Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سورة فاطر: الآية ١١
قال: فما مَضَى من أجَلِه فهو النقصانُ، وما يُستقبلُ فهو الذي يُعَمَّرُهُ(١)، فالهاءُ على
هذا للمعمَّر.
وعن سعيد أيضاً: يكتبُ عمرُه كذا وكذا سنةً، ثم يكتب في أسفلٍ ذلك: ذهب
يومٌ، ذهب يومان، حتى يأتيَ على آخره. وعن قتادةَ: المعمَّرُ مَن بلغ ستِّينَ سنةً،
والمَنْقوصُ من عمره مَن يَموتُ قبل ستِّين سنة(٢).
ومذهبُ الفرَّاءِ (٣) في معنى ﴿وَمَا يُعَثِّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ أي: ما يكونُ من عمره ﴿وَلَا
يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍِ﴾ بمعنى معمَّرٍ آخرَ، أي: ولا يُنْقَصُ الآخرُ من عمره ﴿إِلَّا فِ كِنٍَ﴾
فالكنايةُ في («عمره) تَرْجِعُ إلى آخرَ غيرِ الأوَلِ، وكَنَى عنه بالهاء كأنه الأوّلُ، ومثلُه
قولُك: عندي درهمٌ ونصفُه، أي: نصفُ آخَرَ.
وقيل: إنَّ الله كتب عمرَ الإنسان مئةً سنةٍ إن أطاع، وتسعين إن عَصَى، فأيَّهما
بلغ فهو في كتاب (٤). وهذا مثلُ قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أحَبَّ أن يُبْسَط له في
رزقه، ويُنْسأ له في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَه))(٥). أي: إنَّه يُكتَبُ في اللَّوح المحفوظ: عمرُ
فلانٍ كذا سنةً، فإنْ وَصَلَ رَحِمَه زِيْدَ في عمرِه كذا سنةً. فبيَّن ذلك في موضع آخَرَ من
اللَّوحِ المحفوظ، أنَّ سَيَصِلُ رَحِمَه. فَمَن اطّلع على الأوّل دونَ الثاني ظَنَّ أَنَّه زيادةٌ أو
نقصان. وقد مضى هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُحِبِثٌ﴾
[الرعد: ٣٩]. والكنايةُ على هذا ترجعُ إلى العمر.
وقيل: المعنى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُّعَمَّرٍ﴾ أي: هَرِم ﴿وَلَا يُنْقَصُ﴾ آخَرُ [﴿مِنْ
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٤٥/٥.
(٢) الكشاف ٣/ ٣٠٣، وأخرج الخبرين ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٢٤٧/٥.
(٣) في معاني القرآن ٣٦٨/٢ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٤٦/٥ .
(٥) أخرجه أحمد (١٣٥٨٥)، والبخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧) من حديث أنس ﴾، وسلف ٢٠٢/١٠
و ٨٩/١٢.

٣٦٢
سورة فاطر: الآيتان ١١ - ١٢
عُمُرِهِ=﴾] من عمرِ الهَرِمِ ﴿إِلَّا فِي كِتَرِ﴾ أي: بقضاءٍ من الله جلَّ وعزَّ. رُوي معناه عن
الضخَّاك واختاره النخَّاس، قال: وهو أشبهها بظاهرِ التنزيل(١). ورُوي نحوُه عن ابن
عباس(٢). فالهاءُ على هذا يَجوزُ أن تكون للمعمَّر، ويجوز أن تكون لغيرِ المعمَّر.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: كتابةُ الأعمالِ والآجالِ غيرُ مُتَعذِّرٍ عليه. وقراءةُ
العامَّةِ: ﴿يُنقَّصُ﴾ بضمِّ الياء وفتح القاف. وقَرأتْ فرقةٌ منهم يعقوبُ: ﴿يَنْقُص﴾ بفتح
الياء وضمِّ القاف(٣)، أي: لا يَنْقُصُ من عمرِه شيءٌ. يقال: نَقَصَ الشيءُ بنفسه ونقَصَه
غيرُه، وزاد بنفسه وزاده غيره، متعدٍّ ولازمٌ.
وقرأ الأعرجُ والزُّهريُّ: ((مِن عُمْره) بتخفيفِ الميم(٤). وضمَّها الباقون. وهما
لغتان مثل: السُّخْق والسُّحُق. و((يَسيرٌ)) أي: إحْصَاءُ طويلِ الأعمارِ وقصيرِها لا يتعذَّر
عليه شيءٌ منها ولا يَعْزُب. والفعلُ منه: يَسُر. ولو سمَّيتَ به إنساناً انْصَرَفَ؛ لأنه
فَعِيل(٥).
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَأَيْغٌ شَرَابُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ
وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِئًا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ
١٢
لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ فيه أربعُ مسائلَ:
الأولى: قال ابن عباس: ((فُراتٌ)) حُلْوٌ، و((أُجَاجٌ)) مرٍّ. وقرأ طلحةُ: ((هذا مَلِحْ
أُجاجٌ)) بفتحِ الميم وكَسْرِ اللامِ بغير ألف. وأمَّا المالحُ فهو الذي يُجعلُ فيه الملح (٦).
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٤٣/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. وقول الضحاك أخرجه الطبري ٣٤٣/١٩.
(٢) أخرجه الطبري ٣٤٣/١٩ .
(٣) النشر ٣٥٢/٢.
(٤) ذكرها ابن مجاهد في السبعة ص٥٣٤ رواية عن أبي عمرو، وهي في القراءات الشاذة ص ١٢٣ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٦/٣.
(٦) المصدر السابق.

