Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة الأحزاب: الآية ٦٩ ٠٠ بمعناه(١). ولفظُ مسلم: قال رسول الله﴾: «كانت بنو إسرائيلَ يغتسلون عراةً ينظر بعضُهم إلى سَوْءَةِ بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسلُ وَحْدَه، فقالوا: والله ما يمنعُ موسى أنْ يغتسلَ معنا إلَّا أنه آدَرُ! قال: فذهب يوماً(٢) يغتسل، فوضع ثوبَه على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه، قال: فجمَحَ موسى عليه السلام بإثره يقول: ثَوْبِي حَجَرُ ثوبي حَجَرُ، حتى نظرت بنو إسرائيلَ إلى سَوْءة موسى وقالوا: واللهِ ما بموسى من بأسٍ، فقام الحجر حتى نُظر إليه، قال: فأخذ ثوبَه فطفِقٍ بالحجر ضرْباً)). قال أبو هريرةَ: واللهِ إنَّه بالحجر نَدَبٌ ستةٌ أو سبعةٌ؛ ضَرْبُ موسى بالحجر. فهذا قول. وروي عن ابن عباس عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: آذَوْا موسى بأن قالوا: قَتَلَ هارونَ؛ وذلك أنَّ موسى وهارون خرجا من فَحْص التِّيه (٣) إلى جبلٍ، فمات هارون فيه، فجاء موسى فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قَتَلْتَه، وكان أَلْيَنَ لنا منكَ وأشدَّ حُبًّا. فَآذَوْه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكةَ، فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل، ورَأَوْا آيةً عظيمةً دلَّتهم على صِدْقٍ موسى، ولم يكن فيه أثرُ القتل. وقد قيل: إنَّ الملائكة تكلَّمت بموته ولم يَعْرِف موضعَ قبرِه إلَّ الرَّخَم، وإنه تعالى جعله أَصَمَّ أَنْكُم (٤). ومات هارونُ قبل موسى في التِّيه، ومات موسى قبل انقضاء مدَّةِ التِّه بشهرين(٥). وحكى القُشَيريُّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنَّ الله تعالى أَحْيا (١) صحيح البخاري (٢٧٨) و(٣٤٠٤)، وصحيح مسلم (٣٣٩)، وهو عند أحمد (١٠٦٧٨). (٢) في صحيح مسلم: مرة. (٣) الفَحْص: ما استوى من الأرض، والتِّيه: المفازة يُتاه فيها، وهي هنا الموضع الذي تاه فيه بنو إسرائيل. اللسان (فحص) (تيه). (٤) تفسير الطبري ١٩٤/١٩، والنكت والعيون ٤٢٧/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١٥٧٥/٣، والمحرر الوجيز ٤٠١/٤ . والرخم: طائر غزير الريش أبيض اللون مبقَّعٌ بسواد. المعجم الوسيط (رخم). (٥) النكت والعيون ٤/ ٤٢٧ . ٢٤٢ سورة الأحزاب: الآية ٦٩ هارونَ فأخبرهم أنه لم يقتله، ثم مات. وقد قيل: إنَّ إذاية موسى عليه السلام رَمْيُهم إياه بالسِّخْرِ والجنون. والصحيح الأوّل. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونوا فعلوا كلَّ ذلك، فبرَّأه الله من جميع ذلك. مسألة: في وضع موسى عليه السلامُ ثوبَه على الحجر ودخولِه في الماء عُرياناً دليلٌ على جوازٍ ذلك، وهو مذهبُ الجمهور. ومَنَعَه ابنُ أبي لَيْلَى، واحْتَجَّ بحديثٍ لم يصحَّ، وهو قوله﴾: ((لا تَدْخُلوا الماءَ إلَّا بمئزرٍ، فإنَّ للماءِ عامِراً)). قال القاضي عِيَاض: وهو ضعيفٌ عند أهلِ العلم(١). قلت: أَمَا إِنَّه يُسْتَحَبُّ التستُّر لِمَا رواه إسرائيلُ عن عبد الأعلى: أنَّ الحسن بن عليَّ دخل غَديراً وعليه بُرْدٌ له مُتوشِّحاً به، فلمَّا خرج قيل له، فقال: إنَّما تَستَّرتُ ممن يراني ولا أراه. يعني: من ربِي والملائكة(٢). فإن قيل: كيف نادى موسى عليه السلام الحجرَ نداءَ مَن يَعْقِلُ؟ قيل: لأنه صَدَر عن الحجر فِعْلُ مَن يَعْقِل. و((حَجرُ)) منادى مُفْرَدٌ محذوفُ حرفِ النداء، كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. و(ثوبي)) منصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ، التقدير: أعطني ثوبي، أو اترك ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه(٣). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِهًا﴾ أي: عظيماً. والوجيهُ عند العرب: العظيمُ القَدْرِ الرفيعُ المنزلةِ. ويُروى أنه كان إذا سأل الله شيئاً أعطاه إياه. وقرأ ابن مسعود: (١) المفهم ٦/ ١٩٠ - ١٩١ وكلام القاضي عياض في إكمال المعلم ٧/ ٣٥٠، والحديث أخرجه ابن عدي في الكامل ٢٦٥٢/٧، عن جابر ﴾. وفي إسناده يحيى بن سعيد التميمي المدني، قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن عدي وغيره: يروي عن الثقات البواطيل. الميزان ٣٧٨/٤ . (٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج عبد الرزاق (١١١٤) من طريق جابر الجعفي عن الشعبي، أو عن أبي جعفر محمد بن علي أن الحسن والحسين دخلا الفرات وعلى كل واحد منهما إزاره ثم قالا: إن في الماء - أو إن للماء - ساكناً. وجابر الجعفي ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب. (٣) المفهم ٦/ ١٩٠. ٢٤٣ سورة الأحزاب: الآيات ٦٩ - ٧١ ((وكان عَبْدًا لِلِهِ)(١). وقيل: معنى ((وَجِيهًا)) أي: كلَّمه تكليماً (٢). قال أبو بكر الأنباريُّ في ((كتاب الرّ)): زَعَم مَن طَعَنَ في القرآن، أنَّ المسلمين صَخَّفوا: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وأنَّ الصوابَ عنده: ((وكان عَبْدًا لِلِهِ وَجِيْهًا)). وذلك يدلُّ على ضعفٍ مَقْصِدِه ونقصانٍ فَهْمِه وقِلَّةِ عِلْمِه. وذلك أنَّ الآية لو حُملت على قوله، وقُرئت: ((وكان عبداً))، نقصَ الثناءُ على موسى عليه السلام، وذلك أنَّ ((وَجِيهًا)) يكون عند أهلِ الدنيا وعند أهلِ زمانه وعند أهلِ الآخرة، فلا يُوقَفُ على مكان المدح؛ لأنَّه إن كان وجيهاً