Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة سبأ: الآية ١٩ تقديره: لقد باعَدَ ربُّنا بين أسفارنا، كأنَّ الله تعالى يقول: قَرَّبْنا لهم أسفارَهم فقالوا أَشَرًا وَبَطَرًا: لقد بُوعِدَتْ علينا أسفارُنا. واختار هذه القراءةَ أبو حاتم قال: لأنَّهم ما طلبوا التبعيدَ إنَّما طلبوا أقربَ من ذلك القربِ بَطَرًا وعُجْبًا مع كفرهم. وقرأ يحيى بن يَعْمر وعيسى بن عمر؛ وتُروى عن ابن عباس: ((ربُّنا بَغَّدَ بينَ أسفارِنَا)) بشدِ العين من غير ألف، وفسَّرها ابن عباس قال: شَكَوْا أنَّ ربَّهم باعَدَ بين أسفارهم (١). وقراءةُ سعيد بن أبي الحسن أخي الحسن البصريِّ: ((ربَّنا بَعُدَ بَيْنُ أسفارِنَا))، (رَبَّنَا)) نداءٌ مضاف، ثم أَخبروا بعد ذلك فقالوا: ((بَعُدْ بينُ أَسْفَارِنَا))، ورُفع ((بينُ)) بالفعل، أي: بعُدَ ما يَتَّصلُ بأسفارنا(٢). وروى الفرَّاء وأبو إسحاقَ قراءةً سادسةً مثلَ التي قبلَها في ضمِّ العين إلّا أنَّك تنصبُ ((بينَ)) على أنه ظرفٌ، وتقديره في العربية: بَعُدَ سيرُنا بينَ أسفارِنا. النحاس (٣): وهذه القراءاتُ إذا اختلفت معانيها لم يَجُزْ أن يقال: إحداها أجودُ من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها، ولكنْ خبَّر عنهم أنهم دَعَوْا ربّهم أن يبعِّد بين أسفارهم بَطَرًا وَأَشَرًا، وخبَّر عنهم أنهم لمَّا فعل ذلك بهم خبَّروا به وشگوْا، كما قال ابن عباس. ﴿وَظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بكفرهم ﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يُتحدَّث بأخبارهم، وتقديرُه في العربية: ذوي أحاديث. ﴿ وَمَزَقْتَهُمْ كُلَّ مُمَزَّنٍ﴾ أي: لمَّا لَحِقَهم ما لَحِقَهُم تَفرَّقوا وتَمزَّقوا. قال الشعبيُّ: فلحقت الأنصارُ بَيَثْرِبَ، وغسَّان بالشام، والأَسْدُ (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٢/٣، والقراءة في المحتسب ١٨٩/٢. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٢/٣، والقراءة في المحتسب ١٨٩/٢. (٣) في إعراب القرآن ٣٤٢/٣ - ٣٤٣، وما قبله منه. والقراءة في معاني القرآن للفراء ٣٥٩/٢ - ٣٦٠، وللزجاج ٤/ ٢٥٠ . (وهو أبو إسحاق). ٣٠٢ سورة سبأ: الآيتان ١٩ - ٢٠ بِعُمَان، وخُزاعةُ بتِهامة (١)، وكانت العرب تضربُ بهم المثلَ فتقول: تفرَّقوا أيدي سبا، وأيادي سبا، أي: مذاهبَ سبأ وطرقَها(٢). ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ الصبَّار: الذي يصبرُ عن المعاصي، وهو تكثيرُ صابرٍ، تمدح بهذا الاسم. فإنْ أردتَ أنه صَبَر عن المعصية لم يُستعمل فيه إلَّا صبَّار عن كذا. ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمه؛ وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة))(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ٢٠ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَهِمْ إِيْلِسُ ظَنَّهُ﴾ فيه أربعُ قراءات: قرأ أبو جعفر وشيبةُ ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر، ويروى عن مجاهد: ﴿ولقد صَدَقَ عليهم﴾ بالتخفيف ﴿إِيْلِسُ﴾ بالرفع ﴿ظَنَّهُ﴾ بالنصب (٤)، أي: في ظنِّه. قال الزجَّاج: وهو على المصدر، أي: صَّدَقَ عليهم ظنًّا ظنَّه إذ صَدَق في ظنّه(٥). فنُصب على المصدر أو على الظَّرف. وقال أبو عليٍّ: ((ظنَّه)) نصب لأنه مفعولٌ به، أي: صَدَق الظنَّ الذي ظنَّه؛ إذ قال: ﴿الَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] وقال: ﴿لَأُغْرِيَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢](٦). ويجوزُ تعديةُ الصدق إلى المفعول به؛ ويقال: صَدَقَ الحديثَ، أي: في الحديث. (١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٣٠ والطبري ٢٦٧/١٩، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٤٣/٣. (٢) معاني القرآن للنحاس ٤١٠/٥، وسلف ٢٩٢ من هذا الجزء. (٣) ٢ / ٦٥ و ١٠٤. (٤) السبعة ص ٥٢٩، والتيسير ص ١٨١، والنشر ٢/ ٣٥٠. والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٤٣/٣. (٥) معاني القرآن للزجاج ٢٥١/٤ - ٢٥٢، وفيه: وصدق في ظنه، بدل: إذ صدق ... ، والمعنى على هذا التأويل : أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه، فوجدهم كذلك . حجة القراءات لابن زنجلة ص٥٨٩ . (٦) الحجة لأبي علي الفارسي ٢٠/٦. ٣٠٣ سورة سبأ: الآية ٢٠ وقرأ ابن عباس ويحيى بن وثَّاب والأعمش وعاصم وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿صَدَّقَ﴾ بالتشديد ﴿ظَنَّهُ﴾ بالنصب(١) بوقوع الفعل عليه. قال مجاهد: ظنَّ ظنًّا، فكان كما ظنَّ، فصدَّق ظنّه(٢). وقرأ جعفر بن محمد وأبو الهجهاج: ((صَدَقَ عليهم)) بالتخفيف ((إبليسَ)) بالنصب ((ظنُّه)) بالرفع. قال أبو حاتم: لا وجهَ لهذه القراءةِ عندي، والله تعالى أعلم. وقد أجاز هذه القراءةَ الفرَّاءُ، وذكرها الزجاج، وجَعَلَ الظنَّ فاعلَ ((صَدَق)) و((إبليسَ)) مفعولاً به، والمعنى: أنَّ إبليس سوَّل له ظُّه فيهم شيئاً، فصدَق ظنُّه، فكأنه قال: ولقد صدَق عليهم ظنُّ إبليسَ(٣). و((على)) متعلّقةٌ بـ ((صدق))، كما تقول: صدقتُ عليك فيما ظَنَنْتُهُ بك، ولا تتعلَّق بالظنِّ لاستحالة تقدُّم شيءٍ من الصلة على الموصول (٤). والقراءةُ الرابعة: ((ولقد صَدَقَ عليهم إبليسُ ظنُّه)) برفع إبليس والظنّ، مع التخفيف في ((صَدَقَ)) على أن يكون ((ظنُّه)) بدلاً من ((إبليس))، وهو بدلُ الاشتمال(٥). ثم قيل: هذا في أهل سبأ، أي: كَفَروا وغيَّروا وبدَّلوا بعد أن كانوا مسلمين، إلَّا