٣٦٣
سورة فاطر: الآية ١٢
وقرأ عيسى وابنُ أبي إسحاقَ: ((سيِّغ شرابه)) مثل: سيِّد وميِّت(١). ﴿وَمِن كُلّ
تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيئًا﴾ لا اختلافَ في أنه منهما جميعاً. وقد مضى في ((النحل))
الكلامُ فيه(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ مذهبُ أبي إسحاق أنَّ الحليةَ
إنَّما تستخرجُ من الملح، فقيل: منهما؛ لأنَّهما مُخْتِلِطان. وقال غيره: إنَّما تُسْتَخرجُ
الأصدافُ التي فيها الحليةُ - من الدرِّ وغيرِه - من المواضع التي فيها العذبُ والمِلْحُ
نحو العيون(٣)، فهو مأخوذٌ منهما(٤)؛ لأنَّ في البحر عيوناً عذبةً، وبينهما يخرج
اللؤلؤُ عند التَّمَازُجِ. وقيل: من مطر السماء.
وقال محمد بنُ يزيد قولاً رابعاً، قال: إنَّما تُستخرَجُ الحليةُ من المِلْح خاصةً؛
النحاس(٥): وهذا أحْسَنُها، وليس هذا عندَه لأنَّهما مُختلِطان، ولكنْ جُمِعا ثم أخبر
عن أحدهما كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ لِتَسَكُوا فِيهِ
وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] وكما تقول: لو رأيتَ الحسنَ والحجَّاجَ لرأيتَ خيراً
وشَرّاً. وكما تقول: لو رأيتَ الأصمعيَّ وسيبويه لملأتَ يدك لغةً ونَحْواً. فقد عرف
معنى هذا، وهو كلامٌ فصيحٌ كثير، فكذا: ﴿وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِئًا وَتَسْتَخْرِجُونَ
◌ِيَّةً تَلْبَسُونَهَا﴾ فاجتمعا في الأوَّلِ وانفردَ المِلْحُ بالثاني.
الثالثة: وفي قوله: ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ دليل على أنَّ لباسَ كلِّ شيءٍ بحَسَبِهِ؛ فالخاتمُ
يُجعل في الإصبع، والسِّوارُ في الذِّراع، والقِلاَدَةُ في العنق، والخَلْخالُ في الرِّجْل.
(١) القراءات الشاذة ص٣٣٤، والمحرر الوجيز ٤٣٣/٤ عن عيسى. وقرأ عيسى أيضاً: ((سَيْغ)) مخفَّفاً من
المشدَّد، وكذا ضبطت في (ز)، وهي في المحتسب ١٩٨/٢، والبحر ٣٠٥/٧.
(٢) ٢٩٥/١٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٦/٣، وقول أبي إسحاق الزجاج في معاني القرآن ٢٦٦/٤ .
(٤) في (ظ): منها، وليست في (د). والمثبت من باقي النسخ والنكت والعيون ٤٦٧/٤، والكلام منه.
(٥) في إعراب القرآن ٣٦٦/٣، وما قبله منه.

٣٦٤
سورة فاطر: الآيتان ١٢ - ١٣
وفي البخاريِّ والنسائيِّ عن ابن سِيرين قال: قلتُ لعَبِيدةَ: افتراشُ الحرير كَلُبْسِهِ؟
قال: نعم (١). وفي الصِّحاح عن أنس: فقمتُ على حَصيرٍ لنا قد اسْوَدَّ من طولٍ ما
لُبس. الحديث(٢).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ قال النحاس(٣): أي: ماءِ الملحِ
خاصةً، ولولا ذلك لقال: فيهما. وقد مَخَرت السفينةُ تَمْخُر: إذا شقَّت الماءَ. وقد
مضى هذا في ((النحل))(٤).
﴿يَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهٍِ﴾ قال مجاهد: التجارةُ في الفُلْكِ إلى البلدان البعيدةِ في مدَّةٍ
قريبة(٥)، كما تقدَّم في ((البقرة))(٦). وقيل: ما يُستخرج من حِلْيتهِ ويُصادُ من حِيتَانه.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ على ما آتاكم من فَضْلِه. وقيل: على ما أَنْجاكم مِن هَوْله.
قوله تعالى: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِ وَسَخَرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَنَّىَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ
١٣
تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَعْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ
قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَّيْلِ﴾ تقدَّم في
((آل عمران))(٧) وغيرِها. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَّرُّ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَنَّىَّ﴾ تقدَّم في ((لقمان))
(١) ذكره البخاري تعليقاً في: باب افتراش الحرير، فقال: وقال عبيدة: هو كَلُبْسِه. ووصله الحارث بن أبي
أسامة من طريق محمد بن سيرين بلفظ المصنف، كما في الفتح ٩٢/١٠ ، ولم يخرجه النسائي، ولكن
أخرجه من طريقه ابن عبد البر في التمهيد ٢٦٥/١ .
(٢) صحيح البخاري (٣٨٠)، وصحيح مسلم (٦٥٨)، وهو عند أحمد (١٢٣٤٠).
(٣) في إعراب القرآن ٣٦٧/٣ .
(٤) ٣٠٢/١٢ .
(٥) ذكره مختصراً الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٤٦٧ .
(٦) ٤٩٧/٢ .
(٧) ٥/ ٨٥ - ٨٧ .

٣٦٥
سورة فاطر: الآيتان ١٣ - ١٤
بيانُهُ(١). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: هذا الذي مِن صُنْعِه ما تَقَرَّرَ هو
الخالقُ المدبِّر، والقادرُ المقتدرُ، فهو الذي يُعْبَد. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ.﴾ يعني:
الأصنامَ ﴿مَا يَعْلِكُونَ مِن فِطْمِيرٍ﴾ أي: لا يقدرون عليه ولا على خَلْقِه. والقِطْميرُ:
القِشْرةُ الرقيقةُ البيضاءُ التي بين التمرة والنواة؛ قاله أكثر المفسِّرين(٢). وقال
ابن عباس: هو شَقُّ النَّواةِ(٣)، وهو اختيارُ المبرِّد، وقاله قتادةُ. وعن قتادةَ أيضاً:
القِظْميرُ: القَمْعُ الذي على رأس النواةُ(٤). الجوهَرِيُّ(٥): ويقال: هي النكتةُ البيضاءُ
التي في ظَهْرِ النواةِ، تَنْبُتُ منها النخلة.
قوله تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَلَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
قوله تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُرُ﴾ أي: إنْ تَستغيثوا بهم في النَّوائب لا
يسمعوا دعاءَكم؛ لأنَّها جماداتٌ لا تُبصِرُ ولا تسمع. ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُواْ لَكُمْ﴾ إذ
ليس كلُّ سامع ناطقاً. وقال قتادةُ: المعنى: لو سَمِعوا لم ينفعوكم(٦). وقيل: أي: لو
جَعَلْنا لهم عقولاً وحياةً فسمعوا دعاءًكم لكانوا أطوعَ للهِ منكم، ولما استجابوا لكم
على الكفر.
(١) عند تفسير الآية (٢٩) منها.
(٢) ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء وعطية العوفي والحسن
وقتادة وغيرهم.
(٣) لم نقف عليه، وقد روي هذا القول عن ابن عباس في تفسير الفتيل، كما في معاني القرآن للنحاس
٤٤٨/٥، والدر المنثور ١٧١/٢، وعزاه السيوطي لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر،
وروي عنه في معنى القطمير أنه القشر - وفي لفظ: الجلد - الذي يكون على ظهر النواة. تفسير الطبري
٣٤٩/١٩، ومعاني القرآن للنحاس ٤٤٨/٥، والدر المنثور ١٧١/٢ و٢٤٨/٥ .
(٤) أخرجه الطبري ٣٥٠/١٩ من طريق جويبر عن بعض أصحابه، وأخرج عن قتادة أنه قال: القطمير:
القشرة التي على رأس النواة.
(٥) في الصحاح (قطمر).
(٦) أخرجه بنحوه الطبري ٣٥١/١٩ .

