أصحابِ النبيِّ ﴾: أَعْطُونا ما زعمتُم من
أموالكم أنَّها لله، وذلك قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾
[الأنعام: ١٣٦]. فَحَرَموهم وقالوا: لو شاء الله أَطْعَمَكم - استهزاءً - فلا نُطْعِمُكم حتى
تَرْجِعوا إلى ديننا. قالوا: ﴿أَنْظْعِمُ﴾ أي: أَنرزقُ ﴿مَنْ لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ:﴾، كان بَلَغهم
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٤٤، والطبري ٤٤٨/١٩ .
(٢) أخرجه الطبري ١٩/ ٤٤٨ عن مجاهد، ولم نقف عليه عن ابن عباس وابن جبير.
(٣) النكت والعيون ٢١/٥ .
(٤) في النسخ: من أمر الآخرة وما عملوا لها، والمثبت من الوسيط ٥١٥/٣، وتفسير البغوي ٤/ ١٤ .
(٥) النكت والعيون ٢١/٤ .

٤٥٧
سورة يس: الآيات ٤٥ - ٥٠
من قولِ المسلمين: أنَّ الرازق هو الله. فقالوا هزءاً: أنرزقُ مَن لو يشاءُ الله
أغناه؟!(١)
وعن ابن عباس: كان بمكةَ زنادقةٌ، فإذا أُمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا
واللهِ، أَيُفْقِرُه اللهُ ونُظْعمُه نحن! وكانوا يسمعون المؤمنين يعلِّقون أفعالَ الله تعالی
بمشيئته فيقولون: لو شاء الله لأَغْنَى فلاناً، ولو شاء اللهُ لأعزَّه(٢)، ولو شاء اللهُ لكان
كذا. فَأَخْرَجوا هذا الجوابَ مُخرَجَ الاستهزاءِ بالمؤمنين، وبما كانوا يقولونه من تعليقٍ
الأمورِ بمشيئة الله تعالى.
وقيل: قالوا هذا تعلُّقاً بقولِ المؤمنين لهم: ﴿أَنْفِقُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي: فإذا كان
الله رَزَقَنا فهو قادرٌ على أن يرزقكم، فَلِمَ تلتمسون الرزقَ منَّا؟. وكان هذا الاحتجاجُ
باطلاً؛ لأنَّ الله تعالى إذا ملَّك عبداً مالاً ثم أَوْجَبَ عليه فيه حقّاً؛ فكأنه انتزع ذلك
القَدْرَ منه، فلا معنى للاعتراض. وقد صَدَقوا في قولهم: لو شاء الله أطعمهم، ولكنْ
كَذَبوا في الاحتجاج. ومثلُه قولُه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾
[الأنعام: ١٤٨]، وقوله: ﴿قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ فِي ضَلٍ مُبِينٍ﴾ قيل: هو من قولِ الكفارِ للمؤمنين، أي: في سؤالٍ
المالِ وفي اتِّباعكم محمداً. قال معناه مقاتلٌ وغيره. وقيل: هو من قول أصحاب
النبيِّ﴾ لهم. وقيل: هو من قولِ اللهِ تعالى للكفار حين ردُّوا بهذا الجواب.
وقيل: إنَّ أبا بكر الصدِّيقَ ﴾ كان يطعم مساکینَ المسلمین، فلقيه أبو جهلٍ
فقال: يا أبا بكر، أتزعمُ أنَّ الله قادرٌ على إطعام هؤلاء؟! قال: نعم. قال: فما بالُه
لم يُظْعِمْهم؟ قال: ابتلى قوماً بالفقر، وقوماً بالغنى، وأمر الفقراءَ بالصبر، وأَمر
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٢٥/٣ إلى قوله: لو شاء الله أطعمكم. وذكره بنحوه البغوي ٤/ ١٤،
وابن الجوزي ٢٤/٧ وعزاه لمقاتل.
(٢) في النسخ: لأعزَّ، والمثبت من الكشاف ٣٢٥/٣، والكلام منه.