قوماً منهم آمنوا برسلهم. وقيل: هذا عامٌّ، أي: صدق إبليسُ ظنَّه على الناس كلِّهم إلَّا مَن أطاع الله تعالى؛ قاله مجاهد(٦). وقال الحسن: لمَّا أُهبط آدمُ عليه السلام من الجنة ومعه حوَّاءُ وهبط إبليس، قال (١) السبعة ص ٥٢٩، والتيسير ص ١٨١ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٣/٣، وأخرج الطبري ٢٧٠/١٩ قول مجاهد بلفظ: ظنَّ ظنًّا، فاتَّبَعوا ظنَّه. (٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٠، وللزجاج ٢٥٢/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣٤٣/٣، والقراءة في المحتسب ٢/ ١٩١ عن أبي الهجهاج والزهري. (٤) المحتسب ١٩١/٢ . (٥) المحرر الوجيز ٤١٧/٤، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٢٩. (٦) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٣٥/٥. ٣٠٤ سورة سبأ: الآية ٢٠ إبليس: أمَا إذ أَصَبْتُ من الأبوين ما أَصَبْتُ فالذرِّيَةُ أَضعفُ وأَضْعفُ! فكان ذلك ظنًّا من إبليس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَّدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِسُ ظَنَّهُ﴾(١). وقال ابن عباس: إنَّ إبليس قال: خُلقتُ من نارٍ، وخُلق آدمُ من طينٍ، والنارُ تُحرِقُ كلَّ شيءٍ ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] فصدَّق ظنّه عليهم (٢) . وقال زيد بن أسلمَ: إنَّ إبليس قال: يا ربّ، أرأيتَ هؤلاء الذين كرَّمتهم وشرَّفتهم وفضّلتهم عليَّ، لا تجدُ أکثرهم شاکرین، ظنًّا منه، فصدَّق علیه إبليس ظنّه(٣). وقال الكلبيُّ: إنَّه ظنَّ أنَّه إنْ أَغْواهُم أجابوه، وإن أضلَّهم أطاعوه، فصدق ظنه(٤). ﴿فَتَّبَعُوهُ﴾ قال الحسن: ما ضَرَبَهم بسوطٍ ولا بِعصاً، وإنَّما ظنَّ ظنًّا، فكان كما ظنَّ بوسوسته(٥). ﴿ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصب على الاستثناء، وفيه قولان: أحدهما: أنه يراد به بعضُ المؤمنين؛ لأنَّ كثيرًا من المؤمنينَ مَن يُذْنبُ وينقادُ لإبليسَ في بعض المعاصي، أي: ما سَلِمَ من المؤمنين أيضًا إلَّا فريقٌ، وهو المعنيُّ(٦) بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَسَ لَكَ عَلَتِهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الإسراء: ٦٥]. فأمَّا ابنُ عباسٍ فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلُّهم(٧)، فـ ((من)) على هذا للتبيين لا للتبعيض. (١) النكت والعيون ٤/ ٤٤٧، وأخرجه مطولاً ابن أبي حاتم كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٢) النكت والعيون ٤/ ٤٤٧، وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٣٤/٥. (٣) النكت والعيون ٤٤٧/٤، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٧٠/١٩ . (٤) النكت والعيون ٤/ ٤٤٧ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٤٤، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق ٢/ ١٣٠، والطبري ٢٧١/١٩. (٦) في (ظ): وهم المعنيون. (٧) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٣٤/٥ . :٠ ٣٠٥ سورة سبأ: الآيتان ٢٠ - ٢١ فإن قيل: كيف عَلِمَ إبليسُ صِدْقَ ظنِّه وهو لا يَعْلَمُ الغيبَ؟ قيل له: لمَّا نَفَذَ له في آدَمَ ما نَفَذَ، غَلَبَ على ظنِّه أنه يَنْفُذُ له مثلُ ذلك في ذرِّيَّته، وقد وقع له تحقيقُ ما ظنّ. وجوابٌ آخَرُ: وهو ما (١) أجيبَ به من قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] فأُعطيَ القوةَ والاستطاعة، فظنَّ أنَّه يملكهم كلَّهم بذلك، فلمَّا رأى أنه تاب على آدمَ، وأنه سيكون له نسلٌ يتبعونه إلى الجنة، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِّسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَارِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] علم (٢) أنَّ له تَبَعًا ولآدمَ تبعًا، فظنَّ أنَّ تَبَعَه أكثرُ من تَبَع آدم؛ لمَا وُضع في يديه من سلطان الشهوات، ووضعت الشهواتُ في أجواف الآدميين، فخرج على ما ظنَّ حيث نفخ فيهم وزيَّن في أعينهم تلك الشهوات، ومدَّهم إليها بالأماني والخدائع، فصدق عليهم الظن الذي ظنّه، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَيْهِم ◌ِن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِىِ شَاهُّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيّظ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي: لم يَقْهَرْهم إبليسُ على الكفر، وإنَّما كان منه الدعاءُ والتزيين. والسلطان: القوة، وقيل: الحُجَّة، أي: لم تكن له حُجَّةٌ يَستَشْبِعُهُم بها، وإنَّما اتَّبعوه بشهوةٍ وتقليدٍ وهَوَى نَفْسٍ، لا عن حجةٍ ودليل. ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ﴾ يريد علمَ الشهادة الذي يقع به الثوابُ والعقاب، فأمَّا الغيبُ فقد عَلِمَه تبارك وتعالى. ومذهبُ الفرَّاء(٣) أنْ يكون المعنى: إلّا لنعلم ذلك عندكم، كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَآِىَ﴾ [فصلت: ٤٧] أي: على قولكم (٤) وعندكم. (١) قبلها في (د) و(ظ): أن. (٢) في النسخ الخطية: فعلم، والمثبت من (م). (٣) في معاني القرآن ٢/ ٣٦٠ - ٣٦١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٤٤/٣. (٤) في (ظ): زعمكم. ٣٠٦ سورة سبأ: الآية ٢١ وليس قولُه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ جوابَ ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ﴾ في ظاهره، إنَّما هو محمولٌ على المعنى، أي: وما جعلنا له عليهم