٣٦٦
سورة فاطر: الآيتان ١٤ _ ١٥
﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يجحدون أنَّكم عَبَدْتُموهم، ويَتَبرَّؤون منكم.
ثم يجوزُ أن يرجع هذا إلى المعبودينَ ممَّا يَعْقِلُ، كالملائكة والجنِّ والأنبياءِ
والشَّياطين، أي: يجحدون أن يكون ما فعلتُموه حقًّا، وأنَّهم أمروكم بعبادتهم، كما
أَخبر عن عيسى بقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ﴾ [المائدة: ١١٦]. ويجوزُ أن
يندرج فيه الأصنامُ أيضاً، أي: يحييها الله حتى تُخْبِرَ أنَّها ليست أهلاً للعبادة. ﴿وَلَا
يُنَكِتُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ هو اللهُ جلَّ وعزَّ، أي: لا أحدَ أخْبَرُ بخلقِ اللهِ من الله، فلا ينبِّئُكَ
مثلُه في عمله(١).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
١٥
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللهِ﴾ أي: المحتاجون إليه في بقائكم
وكلِّ أَحْوالِكم. الزَّمخشريُّ: فإنْ قلتَ: لِمَ عرَّف ((الفقراء؟)) قلتُ: قَصَدَ بذلك أن
يُريّهم أنَّهم لشدَّةِ افتقارِهم إليه هم جنسُ الفقراء، وإن كانت الخلائقُ كلُّهم مفتقرين
إليه؛ من الناس وغيرِهم؛ لأنَّ الفقر ممَّا يَتْبعُ الضَّعْفَ، وكلَّما كان الفقيرُ أَضْعَفَ كان
أفقرَ(٢)؛ وقد شَهِدَ اللهُ سبحانه على الإنسان بالضَّعْفِ في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ
ضَعِيفًا﴾ وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ ولو نَكَّر لكان المعنى: أنتم بعضُ
الفقراء.
فإن قلت: قد قُوبِلَ ((الفقراء)) بـ ((الغنيّ)) فما فائدةُ ((الحميد))؟
قلتُ: لمَّا أَثبتَ فَقْرَهم إليه وغِناهُ عنهم، وليس كلُّ غنيٍّ نافعاً بغناه إلاَّ إذا كان
الغنيُّ جواداً مُنْعِماً، وإذا جاد وأنْعمَ حَمِدَه المنْعَمُ عليهم واستحقَّ عليهم الحمدَ، ذَكَر
((الحميد)) ليدلَّ به على أنَّه الغنيُّ النافِعُ بغناه خَلْقَه، الجوادُ المنعمُ عليهم، المستحِقُّ
بإنعامه عليهم أن يَحْمَدوه(٣).
(١) في (خ) و (ز): علمه.
(٢) في (خ): أحقر.
(٣) الكشاف ٣٠٤/٣ - ٣٠٥ .

٣٦٧
سورة فاطر: الآيات ١٥ - ١٨
وتخفيفُ الهمزةِ الثانيةِ أَجْوَدُ الوجوهِ عند الخليلِ، ويجوزُ تخفيفُ الأولى
وحدَها(١)، وتخفيفُهما وتحقيقُهما جميعاً. ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْشِىُّ الْحَمِيدُ﴾ تكون ((هو))
زائدةً، فلا يكون لها موضعٌ من الإعراب، وتكون مبتدأةً فيكون موضعُها رفعاً (٢).
قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٧) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
پِعَزِيزٍ
قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ﴾ فيه حذفٌ، المعنى: إنْ يشأُ [أن] يُذْهِبَكم
يُذْهِبْكم(٣)، أي: يفنيكم. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ﴾ أي: أَظْوعَ منكم وأزْكَى. ﴿وَمَا ذَلِكَ
عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: ممتنعٍ عَسيرٍ مُتْعذُّر. وقد مضى هذا في ((إبراهيم)) (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَّ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ
شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَةُ إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَمَهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
ج
وَمَنْ تَزَّكَّ فَإِنَّمَا يَتَزَّكَ لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾﴾
تقدَّم الكلامُ فيه (٥)، وهو مقطوعٌ ممَّا قَبْلَه. والأصلُ: (تَوْزِر)) حُذفت الواوُ اتباعاً
لِيَزِر. ﴿وَازِرَةٌ﴾ نعتٌ لمحذوفٍ، أي: نفسٌ وازِرةٌ. وكذا ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا﴾
قال الفرَّاء(٦): أي: نفسٌ مُثْقَلةٌ، أو دابَّة. قال: وهذا يقع للمذكَّر والمؤنَّث. قال
الأخفش (٧): أي: وإنْ تَدْعُ مُثْقَلةٌ إنساناً إلى حِمْلِها، وهو ذنوبها. والحِمْلُ: ما كان
(١) في (د): وحذفها، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٦٨/٣، وسهَّل الثانية كالياء وأبدلها واواً
مكسورة: نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ورويس، وحققها الباقون وأما تخفيف الأولى؛ فهو
لحمزة وهشام عند الوقف حسب أصولهما فيه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٧/٣-٣٦٨.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٨/٣، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) ١٢ / ١٢٥ .
(٥) ١٤٥/٩ .
(٦) في معاني القرآن ٣٦٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٦٨/٣.
(٧) في معاني القرآن له ٦٦٥/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٦٨/٣

