Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة فاطر: الآية ١ العالمُ كلُّه، ونبّه بهذا على أنَّ مَن قدر على الابتداء قادرٌ على الإعادة. ﴿جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ﴾ لا يجوزُ فيه التنوين؛ لأنَّه لِمَا مَضَى. ﴿رُسُلًا﴾ مفعولٌ ثانٍ، ويقالُ: على إضمارٍ فعلٍ؛ لأنَّ((فاعلاً)) إذا كان لِمَا مضى لم يعمل(١) شيئاً، وإعمالُه على أنه مستقبلٌ حُذِفَ التنوينُ منه تخفيفاً. وقرأ الضحاك: ((الحمدُ للهِ فَطَر السماواتِ والأرض)) على الفعل الماضي (٢). ﴿بَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا﴾ الرسلُ منهم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ ومَلَكُ الموت، صلى الله عليهم أجمعين. وقرأ الحسن: ((جَاعِلُ الملائكة)) بالرفع(٣). وقرأ خُلَيد بن نَشِيط: ((جَعَلَ الملائكة))(٤) وكلُّه ظاهر. ﴿ أُوْلِّ أَجْنِحَةٍ﴾ نعتٌ، أي: أصحابَ أجنحةٍ. ﴿مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ أي: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. قال قتادة: بعضُهم له جناحان، وبعضُهم ثلاثةٌ، وبعضُهم أربعةٌ(٥)، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون من الأرض إلى السماء، وهي مسيرةُ كذا في وقتٍ واحد، أي: جَعَلَهم رسلاً. قال يحيى بن سلام: إلى الأنبياء. وقال السُّدِّيُّ: إلى العباد برحمةٍ أو نقمة(٦). وفي ((صحيح)) مسلم (٧) عن ابن مسعود أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ رأى جبريل عليه السلام له ستُّ مئة جناح. وعن الزُّهريِّ: أنَّ جبريل عليه السلام قال له: ((يا محمد، لو رأيتَ إسرافيل، إنَّ (١) بعدها في النسخ عدا (ظ): فيه، والمثبت من (ظ)، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥٩/٣، والكلام منه. (٢) القراءات الشاذة: ص١٢٣، والمحتسب ١٩٨/٢ . (٣) القراءات الشاذة: ص١٢٣، والمحتسب ١٩٨/٢ . (٤) المحتسب ١٩٨/٢ . (٥) أخرجه الطبري ٣٢٦/١٩ . (٦) ذكر القولين الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٤٦١ . وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٤٤/٥ . (٧) برقم (١٧٤)، وهو عند أحمد (٣٧٨٠)، والبخاري (٣٢٣٢). ٣٤٢ سورة فاطر: الآية ١ له لَاثْنَي عَشَرَ جناحاً(١)، منها جناحٌ بالمَشْرقِ، وجناحٌ بالمغرب، وإنَّ العرش لَعَلَى كاهله، وإنه في الأحايين ليتضاءلُ لعظمةِ الله حتى يعود مثل الوَصَع - والوَصَعُ: العصفورُ الصغير - حتى ما يحمل عرشَ ربِّك إلاَّ عَظَمتُه))(٢). و(أُولُو)) اسمُ جمع لـ((ذو))، كما أن هؤلاء اسم جمع لـ ((ذا))، ونظيرُهما في المتمكِّنة: المخاض والخَلِفِةِ(٣). وقد مضى الكلام في ﴿مَثْنَ وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ في ((النساء) وأنه غيرُ منصرِف (٤). ﴿يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ أي: في خَلْقِ الملائكة، في قول أكثر المفسِّرين؛ ذكره المهدويُّ. وقال الحسن: ﴿يَزِيدُ فِ اٌلْخَلْقِ﴾ أي: في أجنحة الملائكة ما يشاء. وقال الزُّهريُّ وابنُ جُريح: يعني حُسْنَ الصوت(٥). وقد مضى القولُ فيه في مقدِّمة الكتاب(٦). وقال الهيثم الفارسيُّ: رأيت النبيَّ# في منامي، فقال: أنت الهيثمُ الذي تُزِيِّن القرآنَ بصوتك، جزاك الله خيراً (٧). وقال قتادة: ﴿يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ المَلاحَة في العينين، والحُسْن في الأنف، والحلاوة في الفم(٨). (١) في النسخ: لاثني عشر ألف جناح، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٢) أخرجه مطولاً ابن المبارك في الزهد (٢٢١)، وذكره أبو الليث ٨٠/٣ ، والزمخشري في الكشاف ٢٩٨/٣. (٣) الكشاف ٢٩٨/٣. والمخاض اسم للنوق الحوامل، واحدتها خَلِفَة. النهاية (مخض). (٤) ٦ / ٣٠ . (٥) النكت والعيون ٤٦٢/٤، وقول الزهري أخرجه البيهقي في الشعب (١١٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٤٤/٥ لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. (٦) ٢١/١ . (٧) المحرر الوجيز ٤٢٩/٤ . . (٨) أخرجه ابن عدي ٣/ ٩١٧، والبيهقي في الشعب (٩١٦) مختصراً بذكر الملاحة في العينين. وكذا ورد في المحرر الوجيز ٤٢٩/٤، والكشاف ٢٩٨/٣ . ٣٤٣ سورة فاطر: الآيتان ١ - ٢ وقيل: الخظُ الحَسَن. وقال مُهاجِر الكلاعيُّ: قال النبيُّ ﴾: ((الخظُ الحَسَنُ يَزِيدُ الكلامَ وضوحاً))(١). وقيل: الوجه الحسن. وقيل في الخبر في هذه الآية: هو الوجهُ الحسن، والصوتُ الحَسَن، والشَّعر الحسن(٢)؛ ذكره القُشَيريُّ. النّقَّاش: هو الشعرُ الجَعْد. وقيل: العقلُ والتمييز. وقيل: العلومُ والصنائع (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ من النقصان والزيادة. الزمخشريُّ(٤): والآيةُ مُظْلَقةٌ تتناولُ كلَّ زيادةٍ في الخَلْقِ؛ من طولِ قامةٍ، واعتدالِ صورةٍ، وتَمام في الأعضاء، وقوةٍ في البَطْش، وحَصَافةٍ في العقل، وجَزَالةٍ في الرأي، وجرأةٍ في القلب، وسَماحةٍ في النفس، وذَلاقةٍ في اللسان، ولَباقةٍ في التكلُّم، وحُسْنٍ تأتِّ في مُزَاولةِ الأمور؛ وما أَشْبَهَ ذلك ممَّا لا يحيطُ به وَصْفٌ. قوله تعالى: ﴿َّا يَفْتَجِ اللّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ لْحَكِيمُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن زَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ وأجاز النَّحْويون في غير القرآن: ((فلا مُمْسِكَ له)) على لَفْظِ ((ما)). و((لها)) على المعنى. وأجازوا: ((وما يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ لها)) [على معنى ((ما))]. وأجازوا: ((ما يفتحُ الله للناس من رحمةٍ)) - بالرفع - تكونُ ((ما) بمعنى الذي(٥). (١) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ٣/ ٦٠، وقال عن مهاجر، ولست أعرف له صحبة. وذكر الخبر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٩/٤، والذهبي في الميزان ٣٥٨/٢ وقال: هذا خبر منكر. ووقع في هذه المصادر: (( ... يزيد الحق وضوحاً)). (٢) ذکره الزمخشري في الکشاف ٣/ ٢٩٨. (٣) النكت والعيون ٤/ ٤٦٢. (٤) في الكشاف ٢٩٨/٣ . (٥) وقال الزجاج في معاني القرآن ٢٦٢/٤: ولا أعلم أحداً قرأ به. والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٦٠/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. ٣٤٤ سورة فاطر: الآيتان ٢ - ٣ أي: إنَّ الرسل بُعثوا رحمةً للناس، فلا يَقْدِرُ على إرسالهم غيرُ الله. وقيل: ما يأتيهم به اللهُ من مطرٍ أو رزقٍ فلا يقدرُ أحدٌ أن يمسكه، وما يُمسِك من ذلك فلا يقدرُ أحدٌ علی أن یرسله. وقيل: هو الدعاء؛ قاله الضحاك. ابن عباس: من توبة. وقيل: من توفيقٍ وهداية(١). قلت: ولفظُ الرحمةِ يجمعُ ذلك؛ إذ هي منكَّرةٌ للإشاعة والإبهام، فهي مُتَناولةٌ لكلِّ رحمةٍ على البدل، فهو عامٌّ في جميع ما ذُكر. وفي ((موطأ)) مالك(٢): أنَّه بلغه أنَّ أبا هريرة كان يقول إذا أصبح وقد مُطر الناس: مُطِرْنا بنَوْءِ الفتح، ثم يتلو هذه الآية: ﴿َّا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدِّم(٣). قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا النَّاسُ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُّكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَنَّى تُؤْفَُّونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَذَّكْرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَيْكُمْ﴾ معنى هذا الذِّكْرِ الشُّكْرُ. ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اَللَّهِ﴾ يجوز في ((غير)) الرفعُ والنَّصْبُ والخَفْض، فالرفعُ من وجهين: أحدُهما بمعنى: هل من خالقٍ إلاَّ اللهُ؛ بمعنى ما خالقٌ إلاَّ اللهُ. والوجه الثاني: أن يكون نعتاً على الموضع؛ لأنَّ المعنى: هل خالقٌ غيرُ اللهِ، و((مِن)) زائدة. والنصبُ على الاستثناء. والخفضُ على اللفظ (٤). (١) النكت والعيون ٤/ ٤٦٢-٤٦٣، وخبر ابن عباس أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٢٤٤/٥ . : (٢) ١/ ١٩٢ . (٣) ٤٢٩/١ و٤٠٣/٢ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٦٠. وقرأ بنصب ((غير)) الفضل بن إبراهيم النحوي كما في القراءات الشاذة ص١٢٣ ، وستأتي القراءة بالرفع والجر. ٣٤٥ سورة فاطر: الآيات ٣ - ٥ قال حُميد الطويل: قلت للحسن: مَن خَلَق الشرَّ؟ فقال: سبحان الله! هل مِن خالقٍ غيرُ الله جلَّ وعزَّ خَلَقَ الخيرَ والشرّ(١). وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿هل مِن خالقٍ غيرِ اللهِ﴾ بالخفض. الباقون بالرفع(٢). ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: المطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي: النبات. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ من الأَفْك - بالفتح - وهو الصَّرْف؛ يقال: ما أَفَكَكَ عن كذا؟ أي: ما صَرَفَكَ عنه. وقيل: من الإِفك - بالكسر - وهو الكذب، ويرجع هذا أيضاً إلى ما تقدَّم؛ لأنه قولٌ مصروفٌ عن الصِّدْقِ والصَّواب، أي: مِن أين يقعُ لكم التكذيبُ بتوحيد الله. والآيةُ حُجَّةٌ على القَدَرية لأنه نَفَى خالقاً غيرَ اللهِ، وهم يُشْبِتون معه خالِقِينَ، على ما تقدَّم في غير موضع(٣). قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَكَ﴾ يعني كفار قريش ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ يعزِّي نبيَّه ويسلِّيه ﴿، وليتأسَّى بمَن قَبْلَه في الصَّبْر. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُتَعُ الْأُمُورُ﴾ قرأ الحسنُ والأعرجُ ويعقوبُ وابنُ عامرٍ وأبو حيوةً وابن مُحَيْصِنٍ وحميدٌ والأعمشُ وحمزةٌ ويحيى والكسائيُّ وخلفٌ بفتح التاء على أنه مسمَّى الفاعل (٤). واختاره أبو عبيد لقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]. الباقون: ﴿تُرْجَعُ﴾ على الفعل المجهول. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَلاَ تَغُرََّكُمُ الْحَيَّوَةُ الذُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ هذا وغظٌ للمُكَذِّبين للرسول بعد إيضاح (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٠/٣. (٢) السبعة ص ٥٣٤، والتيسير ص ١٨٢ . (٣) ينظر ٢٣٠/١ و٢٨٥ . (٤) السبعة ص ١٨١، والتيسير ص ٨٠، والنشر ٢٠٨/٢-٢٠٩ . ٣٤٦ سورة فاطر: الآية ٥ الدليل على صحةٍ قوله: إنَّ البعثَ والثوابَ والعقابَ حقٌّ . ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ قال سعيد بن جُبير: غرورُ الحياةِ الدنيا: أنْ يشتغل الإنسانُ بنعيمها ولذَّاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: ﴿يَلَيَّتَنِ قَدَّمْتُ لِيَاتِ﴾ [الفجر: ٢٤](١). ﴿وَلَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ قال ابن السكِّيت وأبو حاتم: ((الغَرور)): الشيطان(٢). وتُرورٌ: جمعُ غَرِّ، وغَرٍّ مصدر. ويكون ((الغُرور)) مصدراً، وهو بعيدٌ عند أبي إسحاق(٣)؛ لأنَّ ((غَرَرْته)) متعدٍّ، والمصدر [من] المتعدِّي إنَّما هو على فَعْل؛ نحو: ضربتُه ضرباً، إلاَّ في أشياءَ يسيرةٍ لا يُقاسُ عليها؛ قالوا: لزمْته لُزوماً، ونَهَكه المرض نُهوكا. فأمَّا معنى الحرفِ فأحْسَنُ ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير؛ قال: الغرورُ بالله أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنَّى على الله المغفرةَ. وقراءة العامة: ﴿اَلْغَرُورُ﴾ بفتح الغين: وهو الشيطان، أي: لا يَغرَّنَّكم بوساوسه في أنَّه تعالى (٤) يتجاوزُ عنكم لفَضْلِكم. وقرأ أبو حَيْوةَ وأبو السَّمَّال العدويُّ ومحمد ابن السَّميْفَع: ((الغُرور)) برفع الغين(٥)، وهو الباطل، أي: لا يغرَّنَّكم الباطل. وقال ابن السِّكِّيت: والغُرور بالضم: ما اغتُرَّ به من متاع الدنيا(٦). قال الزجَّاج(٧): ويجوز أن يكون الغُرور جمعَ غارِّ، مثل قاعد وقُعود. النحاس: أو جمع غَرِّ، أو يُشبّه بقولهم: (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٦١/٣. وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٤٥/٥ . (٢) قول ابن السكيت في إصلاح المنطق ص٣٦٧ ، وأخرجه الطبري ٣٣١/١٩ عن ابن عباس. (٣) في النسخ: عند غير أبي إسحاق، والتصويب من إعراب القرآن للنحاس ٣٦١/٣ (والكلام وما سيرد بين حاصرتين منه). وكلام أبي إسحاق (وهو الزجاج) في معانيه ٤/ ٢٦٣-٢٦٤. (٤) قوله: تعالى، من (ظ). (٥) ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٣٦١/٣ عن سماك، ووقع في النسخ الخطية: وأبو سماك، بدل: وأبو السمال، والمثبت من (م)، وهو موافق لما في البحر ٧/ ٣٠٠ ووقع في المحرر الوجيز ٤٢٩/٤ : سماك العبدي. وسلف ١٤ /٨١ أن سماك بن حرب وأبا حيوة وابن السميفع قرؤوا: ((الغُرور)) بالضم في الآية (٣٣) من سورة لقمان. (٦) إصلاح المنطق ص٣٦٧ ، والصحاح (غرر). (٧) في معاني القرآن ٢٦٣/٤ . ٣٤٧ سورة فاطر: الآيات ٥ - ٧ نَهَكه المرضُ نُهوكاً، ولَزِمَه لزوماً (١). الزمخشريٌّ(٢): أو مصدرُ «غرَّه» کاللُّزوم والنُّهوك. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرُ (@) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّاً﴾ أي: فَعَادُوه ولا تُطيعوه. ويدلُّكم على عَداوتِهِ إخراجُه أباكم من الجنة، وضمانُه إضلالَكم في قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأَمَنِيَنَّهُمْ﴾ الآية [النساء: ١١٩]. وقوله: ﴿لَأَتْعُدَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيَمَ. ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٦-١٧]. فأخبرنا جلَّ وعزَّ أنَّ الشيطان لنا عدوٍّ مبين، واقتصَّ علينا قصَّته، وما فَعلَ بأبينا آدَمَ ﴿، وكيف انْتَدَبَ لعداوتنا وغرورنا من قَبْلٍ وجودنا وبعده، ونحن على(٣) ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا. وكان الفضيل ابن عِياض يقول: يا كذَّاب يا مُفْتَرٍ، اتَّقِ الله ولا تَسُبَّ الشيطانَ في العَلانية وأنت صديقُه في السِّرّ. وقال ابن السَّمّاك: يا عَجباً لمن عصَى المُحْسِنَ بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللَّعينَ بعد معرفته بعداوته! وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة)) مجوَّداً (٤). و﴿عَدٌُّّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ﴾ يجوز أن يكون بمعنى: مُعَادٍ، فيثَّى ويُجمع ويؤنَّث(٥). ويكون بمعنى النَّسبِ، فيكون موخَّداً بكلِّ حال، كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿َهُمْ عَدُوٌّ لِ﴾ [الشعراء: ٧٧]. وفي المؤنَّث على هذا أيضاً: عدوّ. النحاس(٦): فأمَّا (١) معاني القرآن للنحاس ٤٣٨/٥. (٢) في الكشاف ٣/ ٣٠٠ . (٣) في (د): مع. (٤) ٣/ ١٣. (٥) بعدها في (ظ)، ويذكر. (٦) في إعراب القرآن ٣/ ٣٦١، وما قبله منه. ٣٤٨ سورة فاطر: الآيات ٦ - ٨ قولُ بعضِ النَّحويين: إنَّ الواوَ خفيةٌ(١)، فجاؤوا بالهاء، فخطأٌ، بل الواو حرفٌ جَلْدٌ. ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ﴾ كفَّتْ ((ما)) ((إنَّ)) عن العمل فوقع بعدها الفعلُ. ﴿حِزْبَهُ﴾ أي: أَشْياعَه . ﴿لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ فهذه عداوتُه. ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَمُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ يكونُ ((الَّذِينَ)) بدلاً من ((أصحابٍ)) فيكون في موضعٍ خَفْضٍ، أو يكونُ بدلاً من ((حِزْبَه)» فيكون في موضع نصبٍ، أو يكون بدلاً من الواو، فيكون في موضعِ رفعٍ. وقولٌ رابعٌ وهو أحسنُها: يكونُ في موضعِ رفعٍ بالابتداء، ويكونُ خبرُهُ: (لَهم عذابٌ شديدٌ))(٢)، وكأنه سبحانه بَيَّنَ حالَ مُوافقتِه ومُخالفتِهِ، ويكون الكلامُ قد تَمَّ في قوله: ﴿مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾ في موضعٍ رفعٍ بالابتداء أيضاً، وخبرُه: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنة. قوله تعالى: ﴿أَفَنَ زُيِّنَ لَكُرُ سُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَءَهُ حَسَنٌَّ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَنَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ٨ قوله تعالى: ﴿أَفَنَ زُِّنَ لَهُ سُوَهُ عَمَلِهِ﴾ ((مَنْ)) في موضعِ رفعٍ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ. قال الكسائيُّ: والذي يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَّهِمْ حَزَيْ﴾ فالمعنى: أَفَمَن زُينَ له سوءُ عمله فرآه حسناً ذهبتْ نفسُك عليهم حسرات! قال: وهذا كلامٌ عربيٍّ ظريف (٣) لا يعرفُه إلاَّ قليل - وذكره الزمخشريُّ عن الزجاج(٤) - قال النحاس(٥): والذي قاله الكسائيُّ أحسنُ ما قيل في الآية؛ لِمَا ذَكّره من الدلالةِ (١) في (ظ): خفيفة، والمثبت من باقي النسخ وإعراب القرآن للنحاس. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٢/٣. (٣) في (خ) و(م): طريف، والمثبت من باقي النسخ، وإعراب القرآن للنحاس ٣٦٢/٣، والكلام منه. (٤) الكشاف ٣/ ٣٠١، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٢٦٤/٤ . (٥) في إعراب القرآن ٣٦٢/٣ . ٣٤٩ سورة فاطر: الآية ٨ على المحذوف، والمعنى: أنَّ الله جلَّ وعزَّ نهى نبيَّه عن شدة الاغتمام بهم والحزنٍ عليهم، كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] قال أهل التفسير: قاتِلٌ. قال نصر بن عليٍّ: سألتُ الأصمعيَّ عن قول النبيِّ ﴾ في أهل اليمن: ((هم أرقُّ قلوباً وأبْخَعُ طاعةً))(١) ما معنى أَبْخَعُ؟ فقال: أنْصَحُ. فقلت له: إنَّ أهلَ التفسيرِ مجاهداً وغيرَه يقولون في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَعَلَّكَ بَنِعُ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]: معناه: قاتِلٌ نفسَك. فقال: هو مِن ذاك بعَيْنه، كأنه من شدة النُّصْح لهم قاتِلٌ نفسَه . وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديمٌ وتأخير، مَجازهُ: أفَمن زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حَسَناً، فلا تَذهبْ نفسُك عليهم حسَراتٍ، فإنَّ الله يُضلُّ مَن يشاءُ ويهدي مَن يشاء(٢). وقيل: الجوابُ محذوفٌ، المعنى: أَفَمن زُيِّن له سوءُ عملِه كَمَن هُدي، ويكون يَدِلُّ على هذا المحذوف: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ (٣). وقرأ يزيد بن القَعْقاعِ: ﴿فلا تُذْهِبْ نَفْسَك﴾(٤). وفي ﴿أَفَمَنَ زُيِنَ لَهُ سُوَّهُ عَمَلِهِ ﴾ أربعةُ أقوال: أحدها: أنَّهم اليهودُ والنصارى والمجوس؛ قاله أبو قِلابة(٥). ويكون ((سُوءُ عَمَلِهِ)): معاندة الرسول عليه الصلاة والسلام. الثاني: أنَّهم الخوارج؛ رواه عمرو(٦) بن القاسم. فيكونُ ((سُوءُ عَمَلِهِ)): تحريف التأويل. (١) أخرجه أحمد (١٧٤٠٦)، ووقع في مطبوعه: أنجع، وعليه شرح السندي - كما في حاشية المسند - فقال: أنجع طاعة، أي: الطاعة فيهم أكثر نفعاً لخلوص قلوبهم! والذي في الفائق ١/ ٨٢ ، والنهاية (بخع)، وغريب الحديث لابن الجوزي ٥٨/١ : أبخع - بالخاء - كما ذكره المصنف عن النحاس. (٢) تفسير البغوي ٣/ ٥٦٥ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٤٨٣/٥. (٤) النشر ٣٥١/٢، والقراءة من العشرة. (٥) أخرجه مطولاً ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٤٥/٥، والكلام في النكت والعيون ٤٦٣/٤ . (٦) في النسخ عدا (ظ): عمر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في النكت والعيون. ٣٥٠ سورة فاطر: الآية ٨ الثالث: الشيطان؛ قاله الحسن(١). ويكون ((سُوءُ عَمَلِهِ)): الإغواء. الرابع: كفارُ قريشٍ؛ قاله الكلبيُّ. ويكون ((سُوءُ عَمَلِهِ)): الشِّرْك. وقال: إنَّها نزلت في العاص بن وائل السَّهْمي والأسود بنِ المطّلب. وقال غيره: نزلت في أبي جهل بنٍ هشام. ﴿فَرَءَهُ حَسَنَا﴾ أي: صواباً؛ قاله الكلبيُّ. وقيل: جميلاً(٢). قلت: والقولُ بأنَّ المرادَ كفار قريشٍ أظْهَرُ الأقوالِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقولِه: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، وقولِه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَنِعُ تَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقوله في هذه الآية: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَتِهِمْ حَسَرَيْ﴾. وهذا ظاهِرٌ بيِّن، أي: لا ينفعُ تَأْسُّفُكَ على مُقامِهم على كفرهم، فإنَّ الله أضلَّهم. وهذه الآيةُ تَردُّ على القدرية قولَهم على ما تقدَّم (٣)، أي: أفَمن زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسناً تُريدُ أن تَهْدِيَه، وإنَّما ذلك إلى الله لا إليك، والذي إليك هو التبليغ. وقرأ أبو جعفر وشيبةُ وابنُ مُحَيْصن: ((فَلا تُذهِب)) بضمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ((نفسَك)) نصباً على المفعول، والمعنَيان مُتقارِبان(٤). ((حَسَرَاتٍ)) منصوبٌ مفعولٌ من أجْله، أي: فلا تَذْهَبْ نَفسُكَ للحسرات. و((عليهم)) صلةُ ((تَذْهَبْ))، كما تقول: هَلَكَ عليه حُبًّا، ومات عليه حزناً. أو هو بيانٌ للمتحسَّر عليه(٥). ولا يجوز أن يتعلَّق بالحسرات؛ لأنَّ المصدر لا يتقدَّمُ عليه صِلَتُه. (١) أخرجه الطبري ٣٣٤/١٩، والكلام في النكت والعيون ٤/ ٤٦٣. (٢) النكت والعيون ٤ / ٤٦٣ . (٣) ينظر ٢٣٠/١ و٢٨٥ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٣/٣ عن أبي جعفر، وهو يزيد بن القعقاع، وهو من العشرة، وسلفت قريباً. (٥) في النسخ: وهو بيان للمتحسَّر عليه، والمثبت من الكشاف ٣٠١/٣ ، والكلام منه، وكذا وقع في البحر ٣٠١/٧، وروح المعاني ١٧٠/٢٢، قال الألوسي: فيكون ظرفاً مستقرًّا، ومتعلَّقهُ مقدَّرٌ، كأنه قيل: على مَن تذهب؟ فقيل: عليهم. ٣٥١ سورة فاطر: الآيتان ٨ - ٩ ويجوز أن يكون حالاً، كأنَّ كلَّها صارتْ حسراتٍ لفَرْطِ التَّحَسُّرِ، كما قال جرير: مَشَقَ الهواجِرُ لحمَهُنَّ مع السُّرَى حتى ذَهَبْنَ كَلَاكِلاً وصُدُورًا(١) يريد: رَجَعْنَ کَلاكِلاً وصدوراً، أي: لم يَبْقَ إلاَّ کَلالُها وصدورُها. ومنه قولُ الآخر : حَسَراتٍ وذِكْرُهم لي سقامُ (٢) أو مَصْدراً. فَعَلَى إِثْرِهِم تَساقَطُ نَفْسِي ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِرُ سَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْبَيْنَا بِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا كَذَلِكَ النُّفُورُ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الرَّحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْتَهُ إِلَى بَلَدٍ مَّبِّتٍ﴾ مَيِّت ومَيْت واحد، وكذا مَيِّتَة ومَيْتة، هذا قولُ الحُذَّاق من النَّحْوِيين. وقال محمد بن يزيد: هذا قولُ البصريين، ولم يَسْتثنِ أحداً، واستدلَّ على ذلك بدلائلَ قاطعةٍ، وأنشد: إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ ليس مَن مات فاستراحَ بِمَيْتٍ كاسِفاً بالُه قليلَ الرَّخاءِ(٣) إنَّما الميْتُ مَن يعيشُ كئيباً قال: فهل تَرى بين مَيْتٍ ومَيِّتٍ فرقاً؟ وأنشد: هَيْنونَ لَيْنونَ أيسارٌ بنويَسَرٍ سُؤَّاسُ مَكْرُمةٍ أبناءُ أَيْسارٍ (٤) (١) ديوان جرير ٢٢٧/١، والكشاف ٣٠١/٣، والكلام منه، وهو في كتاب سيبويه ١٦٢/١، قوله: مَشَقَ، أي: أذهب لحومهن، والكلاكل: الصدور، كأنه أراد هنا أعلى الصدرِ فلذلك ذكر معه الصدر، وصف رواحلَ أهْزلها دُؤوبُ السير في الهواجر والليل. شرح الشواهد للشنتمري ص١٣٣ . (٢) البيت لأبي دؤاد الإيادي كما في الشعر والشعراء ٢٣٩/١، والأصمعيات ص ١٨٨، والحماسة البصرية ٢٣٨/١. (٣) البيتان لعديّ بن الرَّعلاء النسائي، وسلف البيت الأول ٢٣/٣، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٦٣/٣ . قال النحاس: ويروى: قليل الرجاء. (٤) نُسب لعبيد بن العرندس الكلابي كما في الكامل للمبرد ١٠٦/١، والحماسة البصرية ١٥٠/١، = ٣٥٢ سورة فاطر: الآية ٩ قال: فقد أَجمعوا على أنَّ هَيْنون وهيِّنون(١) واحدٌ، وكذا مَيْتٌ ومَيِّت، وسَيْدٌ وسَيِّد. وقال: ﴿فَسُقْتَهُ﴾ بعدَ أن قال: ﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ﴾ وهو من بابٍ تَلْوينٍ الخطاب. وقال أبو عبيدةَ: سبيلُه ((فَتَسُوقُه))(٢)، لأنَّه قال: ((فَتُثِيرُ سَحَاباً)). الزَّمخْشريّ(٣): فإن قلتَ: لمَ جاء ((فتثير)) على المُضَارَعةِ دونَ ما قَبْلَه وما بعدَه؟ قلت: لتَحْكيَ الحالَ التي تقعُ فيها إثارةُ الرياحِ السحابَ، وتَسْتَحْضِرَ تلك الصورةَ البديعةَ الدالَّةَ على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعلٍ فيه نوعُ تمييزٍ وخصوصيةٌ بحالٍ تُستغرب، أو تَهُمُّ المخاطَبَ، أو غير ذلك؛ كما قال تأبَّط شَرًّا: بسَهْبٍ كالصحيفةِ صَحْصَحانِ بأني قد لقيتُ الغُولَ تَهْوي صريعاً لليدين وللجِرَانِ (٤) فأضرِبُها بلا دَهَشٍ فخرَّتْ لأنه قَصَدَ أنْ يصوِّر لقومه الحالةَ التي تَشَجَّع فيها بزَعْمِه على ضَرْبِ الغُول، كأنه يُبصِّرهم إياها، ويُطْلِعُهم على كُنْهِها مشاهدةً، للتعجب(٥) من جرأته على كلِّ هَوْلٍ، وثَباته عند كلِّ شدَّةٍ. وكذلك سَوقُ السحابِ إلى البلد الميِّت وإحياءُ الأرض بالمطر بعدَ موتها لمَّا كانا من الدلائلِ على القدرةِ الباهرةِ قيل: ((فَسُقْنا)) و((أحيينا)) معدولاً = ونسب للعرندس كما في أمالي القالي ٢٣٩/١، ومعجم الشعراء ص١٣٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٥٩٣/٤، وقال المرزباني: وقيل: هو أبو العرندس. قوله: أيسار، قال المرزوقي: جمع يَسَر، وهم الذين يجتمعون في الميسر على الجزور عند الجدب والقحط، فَيُجيلون القِدَاح عليها، ثم يفرقونه في الفقراء وأرباب الحاجة. (١) في النسخ: هينون ولينون، والمثبت عن إعراب القرآن للنحاس. (٢) مجاز القرآن ١٥٢/٢، ووقع في (د) و(ز) و(م): فتسوقه. قال أبو عبيدة: والعرب قد تضع ((فعلنا) في موضع ((نفعل)). (٣) في الكشاف ٣/ ٣٠١-٣٠٢ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) ديوان تأبَّط شرًّا ص٢٢٤ -٢٢٥، والأغاني ١٣٤/٢١. قوله: بسهب، السهب: الفلاة، والصحصحان: ما استوى من الأرض. قوله: وللجِران، جِران البعير: مقدَّم عنقه من مذبحه إلى منحره. القاموس (سهب) و(صحح) و(جرن). (٥) في الكشاف: للتعجيب. ٣٥٣ سورة فاطر: الآيتان ٩ - ١٠ بهما عن لفظِ الغيبةِ إلى ما هو أدْخَلُ في الاختصاص وأدَلُّ عليه. وقراءةُ العامَّةِ: ﴿الرَِّحَ﴾. وقرأ ابن مُحَيْصِنٍ وابنُ كثير والأعمشُ ويحيى وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿الريحَ﴾ توحيداً (١). وقد مضى بيانُ هذه الآيةِ والكلامُ فيها مستوفىّ(٢). ﴿ كَذَلِكَ الُّشُورُ﴾ أي: كذلك تحيَوْن بعد ما مثُم، مِن نَشَرَ الإنسانَ نشوراً. فالكافُ في محلِّ الرفع، أي: مثلُ إحياءِ المواتِ نَشْرُ الأمواتِ. وعن أبي رَزِينِ العُقَيْليِّ قال: قلتُ: يا رسول الله، كيف يُحْيِي اللـه المَوْنَى، وما آيةُ ذلك في خَلْقِهِ؟ قال: ((أمَا مَرَرْتَ بوادي أهلِكَ مُمْحِلاً، ثم مَرَرْتَ به يَهتزُّ خَضِراً؟)) قلت: نعم يا رسولَ الله. قال: ((فكذلك يُحيي الله الموتَى، وتلك آيتُه في خَلقِه))(٣) وقد ذكرنا هذا الخبرَ في ((الأعراف)» وغيرِها (٤). قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ آلْعِزَّةُ جَمِيعًاْ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِيْنَ يَمْكُرُونَ السَّْئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَكَ هُوَ يُورُ @) قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَّةُ جميعًاْ﴾ التقديرُ عندَ الفرَّاء: مَن كان يريد عِلْمَ العزَّةِ. وكذا قال غيرُه من أهلِ العلم. أي: مَن كان يريدُ عِلْمَ العزَّةِ التي لا ذِلَّةً معها؛ لأنَّ العزةَ إذا كانت تؤدِّي إلى ذلَّةٍ فإنَّما هي تَعَرُّضٌ للذلَّة، والعزةُ التي لا ذُلَّ معها للهِ عزَّ وجلَّ ﴿جَمِيعًا﴾ منصوبٌ على الحال. وقدَّر الزجَّاج معناه: مَن كان يريد بعبادته اللهَ عزَّ وجلَّ العزَّةَ - والعزةُ له سبحانه - فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُعِزُّه في الآخرة والدنيا(٥). (١) السبعة ص١٧٢ -١٧٣، والتيسير ص٧٨ عن ابن كثير وحمزة والكسائي. (٢) ٤٩٨/٢-٥٠٢ و٢٥٣/٩-٢٥٥ . (٣) الكشاف ٣٠٢/٣ . (٤) ٢٩٦/١ و٩/ ٢٥٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٤/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٣٦٧، وقول الزجاج بنحوه في معاني القرآن له ٢٦٤/٤ . ٣٥٤ سورة فاطر: الآية ١٠ قلت: وهذا أحسنُ، وروي مرفوعاً على ما يأتي. ﴿فَلِلَِّ آلْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ظاهِرُ هذا إيناسُ السَّامِعِينَ من عزَّته، وتعريفُهم أنَّ ما وجب له من ذلك لا مَظْمَعَ فيه لغيره، فتكون الألفُ واللامُ للعَهْدِ عند العالِمِینَ به سبحانه، وبما وَجَبَ له من ذلك، وهو المفهومُ من قوله الحقِّ في سورة يونس: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُزُ إِنَّ أَلْمِزَّةَ لِلَّهِ﴾ [الآية: ٦٥]. ويحتملُ أنْ يريدَ سبحانه أنَّ يُنبِّهَ ذوي الأقدارِ والهمم من أين تُنالُ العزةُ، ومن أين تُستحقُّ، فتكونُ الألفُ واللامُ للاستغراق، وهو المفهومُ من آيات هذه السورة. فَمَن طلب العزةَ من الله وصدقه في طلبها بافتقارٍ وذلِّ وسكونٍ وخضوع، وجَدَها عنده - إن شاء الله - غيرَ ممنوعةٍ ولا محجوبةٍ عنه؛ قال ﴾: ((مَن تَواضعَ للهِ رَفَعَه الله)(١). ومَن طَلَبها من غيرِهِ وكَله(٢) إلى مَن طَلَبها عنده. وقد ذَكَر تعالى قوماً طلبوا العزةَ عندَ مَن سواه فقال: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]. فأنبأك(٣) صريحاً لا إشكالَ فيه أنَّ العزةَ له يُعِزُّ بها مَن يشاء ويُذِلُّ مَن يشاء. وقال :﴿ مفسِّراً لقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ آلْعِزَّةُ جميعًا﴾: ((مَن أراد عزَّ الدَّارينِ فَلْيُطِعِ العزيز))(٤). وهذا معنى قولِ الزجَّاج، ولقد أحْسَنَ مَن قال: وإذا تذكَّلت الرقابُ تواضُعاً منَّا إليك فعزُّها في ذلِّها(٥) فَمن كان يريد العزةَ لینال الفوزَ الأكبر، ويدخلَ دارَ العزَّةِ ۔ ولله العزةُ ۔ فلْیقصِدْ بالعزة(٦) الله سبحانه والاعتزازَ به؛ فإنَّه مَن اعتزَّ بالعبيد أذلَّه اللـه، ومَن اعتزَّ بالله (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٢٠٦)، ومسلم (٢٥٨٨) عن أبي هريرة ﴾. (٢) في (ظ): وكل. (٣) في (ظ): فأبان. (٤) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٦/ ٨٠ و١٧١/٨، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٢/ ٧ . (٥) قائله أبو إسحاق الصابي كما في يتيمة الدهر ٣٢٥/٢، وسلف ١٢٩/١١. (٦) في (خ) و(ط): بالذلة. ٣٥٥ سورة فاطر: الآية ١٠ أعزَّه الله. قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُمْ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ﴾ وتمَّ الكلام. ثم تَبتدئُ ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ على معنى: يرفعُه الله، أو يرفعُ صاحبه. ويجوز أن يكون المعنى: والعملُ الصالح يرفعُ الكلمَ الطَيِّبَ (١)؛ فيكون الكلامُ متَّصلاً على ما يأتي بيانه. والصعود: هو الحركةُ إلى فوق، وهو العروجُ أيضاً. ولا يُتَصَوَّرُ ذلك في الكلام لأنَّه عَرَضٌ، لكنْ ضُرب صعودُه مثلاً لقبوله؛ لأنَّ موضعَ الثوابِ فوق، وموضعُ العذابِ أسفل(٢). وقال الزجَّاج: يقال: ارتفع الأمر إلى القاضي، أي: عَلِمَه، فهو بمعنى العلم (٣). وخصَّ الكلام الطيب (٤) بالذكر لبيانِ الثوابِ عليه. وقوله: ((إليه)) أي: إلى الله يصعد. وقيل: يصعد إلى سمائه والمحلِّ(٥) الذي لا يجري فيه لأحدٍ غيرِهِ حُكْمٌ. وقيل: أي: يُحمل الكتاب الذي كُتب فيه طاعاتُ العبدِ إلى السماء. و((الكَلِمُ الطيِّبُ)) هو التوحيدُ الصادِرُ عن عقيدةٍ طيِّبةٍ. وقيل: هو التحميدُ والتمجيد، وذكر الله ونحوه. وأنشدوا : حتى يُزَيِّنَ ما يقولُ فَعالُ لا تَرْضَ من رجلٍ حلاوةً قولِهِ فتوَازَنَا فإخاءُ ذاك جَمالُ (٦) فإذا وَزَنْتَ فَعالَه بِمَقَالِهِ (١) إيضاح الوقف والابتداء ٨٤٨/٢، والوقف عند ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ﴾ وقف حسن، كما ذكر أبو بكر الأنباري. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٥٩٣ . (٣) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ٥٠٢ دون نسبة، ولم نقف عليه في معاني القرآن للزجاج. (٤) في (ظ): الكلم الطيب، وفي (م): الكلام والطيب. (٥) في الوسيط للواحدي ٥٠٢/٣ (والكلام منه): وهو المحل، بدل: والمحل. (٦) ذكرهما ابن عساكر في تاريخ دمشق ٨/ ١٦٢ عن إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلي. قوله: فَعال، كسحاب: هو اسم الفعل الحسن. القاموس (فعل). ٣٥٦ سورة فاطر: الآية ١٠ وقال ابنُ المُقَفَّعِ: قولٌ بلا عملٍ، كَثَرِيِدٍ بلا دَسَمِ، وسَحابٍ بلا مَطَرٍ، وقَوْسٍ بلا وَتَرِ(١). وفيه قيل : كلُّ قولٍ بلا فِعالٍ هَبَاءُ لا يكونُ المقالُ إلاَّ بفعلٍ ونكاحاً بلا وَليٍّ سواءٌ إنَّ قولاً بلا فِعالٍ جميلٍ وقرأ الضحاك: ((يُصعَد)) بضمِّ الياء(٢). وقرأ جمهورُ الناسِ: ((الكَلِمُ)) جمع كلمة. وقرأ أبو عبد الرحمن: ((الكلامُ))(٣). قلت: فالكلامُ على هذا قد يُطْلَقُ بمعنى الكلِمِ وبالعكس؛ وعليه يخرَّج قولُ أبي القاسم: أقسامُ الكلام ثلاثة(٤)؛ فوَضَعَ الكلامَ مَوْضعَ الكَلِم، والله أعلم. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال ابن عباس ومجاهدٌ وغيرهما: المعنى: والعملُ الصالح يرفعُ الكَلِمَ الطيب(٥). وفي الحديث ((لا يَقْبِلُ الله قولاً إلا بعملٍ، ولا يقبلُ قولاً وعملاً إلا بنيّةٍ، ولا يقبلُ قولاً وعملاً ونيَّةً إلا بإصابةِ السَّنة))(٦). قال ابن عباس: فإذا ذكر العبدُ الله وقال كلاماً طيِّاً وأدَّى فَرائضَه، ارتفع قولُه مع عمله، وإذا قال ولم يؤدِّ فرائضَه؛ رُدَّ قولُه على عمله. قال ابن عطية(٧): وهذا قولٌ يَردُّه مُعتقَدُ أهلِ السُّنةِ، (١) الكشاف ٣/ ٣٠٢ . (٢) الكشاف ٣/ ٣٠٢، والمحرر الوجيز ٤٣١/٤ . (٣) المحرر الوجيز ٤٣١/٤، وقراءة: ((الكلام)) في القراءات الشاذة ص ١٢٣ . (٤) الجمل في النحو لأبي القاسم الزَّجَّاجي ص١ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٤/٣، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٣٤٠/١٩. (٦) الكشاف ٣/ ٣٠٢، وأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٦٩٢) من حديث أنس ، وفي إسناده أبان بن أبي عياش وهو متروك. وأخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ١٥٠ من حديث ابن مسعود ﴾، وفي إسناده أحمد بن الحسن المصري قال ابن حبان: كذاب. وأخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ٢٨٠، وابن عدي في الكامل ٩١٤/٣ من حديث أبي هريرة ، وفي إسناده أبو يحيى زكريا بن يحيى الوَقَار، قال ابن عدي: يضع الحديث، كذَّبه صالح جَزّرة. وينظر أيضاً الكامل لابن عدي ١٠٧١/٣، والميزان ٦٣٣/١ و٧٧/٢، وتخريج أحاديث الكشاف ص١٣٨-١٣٩. (٧) في المحرر الوجيز ٤٣١/٤، وما قبله منه، وخبر ابن عباس أخرجه بنحوه الطبري ٣٣٩/١٩. ٣٥٧ سورة فاطر: الآية ١٠ ولا يصحُّ عن ابن عباس. والحقُّ أنَّ العاصيَ التارِكَ للفرائض إذا ذَكَر الله وقال كلاماً طيباً فإنَّه مكتوبٌ له مُتَقَبَّلٌ منه، وله حسناتُه وعليه سيئاتُه، واللهُ تعالى يتقبَّلُ مِن كلِّ مَن اتَّقى الشِّرْك. وأيضاً فإنَّ الكلامَ(١) الطيبَ عملٌ صالح. وإنَّما يستقيمُ قولُ مَن يقول: إنَّ العملَ هو الرافِعُ للكَلِمِ، بأنْ يُتْأوَّلَ أنه يزيده(٢) في رَفْعِه وحُسْنِ مَوْقِعِه إذا تعاضَدَ معه. كما أنَّ صاحب الأعمالِ من صلاةٍ وصيام وغير ذلك؛ إذا تخلَّل أعمالَه كَلِمُ طَيِّبٌ وذِكْرُ اللهِ تعالى كانت الأعمالُ أشرفَ، فيكون قولُه: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُمُ﴾ موعظةً وتَذْكرةَ وحَضًّا على الأعمال. وأمَّا الأقوالُ التي هي أعمالٌ في نفوسها، كالتوحيد والتسبيح فمقبولةٌ. قال ابن العربيّ(٣): إنَّ كلامَ المرءِ بِذِكْرِ اللهِ إنْ لم يقترن به عملٌ صالح لم يَنْفَع، لأنَّ مَن خالَفَ قولَه فِعْلُه فهو وبالٌ عليه. وتحقيقُ هذا: أنَّ العملَ إذا وقع شرطاً في قبول القول أو مُرْتَبِطاً به، فإنه لا قبولَ له إلا به، وإن لم يكن شرطاً فيه [ولا مرتبطاً به] فإنَّ كَلِمَه الطيبَ يُكتبُ له. وعملُه السَّيِّئ يُكتبُ عليه، وتقعُ الموازنةُ بينهما، ثم يحكم الله بالفوز والربح والخسران. قلت: ما قاله ابنُ العربيِّ تحقيقٌ. والظاهِرُ أنَّ العمل الصالح شَرْطٌ في قَبولِ القولِ الطيِّب. وقد جاء في الآثار: ((أنَّ العبدَ إذا قال: لا إلهَ إلاَّ الله بنيَّةٍ صادقةٍ، نَظَرت الملائكةُ إلى عمله، فإن كان العملُ مُوافقاً لقوله صَعِدَا(٤) جميعاً، وإن كان عملُه مخالفاً وقفَ قولُه حتى يتوبَ من عمله))(٥). فعلى هذا: العملُ الصالحِ يَرفعُ الكَلِمَ (١) في (ظ) والمحرر الوجيز: الكلم. (٢) في المحرر الوجيز: يزيد. (٣) في أحكام القرآن ١٥٩٤/٤، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في (ظ): فإن كان العمل صالحاً صعدا. (٥) أخرجه بنحوه الثعلبي وابن مردويه عن أبي هريرة ﴾ مرفوعاً، كما ذكر الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣٨ ، وذكر نحوه أيضاً الواحدي في الوسيط ٣/ ٥٠٢ عن الحسن قولَه، وهو الأشبه. ٣٥٨ سورة فاطر: الآية ١٠ الطيِّبَ إلى الله، والكنايةُ في ((يرفعُه)) ترجعُ إلى الكَلِم الطيِّب. وهذا قولُ ابنِ عباسٍ وشَهْر بن حَوشَب وسعيد بن جُبير ومجاهدٍ وقتادةً وأبي العاليةِ والضَّحاك(١). وعلى أنَّ ((الكَلِم الطيِّب)) هو التوحيدُ، فهو الرافِعُ للعمل الصالح؛ لأنه لا يُقبَلُ العملُ الصالح إلاَّ مع الإيمانِ والتوحيد، أي: والعملُ الصالح يرفعُه الكَلِمُ الطَيِّبُ، فالكناية تعودُ على العمل الصالح. ورُوي هذا القولُ عن شَهْر بن حَوْشَب قال: ((الكَلِمُ الطيِّبُ)) القرآن، ((والعمل الصالحُ يرفعُه)) القرآن(٢). وقيل: تعودُ على الله جلَّ وعزَّ، أي: أنَّ العملَ الصالحَ يرفعُه اللهُ على الكَلِم الطيِّب؛ لأنَّ العمل تحقيقُ الكلِم، والعاملُ أكثرُ تعباً(٣) من القائل، وهذا هو حقيقةٌ الكلام؛ لأنَّ الله هو الرافعُ الخافِضُ. والثاني والأولُ مَجازٌ، ولكنَّه سائٌ جائز. قال النحاس(٤): القولُ الأوَّلُ أَوْلاها وأصحُها لعلُوِّ مَن قال به، وأنَّه في العربية أَوْلِى؛ لأنَّ القُرَّاءَ على رَفْع العمل، ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعُه الله، أو العمل الصالح يرفعُهُ (٥) الكَلِمُ الطّيِّب، لكان الاختيارُ نَصْبَ العمل. ولا نَعلمُ أحداً قرأه منصوباً إلاَّ شيئاً