سلطاناً إلَّا لنَعْلَمَ، فالاستثناء مُنْقَطِعٌ، أي: لا سلطانَ له عليهم ولكنّا ابتليناهم بوسوسته لنَعْلَم، فـ ((إلَّا)) بمعنى لكنْ. وقيل: هو متَّصلٌ، أي: ما كان له عليهم من سلطانٍ، غيرَ أنَّا سلَّطناه عليهم ليتمّ الابتلاء. وقيل: ((كان)) زائدة، أي: ومالَه عليهم من سلطان، كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أي: أنتم خيرُ أمَّة. وقيل: لمَّا اتَّصل طرفٌ منه بقصةِ سبأ قال: وما كان لإبليسَ على أولئك الكفار من سلطان. وقيل: وما كان له في قضائنا السابقِ سلطانٌ عليهم. وقيل: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إِلَّا لِنُظْهِر (١)، وهو كما تقول: النارُ تُحرِقُ الحطبَ، فيقول آخَر: لا بل الحطبُ يُحرق النارِ. فيقول الأول: تعالَ حتى نجرِّب النارَ والحطب لنَعْلَم أيهما يُحرِقُ صاحبه، أي: لِنُظهِر ذلك، وإن كان معلوماً لهم ذلك. وقيل: إلَّا لتعلموا أنتم. وقيل(٢): أي: ليعلم أولياؤنا والملائكةُ، كقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَّاوَأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] أي: يحاربون أولياء الله ورسوله. وقيل: أي: لنميز، كقوله: ﴿لِيَمِيزَ اَللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيْبِ﴾ [الأنفال: ٣٧]. وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة))(٣) وغيرها. وقرأ الزُّهريُّ: ((إلَّا لِيُعْلَمَ))، على ما لم يسمَّ فاعلُهُ(٤). (١) في (ظ): ليظهر (في الموضعين). (٢) قبلها في (د): وقيل أي ليعلم على ما لم يسم فاعله. وهي قراءة كما سيرد. (٣) ٤٣٨/٢. (٤) القراءات الشاذة ص ١٢٢، والمحتسب ١٢١/٢، والكشاف ٢٨٧/٣، والمحرر الوجيز ٤١٧/٤ . ٣٠٧ سورة سبا: الآيات ٢١ - ٢٣ ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّظٌ﴾ أي: إنه عالمٌ بكلِّ شيء. وقيل: يحفظ كلَّ شيءٍ على العبد حتی یجازیَه عليه. قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدّعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّقْ فِى السَّمَوَتِ وَلَ فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ اللّهِ﴾ أي: هذا الذي مضى ذِكْرُهُ من أمر داود وسليمانَ وقصةِ سبأ من آثارٍ قُدْرَتي، فقُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: هل عند شُرَكائِكم قدرةٌ على شيءٍ من ذلك. وهذا خطابُ توبيخ، وفيه إضمارٌ، أي: ادعوا الذين زعمتُم أنَّهم آلهةٌ لكم من دون الله لِتَنْفعَكم، أو لتدفع عنكم ما قضاه الله تبارك وتعالى عليكم، فإنهم لا يملكون ذلك(١)، و﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ أي: ما لله مِن هؤلاء مِن مُعينٍ على خَلْقِ شيء، بل الله المنفردُ بالإيجاد، فهو الذي يُعبَد، وعبادةُ غيرِهِ مُحال. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَلْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكِرُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَةُ﴾ أي: شفاعةُ الملائكةِ وغيرِهم ﴿عِندَهُ﴾ أي: عندَ الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ قراءةُ العامة: ﴿أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة؛ لذكر الله تعالى أولاً. وقرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيّ: ﴿أُذِنَ﴾ بضمِّ الهمزةِ على ما لم يسمَّ فاعلُهُ(٢). والآذِنُ هو الله تعالى. و((مَن)) يجوز أن ترجع إلى الشافِعِينَ، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم. ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: جُلِّي(٣) عن قلوبهم الفزعُ. قُظْرُب: (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٥/٣ . (٢) السبعة ص ٥٢٩ ، والتيسير ص ١٨١ . (٣) في (د) و(م): خلي، ولفظة: الفزع (الآتية) ليست في (ظ). ٣٠٨ سورة سبأ: الآية ٢٣ أُخرِجَ ما فيها من الخوف. مجاهد: كُشِفَ عن قلوبهم الغطاءُ يومَ القيامة(١). أي: إنَّ الشفاعة لا تكون من أحدٍ من هؤلاء المعبودِينَ من دون الله، من الملائكة والأنبياء والأصنام، إلّا أنَّ الله تعالى يأذنُ للأنبياء والملائكة في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله، كما قال: ﴿وَهُم مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. والمعنى: أنه إذا أَذِنَ لهم في الشفاعة ووَرَدَ عليهم كلامُ الله فَزِعوا؛ لِمَا يقترن بتلك الحالِ من الأمر الهائل والخوفِ أن يقع في تنفيذ ما أَذِنَ لهم فيه تقصيرٌ، فإذا سُرِّيَ عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين يُؤْرِدون عليهم الوحيَ بالإذن: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ أي: ماذا أمر الله به؟ فيقولون لهم: ﴿قَالُواْ الْحَقِّ﴾ وهو أنْ أَذِنَ لكم في الشفاعة للمؤمنين ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ فله أن يحكُم في عباده بما يريد. ثم يجوز أن يكون هذا إذناً لهم في الدنيا في شفاعة أقوام، ويجوز أن يكون في الآخرة. وفي الكلام إضمارٌ، أي: ولا تنفع الشفاعةُ عنده إلَّا لمن أَذِنَ له، ففَزِعَ لِمَا ورد عليه من الإذن تهيُّبًا لكلام الله تعالى، حتى إذا ذهب الفزعُ عن قلوبهم أجاب بالانقياد. وقيل: هذا الفزعُ يكون اليومَ للملائكة في كلِّ أمرٍ يأمرُ به الربُّ تعالى، أي: لا تنفع الشفاعةُ إلَّا مِن الملائكة الذين هم اليومَ فَزِعون مُطيعون لله تعالى، دون الجماداتِ والشياطين. وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ # قال: ((إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعانًا لقوله، كأنها(٢) سلسلةٌ على صَفْوانٍ، فإذا نُزْع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحقَّ وهو العليُّ الكبير، قال: والشياطينُ بعضُهم فوقَ بعض)) قال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(٣). (١) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٤٤٨/٤، وأخرج قول ابن عباس ومجاهد الطبري ٢٧٥/١٩ . (٢) في (ظ): كأنه، وهو موافق لرواية البخاري على ما يأتي. (٣) سنن الترمذي (٣٢٢٣)، وأخرجه البخاري (٤٨٠٠) مطولاً. قوله: خضعاناً بفتحتين، وفي رواية : = ٣٠٩ سورة سبأ: الآية ٢٣ وقال النوَّاس بن سمعان: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنَّ الله إذا أراد أن يُوحِيَ بالأمر تكلّم بالوحي، أخذت السماوات منه رَجْفةٌ - أو [قال: ] رِعْدةٌ - شديدةٌ خوفاً من الله تعالى، فإذا سمع أهلُ السماوات ذلك صَعِقوا، وخَرُّوا لله تعالى سُجَّدًا، فيكونُ أولَ مَن يَرْفَعُ رأسَه جبريل، فيكلِّمه الله تعالى ويقول له من وخيه ما أراد، ثم يمرُّ جبريل بالملائكة، كلَّما مرَّ بسماءٍ سأله ملائكتُها : ماذا قال ربُّنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحقَّ وهو العليُّ الكبير، قال: فيقولُ كلُّهم كما قال جبريلُ فينتهي جبريلُ بالوحي حيث أَمَرَه الله تعالى))(١). وذكر البيهقيُّ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿حَقََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: كان لكلِّ قبيلٍ من الجنِّ مقعدٌ من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحيُّ سُمع له صوتٌ كإمرارِ السلسلةِ على الصَّفْوان، فلا ينزل على أهل سماءٍ إلَّ صَعِقوا، فإذا فُزْع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العليُّ الكبير، ثم يقول: يكون العامَ كذا ويكون كذا. فتسمعه الجنُّ فيخبرون به الكهنة فتقول الكهنةُ للناس: يكون العامَ كذا وكذا، فيجدونه كذلك، فلمَّا بعث الله محمداً﴾ دُحروا بالشُّهب، فقالت العرب حين لم تُخْبِرهم الجنُّ بذلك: هَلَكَ مَن في السماء، فجعل صاحب الإبل يَنحرُ كلَّ يومٍ بعيراً، وصاحبُ البقر ينحر كلَّ يومٍ بقرةً، وصاحبُ الغنم ينحر كلَّ يومٍ شاةً، حتى أسرعوا في أموالهم، فقالت ثَقيف وكانت أَعْقَل العرب: أيها الناس، أَمْسِكوا على أموالكم، فإنَّه لم يَمُتْ مَن في السماء، وإنَّ هذا ليس بانتثار، ألستُم تَرَوْنَ = بضم أوله وسكون ثانيه، وهو مصدر بمعنى خاضعين. قوله: كأنه (وهي رواية البخاري)، أي: الصوت المسموع مثل جر السلسلة من الحديد، على الصفوان الذي هو الحجر الأملس. ينظر الفتح ٨/ ٥٣٨، وتحفة الأحوذي ٩/ ٩٠. (١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥١٥)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٤٤، والطبري ٢٧٨/١٩، والآجري في الشريعة ص ٢٩٤ ، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٣٥)، وما بين حاصرتين من المصادر. وفي إسناده نعيم بن حماد، قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً. وذكر أبو زرعة الدمشقي في تاريخه ٦٢١/١ أنه عرض هذا الحديث على عبد الرحمن بن إبراهيم (وهو دحيم) فقال: لا أصل له. ٣١٠ سورة سبأ: الآية ٢٣ مَعالِمَكم من النجوم كما هي، والشمسَ والقمرَ والليلَ والنهار؟! قال: فقال إبليس: لقد حدث اليومَ في الأرض حَدَث، فائتوني مِن تربةِ كلِّ أرضٍ، فَأَتَوْه بها فجعل يَشَمُّها، فلمَّا شمَّ تربةَ مكةً قال: مِن ها هنا جاء الحَدَث، فنصتوا فإذا رسولُ الله ﴾ قد بُعث(١). وقد مضى هذا المعنى مرفوعاً مختصراً في سورة الحجر(٢)، ومضى القولُ أيضاً في رَمْيِهِم بالشهب وإحراقِهم بها، ويأتي في سورة الجنِّ(٣) بيانُ ذلك إن شاء الله تعالى. وقيل: إنَّما يفزعون من قيام الساعة. وقال الكلبيُّ وكعب: كان بين عيسى ومحمدٍ عليهما السلام فَتْرةٌ، خمسُ مئةٍ وخمسون سنةً لا يَجيءُ فيها الرسل، فلمَّا بعث الله تعالى محمداً :﴿ كلَّم الله تعالى جبريلَ بالرسالة، فلمَّا سمعت الملائكةُ الكلامَ ظنُّوا أنَّها الساعةُ قد قامت، فصَعِقوا ممَّا سمعوا، فلمَّا انحدر جبريلُ عليه السلام جعل يمرُّ بكلِّ سماءٍ فيكشفُ عنهم، فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضُهم لبعضٍ: ماذا قال ربكم؟ فلم يَدْروا ما قال، ولكنهم قالوا: قال الحقَّ وهو العليُّ الكبير، وذلك أنَّ محمداً عليه الصلاة والسلام عند أهل السماوات من أشراط الساعة (٤). وقال الضحاك: إنَّ الملائكةَ المعقِّباتِ الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، يرسلهم الربُّ تبارك وتعالى، فإذا انحدروا سُمع لهم صوتٌ شديدٌ، فيحسبُ الذين هم أسفلُ من الملائكة أنه من أمر الساعة، فَيَخِرُّون سُجَّداً ويصعقون، (١) لم تقف عليه عند البيهقي، وهو في تفسير مجاهد ٥٢٦/٢ - ٥٢٧ ، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٣٦/٥ وعزاه للبيهقي وابن أبي شيبة وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل. وهو من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وعطاء بن السائب اختلط، وفي سماع حماد بن سلمة منه قبل الاختلاط أو بعده خلاف. (٢) ١٢ /١٩٠. (٣) عند تفسير الآية (٩) منها. (٤) تفسير البغوي ٣/ ٥٥٧ عن مقاتل والكلبي والسدي. ٣١١ سورة سبا: الآية ٢٣ حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة(١). وهذا تنبيهٌ من الله تعالى وإخبارٌ أنَّ الملائكة مع اصطفائهم ورِفْعَتِهِم لا