٣٦٨
سورة فاطر: الآية ١٨
على الظّهْر، والحَمْلِ: حَمْلُ المرأةِ، وحَمْلُ النخلة؛ حكاهما الكسائيُّ بالفتح لا
غير. وحَكَى ابن السِّكِّيت أنَّ حمل النخلة يُفتح ويُكسر.
﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِهُ﴾ التقدير على قول الأخفش: ولو كان
الإنسانُ المدعوُّ ذا قُرْبَى. وأجاز الفرَّاء: ولو كان ذو قُرْبَى. وهذا جائزٌ عند سيبويه،
ومثلُه: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَقٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فتكون ((كان)) بمعنى: وقع، أو يكون
الخبرُ محذوفاً، أي: وإن كان فيمَن تطالبون ذو عسرة. وحكى سيبويه: الناسُ
مَجْزِيُّونَ بأعمالهم إنْ خيرٌ فخيرٌ؛ على هذا، وخيراً فخيراً (١)؛ على الأوّل.
وروي عن عكرمةً أنه قال: بلغني أنَّ اليهوديّ والنَّصْرانيَّ يرى الرجلَ المسلمَ يومَ
القيامةِ فيقولُ له: ألم أكن قد أَسْديتُ إليك يداً، ألم أكن قد أَحْسنتُ إليك؟ فيقول:
بلى. فيقول: انفعني؛ فلا يزالُ المسلم يسأل الله تعالى حتى يُنْقِصَ من عذابه. وأنَّ
الرجل ليَأتي إلى أبيه يومَ القيامةِ فيقول: ألم أَكُنْ بك بارّاً، وعليك مُشْفِقاً، وإليك
مُحْسِناً؟ وأنت ترى ما أنا فيه، فهَبْ لي حسنةً من حسناتك، أو احْمِلْ عنِّي سيئةً،
فيقول: إنَّ الذي سَأَلْتني يسيرٌ، ولكنِّي أَخافُ مثلَ ما تَخاف. وأنَّ الأبَ ليقول لابنه
مثلَ ذلك، فَيَرُدُّ عليه نحواً من هذا. وأنَّ الرجل ليقول لزوجته: ألم أَكُنْ حَسَنَ(٢)
العِشرة لكِ؟ فاحْمِلي عنِّي خطيئةً لَعَلِّي أنْجو، فتقول: إنَّ ذلك ليسيرٌ ولكنِّي أخاف ممَّا
تخاف منه. ثم تلا عكرمة: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَهُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا
ثُرْبَةُ﴾(٣).
(١) في (د) و(م): وخيراً فخيرٌ، والمثبت من باقي النسخ وإعراب القرآن للنحاس، وكلا الوجهين
صحيح، والتقدير: إن كان الذي عَمِلَ خيراً جُزي خيراً، أو: إن كان الذي عَمِلَ خيراً فالذي يُجزى به
خيرٌ. وإذا رفع الاثنين فالتقدير: إن كان في عمله خير فالذي يجزى به خير. ينظر الكتاب ٢٥٨/١ -٢٦٠ .
وقول الفراء في معاني القرآن ٣٦٨/٢. وقول الأخفش في معاني القرآن ٦٦٥/٢.
(٢) في (د) و(م): أحسن.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٩/٣، وأخرجه بنحوه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور
٢٤٨/٥.

٣٦٩
سورة فاطر: الآيات ١٨ -٢٢
وقال الفضيل بنُ عِياض: هي المرأةُ تَلْقَى ولدَها فتقول: يا ولدي، ألم يكن بطني
لك وعاءً؟ ألم يكن ثدبي لك سِقَاءً؟ ألم يكن حِجْري لك وِطَاءً؟ فيقول: بلى يا أمَّاه!
فتقول: يا بنيَّ، قد أَثْقلتني ذنوبي فاحِمْلْ عنِّي منها ذنباً واحداً، فيقول: إليكِ عنِّي يا
أمَّاه، فإِنِّي بذَنْبِي عنكِ مشغول.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ أي: إنَّما يقبلُ إنذارَك مَن
يخشى عقابَ الله تعالى، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ
الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَّكَّ فَإِنَّمَا يَتَزََّ لِنَفْسِهِ﴾ أي: مَن اهتَدَى فإنَّما يَهْتدي
لنفسه. وقُرئ: ((ومَنِ ازَّكَّى فإنَّما يَزَّْى لِنفسِه))(١). ﴿وَإِلَى اللَِّ اَلْمَصِيرُ﴾ أي: إليه مَرْجِعُ
جميع الخَلْقِ.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
وَلَا الْقُلُمَتُ وَلَا النُّورُ ﴾ وَلَا
١٩
اَلِظِلُ وَلَا الْحَرُورُ ﴾ وَمَا يَسْتَوِى الْأَخْذُ وَلَ الْأَمَّوَتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ
بِمُسْيِعِ مَن فِى الْقُرِ
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ اٌلْأَعْمَى وَالْصِيرُ﴾ أي: الكافرُ والمؤمنُ، والجاهلُ
والعالم. مثل: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]. ﴿وَلَا اُلُلُمَتُ وَلَا
النُّورُ﴾ قال الأَخْفشُ سعيد(٢): ((لا)) زائدةٌ؛ والمعنى: ولا الظلماتُ والنور، ولا
الظلُّ والحَرُور.
قال الأخفش: والحَرُورُ لا يكون إلا مع شمسِ النهار، والسَّمُوم يكون بالليل(٣)،
(١) المحرر الوجيز ٣٠٦/٤، والبحر ٣٠٨/٧ عن طلحة، وهي قراءة شاذة.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٦٦٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٦٩/٣.
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤١٩/٤، وفيه :... والسموم يكون بالليل والنهار، ولم نقف على
هذا القول في معاني القرآن للأخفش.

٣٧٠
سورة فاطر: الآيات ١٩ - ٢٢
وقيل بالعكس(١). وقال رُؤْبةُ بنُ العجاج: الحَرُورُ يكونُ بالليل(٢) خاصةً، والسَّمُومُ
يكون بالنهار (٣) خاصةً، حكاه المهدويُّ(٤). وقال الفرَّاء: السَّمومُ لا يكونُ إلا بالنهار،
والحرورُ يكونُ فيهما(٥). النحاس(٦): وهذا أصحُ؛ لأنَّ الحَرُور فَعُولٌ من الحرِّ، وفيه
معنى التكثير، أي: الحرّ المؤذي.
قلت: وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرةَ عن رسول اللـه 8# قال: ((قالت النار:
ربِّ أكلَ بَعْضِي بعضاً، فأُذَنْ لي أتَنفَّسْ، فَأَذِنَ لها بنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ، ونَفَسٍ
في الصيف، فما وجدتُم من بَرْدٍ أو زَمْهِرَيرٍ فمِنْ نَفَسٍ جهنّمَ، وما وجدتُم من حرِّ
أو حَرُورٍ فِمِنْ نَفَسِ جهنّم»(٧).
ورُوي من حديث الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة: ((فما تَجِدون من الحرِّ
فَمِنْ سَمُومِها، وشدَّةُ ما تَجِدون من البرد فمِن زَمْهَرِيرِها»(٨) وهذا يجمعُ تلك
الأقوالَ، وأنَّ السَّمومَ والحَرُورَ يكون بالليل والنهار، فتأمَّلْه.
وقيل: المرادُ بالظلِّ والحَرُورِ: الجنة والنار، فالجنةُ ذاتُ ظلِّ دائم، كما قال
(١) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٣٦٩/٣ فقال: وقيل: الحرور لا يكون إلا بالليل، والسموم يكون
بالنهار.
(٢) في (د) و (م): بالنهار.
(٣) في النسخ: بالليل، والمثبت عن مجاز القرآن ١٥٤/٢، وتفسير الطبري ٣٥٦/١٩، ومعاني القرآن
للنحاس ٤٥١/٥، والمحرر الوجيز ٤٣٥/٤، وزاد المسير ٤٨٣/٦.
(٤) بعدها في (ظ): وقال السموم في الليل.
(٥) تفسير الطبري ٣٠٨/١٩، والنكت والعيون ٤٦٩/٤، والمحرر الوجيز ٤٣٦/٤، وزاد المسير
٦/ ٤٨٣، ولم نقف عليه في معاني القرآن له.
(٦) في إعراب القرآن ٣٦٩/٣ -٣٧٠ .
(٧) صحيح مسلم (٦١٧): (١٨٧)، وهو عند أحمد (٧٧٢٢)، والبخاري (٥٣٧) و(٣٢٦٠).
(٨) أخرجه بنحوه بهذا الإسناد مرفوعاً أحمد (٧٢٤٧)، والبخاري (٥٣٧). وأخرجه بلفظ المصنف ابن
ماجه (٤٣١٩) وابن عبد البر في التمهيد ١٦/٥-١٧ عن طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة، عن النبي %.