٤٥٨
سورة يس: الآيات ٤٥ - ٥٠
الأغنياءَ بالإعطاء. فقال: واللهِ يا أبا بكر ما أنتَ إلَّ في ضلال! أتزعُم أنَّ الله قادرٌ
على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمُهم، ثم تطعمهم أنت؟! فنزلت هذه الآية، ونزل قولُه
تعالى: ﴿وَمَّا مَنْ أَعْطَى وَتَّقَ وَصَدَّقَ بِاَلْمُنَ﴾ الآيات [الليل: ٥-٦](١). وقيل: نزلت الآيةُ في
قومٍ من الزنادقة، وقد كان فيهم أقوامٌ يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع، واستهزؤوا
بالمسلمين بهذا القول؛ ذكره القُشيريُّ والماوَرْديّ(٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَ هَذَا الْوَعْدُ﴾ لمَّا قيل لهم: ﴿أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا
خَلْفَكُمْ﴾ قالوا: ﴿مَ هَذَا الْوَعْدُ﴾ وكان هذا استهزاءً منهم أيضاً، أي: لا تحقيقَ لهذا
الوعيدِ، قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظِرِون ﴿إِلَّ صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ﴾ وهي نفخةُ
إسرافيلَ ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِضِّمُونَ﴾ أي: يَخْتَصِمون في أمورٍ دنياهم، فيموتون في
مكانهم؛ وهذه نفخةُ الصَّعْق.
وفي ((يَخِصِّمُون) خمسُ قراءاتٍ: قرأ أبو عمرو وابنُ كثير: ﴿وهم يَخَصِّمُونَ﴾
بفتحِ الياءِ والخاءِ وتشديدِ الصَّاد. وكذا رَوَى وَرْشٌ عن نافع(٣). فأمَّا أصحابُ
القراءاتِ وأصحابُ نافعٍ سوى ورشٍ فَرَوَوْا عنه: ((يَخْصِّمُونَ)) بإسكان الخاء وتشدیدِ
الصاد على الجمع بين ساكنين.
وقرأ يحيى بن وثَّابٍ والأعمشُ وحمزةٌ: ﴿وهم يَخْصِمُونَ﴾ بإسكان الخاءِ
وتخفيفِ الصَّاد؛ من خَصَمَه.
وقرأ عاصمٌ والكسائيُّ: ﴿وَهُمْ يَخِصِمُونَ﴾ بكَسْرِ الخاءِ وتشديدِ الصاد(٤)،
(١) لم نقف عليه.
(٢) في النكت والعيون ٥/ ٢١ .
(٣) وهي قراءة هشام أيضاً. غير أن أبا عمرو كان يختلس فتحة الخاء. السبعة ص٥٤١، والتيسير ص١٨٤ .
والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٩٧ .
(٤) وقرأ بها أيضاً من السبعة ابن عامر في رواية ابن ذكوان. والكلام من إعراب القرآن للنحاس
٣٩٧/٣.

٤٥٩
سورة يس: الآيات ٤٥ - ٥٠
ومعناه: يخصِمُ بعضُهم بعضاً. وقيل: تأخذُهم وهم عند أنفسِهم يَخْتَصِمون في الحجة
أنَّهم لا يُبعثون.
وقد روى ابنُ جُبيرٍ عن أبي بكر عن عاصم، وحمادٌ عن عاصم كَسْرَ الياءِ والخاءِ
والتشديد (١).
قال النحاس: القراءةُ الأُولى أَبْنُها. والأصلُ فيها: يَخْتَصِمون، فأُدْغمت التاءُ في
الصاد، فقُلبتْ حركتُها على الخاء (٢)، وفي حَرْفٍ أُبيِّ: ((وهم يَخْتَصمون)). وإسكانُ
الخاءِ لا يجوزُ؛ لأنه جمعٌ بين ساكنين وليس أحدُهما حرف مدٍّ ولِيْن(٣). وقيل:
أَسْكَنوا الخاءَ على أصلها.
[فأمَّا مَن قرأ: ((يَخْصِمون)) فالتقدير: ] يَخْصِم (٤) بعضُهم بعضاً، فحذف
المضاف(٥)، وجاز أن يكون المعنى: يَخْصِمون مُجادِلهم عند أنفُسِھم فحذف
المفعول. قال الثعلبيُّ: وهي قراءةُ أبيّ بنِ كعب.