يُمكِّنُهم (٢) أنْ يَشْفَعوا لأحدٍ حتى يؤذنَ لهم، فإذا أُذن لهم وسَمعوا صَعِقوا وكانت هذه حالُهم، فكيف تشفع الأصنامُ، أو كيف تؤمِّلون أنتم الشفاعةَ ولا تعترفون بالقيامة. وقال الحسن وابن زيد ومجاهد: حتى إذا كُشفَ الفزع عن قلوب المشركين عند(٣) نزول الموت، إقامةً للحجة عليهم قالت الملائكة لهم: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: الحقَّ وهو العليُّ الكبير، فأَقرُّوا حين لا ينفعهم الإقرار(٤)، أي: قالوا : قال الحق. وقراءةُ العامة: ﴿فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾. وقرأ ابن عباس: ﴿فَزَّعَ عن قلوبهم﴾ مسمَّى الفاعل(٥)، وفاعلُه ضميرٌ يَرجِعُ إلى اسم الله تعالى. ومَن بناء للمفعول فالجارُّ والمجرورُ في موضعٍ رفعٍ، والفعلُ في المعنى لله تبارك وتعالى. والمعنى في القراءتين: أُزيل الفزعُ عن قلوبِهِم، حَسْبَمَا تقدَّم بيانُه(٦). ومثله: أَشْكَاه: إذا أَزالَ عنه ما یشگوه. وقرأ الحسن: ((فُزِع)) مثلَ قراءةِ العامة، إلَّا أنه خفَّفَ الزاي، والجارُّ والمجرورُ (١) أخرجه الطبري ١٩/ ٢٨١ بنحوه من طريق الضحاك عن ابن مسعود ﴾ (٢) في (م): لا يمكن. (٣) قبلها في (د) و(ظ) و(م): قال الحسن ومجاهد وابن زيد في الآخرة، وسقط هذا الموضع من (خ) و(ز)، والمثبت من تفسير البغوي ٣/ ٥٥٧ ، والكلام منه. (٤) تفسير البغوي ٥٥٧/٣ - ٥٥٨، إلا أنه لم يذكر مجاهداً، وأخرجه عن ابن زيد الطبري ٢٨١/١٩ . ولم نقف عليه عن مجاهد. (٥) قرأ: ((فزَّع)) بفتح الفاء والزاي ابن عامر من السبعة، والباقون بضم الفاء وكسر الزاي. السبعة ص ٥٣٠ ، والتيسير ص ١٨١ . وذكرها عن ابن عباس النحاس في إعراب القرآن ٣٤٥/٣ وزاد نسبتها لابن مسعود وسعيد بن جبير و مجاهد. (٦) ص٣٠٧ - ٣٠٨ من هذا الجزء. ٣١٢ سورة سبأ: الآيتان ٢٣ - ٢٤ في موضع رفعٍ أيضاً، وهو كقولك: انْصُرِفَ عن كذا إلى كذا. وكذا معنى ((فُرِغَ» بالراء والغَيْنِ المعجَمَةِ والتخفيفِ غير مسمَّى الفاعل، رُويت عن الحسن أيضاً وقتادة(١). وعنهما أيضًا ((فَرِغَ)) بالراء والغين المعجمة مسمَّى الفاعل، والمعنى: فَرِغَ الله تعالى قلوبَهم، أي: كَشَفَ عنها، أي: فَرِغَها من الفزع والخوف، وإلى ذلك يَرجعُ البناء للمفعول على هذه القراءة. وعن الحسن أيضاً («فرّغ)) بالتشديد(٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّ أَوْ لِيَّاكُمْ ٢٤) لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ لمَّا ذَكر أنَّ آلهتهم لا يملكون مثقال ذرةٍ ممَّا يَقدِرُ عليه الربُّ، قرَّر ذلك فقال: قُلْ يا محمدُ للمشركين: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: مَن يخلقُ لكم هذه الأرزاقَ الكائنةً من السماوات، أي: عن المطر والشمس والقمر والنجوم وما فيها من المنافع. ((وَالْأَرْضِ)) أي: الخارجة من الأرض، عن الماء والنبات. أي: لا يمكنُهم أن يقولوا: هذا فِعْلُ آلهتنا. فيقولون: لا ندري. فقل: إنَّ الله يفعل ذلك، الذي يعلم ما في نفوسكم. وإن قالوا: اللهُ يرزقنا، فقد تقرَّرت الحجة بأنه الذي ينبغي أن يُعبد. ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ هذا على وجهِ الإنصاف في الحُجَّة، كما يقول القائل: أحدُنا كاذب، وهو يعلم أنه صادقٌ، وأنَّ صاحبه كاذب. والمعنى: ما نحن وأنتم على أمرٍ واحد، بل على أمرين متَضادّين، وأحدُ الفريقين مهتدٍ وهو نحن، والآخَرُ ضالٌّ وهو أنتم. فكذَّبهم بأَحْسَنَ من تصريح التكذيب، والمعنى: أنتم الضالَّون حين أشركْتُم بالذي يرزقكم من السماوات والأرض. (١) المحتسب ٢/ ١٩١ - ١٩٢. (٢) يعني بضم الفاء وبفتحها، ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٤٥/٣ - ٣٤٦، والمحتسب ١٩١/٢ - ١٩٣، والمحرر الوجيز ٤١٩/٤، والدر المصون ١٨٢/٩. ٣١٣ سورة سبأ: الآيتان ٢٤ - ٢٥ ((أو إياكم)) معطوفٌ على اسم ((إنَّ))، ولو عُطِفَ على الموضع لكان: ((أو أنتم)) ويكون (لَعَلَى هُدَى)) للأول لا غير. وإذا قلت: ((أو إِيَّاكُمْ)) كان للثاني أوْلى، وحَذَفْتَ من الأول، ويجوز أن يكون للأول، وهو اختيارُ المبرِّد. قال: ومعناه معنى قولٍ المستَبْصِرِ لصاحبه على صحة الوعيدِ والاستظهارِ بالحجة الواضحة: أحدُنا كاذب، وقد عرف المعنى، كما تقول: أنا أَفْعَلُ كذا وتَفْعَلُ أنت كذا وأحدُنا مخطئ، وقد عرف أنه هو المخطئ، وهكذا: ﴿وَإِنَّ أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(١). و(أو)) عند البَصْريين على بابها وليست للشك، لكنَّها على ما تستعملُه العرب في مثل هذا إذا لم يُرِد المخبِرُ أنْ يبين وهو عالمٌ بالمعنى. وقال أبو عبيدةَ والفرَّاءُ: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى وإياكم في ضلال مبين (٢)، وقال جرير: أثعلبةَ الفوارسَ أو رياحاً عدلْتَ بهم طُهَيَّةَ وَالرَّبَابا(٣) يعني: أثعلبة ورياحاً. وقال آخر: فلمَّا اشتدَّ أمرُ الحربِ فينا تأمَّلْنا رياحاً أو رِزاما(٤) قوله تعالى: ﴿قُل لَّا تُتْشَلُونَ عَمَّآ أَجْرَقْنَا وَلَا تُشْثَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قوله تعالى: ﴿قُل لَّا تُتْتَلُونَ عَمَّا أَجْرَفِنَا﴾ أي: اكتَسَبْنَا ﴿وَلَا نُشَّلُ﴾ نحن أيضاً (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٦/٣ - ٣٤٧. (٢) مجاز القرآن ١٤٨/٢، ومعاني القرآن للفراء ٣٦٢/٢، ونقله الفراء عن المفسرين وقال: وهو في المعنى كذلك، غير أن العربية على غير ذلك؛ لا تكون أو بمنزلة الواو. وكذلك قال الزجاج في معاني القرآن ٢٥٣/٤، قال: وهذا