٣٧١
سورة فاطر: الآيات ١٩ - ٢٤
تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَابِرٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، والنارُ ذات حَرُورٍ؛ قال معناه السُّدِّيُّ(١).
وقال ابن عباس: أي ظلُّ الليل، وحَرُّ السَّموم بالنهار. قُطرب: الحَرُورُ: الحُرُّ،
والظلُّ: البرد(٢).
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَّحْذُ وَلَ الْأَمْوَتُ﴾ قال ابن قتيبة(٣): الأحياءُ: العُقَلاء، والأموات:
الجهَّال. قال قتادة: هذه كلُّها أمثالٌ، أي: كما لا تستوي هذه الأشياءُ كذلك لا
يستوي الكافرُ والمؤمن(٤).
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ﴾ أي: يُسمِعُ أولياءَه الذين خلَقَهم لجنَّته، ﴿وَمَآ أَنْتَ بِسُنْيِعِ
مَن فِ اَلْقُبُرِ﴾ أي: الكفارَ الذين أمات الكفرُ قلوبَهم، أي: كما لا تُسمع مَن مات،
كذلك لا تُسمع من مات قلبُه.
وقرأ الحسنُ وعيسى الثَّقَفيُّ وعمرو بن ميمون: ((بمسمِعِ مَن في القبورِ» بحذفٍ
التنوينِ تخفيفاً، أي: هم بمنزلةِ [أهلِ] القبورِ في أنَّهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا
يَقْبَلونه(٥).
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرُ
أي: رسولٌ منذِرٌ، فليس عليك إلا التبليغ، ليس لك من الهُدَى شيءٌ، إنَّما
الهُدَى بيد الله تبارك وتعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَزْسَلْتَكَ بِالْحَقِ بَشِيرًا وَنَذِيرَاً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّ خَلَ فِيهَا نَذِيرٌ
(٢٤)
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيراً بالجنة أهلَ طاعَتِهِ،
(١) ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون ٤٦٩/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٢٤٩/٥.
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٦٩/٤، ولم نقف على خبر ابن عباس.
(٣) في تفسير غريب القرآن ص٣٦١.
(٤) الوسيط ٥٠٤/٣، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق ١٣٥/٢.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٠/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، والقراءة في القراءات الشاذة ص١٢٣
عن علي

٣٧٢
سورة فاطر: الآيتان ٢٤ - ٢٨
ونذيراً بالنار أهلَ معصيته . ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ أي: سَلَفَ فيها نبيٌّ. قال
ابن جُريج: إلا العرب(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيِّنَتِ
وَيِالزُّبْرٍ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيِ ٥ ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
(٢٦)
قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَ﴾ يعني: كفار قريشٍ ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾
أنبياءَهم، يُسلِّي رسولَه ◌َ﴾ ﴿َتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيْنَتِ﴾ أي: بالمعجزاتِ الظَّاهِرَاتِ
والشرائعِ الواضحات. ﴿وَيَالزُّيْرِ﴾ أي: الكتب المكتوبة ﴿وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ أي:
الواضح. وكرَّر الزُّبرَ والكتابَ وهما واحدٌ لاختلافِ اللفظين. وقيل: تَرجعُ البيناتُ
والزبرُ والكتابُ إلى معنىّ واحدٍ، وهو ما أنزل على الأنبياء من الكتب.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ أي: كيف كانت عقوبتي لهم. وأثبت
وَرْشٌ عن نافعٍ وشيبة الياءَ في ((نكيري)) حيث وقعت في الوَصْلِ دون الوَقْف. وأثْبتَها
يعقوب في الحالَيْن، وحَذَفَها الباقون في الحالين(٢). وقد مضى هذا كلُّه،
والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا
وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌأْ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَتُهَا وَغَِبُ سُودٌ ﴾ وَمِنَ النَّاسِ
وَالذَّوَآبِّ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُ كَذَلِكََّ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ إِنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءُ﴾ هذه الرؤيةُ رؤيةُ القَلْبِ
والعلمِ، أي: أَلَمْ ينتهِ علمُكَ ورأيتَ بقلبك أنَّ الله أنزل، فـ((أنَّ) واسمُها وخبرُها
سَدَّت مَسَدَّ مفعولَيْ الرؤية.
(١) النكت والعيون ٤/ ٤٧٠ .
(٢) التيسير ص ١٨٣، والنشر ٣٥٢/٢.

٣٧٣
سورة فاطر: الآيتان ٢٧ - ٢٨
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ﴾ هو من بابِ تلوينِ الخطاب. ﴿تُخْلِفًا أَلْوَتُهَا﴾ نُصِبتْ
(مُختَلِفاً)) نعتاً لـ«ثَمَرَاتٍ))، ((ألْوَانُهَا)) رفع بـ ((مختلف)). وصلح أن يكون نعتاً لـ«ثَمَرَات))
لمَا عاد عليه مِن ذِكْرِهِ. ويجوزُ في غيرِ القرآنِ رَفْعُه، ومثلُه: رأيتُ رجلاً خارجاً
أبوه(١).
◌ِهِ﴾ أي: بالماء وهو واحدٌ، والثمراتُ مختلفةٌ. ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدًا بِيضٌ
وَحُمْرٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَتُهَا﴾ الجُدَدُ: جمعُ جُدَّة، وهي الطرائقُ المختلفةُ الألوان، وإنْ
كان الجميعُ حجراً أو تراباً. قال الأخفش(٢): ولو كان جمعَ جديدٍ لقال: جُدُد - بضمِّ
الجيمِ والدال ـ نحو: سَرير وسُرُر. وقال زهير:
كأنه أَسفعُ الخدَّين ذو جُدَدٍ طاوٍ ويرتعُ بعد الصيفِ عُريانا(٣)
وقيل: إنَّ الجُدَدَ: القِطَع، مأخوذٌ من جددتُ الشيء: إذا قطعتَه؛ حكاه ابن
(٤)
بحر (٤).
قال الجوهريُّ(٥): والجُدَّة: الخُطّة التي في ظهر الحمارِ تُخالفُ لونَه. والجُدَّة:
الطّريقة، والجمعُ جُدَد؛ قال تعالى: ﴿وَ مِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيِضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَتُهَا﴾
أي: طرائقُ تُخالفُ لونَ الجبل. ومنه قولُهم: رَكِبَ فلانٌ جُدَّةً من الأمر: إذا رأى فيه
رأياً. وكساءٌ مجدَّد: فيه خطوط مختلفة.
الزمخشريُّ(٦): وقرأ الزُّهريُّ: ((جُدُه)» بالضم جمع جَدِيدة، وهي الجُدَّة؛ يقال:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٧٠ .
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٦٦٥ .
(٣) النكت والعيون ٤/ ٤٧٠، ولم نقف عليه في ديوان زهير. قوله: أسفع الخدين، قال ابن قتيبة في
المعاني الكبير ٢٧٢/١ : السفعة في الخد: كل لون يخالف سائر لونه.
(٤) النكت والعيون ٤٧٠/٤ .
(٥) في الصحاح (جدد).
(٦) في الكشاف ٣٠٧/٣ .