قال النخَّاس(٦): فأمَّا ((يَخِصِّمُون)) فالأصلُ فيه أيضاً: يختصمون، فأُدغمت التاءُ
في الصاد، ثم كُسِرت الخاءُ لالتقاء الساكنين. وزعم الفرَّاء (٧) أنَّ هذه القراءةَ أَجْودُ
وأكثر؛ فتَرَكَ ما هو أَوْلَى - من إلقاءِ حركةِ التاءِ على الخاء - واجْتَلَبَ لها حركةً
(١) جامع البيان للداني ٣٦٦/٢. والمشهور عن عاصم فتح الياء كما سلف. وابن جبير هو أحمد بن جبير
ابن محمد، أبو جعفر الكوفي المقرئ.
(٢) في (م): فنقلت حركتها إلى الخاء.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٧/٣. وقراءة أبيٍّ ذكرها أيضاً الفراء في معاني القرآن ٣٧٩/٢.
(٤) قبلها في النسخ: والمعنى، والمثبت من الحجة للفارسي ٦/ ٤٢ .
(٥) قال مكي في الكشف عن وجوه القراءات ٢١٧/٢: حذفَ المضاف، وهو ((بعض)) الأول، وقام
الضمير المخفوض مقام ((بعض)) في الإعراب، فصار ضميراً مرفوعاً، فاستتر في الفعل؛ لأن المضمر
المرفوع لا ينفصل بعد الفعل، لا تقول: اختصم هم.
(٦) في إعراب القرآن ٣٩٨/٣ .
(٧) في معاني القرآن له ٣٧٩/٢ .

٤٦٠
سورة يس: الآيات ٤٥ - ٥٠
أخرى، وجَمَع بين ياءٍ وكسرة، وزعم أنه أجودُ وأكثر. وكيف يكونُ أكثرَ وبالفتح قراءةٌ
الخَلْقِ من أهل مكةَ وأهلِ البصرةِ وأهلِ المدينة!
وما رُوي عن عاصم من كسرِ الياءِ والخاءِ فللإتباع. وقد مضى هذا في ((البقرة))
في ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [الآية: ٢٠] وفي (يونس)) في ﴿َهَذِىٌ﴾ [الآية: ٣٥].
وقال ◌ِكرمةُ في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿إِلَّا صَيْحَةُ وَحِدَةُ﴾ قال: هي النفخةُ الأولى في
الصُّور. وقال أبو هريرةَ: يُنفخُ في الصُّور والناسُ في أسواقهم؛ فمِن حالبٍ لَقْحةً،
ومن ذارعٍ ثوباً، ومن مارٍّ في حاجةٍ (١).
وروى نُعيمٌ عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((تقومُ الساعةُ والرجلان قد
نَشَرا ثوبهما يتبايعانِه، فلا يَطْوِيانِه حتى تقومَ الساعة، والرجلُ يَلِيطُ حوضَه لِيَسْقِيَّ
ماشيته، فما يسقيها حتى تقومَ الساعةُ، والرجلُ يخفِضُ ميزانه فما يرفعُه حتى تقوم
الساعة، والرجلُ يرفع أَكْلَته إلى فيه، فما يَبْتَلعها(٢) حتى تقومَ الساعة))(٣).
وفي حديث عبد الله بن عمرو: ((وأولُ مَن يسمعُه رجلٌ يَلُوطُ حوضَ إبله - قال -
فَيَصْعَقُ ويَصْعَقُ الناس)) الحديث(٤).
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَّةٌ﴾ أي: لا يستطيعُ بعضُهم أنْ يوصيَ بعضاً لِمَا في يده من
حقِّ (٥). وقيل: لا يستطيعُ أن يوصيَ بعضُهم بعضاً بالتوبة والإقلاع، بل يموتون في
أسواقهم ومَواضِعِهم.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٨/٣ .
(٢) في (خ): يبلغها، وفي (م): يتبلعها.
(٣) النكت والعيون ٢٢/١٥، وأخرجه بنحوه أحمد (٨٨٢٤)، والبخاري (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤) من
طريق الأعرج عن أبي هريرة عن النبي #. وأخرجه بنحوه أيضاً الداني في السنن الواردة في الفتن
(٣٨٣) من طريق نعيم بن عبد الله عن أبي هريرة عن النبي #. قوله: يليط حوضه - وفي رواية: يلوط -
أي: يطينه ويصلحه. النهاية (لوط).
(٤) أخرجه أحمد (٦٥٥٥)، ومسلم (٢٩٤٠)، وسلف ٤٣٠/٨.
(٥) النكت والعيون ٢٢/٥.