عند بني الدنيا كان ذلك إنعاماً من الله عليه لا يَبينُ معه ثناءٌ عليه من الله. فلمَّا أَوْضَح الله تعالى موضعَ المدحِ بقوله: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ استحقَّ الشَّرفَ وأَعْظَمَ الرفعةِ بأنَّ الوجاهة عند الله، فَمَن غيَّر اللفظةَ صَرَفَ عن نبيِّ اللهِ أَفْخَرَ الثناءِ وأَعْظَمَ المَدْح(٣). قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ ٧٠ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ٧١ قوله تعالى: ﴿يَّأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾ أي: قصداً وحقًّا. وقال ابن عباس: أي: صواباً (٤). وقال قتادة ومقاتل: يعني قولوا قولاً سديداً في شأنٍ زينبَ وزيدٍ، ولا تَنْسُبُوا النبيَّ ﴾ إلى ما لا يَحِلُّ. وقال عكرمة وابن عباس أيضاً: القول السديد: لا إله إلا الله(٥). وقيل: هو الذي يُوافقُ ظاهرُه باطنَه. وقيل: هو ما أُرِيدَ به وجه الله دون غيره. (١) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والمحتسب ١٨٥/٢، والبحر ٢٥٣/٧. (٢) معاني القرآن للنحاس ٣٨٢/٥. (٣) سلف الكلام بنحوه مفصلاً ١/ ١٢٨. (٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٨٤/٣، والبغوي ٥٤٦/٣ . (٥) أخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما البيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٥)، وعن عكرمة الطبري ٠١٩٦/١٩ ٢٤٤ سورة الأحزاب: الآيات ٧٠ - ٧٣ وقيل: هو الإصلاحُ بين المتشاجرين. وهو مأخوذٌ من تسديد السهم ليُصابَ به الغَرَضُ (١). والقولُ السديد يعمُّ الخيراتِ، فهو عامٌّ في جميع ما ذُكر وغير ذلك، وظاهِرُ الآيةِ يعطي أنه إنَّما أشار إلى ما يكون خلافاً للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهةٍ المؤمنين. ثم وَعَدَ جلَّ وعزَّ بأنه يجازي على القول السديد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب(٢)، وحَسْبُكَ بذلك درجةً ورِفْعةَ منزلةٍ. ﴿وَمَن يُطِعِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أَمر به ونَهى عنه ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السََّوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا لِيْعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَّفِقِينَ وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَهَا الْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَنَ ظَلُوْمًا جَهُولًا (1) وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا و لمَّا بَيَّن تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بيَّن، أَمر بالتزام أَوَامٍه. والأمانةُ تعمُّ جميعَ وظائف الدِّين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. روی الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله: حدَّثنا إسماعيل بن نصرٍ، عن صالح بن عبد الله، عن محمد بن يزيد(٣) بن جوهر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﴾. ((قال الله تعالى لآدمَ: يا آدمُ، إنِّي عَرَضْتُ الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ فلم تُطِفْها، فهل أنت حامِلُها بما فيها؟ قال: وما فيها يا رب؟ قال: إنْ حَمَلْتَها أُجِرْتَ، وإن ضيَّعتَها عُذِّبتَ. فاحْتَمَلَها بما فيها، فلم يَلْبَثْ في الجنة إلَّا قَدْرَ ما بين صلاةٍ الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطانُ منها»(٤). (١) النكت والعيون ٤٢٨/٤ . (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٤٠١ . (٣) في (ظ): زید. (٤) لم نقف عليه عند الحكيم الترمذي، وأخرجه الطبري ١٩٧/١٩، وأبو بكر الأنباري في الأضداد ص٣٨٨-٣٨٩. وأخرجه الطبري ١٩٨/١٩ عن الضحاك قوله. ٢٤٥ سورة الأحزاب: الآيتان ٧٢ - ٧٣ فالأمانةُ هي الفرائضُ التي اثْتَمَن اللهُ عليها العبادَ. وقد اختلف في تفاصيل بَعْضِها على أقوال؛ فقال ابن مسعود: هي في أمانات الأموال كالودائع وغيرها. وروي عنه أنَّها في كلِّ الفرائض، وأشدُّها أمانةُ المال(١). وقال أُبَيّ بن كَعْب: من الأمانة أن اثتُمنت المرأةُ على فَرْجِها(٢). وقال أبو الدرداء: غُسْلُ الجنابةِ أمانةٌ، وإِنَّ الله تعالى لم يأمن ابنَ آدم على شيء من دِينه غيرها(٣). وفي حديثٍ مرفوع: ((الأمانةُ الصلاةُ)) إنْ شئتَ قلتَ: قد صلَّيتُ، وإنْ شئتَ قلتَ: لم أُصَلِّ. وكذلك الصيامُ وغُسْلُ الجنابة(٤). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أولُ ما خَلَقَ الله تعالى من الإنسان فَرْجُه، وقال: هذه أمانةٌ استَوْدَعْتُكّها، فلا تَلْبِسها إلَّ بحقّ. فإنْ حَفِظْتَها حَفِظْتُك، فالفرجُ أمانةٌ، والأُذنُ أمانةٌ، والعينُ أمانةٌ، واللسانُ أمانةٌ، والبطنُ أمانةٌ، واليدُ أمانةٌ، والرِّجْلُ أمانةٌ، ولا إيمانَ لمن لا أمانةَ له(٥). وقال السُّدِّيُّ: هي ائتمانُ آدَمَ ابنَه قابيلَ على ولده وأهله، وخيانتُه إياه في قَتْلِ أخيه. وذلك أنَّ الله تعالى قال له: يا آدمُ، هل تعلمُ أنَّ لي بيتاً في الأرض. قال: اللهمَّ لا! قال: فإنَّ لي بيتاً بمكةَ فَأْتِه، فقال للسماء: احْفَظِي ولدي بالأمانة، فأَبَتْ. وقال للأرض: احفظي ولدي بالأمانة، فأَبَتْ، وقال للجبال كذلك فأَبَتْ. فقال (١) المحرر الوجيز ٤٠٢/٤، وسلف ٦/ ٤٢٤ . (٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٢٥، والطبري ٢٠٠/١٩. (٣) أخرجه أبو داود إثر الحديث (٤٢٩)، والطبري ٢٠٠/١٩ واللفظ له. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٩/٣، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٢٥ من طريق زيد بن أسلم عن النبي ﴾ مرسلاً بلفظ: ((الأمانة ثلاث: الصلاة، والصيام، والغسل من الجنابة)). (٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٧٥)، وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٢٩٦ . وذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٢٨/٤ - ٤٢٩ مختصراً دون نسبة. قوله: فلا تلبسها، أي: فلا تخلطها. ينظر اللسان (لبس). ووقع في مكارم الأخلاق: فلا تضعها إلا في حقها. ولفظ المصنف موافق لما في النكت والعيون. ٢٤٦ سورة الأحزاب: الآيتان ٧٢ - ٧٣ لقابيل: احْفَظْ ولدي بالأمانة، فقال: نعم، تذهبُ وترجع فتجد ولدك كما يسرُّك. فرجع فوجده قد قَتَلَ أخاه، فذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ الآية(١). وروى معمر عن الحسن: أنَّ الأمانةَ عُرِضَتْ على السَّماوات والأرض والجبال، قالت(٢): وما فيها؟ قيل لها: إنْ أَحْسَنْتِ جُوزِيتِ، وإن أَسَأْتِ عُوقِبت. فقالت: لا(٣). قال مجاهد: فلمَّا (٤) خَلَقَ الله تعالى آدَمَ عَرَضها عليه، قال: وما هي؟ قال: إنْ أَحْسَنْتَ أَجَرتُكَ، وإن أسأتَ عذَّبتُك. قال: فقد تَحمَّلتُها يا ربّ. قال مجاهد: فما كان بين أن تحمَّلها إلى أنْ أُخْرِجَ من الجنة إلَّا قَدْرَ ما بين الظهر والعصر(٥). وروى عليّ بن أبي طلحةً عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ قال: الأمانةُ الفرائضُ، عرضها الله عزَّ وجلَّ على السماوات والأرض والجبال، إنْ أدَّوْها أَثابَهم، وإنْ ضيَّعوها عذَّبَهم. فكَرِهوا ذلك وأَشْفَقُوا من غير معصية، ولكنْ تعظيماً لدين الله عزَّ وجلَّ ألَّ يقوموا به. ثم عرضَها على آدمَ، فَقَبِلها بما فيها. قال النحاس(٦): وهذا القولُ هو الذي عليه أهلُ التفسير. وقيل: لمَّا حضرت آدَمَ # الوفاةُ أُمر أن يَعْرِضَ الأمانةَ على الخَلْقِ، فعرضها فلم (١) أخرجه الطبري ٢٠٣/١٩ - ٢٠٤ ضمن خبر طويل من طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي .. (٢) في (ظ): بما فيها فقالت. (٣) النكت والعيون ٤/ ٤٣٠ . وأخرجه مطولاً ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية من طريق أبي معمر عون بن معمر عن الحسن البصري. (٤) في (ظ): لما. (٥) النكت والعيون ٤/ ٤٣٠، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٢٥/٥، والواحدي في الوسيط ٣/ ٤٨٥، وسلف نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما أول تفسير هذه الآية. (٦) في معاني القرآن ٣٨٣/٥، وما قبله منه، وأخرج خبر ابن عباس أيضاً الطبري ١٩٨/١٩، وابن الأنباري في الأضداد ص ٣٨٩ - ٣٩٠ . ٢٤٧ سورة الأحزاب: الآيتان ٧٢ - ٧٣ يقبلها إلَّا بنوه(١). وقيل: هذه الأمانةُ هي ما أَوْدَعَه الله تعالى في السماوات والأرض والجبال والخَلْقِ من الدلائل على رُبوبيته أن يُظْهِروها، فَأَظْهَرُوها، إلَّ الإنسانَ، فإنه كَتَمها وجَحَدها؛ قاله بعضُ المتكلِّمين(٢). ومعنى ((عَرَضْنَا)): أَظْهَرْنا، كما تقول: عَرَضْتُ الجاريةَ على البيع. والمعنى: إنَّا عرضنا الأمانةَ وتضييعَها على أهل السماوات وأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْيِلْنَا﴾ أي: أن يَحْمِلْنَ وِزْرَهَا، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَيَحْيِدُ» أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَثْقَاِيمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣]. ﴿وَحَلَهَا الْإِسَنُّ﴾ قال الحسن: المرادُ: الكافرُ والمنافق ﴿إِنَُّ كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه ﴿جَهُولًا﴾ بربِّه. فيكون - على هذا - الجوابُ مَجازاً، مثل: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢](٣). وفيه جوابٌ آخَرُ على أن يكون حقيقةً: أنه عَرَضَ على السماوات والأرض والجبال الأمانةَ وتضييعَها، وهي الثوابُ والعقاب، أي: أَظْهَر لهنَّ ذلك، فلم يحملنَ وِزْرَها(٤)، وأَشْفَقْنَ وقُلْنَ: لا نبتغي(٥) ثواباً ولا عقاباً، وكلٌّ يقول: هذا أمرٌ لا نُطيقُه، ونحن لك سامعون ومطيعون فيما أَمَرْتَنَا به وسَخَّرتنا له (٦)؛ قاله الحسن وغيره(٧). قال العلماء: معلومٌ أنَّ الجماد لا يفهمُ ولا يُجيبُ، فلا بدَّ من تقدير الحياة على القول الأخير. وهذا العرضُ عَرْضُ تخييرٍ لا إلزام، والعرضُ على الإنسان إلزامٌ. (١) معاني القرآن للنحاس ٣٨٣/٥. (٢) النكت والعيون ٤٢٩/٤ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٩/٣. (٤) المصدر السابق. (٥) في النسخ عدا (ظ): وأشفقت وقالت لا أبتغي ... والمثبت من (ظ). (٦) في النسخ عدا (ظ): فيما أمرن به وسخرن له والمثبت من (ظ). (٧) سلف نحوه عن الحسن، وأخرجه بنحوه أيضاً عبد الرزاق ٢/ ١٢٥ عن الحسن وقتادة. ٢٤٨ سورة الأحزاب: الآيتان ٧٢ - ٧٣ وقال القفَّال وغيره: العرضُ في هذه الآيةِ ضَرْبُ مَثَلٍ، أي إنَّ السماواتِ والأرضَ - على كِبَرٍ أَجْرامها - لو كانت بحيث يجوز تكليفُها، لثَقُلَ عليها تقلُّد الشرائع؛ لِمَا فيها من الثواب والعقاب، أي: إنَّ التكليفَ أمرٌ حقُّه أن تعجز عنه السماواتُ والأرض والجبال، وقد كُلِّفَه الإنسان وهو ظلومٌ جهولٌ لو عَقَل. وهذا