٣٧٤
سورة فاطر: الآيتان ٢٧ - ٢٨
جديدة وجُدُد وجَدَائد، كسفينة وسُفُن وسَفَائن. وقد فسِّر بها قول أبي ذُؤيب:
جَوْنُ السَّرَاةِ له جَدَائدُ أربعُ(١)
ورُوي عنه ((جَدَد)) بفتحتين، وهو الطريقُ الواضح المُسْفِرِ، وَضَعَه موضعَ الطرائقِ
والخطوطِ الواضحةِ المنفصِلِ بعضُها من بعضٍ(٢).
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآتِ﴾ وقُرِئ: ((والدوابِ)) مخفَّفاً، ونظيرُ هذا التخفيفِ قراءةُ
مَن قرأ: ((وَلا الضَّالِّين))؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما فرَّ من التقاءِ الساكنَيْنِ، فحرَّك ذاك
أوَّلهما، وحَذفَ هذا آخِرَهما؛ قاله الزمخشريُّ(٣).
﴿وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَتُهُ﴾ أي: فيهم الأحمرُ والأبيضُ والأسودُ وغيرُ ذلك، وكلُّ
ذلك دليلٌ على صانع مُختارٍ، وقال: ((مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ)) فذكَّر الضميرَ مُراعاةً لـ((من))؛
قاله المُؤرِّج. وقال أبو بكر بن عياش: إنَّما ذكَّر الكنايةَ لأَجْلِ أنَّها مردودةٌ إلى ((ما))
مُضْمَرةٍ، مَجازُه: ومِن الناس ومن الدوابِّ ومن الأنعام ما هو مختلفٌ ألوانه، أي:
أبيضُ وأحمرُ وأسود.
﴿وَغَيِيبُ سُودٌ﴾ قال أبو عبيدة(٤): الغِربيبُ: الشديدُ السَّوادِ، ففي الكلام تقديمٌ
وتأخيرٌ، والمعنى: ومن الجبال سودٌ غرابيبُ. والعربُ تقول للشديد السَّوادِ الذي لونُه
كَلَوْنِ الغُراب: أسودُ غِربيبٌ.
(١) ديوان الهذليين ص٤، والخزانة ١/ ٤٢٠، وصدره: والدهر لا يبقى على حِدْثانه قال البغدادي:
الحدثان بمعنى الحادثة، والسَّراة: أعلى الظهر. والجَوْن: الأسود المائل إلى الحمرة، أراد الحمار
الوحشي. اهـ. والجدائد: الأَتُّنُ التي لا ألبانَ لها، واحدها جَدود، بفتح الجيم. أو أنها الخطوط التي
على ظهر الحمار - وهو المراد هنا - كما نقل المصنف عن الزمخشري أعلاه.
(٢) الكشاف ٣٠٧/٣، والقراءتان في المحتسب ١٩٩/٢-٢٠٠، وقراءة ((جَدّد)) بفتح الجيم ذكرها أيضاً
ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢٣-١٢٤ .
(٣) في الكشاف ٣٠٧/٣، وقراءة: ((والدوابٍ)) بالتخفيف في المحتسب ٢٠٠/٢ عن الزهري. وقراءة:
(الضألين)) بالهمز في القراءات الشاذة ص١، والمحتسب ٤٦/١ عن أيوب السختياني.
(٤) بنحوه في مجاز اللغة ١٥٤/٢ .

٣٧٥
سورة فاطر: الآيات ٢٧ - ٢٨
قال الجوهريُّ(١): وتقول: هذا أسودُ غِربيبٌ، أي: شديدُ السَّواد. وإذا قلتَ:
غرابيبُ سودٌ، تَجعلُ السودَ بدلاً من غرابيبَ؛ لأنَّ تواكيدَ الألوانِ لا تَتَقدَّم.
وفي الحديث عن النبيِّ #: ((إنَّ الله يُبغِضُ الشيخَ الغِرْبِيبَ)) يعني الذي يَخْضِبُ
بالسواد(٢). قال امرؤ القيس:
العينُ طامحةٌ واليَدُ سابحةٌ والرِّجْلُ لافحةٌ والوجهُ غِرْبِيبُ(٣)
وقال آخَرُ يَصِفُ كَرْماً :
ومن تَعَاجيبٍ خَلْقِ اللهِ غاطِيَةٌ يُعصَر منها مُلاَحِيٍّ وَغِرْبِيبُ(٤)
﴿ كَذَلِكَ﴾ هنا تمامُ الكلام(٥)، أي: كذلك تختلفُ أحوالُ العبادِ في الخشية، ثم
اسْتَأنفَ فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ﴾ يعني بالعلماء: الذين يخافون
قدرته، فَمَن عَلِم أنه عزَّ وجلَّ قديرٌ، أيْقنَ بمعاقبته على المعصية، كما رَوَى عليّ بن
أبي طلحةً عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ قال: الذين عَلِموا أنَّ
الله على كلِّ شيءٍ قدير(٦).
وقال الربيع بنُ أنس: مَن لم يَخْشَ الله تعالى فليس بعالِم(٧).
(١) في الصحاح (غرب).
(٢) النكت والعيون ٤/ ٤٧٠. والحديث أخرجه ابن عدي ١٠١٦/٣، وفي إسناده رشدين بن سعد، قال
فيه الحافظ في التقريب: ضعيف.
(٣) النكت والعيون ٤٧١/٤، ورواية الدیوان ص٢٢٦ :
والعينُ قادِحةٌ واليدُ سابِحةٌ
والرجلُ طامحةٌ واللونُ غربیبُ
قال شارح الديوان: قادحة: غائرة، واليد سابحة: إذا مدَّت يديها فكأنها تسبح، يريد السرعة (والكلام
عن فرسه)، وقوله: طامحة، أي: سريعة الدفع. وقوله: غربيب، يريد السواد، يعني أنها دهماء.
(٤) أدب الكاتب ص٣٧٨، وجمهرة اللغة ١٩١/٢، واللسان (غطي). قال ابن دريد: كل شجرة منبسطة
على الأرض فهي غاطية، يعني الكرم، وعنب مُلاّحي: إذا كان أبيض.
(٥) إيضاح الوقف والابتداء ٤٨٩/٢ .
(٦) أخرجه الطبري ٣٦٤/١٩ .
(٧) النكت والعيون ٤٧١/٤ .