رُوي عن عيسى بن عمر أنه قال: قرأه أناس: ((والعمل الصالحَ يرفعُه الله))(٦). وقيل: والعملُ الصالح يرفعُ صاحبه، وهو الذي أراد العزَّةَ وعَلِمَ أنَّها تُطلب من الله تعالى؛ ذكره القُشيريُّ. الثانية: ذكروا عند ابن عباس أنَّ الكلب يقطعُ الصلاةَ، فقرأ هذه الآية: ﴿إِلَيْهِ (١) تفسير الطبري ٣٣٩/١٩-٣٤٠، ومعاني القرآن للنحاس ٤٤١/٥. (٢) ذكر هذا القول عن شهر بن حوشب النحاس في معاني القرآن ٥/ ٤٤٢ . (٣) في (ظ): نفعا. (٤) في معاني القرآن ٥/ ٤٤٢ . (٥) في النسخ: يرفع، والمثبت من معاني القرآن للنحاس. (٦) القراءات الشاذة ص١٢٣. ٣٥٩ سورة فاطر: الآية ١٠ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ﴾. وهذا استدلالٌ بعموم، على مذهب السَّلَفِ في القول بالعموم. وقد دخل [هذا] في الصلاة بشروطها، فلا يقطعُها عليه شيءٌ إلا بثبوتٍ ما يُوجبُ ذلك، من مِثْلِ ما انعقدت به من قرآنٍ أو سُنَّةٍ أو إجماع (١). وقد تعلَّق مَن رأى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((يقطعُ الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسود)) فقلت: ما بالُ الكلب الأسودِ من الكلب الأبيض من الكلب الأحمر؟ فقال: (إنَّ الأسْوَدَ شيطانٌ)) خرَّجه مسلم(٢). وقد جاء ما يُعارِضُ هذا، وهو ما خرَّجه البخاريُّ عن ابن أخي ابنِ شهابٍ أنَّه سأل عمَّه عن الصلاة: يَقْطَعُها شيءٌ؟ فقال: لا يقطعُها شيء؛ أخبرني عروة بن الزبير أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ :﴿ قالت: لقد كان رسولُ الله # يقوم فيُصلِّي من الليل، وإنِّي لَمعتَرِضةٌ بينه وبينَ القبلةِ على فراشٍ أهله(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَِّئَاتِ﴾ ذكر الطبريُّ في كتابٍ (آداب النفوس)): حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا سفيانُ، عن لَيْث بنِ أبي سُليم، عن شَهْرٍ ابن حَوْشَبِ الأشعريِّ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قال: هم أصحابُ الرِّياء(٤). وهو قولُ ابن عباس ومجاهدٍ وقتادة(٥) وقال أبو العالية: هم الذين مَكّروا بالنبيِّ ﴿ لمَّا اجتمعوا في دار النَّذْوة. وقال (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٥٩٤، وما سلف بين حاصرتين منه. وخبر ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه عبد الرزاق (٢٣٦٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٥٩/١ . (٢) في صحيحه (٥١٠)، وهو عند أحمد (٢١٣٢٣)، وهو من حديث أبي ذر﴾. والقائل: فقلت، هو عبد الله بن الصامت الرواي عن أبي ذرّ ﴾. (٣) صحيح البخاري (٥١٥)، وبنحوه عند أحمد (٢٤٠٨٨)، ومسلم (٥١٢). (٤) وأخرجه الطبري أيضاً بهذا الإسناد في التفسير ٣٤١/١٩، وسلف الكلام على كتابه آداب النفوس ٣٥/١. (٥) أخرجه عن مجاهد ابن المبارك في الزهد (٦١ - زوائد نعيم)، والبيهقي في الشعب (٦٨٤٥)، ولم نقف علیه عن ابن عباس وقتادة. ٣٦٠ سورة فاطر: الآيتان ١٠ - ١١ الكلبيُّ: يعني الذين يعملون السيئاتِ في الدنيا. مقاتل: يعني الشرك(١)، فتكون (السَّيئات)) مفعولةً(٢). ويقال: بارَ يَبورُ: إذا هَلَكَ وبطل. وبارت السوقُ، أي: كَسَدتْ، ومنه: نعوذُ بالله من بَوَارِ الأيِّم. وقولُه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمَا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] أي: هَلْكَى. والمَكْر: ما عُمل على سبيل احتيالٍ وخديعة. وقد مضى في ((سبأ))(٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجَأْ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُعَمَّرِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍِ إِلَّا فِ كِنَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَبِرُ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَقِ﴾ قال سعيدٌ عن قتادةَ: يعني آدمَ عليه السلام، والتقديرُ على هذا: خَلَقَ أصْلَكم من تراب. ﴿ثُمَّ مِن تُطْفَقٍ﴾ قال: أي: التي أخْرجَها من ظهورِ آبَائِكم ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَبً﴾ قال: أي: زوَّجَ بعضكم بعضاً (٤). فالذَّكَرُ زوجُ الأنثى ليتمَّ البقاءُ في الدنيا إلى انقضاءِ مُدَّتِها. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ،﴾ أي: جَعَلَكم أزواجاً، فيتزوَّجُ الذكرُ بالأنثى فيتناسلان بعلم الله، فلا يكون حملٌ ولا وضعٌ إلا واللهُ عالمٌ به، فلا يخرجُ شيءٌ عن تدبیره. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍ إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ سمَّاه معمَّراً بما هو صائرٌ إليه. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَمَا يُعَتَّرُ مِن ◌ُّعَمَّرٍ﴾ إلَّ كُتِبَ عمرُه، كم هو سنةً، كم هو شهراً، كم هو يوماً، كم هو ساعةً، ثم يُكتبُ في كتابٍ آخرَ: نقصَ من عمره يومٌ، نقصَ شهرٌ، نقصَ سنةٌ، حتى يستوفيَ أجَلَه(٥). وقاله سعيد بن جبير أيضاً؛ (١) ذكر هذه الأقوال البغوي ٣/ ٥٦٧ . (٢) يعني على قول الكلبي ومقاتل، حيث ضُمِّن ((يمكرون)) معنى يكسبون، وعلى قول أبي العالية ينتصب (السيئات)) على نعتِ مصدرٍ محذوف، أي: المكراتِ السيئات، وهي: إثباته أو قتله أو إخراجه. ينظر البحر ٣٠٤/٧، والدر المصون ٢١٨/٩ . (٣) ص٣٠٢ من هذا الجزء. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٦٥، وأخرجه بنحوه الطبري ٣٤٢/١٩. (٥) بنحوه في تفسير الطبري ٣٤٥/١٩، وإعراب القرآن للنحاس ٣٦٥/٣، ومعاني القرآن له ٤٤٤/٥.