كقوله: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِ﴾ [الحشر: ٢١]. قال القفَّال: فإذا تقَرَّر (١) أنه تعالى يضربُ الأمثالَ، وورد علينا من الخبر ما لا يخرجُ إلَّا على ضرب المثل، وَجَبَ حَمْلُه عليه. وقال قوم: إنَّ الآيةَ من المجاز، أي: إنَّا إذا قايَسْنا ثِقَلَ الأمانةِ بقوَّةِ السماواتِ والأرضِ والجبال، رأينا أنَّها لا تُطِيقُها، وأنها لو تَكَلَّمتْ لأَبَتْ وأَشْفَقَتْ، فعبّر عن هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآيةَ. وهذا كما تقول: عرضتُ الحِمْلَ على البعير فأباه، وأنت تريد: قايَسْتُ قوَّتَه بثِقَلِ الحِمْلِ، فرأيتُ أنَّها تقصرُ عنه (٢). وقيل: ((عَرضْنَا)) بمعنى: عارضنا الأمانةَ بالسماوات والأرض والجبال، فضعُفَتْ هذه الأشياء عن الأمانة، ورَجَحت الأمانةُ بثقلها عليها. وقيل: إنَّ عَرْضَ الأمانة على السماوات والأرض والجبال إنَّما كان من آدمَ عليه السلام. وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا استخلفه على ذرِّيته، وسلَّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والطير والوحش، وعهد إليه عهداً أمره فيه ونهاه وحرَّم وأحلَّ، فقبله ولم يَزَلْ عاملاً به. فلمَّا أنْ حَضَرَتْه الوفاةُ سأل الله أنْ يُعلِمه مَن يستخلفُ بعده، ويقلِّدهُ من الأمانة ما تَقلَّدَه، فأمره أن يعرض ذلك على السماوات بالشّرط الذي أخذ عليه، من الثواب إن أطاع، ومن العقاب إن عصى، فأَبيْن أن يَقْبَلْنَه شَفَقاً من عذاب الله. ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال كلِّها، فأَبَينَه(٣). ثم أمره أن يعرض (١) بعدها في النسخ عدا (ظ): ((في)). (٢) المحرر الوجيز ٤٠٢/٤ - ٤٠٣ . (٣) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: فأبياه. ٢٤٩ سورة الأحزاب: الآيتان ٧٢ - ٧٣ ذلك على ولده، فعرضه عليه، فقبِله بالشرط، ولم يَهَبْ منه ما تَهَيَّبت السماوات والأرض والجبال ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه ﴿جَهُولًا﴾ بعاقبةِ مَا تَقلَّد لربِّه(١). قال الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله محمد بن عليٍّ: عجبتُ من هذا(٢) القائلِ من أين أتى بهذه القصة! فإن نظرنا إلى الآثار وجدناها بخلافٍ ما قال، وإن نظرنا إلى ظاهرِهِ وجدناه بخلاف ما قال، وإن نظرنا إلى باطنه وجدناه بعيداً ممَّا قال! وذلك أنه ردَّد ذِكْرَ الأمانة ولم يذكر ما الأمانةُ، إلَّا أنه يُؤْمِئُ في مَقَالَتِهِ إلى أنَّه سلَّطه(٣) على جميع ما في الأرض، وعَهِدَ الله إليه عَهْداً فيه أمرُه ونهيُهُ وحِلُّه وحرامه، وزعم أنَّه أَمَرِه أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال! فما تصنعُ السماوات والأرض والجبال بالحلال والحرام؟! وما التسليطُ على الأنعام والطير والوحش! وكيف إذا عَرَضه على ولده فقَبِلَه يكون (٤) في أعناق ذرِّيته مِن بَعْدِه! وفي مبتدأ الخبر في التنزيل أنه عَرَضَ الأمانة على السماوات والأرض والجبال حتى ظهر الإباء منهم، ثم ذكر أنَّ الإنسان حَمَلَها، أي: مِن قِبَل نفسه، لا أنَّه حُمِّل ذلك، فسمَّاه (ظَلُوماً) أي: لنفسه، ((جَهُولاً)) بما فيها. وأمَّا الآثارُ التي هي بخلافِ ما ذكر، فحدَّثني أبي رَحِمَه الله قال: حدثنا الفيضُ ابن الفضل الكوفيُّ، حدثنا السَّرِيُّ بن إسماعيل، عن عامرِ الشَّعبيِّ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: لمَّا خَلَقَ الله الأمانةَ مَثَّلها صخرةً، ثم وَضَعَها حيث شاء، ثم دعا لها السماواتِ والأرضَ والجبالَ لَيَحْمِلْنَها، وقال لهنَّ: إنَّ هذه ((الأمانة))، ولها ثوابٌ وعليها عقابٌ. قالوا: يا ربّ، لا طاقةً لنا بها. وأَقبلَ الإِنسان من قَبْل أن يُدعى، فقال السماوات والأرض والجبال: ما وقوفُكم؟ قالوا: دعانا ربُّنا أنْ نَحمِلَ (١) ذكره أبو بكر الأنباري في الأضداد ص ٣٩٠ - ٣٩١ عن بعض المفسرين. (٢) في (ظ): عجبت لهذا. (٣) في (ظ): سلط. (٤) قوله: يكون، من (ظ)، وليس في باقي النسخ. ٢٥٠ سورة الأحزاب: الآيتان ٧٢ - ٧٣ هذه، فَأَشْفَقْنَا منها ولم نُطِقْها، قال: فحرَّكها بيده وقال: واللهِ لو شئتُ أنْ أَحْمِلَها لحملتُها، فَحمَلَها حتى بلغ بها إلى رُكْبَتَيْه، ثم وضعها وقال: والله لو شئتُ أَنْ أَزْدادَ لازْدَدْتُ، قالوا: دونك! فحملها حتى بلغ بها حَقْوَيه (١)، ثم وضعها وقال: والله لو شئتُ أن أزداد لازْدَدْتُ، قالوا: دونَكَ، فحملها حتى وضعها على عاتِقِه، فلمَّا أَهْوَى ليضعها(٢)، قالوا: مَكَانك! إنَّ هذه الأمانةُ، ولها ثوابٌ وعليها عقابٌ، وأَمَرَنا ربُّنا أن نحملها فأشفقنا منها، وحَمَلْتَها أنت من غير أن تُدعى لها، فهي في عنقك وفي أعناق ذرِّيتك إلى يوم القيامة، إنَّك كنت ظلوماً جهولاً(٣). وذَكَر أخباراً عن الصحابة والتابعين تقدَّم أكثرها. ﴿وَجَلَهَا الْإِنسَنِّ﴾ أي: التزمَ القيامَ بحقِّها، وهو في ذلك ظلومٌ لنفسه - وقال قتادة: للأمانة - جهولٌ بقَدْرِ ما دخل فيه. وهذا تأويلُ ابن عباس وابن جبير (٤). وقال الحسن: جهولٌ بربِّه. قال: ومعنى («حملها)»: خان فيها، وقاله(٥) الزجَّاج. والآيةُ في الكافر والمنافق. والعصاةُ على قَدْرِهم على هذا التأويل(٦). وقال ابن عباس وأصحابه والضحاك وغيره: ((الإنسان)): آدمُ، تحمَّل الأمانةَ فما تَّ له يومٌ حتى عصى المعصيةَ التي أخرجته من الجنة(٧). وعن ابن عباس أنَّ الله تعالى قال له: أتحملُ هذه الأمانةَ بما فيها؟. قال: وما فيها؟ قال: إن أَحْسَنْتَ جُزِيْتَ، وإن أَسَأْتَ عُوقبتَ. قال: أنا أحملُها بما فيها بين (١) الحَقو: الخصر. (٢) في (ظ): فلما أراد أن يضعها. (٣) لم نقف على كلام الحكيم الترمذي وخبر ابن مسعود ﴾ ذكره بنحوه البغوي ٣/ ٥٤٧ . والسري ابن إسماعيل قال فيه الحافظ في التقريب: متروك الحديث. (٤) المحرر الوجيز ٤٠٢/٤، دون قول قتادة، وأخرج قول قتادة الطبري ٢٠٥/١٩. (٥) في النسخ عدا (ظ): وقال، والمثبت من (ظ). (٦) المحرر الوجيز ٤٠٢/٤، دون قوله: وقاله الزجاج، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٢٣٨/٤. (٧) المحرر الوجيز ٤٠٢/٤، وسلف نحوه عن ابن عباس ص ٢٤٤ من هذا الجزء. ٢٥١ سورة الأحزاب: الآيتان ٧٢ - ٧٣ أُذني وعاتقي. فقال الله تعالى له: إنِّي سأُعِينُك؛ قد جعلتُ لبصرك حجاباً فَأَغْلِقه عمَّا لا يَحلُّ لك، ولفَرْجِكَ لباساً فلا تَكْشِفْهُ إلَّا على ما أَحْلَلْتُ لك(١). وقال قوم: ((الإنسان)): النوعُ كله. وهذا حَسَنٌ مع عموم الأمانة(٢)، كما ذَكَرْناه أوَّلاً. وقال السُّدِّي: الإنسانُ قابيل(٣). فالله أعلم. ﴿لَيْعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَّفِقَتِ﴾ اللََّمُ فِي ((لِيُعَذِّبَ)) متعلِّقةٌ بـ ((حَمَلَ)) أي: حملها ليعذِّب العاصي ويثيب المطيع، فهي لامُ التعليل؛ لأنَّ العذاب نتيجةُ حَمْلِ الأمانة(٤). وقيل بـ ((عرضنا))، أي: عَرَضْنا الأمانةَ على الجميع ثم قلَّدناها الإنسانَ ليَظْهرَ شِرْكُ المشركِ ونفاقُ المنافقِ ليعذِّبهم الله، وإيمانُ المؤمنِ ليُئيبه الله. ﴿وَتُبَ اللَّهُ﴾ قراءةُ الحسنِ بالرفع، يَقْطَعُهُ من الأوَّل؛ أي: يتوبُ الله عليهم بكلِّ حال. ﴿وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ خبرٌ بعدَ خبرٍ لـ ((كان)). ويجوز أن يكون نعتاً لغفور، ويجوز أن يكون حالاً من المُضْمَرِ(٥). والله أعلم بالصواب. (١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٢/٤، والبغوي ٥٤٦/٣ دون نسبة. وأخرجه الطبري ٢٠١/١٩ عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية - عن زيد بن أسلم وعن أبي حازم. (٢) المحرر الوجيز ٤٠٢/٤ . (٣) أخرجه الطبري ٢٠٥/١٩، وقد سلف مطولاً ص ٢٤٥ من هذا الجزء. (٤) وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٣/٤: اللام لام العاقبة؛ لأن الإنسان لم يحمل ليقع العذاب، لكن حمل، فصار الأمر وآل إلى أن يعذب مَنْ نافقَ ومن أشرك، وأن يتوب على من آمن. وينظر الدر المصون ١٤٦/٩. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٩/٣، وذكر قراءة الحسن أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٢١ عن الأعمش. سورة سبأ مكِّيَّةٌ في قولِ الجميع، إلَّا آيَةً واحدةً اختُلف فيها، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ الآية [٦]، فقالت فرقةٌ: هي مكيَّةٌ، والمرادُ المؤمنون أصحابُ النبيِّ ﴾؛ قاله ابن عباس. وقالت فرقة: هي مدنية، والمرادُ بالمؤمنين مَن أَسْلَمَ بالمدينة [من أهل الكتاب] كعبد الله بن سلام وغيره(١)؛ قاله مقاتل. وقال قتادة: هم أمةٌ محمدٍ ﴾ المؤمنون به؛ كائناً مَن كان(٢). وهي أربعٌ وخمسون آيةً. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَمِ قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى اْأَخِرَةَّ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخِيرُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ لَهُ مَا فِ الشَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ ((الذي)) في موضعٍ خَفْضِ على النعتِ أو البدل. ويجوزُ أن يكونَ في موضعِ رفعٍ على إضمارٍ مبتدأ، وأن يكون في موضع نصبٍ بمعنى: أعني. وحكى سيبويه: ((الحمد للهِ أهل الحمد)) بالرفع والنصب والخفض(٣). والحمدُ الكاملُ والثناءُ الشَّامِلُ كلُّه لِله؛ إذ النِّعَمُ كلُّها منه. وقد مضى الكلامُ فيه في أوّلِ ((الفاتحة))(٤). (١) المحرر الوجيز ٤/ ٤٠٤ دون قوله: قاله ابن عباس، وما سلف بين حاصرتين منه. وقول ابن عباس إن سورة سبأ مكية أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٩٤ . (٢) كذا نقل المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٦/٤. وهو في تفسير الطبري ٢١٤/١٩، والنكت والعيون ٤٣٣/٤، والوسيط ٤٨٧/٣، وتفسير البغوي ٥٤٩/٣ بلفظ: هم أصحاب محمد #، وكذا ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٢٦/٥ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وسيذكره المصنف عند تفسير الآية عن ابن عباس. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣١/٣. وقول سيبويه في الكتاب ٦٢/٢ - ٦٣ . (٤) ١/ ٢٠٢ . ٢٥٣ سورة سبأ: الآيات ١ - ٤ ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةَّ﴾ قيل: هو قولُه تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقيل: هو قوله: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، فهو المحمودُ في الآخرةِ كما أنه المحمودُ في الدنيا، وهو المالكُ للآخرة كما أنَّه المالكُ للأُولى(١). ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في فعله ﴿الخَيرُ﴾ بِأَمْرِ خَلْقِهِ. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَاً وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: ما يدخل فيها من قَطْرٍ وغيره، كما قال: ﴿فَسَلَكَهُ يَِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، ومن الكنوزِ والدَّفَائنِ والأمواتِ وما هي له كِفَاتٌ(٢). ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من نباتٍ وغيرِهِ ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الأمطار والثلوج والبَرَد والصواعق، والأرزاقِ والمقادير والبركات. وقرأ عليّ بن أبي طالب: ((وما نُنزِّلُ)) بالنون والتشديد(٣). ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَاً﴾ من الملائكة وأعمالِ العباد؛ قاله الحسن وغيره (٤). ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا اُلْسَاعَةٌ قُلْ بَلَى وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبٍ لَا يَغْزُبُ عَنَّهُ مِثْقَالُ ذَرَّقٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَلَّ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِّ وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ تُبِينٍ (٢) أُوْلَبِكَ لَّمْ تَغْفِرَةٌ وَرِزْقِّ كَرِيمٌ (@) قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِينَا السَّاعَةٌ﴾ قيل: المرادُ أهلُ مكة؛ قال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة: واللَّاتِ والعزَّى لا تأتينا الساعة أبداً ولا نُبعث. فقال الله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾. وروى هارونُ عن طَلْقِ المعلِّم (١) في (ظ): للدنيا. (٢) مصدر كفت، ومعنى كَفَتَ الشيءَ، أي: ضمَّه إليه وقبضه. القاموس (كفت). (٣) القراءات الشاذة ص ١٢١، والكشاف ٢٧٩/٣ . (٤) ذكره البغوي ٣/ ٥٤٨ ، والزمخشري في الكشاف ٢٧٩/٣ دون نسبة. ٢٥٤ سورة سبأ: الآيتان ٣ - ٤ قال: سمعتُ أشياخَنا يقرؤون: ((قل بلى ورَبِّي لَيَأْتِيَنَّكُمْ)) بياءٍ (١)، حَمَلوه على المعنى، كأنه قال: لَيأتينَّكُم البعثُ، أو أَمْرُه، كما قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَتِكَةُ أَوَ يَأْتِىَ أَمْرُ رَيِّكْ﴾ [النحل: ٣٣]. فهؤلاء الكفارُ مُقِرُونَ بالابتداء مُنْكِرون الإعادَةَ، وهو نقضٌ لِمَا اعترفوا به من القدرة(٢) على البعث، وقالوا: وإنْ قَدَرَ لا يفعل. فهذا تحكّمٌ بعد أن أَخبر على ألسنةٍ الرسل أنه يبعث الخلق، وإذا ورد الخبر بشيءٍ هو (٣) ممكنٌ في الفعل مقدورٌ، فتكذيبُ مَن وَجَبَ صِدْقُه مُحال. ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ بالرفع قراءةُ نافع وابن عامر (٤) على الابتداء، وخبرُه: ((لا يَعْزُبُ عنه)). وقرأ عاصم وأبو عمرو: ﴿عَلِ﴾ بالخفض(٥)، أي: الحمدُ لِله عالِم، فعلى هذه القراءة لا يَحْسُنُ الوَقْفُ على قوله: (لَتَأْتَنَّكم)). وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((علَّام الغيب)) على المبالغة والنعت(٦). ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ أي: لا يغيبُ عنه، ((ويَعْزِب)) أيضاً. قال الفرَّاء(٧): والكسرُ أحبُّ إليَّ. النحاس: وهي قراءةُ يحيى بن وثَّاب، وهي لغةٌ معروفة. يقال: عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ. إذا بَعُد وغاب (٨). (١) القراءات الشاذة ص ١٢١، والمحتسب ١٨٦/٢، والبحر ٧/ ٢٥٧، ووقع في المحتسب : طليق، بدل : طلق . (٢) في النسخ عدا (ظ): وهو نقض لما اعترفوا بالقدرة، والمثبت من (ظ). (٣) في (د) و(م) : وهو. (٤) في النسخ: ابن كثير، وهو خطأ. (٥) وهي قراءة ابن كثير أيضاً . (٦) السبعة ص ٥٢٦، والتسير ص ١٧٩ - ١٨٠. (٧) في معاني القرآن ٢/ ٣٥١ . (٨) معاني القرآن للنحاس ٣٩٣/٥، وقرأ: ((يَعزِبُ)) بكسر الزاي الكسائي ، والباقون بضمها . السبعة ص٥٢٦ ، والتيسير ص ١٢٢ . ٢٥٥ سورة سبأ: الآيات ٣ - ٥ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: قَدْرُ نَملةٍ صغيرة. ﴿فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ وفي قراءة الأعمش: ((ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ)) بالفتح فيهما (١) عطفاً على ((ذَرَّةٍ). وقراءةُ العامَّةِ بالرفع عطفاً على ((مِثْقَالُ)). ﴿إِلَّا فِ كِتٍَ قُّينٍ﴾ فهو العالمُ بما خَلَقَ، ولا يَخْفَى عليه شيء. ﴿لِجْزِىَ﴾ منصوبٌ بلامٍ كي، والتقدير: لَتأتينَّكُمْ لِيجزيَ(٢) ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ﴾ بالثواب، والكافرين بالعقاب . ﴿أُوْلَئِكَ﴾ يعني المؤمنين ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجنة. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِيّ ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن ◌ِجْزٍ أَبِيرٌ قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ سَعَوْ فِىّ ءَايِنَا﴾ أي: في إبطالٍ أَدِلَّتِنَا والتكذيبِ بآياتنا. ﴿مُعَجِزِينَ﴾: مُسابِقين يحسبون أنهم يَفُوتوننا، وأنَّ الله لا يقدرُ على بعثهم في الآخرة، وظنُّوا أنَّا نُهْملُهم، فهؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ يقال: عاجَزَه وأَعْجَزه: إذا غالبَه وسَبَقَه. و((أَلِيمٍ)) قراءةُ نافع بالكسر(٣) نعتاً للرِّجْز؛ فإنَّ الرِّجْز هو العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًّا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩]. وقرأ ابن گُثِيرٍ وحفصٌ عن عاصم: ﴿عَذَابٌ مِّن رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ برفع ((الميم)) هنا وفي ((الجاثية))(٤) نعتاً للعذاب. وقرأ ابن كثير وابن مُحيصِنٍ وحُميد بن قيس ومجاهد وأبو عمرو: ((مُعَجِّزِينَ))(٥) أي: مثبِّطين، أي: ثبّطوا الناسَ عن الإيمان بالمعجزات وآياتِ القرآن. (١) القراءات الشاذة ص ١٢١ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/٣. (٣) وقرأ بها أيضاً من السبعة أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. السبعة ص٥٢٦ ، والتيسير ص ١٨٠ . (٤) في الآية (١١) منها. السبعة ص ٥٢٦، والتيسير ص ١٨٠. (٥) السبعة ص ٤٣٩ ، والتيسير ص ١٥٨ عن ابن كثير وأبي عمرو . ٢٥٦ سورة سبأ: الآية ٦ قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اُلْحَقَّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ لمَّا ذكر الذين سَعَوْا في إبطال النبؤَّة؛ بيَّنَ أنَّ الذين أوتوا العلم يَرَوْنَ أنَّ القرآن حقٌّ. قال مقاتل: ((الذين أوتوا العلمَ)) هم مؤمنو أهلِ الكتاب. وقال ابن عباس: هم أصحابُ محمدٍ﴾(١). وقيل: جميع المسلمين، وهو أصحُّ لعمومه. والرؤيةُ بمعنى العلم، وهي في موضعِ نصبٍ عطفاً على ((ليَجْزيّ))، أي: ليجزي وليرى؛ قاله الزجَّاج والفرَّاء(٢). وفيه نظر، لأنَّ قوله: (لِيجزيَّ)) متعلّقٌ بقوله: (لَتَأْتِينَّكم الساعةُ))، ولا يقال: لتأتينَّكم الساعةُ ليَرى الذين أوتوا العلم أنَّ القرآن حقٍّ، فإنَّهم يَرَوْن القرآنَ حقًّا وإن لم تأتِهم الساعةُ. والصحيحُ أنه رفعٌ على الاستئناف؛ ذكره القشيريُّ. قلت: وإذا كان (ليَجْزيَ)) متعلِّقاً بمعنى: أَثبت ذلك في كتابٍ مبين، فيحسُنُ عطفُ ((ويَرَى)) أي: وأَثبت أيضاً ليرى(٣) الذين أوتوا العلمَ أنَّ القرآن حقٌّ. ويجوز أن يكون مُسْتَأنَفاً. ﴿الَّذِى﴾ في موضع نصبٍ على أنه مفعولٌ أول لـ ((يَرى))، و﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مفعولٌ ثانٍ. و((هو)) فاصلةٌ، والكوفيون يقولون: عماد، ويجوز الرفعُ على أنه مبتدأ، و((الْحَقُّ)) خبرُه، والجملةُ في موضع نصبٍ على المفعول الثاني. والنصبُ أكثرُ فيما كانت فيه الألفُ واللَّام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرةً لا يَدْخُلُه الألفُ واللامِ، فيشبِهُ المعرفة. فإن كان الخبر اسماً معروفاً نحو قولك: كان أخوك هو زيدٌ، فزعم الفراء أنَّ الاختيار فيه الرفعُ، وكذا: كان [أبو] محمد هو عمرو. وعلَّتُه في اختياره الرفعَ: أنه (١) لم نقف عليه عن ابن عباس، وأخرجه الطبري ٢١٤/١٩ عن قتادة، وينظر ما سلف ص ٢٥٨ من هذا الجزء . (٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٥٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢٤١/٤ . (٣) في النسخ الخطية: رؤية ، والمثبت من (م). ٢٥٧ سورة سبأ: الآيتان ٦ - ٧ لمَّا لم تكن فيه الألفُ واللَّامُ أَشْبَ النكرةَ في قولك: كان زيد هو جالسٌ؛ لأنَّ هذا لا يجوز فيه إلَّ الرفعُ(١). ﴿وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: يهدي القرآنُ إلى طريق الإسلام الذي هو دينُ الله. ودلَّ بقوله: ((العزيز)) على أنه لا يُغَالَبُ. وبقوله: ((الحميد)) على أنه لا يَلِيقُ به صفةُ العجز. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَذُلُكُمْ عَلَى رَجُلِ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ( ٧ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُرُ عَلَى رَجُلٍ﴾ وإن شئتَ أَدْغمتَ اللامَ في النون لقُرْبِها منها (٢). ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ﴾ هذا إخبارٌ عمَّن قال: ((لا تأتينا الساعةُ)) أي: هل نُرشدُكم إلى رجلٍ ينبئكم، أي: يقول لكم: إنكم تُبعَثون بعد البِلَى في القبور. وهذا صادرٌ عن فَرْطِ إنكارهم. الزَّمخشَريُّ(٣): فإن قلت: كان رسولُ الله ﴾ مشهوراً عَلَماً في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم، فما معنى قولهم: ﴿هَلْ نَذُلُّكُمُ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ فنَكَّروه لهم، وعَرَضوا عليهم الدلالةَ عليه كما يُدَلُّ على مجهولٍ في أمرٍ مجهول. قلت: كانوا يقصدون بذلك الظَّنْزَ(٤) والهُزْءَ والسُّخريةَ، فَأَخْرَجوه مخرجَ التَّحكِّي(٥) ببعض الأَحَاجيّ التي يُتَحاجَى بها للضَّحك والتَّهِّي، مُتَجاهِلينَ به وبأمره. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/٣ - ٣٣٣، وقول الفرَّاء في معاني القرآن له ٣٥٢/٢. وما سلف بين حاصرتين منهما . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/٣، وأدغمها الكسائي. (٣) في الكشاف ٢٨١/٣. (٤) أي : السخرية. القاموس (طنز). (٥) في (ظ): التحاكي، وفي الكشاف: التحلي. ٢٥٨ سورة سبأ: الآيتان ٧ - ٨ و ((إذا)) في موضع نصبٍ، والعاملُ فيها: ((مُزَقْتُم))؛ قاله النحاس(١)، ولا يجوز أن يكون العاملُ فيها ((يُنَبِّئُكُم))؛ لأنه ليس يُخْبِرُهم ذلك الوقتَ. ولا يجوز أن يكون العاملُ فيها ما بعدَ ((إِنَّ)، لأنه لا يعملُ فيما قَبْلَه، و((إنَّ) لا يتقدَّم عليها ما بعدَها ولا معمولُها. وأجاز الزجَّاج(٢) أن يكون العاملُ فيها محذوفاً، التقدير: إِذا مزِّقْتُم كلَّ ممزَّقٍ بُعثتم، أو ينبئكم بأنكم تُبعَثون إذا مُزْقتم. المهدويُّ: ولا يعملُ فيه ((مُزِّقتم))؛ لأنه مُضافٌ إليه، والمضافُ إليه لا يعملُ في المضاف. وأجازه بعضُهم على أن تُجعل ((إذَا)) للمجازاة، فيعملُ فيها حينئذٍ ما بعدَها لأنَّها