٣٧٦
سورة فاطر: الآيات ٢٧ - ٢٨
وقال مجاهد: إنَّما العالِمُ مَن خَشِيَ اللهَ عزَّ وجلَّ. وعن ابن مسعود: كَفَى بخشية
الله تعالى علماً، وبالاغترار [به] جَهْلاً(١).
وقيل لسعد بن إبراهيم: مَن أفْقهُ أهل المدينة؟ قال: أتقاهُم لربِّه عزَّ وجلَّ (٢).
وعن مجاهدٍ قال: إنَّما الفقيهُ مَن يَخافُ الله عزَّ وجلَّ(٣). وعن عليٍّ ﴾ قال: إنَّ الفقيه
حقَّ الفقيهِ مَن لم يُقنِّط الناسَ من رحمة الله، ولم يُرخِّص لهم في معاصي الله تعالى،
ولم يؤمِّنْهم من عذابِ الله، ولم يَدَع القرآنَ رغبةً عنه إلى غيره؛ إنَّه لا خيرَ في عبادةٍ
لا علمَ فيها، ولا عِلْمِ لا فِقْهَ فيه، ولا قراءةٍ لا تَدَبُّر فيها (٤).
وأسند الدارميُّ أبو محمد عن مكحولٍ قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ فَضْلَ العالِم
على العابِدِ كفَضْلي على أَدْناكُم)). ثم تلا هذه الآيةَ: ((﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَوْأَ﴾ إنَّ الله وملائكته وأهل سماواتِه وأهلَ أَرَضِيه والنونَ في البحر يُصلُّون على
الذين يعلِّمون الناس الخير)) الخبرُ مرسَل(٥).
قال الدارميُّ(٦): وحدَّثني أبو النعمان، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن يزيد بن حازم
قال: حدثني عمِّي جرير بنُ زيد (٧) أنه سمع تُبَيْعاً يحدِّثُ عن كعبٍ قال: إنِّي لأَجِدُ
نعتَ قومٍ يتعلَّمون لغيرِ العمل، ويَتَفقَّهون لغيرِ العبادة، ويطلبون الدنيا بعملِ الآخرَةِ،
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٧١/٣، وما بين حاصرتين منه، وقول ابن مسعود ﴾ أخرجه ابن المبارك في
الزهد (٤٦)، وابن أبي شيبة ٢٩١/١٣ . وسيرد تخريج قول مجاهد.
(٢) أخرجه الدارمي (٢٩٥).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٦٧/١٣، والدارمي (٢٩٦).
(٤) أخرجه الدارمي (٢٩٧) و(٢٩٨)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٦٩)، والخطيب في الفقيه
والمتفقه ١٦٠/٢-١٦١.
(٥) سنن الدارمي (٢٨٩)، وأخرجه الترمذي (٢٦٨٥) مرفوعاً من حديث أبي أمامة الباهلي ﴾، وقال:
هذا حديث غريب.
(٦) في سننه (٢٩٩).
(٧) في النسخ: يزيد، والمثبت من سنن الدارمي، وهو الصواب. وترجمته في تهذيب الكمال ٤/ ٥٣٢ .

٣٧٧
سورة فاطر: الآيات ٢٧ - ٣٠
ويَلْبَسون جلودَ الضَّأْنِ، قلوبُهم أمَرُّ من الصَّبر؛ فبي يغترُّون، وإياي يُخادِعون، فبي
حلفتُ لَأُتيحَنَّ لهم فتنةٌ تَذَرُ الحليمَ فيهم خَيْرانَ. خرَّجه الترمذيُّ مرفوعاً من حديث
أبي الدرداء، وقد كتبناه في مقدِّمة الكتاب(١).
الزمخشريُّ(٢): فإن قلتَ: فما وجهُ قراءةٍ مَن قَرأَ: ((إنَّما يَخْشَى اللهُ)) بالرفع ((مِن
عِبادِهِ العُلَمَاءَ)) بالنصب، وهو عمر بنُ عبد العزيز، وتُحكى عن أبي حنيفةً.
قلتُ: الخشيةُ في هذه القراءةِ استعارةٌ، والمعنى: إنَّما يُجِلُّهم ويُعظّمُهم - كما
يُجَلُّ المَهِيبُ المخَشِيُّ من الرجال بين الناسِ - من بين جميعِ عبادِه. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
غَفُورُ﴾ تعليلٌ لوجوبِ الخشيةِ، لدلالته على عقوبةِ العُصَاةِ وقَهْرِهم، وإثابةِ أهلِ
الطاعةِ والعفوِ عنهم. والمعاقِبُ والمُثيبُ حقُّه أن يُخْشَى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا
رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَنِيَةُ يَرْجُونَ تِجَرَةٌ لَّنْ تَبُّورَ (٨٦) لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ
وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ: إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورُ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا
وَعَلَنِيَةٌ﴾ هذه آيةُ القُرَّاءِ العامِلين العالِمِينَ الذين يُقيمون الصَّلاةَ الفرضَ والنفلَ،
وكذا في الإنفاق. وقد مضى في مقدِّمة الكتابِ ما ينبغي أن يتخلَّق به قارئُ القرآن(٣).
﴿يَرْجُونَ نِحَرَةً لَّنْ تَبُورَ﴾ قال أحمد بن يحيى: خبرُ ((إنَّ): ((يرجون))(٤).
﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِّ﴾ قيل: الزيادةُ: الشفاعةُ في الآخرة. وهذا مِثلُ الآيةِ
الأُخرى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾
(١) ٣٥/١، ولم يخرجه الترمذي، وينظر الكلام على الحديث ثمة.
(٢) في الكشاف ٣٠٨/٣ .
(٣) ٤٨/١ وما بعدها.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٧١/٣ .