في اللغة غير جائز، ولكنه في التفسير يؤول إلى هذا المعنى. قال الفراء: والمعنى في قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْ لِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم لضالون أو مهتدون، وهو يعلم أن رسوله المهتدي، وأن غيره الضال. وهذا كما تقول للرجل: إن أحدنا لكاذب، فكذبته تكذيباً غير مکشوف. (٣) ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب ٨١٤/٢، والكتاب ١٠٢/١ و١٨٣/٣، ومجاز القرآن ١٤٨/٢، والخزانة ٦٩/١١. ووقع فيها جميعاً: والخِشَابا، بدل: والربابا. قال البغدادي: أي: عدلتَ هاتين القبيلتين بهاتین القبيلتين !. (٤) لم نقف عليه. ٣١٤ سورة سبأ: الآيات ٢٥ - ٣٠ ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: إنَّما أقصدُ بما أدعوكم إليه الخيرَ لكم، لا أنَّه ينالُني ضررُ كُفْرِكم، وهذا كما قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينٍ﴾ [الكافرون: ٦] واللهُ مُجازي الجميع. فهذه آيةُ مُهَادَنَةٍ ومُتَارَكَةٍ، وهي منسوخةٌ بالسيف. وقيل: نزل هذا قبل آيةِ السيف. قوله تعالى: ﴿قُلّ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ (٢٦ قوله تعالى: ﴿قُلّ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يريد يومَ القيامة ﴿ثُمَّ يَقْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: يقضي، فيثيبُ المهتدي ويعاقب الضالَّ ﴿وَهُوَ اُلْفَتَّاحُ﴾ أي: القاضي بالحقِّ ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بأحوال الخَلْق. وهذا كلُّه منسوخ بآية السيف. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرُوِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ. شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٢٧ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرُوِيّ ◌َلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءُ﴾ يكون ((أَرُوني)) هنا من رؤية القلب، فيكون ((شركاءَ)) المفعولَ الثالث، أي: عرِّفوني هذه الأصنامَ والأوثانَ التي جعلتموها شركاءَ لِلهِ عز وجل، هل شارَكَتْ في خَلْقِ شيءٍ، فبيِّنوا ما هو؟ وإلَّا فَلِمَ تَعبُدونها؟ ويجوز أن يكونَ من رؤية البصر، فيكونُ ((شركاءَ)» حالاً(١). ﴾ أي: ليس الأمر كما زعمتم. وقيل: إنَّ((كلَّا)) ردٌّ لجوابهم المحذوفِ، كأنه قال: أَرُوني الذين ألحقتُم به شركاء. قالوا: هي الأصنامُ. فقال: كلًّا، أي: ليس له شركاء ﴿بَلّ هُوَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَاَنَّةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًاً وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) وَبَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٨) قُل تَكُ مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَغْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا ككَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: وما أرسلناك (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٤٧. ٣١٥ سورة سبأ: الآيتان ٢٩ - ٣٠ إِلَّا للناس كافةً، أي: عامَّةٌ، ففي الكلام تقديمٌ وتأخير. وقال الزجَّاج: أي: وما أرسلناك إلَّا جامعاً للناس بالإنذار والإبلاغ(١). والكافةُ بمعنى الجامع. وقيل: معناه: كانَّا للناس، تَكقُّهم عمَّا هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام. والهاءُ للمبالغة. وقيل: أي: إلَّا ذا كافَّةٍ، فحذف المضاف، أي: ذا منع للناس من أن يَشِذُّوا عن تبليغك، أو ذا منع لهم من الكفر، ومنه: كفَّ الثوبَ؛ لأنَّه ضمَّ طرفيه. ﴿بَشِيرًا﴾ أي: بالجنة لمَن أطاع. ﴿وَنَذِيرًا﴾ من النار لِمَن كَفَر. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما عندَ الله، وهم المشركون، وكانوا في ذلك الوقتٍ أكثرَ من المؤمنين عدداً. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعني موعدكم لنا بقيام الساعة ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. فقال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿لَّكُ مِّيَعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَعْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةٌ وَلَا تَسْتَقْدِعُونَ﴾ فلا يغرَّنَّكم تأخيرُه. والميعادُ: الميقات. ويعني بهذا الميعادِ وقتَ البعث. وقيل: وقتَ حضورِ الموت، أي: لكم قبلَ يومِ القيامة وقتٌ معيَّنٌ تموتون فيه، فتعلمون حقيقةً قولي. وقيل: أراد بهذا اليوم يومَ بدر؛ لأنَّ ذلك اليومَ كان ميعادَ عذابِهم في الدنيا في ◌ُكْمِ الله تعالى. وأجاز النحويون: ((ميعادٌ يومٌ)) على أن يكون ((ميعادٌ)) ابتداءً، و((يومٌ)) بدلاً منه، والخبر: ((لكم)). وأجازوا ((ميعادٌ يوماً)) يكون ظرفاً، وتكون الهاء في ((عنه)) ترجع إلى (يوم). ولا يصح: ((ميعادٌ يومَ لا تستأخرون)) بغير تنوين وإضافة ((يومَ)) إلى ما بعده؛ إذا قدَّرتَ الهاء عائدةً على اليوم؛ لأنَّ ذلك يكون من إضافة الشيء إلى نفسه من أُجْلٍ الهاء التي في الجملة. ويجوز ذلك على أن تكون الهاءُ للميعاد لا لليوم(٢). (١) معاني القرآن للزجاج ٢٥٤/٤، وتعقبه أبو حيان في البحر ٧/ ٢٨١ بأنَّ ((كفَّ)) ليس بمحفوظ أنَّ معناه: جمع. والمحفوط في معناه: منع، والمعنى: إلا مانعاً لهم من الكفر. وينظر الدر المصون ٩/ ١٨٥. (٢) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٣٤٨/٣، ومشكل إعراب القرآن ٥٨٨/٢، وقال السمين في الدر = ٣١٦ سورة سبأ: الآيات ٣١ - ٣٣ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا يِلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ قَالَ الَّذِينَ اُسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُرُ بَلْ كُم تُجْرِمِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ، أَنْدَادَأَ وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوَأْ الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا اُلْأَغْلَلَ فِىَ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣٣) قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يريد كفار قريش ﴿لَن تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيَّةٌ﴾ قال سعيدٌ عن قتادة: (ولا بالذي بين يديه)) من الكتب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام(١). وقيل: من [أمر] الآخرة، وقال ابن جُريج: قائلُ ذلك أبو جهل بن (٢) هشام(٢). وقيل: إنَّ أهلَ الكتاب قالوا للمشركين: صفةُ محمدٍ في كتابنا فَسَلُوه، فلمّا سألوه فوافَقَ ما قال أهلُ الكتاب، قال المشركون: لن نؤمنَ بهذا القرآنِ ولا بالذي قبلَه من التوراة والإنجيل، بل نكفرُ بالجميع، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب ويَحتجُون بقولهم، فَظَهَر بهذا تَنَاقضُهم وقلةُ عِلْمِهم. ثم أخبر الله تبارك وتعالى عن حالهم في مآلهم(٣)، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَ﴾ يا محمدُ ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُقُونَ عِندَ رَبِهِمْ﴾ أي: محبوسون في موقف الحساب، يتراجعون الكلامَ فيما بينهم باللوم والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا أَخِلَّاءَ متناصِرِين. وجوابُ ((لو)) محذوفٌ، أي: لرأيتَ أمراً هائلاً فظيعاً. = المصون ١٨٩/٩: نصُوا على أن الظرف إذا أضيف إلى جملة لم يَعُد منها إليه ضمير إلا في ضرورة. وقد قرئ بجميع ما سلف من وجوه. ينظر الكشاف ٣/ ٢٩٠، والبحر ٢٨٢/٧. (١) أخرجه الطبري ٢٨٩/١٩ - ٢٩٠. (٢) النكت والعيون ٤٥١/٤، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في (د) و(م): فيما لهم. ٣١٧ سورة سبأ: الآيات ٣١ - ٣٣ ثم ذَكَر أيَّ شيءٍ يرجع من القول بينهم فقال: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ﴾ في الدنيا من الكافرين ﴿لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ﴾ وهم القادةُ والرؤساء: ﴿لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: أَغْوَيْتُمونا وأَضْلَلْتُمونا. واللغةُ الفصيحة: ((لولا أنتم))، ومن العرب مَن يقول: (لولاكم)) حكاها سيبويه؛ تكون (لولا)) تَخْفضُ المضمَرَ، ويرتفع المُظْهَرُ بعدها بالابتداء ويُحذف خبره. ومحمد بن يزيد يقول: لا يجوزُ ((لولاكم))؛ لأنَّ المضمَر عَقيبُ المُظْهَرِ، فلمَّا كان المظهرُ مرفوعاً بالإجماع، وجب أن يكون المضمَرُ أيضاً مرفوعاً(١). ﴿قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْتَكُمْ عَنِ الْمُدَى﴾ هو استفهامٌ بمعنى الإنكار، أي: ما رَدَدْناكم نحن عن الهدى، ولا أكرهناكم. ﴿بَعْدَ إِذَا جَاءَكُرُ بَلْ كُم تُجْرِمِينَ﴾ أي: مشركين مصرِّين على الكفر. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَِّلِ وَالنَّهَارِ﴾ المكرُ أصلُه في كلام العرب: الاحتيالُ والخديعة. وقد مَكَرَ به يَمكُرُ، فهو ماكر ومَكَّار. قال الأخفش(٢): هو على تقدير: هذا مَكْرُ الليل والنهار. قال النحاس(٣): والمعنى - والله أعلم -: بل مكرُكم في الليل والنهار، أي: مُسَارَّتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حَمَلَنا على هذا. وقال سفيان الثوري: بل عملُكم في الليل والنهار. قتادة: بل مكرُكم بالليل والنهار صدَّنا(٤). فأُضيفَ المكر إليهما لوقوعه فيهما، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا بَآءَ لَا يُؤَخَّرٌ﴾ [نوح: ٤]، فأضاف الأَجَلَ إلى نفسه، ثم قال: ﴿فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَلْفُونَ سَاعَةٌ﴾ [الأعراف: ٣٤] إذ كان الأجل لهم. وهذا من قَبِيلٍ قولك: ليلُه قائمٌ ونهارُه صائم. قال المبرِّد: أي: بل مكرُكم الليل والنهار، كما تقول العرب: نهارُه (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٨/٣. وقول سيبويه في الكتاب ٣٧٣/٢ . (٢) في معاني القرآن ٦٦٣/٢ . (٣) في إعراب القرآن ٣٤٩/٣ . (٤) أخرجه عبد الرزاق ١٣٢/٢، دون قوله: صدنا. ٣١٨ سورة سبأ: الآيات ٣١ - ٣٣ صائمٌ وليلُه قائمٌ، وأنشد لجرير: ونمتٍ وما ليلُ المَطِيِّ بنائمٍ (١) لقد لُمْتِنَا يا أمَّ غَيْلانَ في السُّرَى وأنشد سيبويه: فنام ليلي وتجلَّى همِّي(٢) أي: نمتُ فيه. ونظيره: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]. وقرأ قتادة: ((بل مَكْرٌ الليلَ والنهارَ)) بتنوين ((مكر)) ونصبٍ ((الليلَ والنهار))، والتقدير: بل مكرٌ كائنٌ في الليل والنهار، فحذف(٣). وقرأ سعيد بن جبير: ((بل مَكّرُّ)) بفتح الكاف وشدِ الراء بمعنى الكرور، وارتفاعُه بالابتداء والخبرُ محذوفٌ. ويجوز أن يرتفع بفعلٍ مُضْمَرٍ دلَّ عليه: ((أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ))، كأنَّهم لمَّا قالوا لهم: أنحن صددناكم عن الهدى؟! قالوا: بل صدَّنا مَكَرُّ الليلِ والنهار (٤). وروي عن سعيد بن جبير: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال: مرّ الليل والنهار عليهم فغفلوا(٥). وقيل: غرَّهم(٦) طولُ السلامة فيهما كقوله: ﴿فَطَالَ عَلَِّمُ الْأَمَّدُ﴾ [الحديد: ١٦]. (١) ديوان جرير بشرح ابن حبيب ٩٩٣/٢، وسلف ٢٠/١١، وهو في الكتاب ١٦٠/١، والمقتضب ٣٣١/٤ وفيه قول المبرد بنحوه، وإعراب القرآن للنحاس ٣٤٩/٣ وعنه نقل المصنف. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٩/٣، ولم نقف عليه في الكتاب، والرجز لرؤبة، وهو في ديوانه ص ١٤٢ ، والمقتضب ٣٣١/٤. (٣) المحتسب ١٩٣/٢ - ١٩٤. قال ابن جني: وإن شئت علقتهما بنفس ((مكر))، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَمُ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْفَبَةٍ. يَلِيمًا ذَا مَقْرَبَةِ﴾ [البلد: ١٤ - ١٥]. (٤) المحتسب ١٩٣/٢ - ١٩٤. قال ابن جني: المَكَرُّ والكرور: اختلاف الأوقات. وذكر القراءة أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٢٢ . (٥) أخرجه الطبري ٢٩٢/١٩، وذكره النحاس في إعراب القرآن ٣٤٩/٣. (٦) قوله: غرَّهم، من (ظ). ٣١٩ سورة سبا: الآيات ٣١ - ٣٣ وقرأ راشد: ((بل مَكَرَّ الليل والنهار)) بالنصب، كما تقول: رأيته مَقْدَمَ الحاجٌ، وإنَّما يجوز هذا فيما يُعرفُ؛ ولو قلتَ: رأيتُهُ مَقْدَمَ زيد، لم يَجز؛ ذكره النحاس(١). ﴿إِذْ تَأْمُرُونَآ أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ، أَنْدَادًا﴾ أي: أشباهاً وأمثالاً ونُظَراءَ. قال محمد بن يزيد: ندُّ فلانٍ فلان(٢)؟، أي: مثلُه. ويقال: نَدِيد، وأنشد: أَتَيْماً تجعلون إليَّ نِدًّا وما تَيْمٌ لذي حَسَبِ نَديدُ(٣) وقد مضى هذا في ((البقرة)» (٤). ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ﴾ أي: أَظْهَرُوها، وهو من الأضداد؛ يكون بمعنى الإخفاءِ والإبداء؛ قال امرؤ القيس: تجاوزتُ أَخْراساً وأهوالَ مَعْشرٍ عَليَّ حِرَاصٍ لو يُسِرُّون مَقْتَلِي(٥) ويروى: (يُشِرُّون))(٦). وقيل: ((وأَسَرُّوا النَّدامَةَ)) أي: تَبَّنت الندامةُ في أسرار وجوههم. وقيل: الندامةُ لا تظهر، وإنَّما تكون في القلب، وإنَّما يظهر ما يتولَّد عنها(٧)، حَسْبَمَا تقدَّم بيانُه في سورة يونس، وآل عمران(٨). (١) في إعراب القرآن ٣٤٩/٣ - ٣٥٠، وقراءة راشد في المحتسب ١٩٣/٢ - ١٩٤، والبحر ٢٨٣/٧. قال أبو حيان: وراشد هذا من التابعين، ممن صحح المصاحف بأمر الحجاج. اهـ وهو ابن نجيح الحِمَّانيُّ، أبو محمد البصري. التهذيب ٥٨٤/١. وقد سلف ذكره ١٠٤/١ (حاشية). (٢) في (م): فلان ند فلان. (٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٣٣١/١، وسلف ٣٣٦/١١. (٤) ١/ ٣٤٧ . (٥) ديوان امرئ القيس ص١٣، وفيه: يُشِرُّون، بدل: يسرُّون، وهما روايتان كما سيرد. ووقع في (م): حراصاً، وهو موافق لما في شرح المعلقات للنحاس ١٧/١ وللتبريزي ص ٣٧ ، وهو فيهما برواية: عليَّ حراصاً لو يُشِرُّون مقتلي تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً (٦) وهي رواية الديوان كما سلف، قال النحاس في شرح المعلقات ١٧/١ : مَن روى: يُسرُّون، فيجوز أن يكون معناه عنده: يكتمون، ويجوز معناه: يظهرون. أما يُشِرُّون فمعناه يظهرون لا غير. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٥٠. (٨) سلف في سورة الأعراف ٩/ ٣٣٥، وسورة يونس ٨/١١، ولم نقف عليه في سورة آل عمران. ٣٢٠ سورة سبأ: الآيات ٣١ - ٣٨ وقيل: إظهارُهم الندامةَ قولُهم: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَا كَرَّةٍ فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢]. وقيل: أسروا الندامة فيما بينهم ولم يجهروا القول بها؛ كما قال: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣]. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَلَ فِىّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الأغلالُ جمعُ غُلِّ، يقال: في رقبته غُلٌّ من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئةِ الخُلُق: غُلُّ قَمِلٌ، وأصلُه: أنَّ الغُلَّ كان يكون من قِدِّ(١) وعليه شعرٌ فَيَقْمَلُ. وغَلَلتُ يده إلى عنقه، وقد غُلَّ فهو مغلول، يقال: مالَه أُنَّ وغُلَّ(٢). والغُلُّ أيضاً والغُلَّة: حرارةُ العطش، وكذلك الغليل؛ يقال منه: غُلَّ الرجلُ يُغَلُّ غَلَلًا فهو مغلول، على ما لم يسمَّ فاعله؛ عن الجوهريّ(٣). أي: جُعلت الجوامعُ في أعناق التابعين والمتبوعين. قيل: مِن غيرِ هؤلاء الفريقين. وقيل: يرجع ((الذين كَفَرُوا)) إليهم. وقيل: تم الكلامُ عند قوله: ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابِ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿وَحَعَلْنَا اُلْأَغْلَلَ﴾ بعد ذلك في أعناق سائر الكفار. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا؟ قوله تعالى: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (٣) (٥) قُلٌ إِنَّ رَِ وَقَالُواْ غَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَآَ ٣٦ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أَوْلَدُكُمْ بِلَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَكَ لَهُمْ جَزَّةُ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُقَاتِ ءَامِنُونَ (٦) أُوْلَئِكَ فِىِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٨)﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ قال قتادة: أي: (١) القِدُّ هو السَّيْرُ يُقَدُّ من جلدٍ غير مدبوغ، القاموس (قدد). (٢) أَلَّ: دُفع في قفاه، وغُلَّ: وُضع الغُلُّ في يديه وعنقه، وهذا دعاء عليه. معجم متن اللغة (أل) و(غل). (٣) في الصحاح: (غلل).