غيرُ مُضافةٍ إليه. وأكثرُ ما تقع ((إذا)) للمجازاة في الشعر. ومعنى ﴿مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ﴾: فُرْقتم كلَّ تَفْرِيقٍ. والمَزْقُ: خرقُ الأشياء؛ يقال: ثوبٌ مَزِيقٌ وممزوقٌ ومتمزّق وممزّق. قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَمْ بِهِ، حِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ فِىِ اَلْعَذَابِ وَالضَّلَلِ اَلْبَعِيدِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ لمَّا دخلت ألفُ الاستفهام استغنيتَ عن ألفٍ الوصل فحذَفْتَها، وكان فتحُ ألفِ الاستفهام فرقاً بينها وبين ألفِ الوصل(٣). وقد مضى هذا في سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [الآية: ٧٨] مستوفّى. جِنَّةٌ﴾ هذا مردودٌ على ما تقدَّم من قول المشركين، والمعنى: قال بهـ (١) في إعراب القرآن ٣٣٣/٣، وقاله أيضاً الزجاج في معاني القرآن ٢٤١/٤ . قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٦/٤: وهو خطأ وإفساد للمعنى. وتعقبه أبو حيان في البحر ٢٥٩/٧ بأنه ليس بخطأ ولا إفساد للمعنى، وأن الصحيح أن إذا الشرطية يعمل فيها فعل الشرط كسائر أدوات الشرط. قال السمين في الدر المصون ٩/ ١٥٤: لكن الجمهور على خلافه. (٢) في معاني القرآن له ٢٤٢/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٣٣/٣، وما قبله منه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٣٣ . ٢٥٩ سورة سبأ: الآيتان ٨ - ٩ المشركون: أَقْتَرَى على الله كذباً - والافتراءُ: الاخْتِلاقُ - أَمْ به جِنَّةٌ، أي: جنونٌ، فهو يتكلَّم بما لا يدري. ثم رَدَّ عليهم فقال: ﴿َلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ فِىِ الْعَذَابِ وَالضَّكَلِ الْبَعِيدِ﴾ أي: ليس الأمرُ كما قالوا، بل هو أصدقُ الصادقين، ومَن يُنْكِرِ البعثَ فهو غداً في العذاب، واليومَ في الضَّلال عن الصواب؛ إذ صاروا إلى تعجيز الإله، ونسبةِ الافتراءِ إلى مَن أَيَّده بالمعجزات. قوله تعالى: ﴿أَفَمَّ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْفِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِبٍ أَعْلَمَ الله تعالى أنَّ الذي قَدَرَ على خَلْقِ السماواتِ والأرضِ وما فيهنَّ قادرٌ على البعث، وعلى تعجيلِ العقوبةِ لهم، فاستَدَلَّ بقدرته عليهم، وأنَّ السماواتِ والأرضَ مِلْكَه، وأنَّهما محيطتان بهم من كلِّ جانب، فكيف يَأْمَنون الخَسْفَ والكَسْفَ كما فُعِلَ بقارونَ وأصحاب الأيكة؟ !. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿إِنْ يَشَأُ يَخْسِفْ بهمُ الأرضَ أو يُسْقِظْ﴾ بالياء في الثلاث، أي: إنْ يشأ اللهُ أَمَر الأرضَ فتنخسف بهم، أو السماءَ فتُسقط عليهم كِسَفاً. الباقون بالنون على التعظيم(١). وقرأ السُّلَميُّ وحفصٌ: ﴿كِسَفَّا﴾ بفتح السين. الباقون بالإِسكان. وقد تقدَّم بيانُه في ((سبحان)) وغيرها(٢). ﴿إِنَّ فِ ذَالِكَ لَآيَةٌ﴾ أي: في هذا الذي ذَكَرْناه من قدرتنا ((لآيةً)) أي: دلالةً ظاهِرةٌ ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: تائبٍ رجَّاعٍ إلى الله بقلبه. وخصَّ المنيب بالذِّكر؛ لأنه المنتفِعُ بالفكرة في حجج الله وآياته. (١) السبعة ص ٥٢٧، والتيسير ص ١٨٠. (٢) ١٧٥/١٣ وعند تفسير الآية (١٨٧) من سورة النمل. وينظر السبعة ص ٣٨٥ والتيسير ص١٦٦. ٢٦٠ سورة سبا: الآية ١٠ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَاَلَّيْرِّ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ١٠ ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ بَيَّن لمنكري نبوَّةِ محمدٍ ﴿ أنَّ إرسال الرسل ليس أمرًا بِدْعًا، بل أَرْسَلْنا الرسلَ وأيَّدناهم بالمعجزات، وأَحْلَلْنا بِمَن خالَفَهم العقاب. ((آتَيْنَا)): أعطينا. ﴿فَضْلًا﴾ أي: أمراً فضَّلْناه به على غيره. واختلف في هذا الفضل على تسعة أقوال: الأوّل: النبوّة. الثاني: الزَّبور. الثالث: العلم؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥]. الرابع: القوّة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَبْدِّ﴾ [ص: ١٧]. الخامس: تسخير الجبال والناس؛ قال الله تعالى: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَمُ﴾. السادس: التوبة؛ قال الله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ﴾ [ص: ٢٥]. السابع: الحكم بالعدل؛ قال الله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ﴾ الآية [ص: ٢٦]. الثامن: إِلَانَهُ الحديد؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. التاسع: حُسن الصوت، وكان داودُ عليه السلام ذا صوتٍ حسن ووجهٍ حسن. وحُسْنُ الصوت هبةٌ من الله تعالى وتفضُّلٌ منه، وهو المرادُ بقوله تبارك وتعالى: ﴿َزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ [فاطر: ١] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وقال:﴿ لأبي موسى: ((لقد أُوتِيتَ مِزْماراً من مزامير آلِ داود)»(١). قال العلماء: المِزْمارُ والمَزْمُور: الصوتُ الحسن، وبه سمِّيت آلةُ الزَّمْرِ مِزْماراً (٢). وقد استَحْسَنَ كثيرٌ من فقهاء (١) أخرجه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣): (٢٣٦) من حديث أبي موسى الأشعري ﴾. وأخرجه أحمد (٢٢٩٦٩)، ومسلم (٧٩٣): (٢٣٥) من حديث بريدة الأسلمي ﴾. (٢) المفهم ٤٢٣/٢ .