٣٧٨
سورة فاطر: الآيات ٢٩ - ٣٥
[النور: ٣٧]، وقوله في آخرِ ((النساء)): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَةِ فَيُوَفِيهِمْ
أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [الآية: ١٧٣] وهناك بيَّنَّاه. ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ للذُّنوب.
﴿شَكُرُ﴾ يَقْبلُ القليلَ من العمل الخالص، ويُثيب عليه الجزيلَ من الثواب.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّةٍ إِنَّ
(٢)
اَللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ يعني القرآنَ ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا
بَيْنَ يَدَيِّ﴾ أي: من الكتب. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخِيْرٌ بَصِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
جَنَّثُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا مُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُوَّ
الْكَبِيرُ
وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيْرٌ ﴿﴿ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ
شَكُورُ (٣) الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيَهَا
(٣٥)
لُغُوبٌ
فيه أربعُ مسائلَ :
الأولى: هذه الآيةُ مُشْكِلةٌ؛ لأنَّه قال جلَّ وعزَّ: ﴿أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ثم قال:
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وقد تكلَّم العلماءُ فيها مِن الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم.
قال النحاس(١): فَمِن أصحِّ ما رُوي في ذلك ما رُوي عن ابن عباس ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌ
لِّنَفْسِهِ﴾ قال: الكافر؛ رواه ابنُ عُيَيْنةً، عن عمرو بن دينار(٢)، عن ابن عباس. وعن
(١) في إعراب القرآن ٣٧١/٣ .
(٢) بعدها في النسخ: عن عطاء، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس، وكذلك أخرجه عبد الرزاق ١٣٥/٢،
والبيهقي في البعث والنشور (٧٤)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وليس فيه:
عن عطاء.

٣٧٩
سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٥
ابن عباس أيضاً: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ قال:
نَجَتْ فرقتان(١)، ويكون التقدير في العربية: ((فمِنهم)) أي: مِن عبادنا ((ظالمٌ لنفسه))
أي: كافر - وقال الحسن: أي: فاسق - ويكون الضميرُ الذي في ((يَدْخُلُونَهَا)) يعود
على المقتصِدِ والسابقِ لا على الظالم.
وعن عكرمةَ وقتادةَ والضحَّاكِ والفرَّاءِ أنَّ المقتصدَ: المؤمنُ العاصي، والسابق:
التَّقيُّ على الإطلاق. قالوا: وهذه الآيةُ نظيرُ قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَكُنْتُمُ
أَزْوَجًا ثَلَاثَةٌ﴾ الآية [الواقعة: ٧]. قالوا: وبَعيدٌ أن يكون ممَّن يُصطَفَى ظالم(٢). ورواه
مجاهدٌ عن ابن عباس(٣). قال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: أصحاب المَشْأَمة،
﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾: أصحاب المَيْمَنة، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾: السابقون من الناس
کلّهم(٤).
وقيل: الضميرُ في ((يَدْخُلُونَهَا)) يعود على الثلاثةِ الأصناف، على ألاَّ يكون الظالمُ
هاهنا كافراً ولا فاسقاً. وممَّن روي عنه هذا القولُ عمرُ وعثمانُ وأبو الدَّرْداءِ، وابنُ
مسعودٍ وعقبةُ بن عمرو وعائشةُ، والتقديرُ على هذا القولِ: أن يكون الظالمُ لنفسه:
الذي عَمِلَ الصغائر. والمقتصِدُ، قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدنيا حقَّها
والآخرةَ حقَّها، فيكون ((جَنَاتُ عَدْنٍ يَدخُلُونَها)) عائداً على الجميع على هذا الشرح
والثَبين(٥). وروي عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ(٦).
(١) أخرجه الطبري ٣٧١/١٩ بنحوه، والكلام من إعراب القرآن للنحاس.
(٢) المحرر الوجيز ٤٣٩/٤، وقول الفراء في معاني القرآن ٣٦٩/٢-٣٧٠، وأخرجه عن عكرمة وقتادة
الطبري ٣٧١/١٩، ٣٧٢ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٧١/١٩ عن طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٣٧٢ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٢/٣، وأخرجه عن عمر وعثمان رضي الله عنهما سعيد بن منصور
(٢٣٠٨)، والبيهقي في البعث والنشور (٦٦)، وإسناده غير قوي كما ذكر في البيهقي، وخبر عمر ﴾
سيرد مرفوعاً من حديثه، وسيأتي الخبر عن أبي الدرداء وابن مسعود وعائشة ﴾.
(٦) أخرجه أحمد (١١٧٤٥)، والترمذي (٣٢٢٥) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
وقال ابن كثير عند هذه الآية: وفي إسناده مَن لم يُسَمَّ.

٣٨٠
سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٥
وقال كعب الأحبار: استَوَتْ مَنَاكِبُهم وربِّ الكعبة، وتفاضَلوا بأعمالهم. وقال
أبو إسحاق السَّبيعيُّ: أمَّا الذي سمعت منذ ستين سنةً: فكلُّهم ناج (١).
وروى أسامةُ بن زيد: أنَّ النبيَّ :﴿ قرأ هذه الآية وقال: ((كلُّهم في الجنة))(٢).
وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآيةَ ثم قال: قال رسول اللـه ﴾: ((سابِقُنا سابِقٌ،
ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالمنا مغفورٌ له))(٣). فعلى هذا القولِ يقدَّر مفعولُ الاصطفاءِ من
قوله: ﴿أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ مضافاً حُذف كما حُذف المضافُ في
﴿وَسََّلِ اُلْفَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: اصْطَفَيْنا دينَهم، فبقي: اصْطَفَيْناهم، فحذف
العائدُ إلى الموصول كما حُذف في قوله: ﴿وَلَاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيّ أَعْيُئُكُمْ﴾ [هود: ٣١]
أي: تَزْدَريهم، فالاصطفاءُ إذاً موجّهُ إلى دِينهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَضْطَفَى لَكُمُ
الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢].
قال النحاس(٤): وقولٌ ثالثٌ: يكون الظالمُ صاحبَ الكبائر، والمقتصدُ الذي لم
يَستحِقَّ الجنةَ بزيادةٍ حسناته على سيئاته، فيكون: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُونَ﴾ للذين سَبَقوا
بالخيرات لا غير. وهذا قولُ جماعةٍ من أهلِ النَّظَرِ؛ لأنَّ الضمير - في حقيقةِ النَّظَرِ -
لِمَا يليه أوْلَی.
قلت: القولُ الوَسَطُ أوْلاها وأصحُها إن شاء الله؛ لأنَّ الكافر والمنافقَ لم
(١) المحرر الوجيز ٤٣٩/٤، وأخرجهما الطبري ٣٧٠/١٩.
(٢) المحرر الوجيز ٤٣٩/٤، وأخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (٤١٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
٩٦/٧ : فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيِّئ الحفظ.
(٣) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٦٥) عن طريق ميمون بن سياه عن عمر به، وهو منقطع كما ذكر
البيهقي، وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٤٤٣، والبغوي ٥٧١/٣ من وجه آخر من طريق ميمون من
سياه عن أبي عثمان النهدي عن عمر به، وفيه الفضل بن عميرة وهو ضعيف. ينظر تخريج أحاديث
الكشاف لابن حجر ص١٣٩ . وذكر البغوي عن أبي قلابة قوله: فحدثت به يحيى بن معين فجعل
یتعجب منه.
(٤) في إعراب القرآن ٣/ ٣٧٢.