Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة الأحزاب: الآية ٥٦
وذكر الدَّارَقُظْنيُّ عن أبي جعفر محمد بن عليٍّ بن الحسين أنه قال: لو صلَّيتُ
صلاةً لم أصلِّ فيها على النبيِّ﴿ ولا على أهلِ بيته لرأيتُ أنَّها لا تَتِم. وروي مرفوعاً
عنه عن ابن مسعود عن النبيِّ ﴾. والصوابُ أنه قولُ أبي جعفر؛ قاله الدَّارَقُظْنيّ(١).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ قال القاضي أبو بكر بنُ بُكَيْر: نزلت
هذه الآيةُ على النبيِّ لَ﴾، فأمر الله أصحابه أن يسلِّموا عليه. وكذلك مَن بعدَهم أُمِروا
أن يسلِّموا عليه عند حضورهم قبرَه وعند ذكره(٢). وروى النسائيُّ(٣) عن عبد الله بن
أبي طلحةَ، عن أبيه: أنَّ رسول الله # جاء ذاتَ يوم والبشرى(٤) في وجهه، فقلت:
إنَّا لنَرى البُشْرى في وجهك! فقال: ((إنه أتاني المَلَكُ فقال: يا محمدُ، إنَّ ربَّك
يقول: أَمَا يُرضيك أنه لا يصلِّي عليك أحدٌ إلَّ صلَّيتُ عليه عشراً، ولا يسلِّم عليك
أحدٌ إلَّا سلَّمتُ عليه عشراً)).
وعن محمد بن عبد الرحمن: أنَّ رسول اللـه ل﴾ قال: «ما منكم مِن أحدٍ يُسلِّم
عليَّ إذا متُّ إلَّا جاءني سلامُه مع جبريل؛ يقول: يا محمد، هذا فلان بنُ فلان يقرأ
عليك السلامَ، فأقول: وعليه السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه))(٥).
وروى النسائيُّ(٦) عن عبد الله قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ لله ملائكةً سيَّاحين
(١) كذا ذكر القاضي عياض في الشفا ٢/ ١٤٧ عن الدارقطني، ونقله عنه المصنف رحمه الله، وفي هذا
الكلام وهمان: الأول: في قوله: ابن مسعود، والصواب: أبو مسعود الأنصاري، كما أخرجه عنه
الدارقطني في السنن (١٣٤٣) مرفوعاً. والوهم الثاني: في قوله: الصواب أنه من قول أبي جعفر،
والذي ذكره الدار قطني في العلل ١٩٨/٦ أن الصواب أنه من قول أبي مسعود، وكذا أخرجه عنه موقوفاً
في السنن (١٣٤٤) (١٣٤٥). والموقوف والمرفوع كلاهما مداره على جابر الجعفي، وهو ضعيف كما
ذكر الدار قطني إثر الحديث (١٣٤٣).
(٢) الشفا ١٣٨/٢.
(٣) في المجتبى ٣/ ٤٤ و٥٠، وهو عند أحمد (١٦٣٦١).
(٤) في (م): والبشر يرى، وهي رواية.
(٥) لم نقف عليه، ويغني عنه الحديث الصحيح بعده.
(٦) في المجتبى ٤٣/٣، وهو عند أحمد (٣٦٦٦).

٢٢٢
سورة الأحزاب: الآية ٥٧
في الأرض يبلِّغوني من أمَّتي السلام)). قال القُشيريُّ: والتسليم قولُك: سلامٌ عليك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اَللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ
oV
عَذَابًا مُهِينًا
فیه خمس مسائل :
الأولى: اختلف العلماء في إذايةِ اللهِ بماذا تكون؟ فقال الجمهور من العلماء:
معناه بالكفر ونِسْبةِ الصاحبةِ والولدِ والشريك إليه، ووصفِه بما لا يليق به (١)، كقول
اليهودِ لعنهم الله: يدُ الله مغلولةٌ. والنصارى: المسيحُ ابنُ الله. والمشركون:
الملائكةُ بناتُ الله والأصنامُ شركاؤه.
وفي ((صحيح) البخاريِّ قال الله تعالى: ((كذَّبني ابنُ آدَمَ ولم يكن له ذلك،
وشَتَمني ولم يكن له ذلك .. )) الحديث. وقد تقدَّم في سورة مريم (٢).
وفي ((صحيح)) مسلم(٣) عن أبي هريرة قال: قال الله تبارك وتعالى: ((يؤذيني ابنُ
آدَمَ يقول: يا خيبةَ الدهرِ، فلا يقولنَّ أحدكم: يا خيبةَ الدهر، فإنّي أنا الدهرُ؛ أقلِّبُ
ليله ونهارَه، فإذا شئتُ قَبَضْتُهما)». هكذا جاء هذا الحديثُ موقوفاً على أبي هريرةَ في
هذه الرواية(٤). وقد جاء مرفوعاً عنه: ((يُؤذيني ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرِ، وأنا الدَّهْرُ؛
(١) المحرر الوجيز ٣٩٨/٤ .
(٢) صحيح البخاري (٤٤٨٢)، وتقدم ١٣/ ٥٢٥ .
(٣) برقم (٢٢٤٦): (٣).
(٤) المفهم ٥/ ٥٤٧، وكذا ذكر المزي في التحفة ٥٥/١٠ أنه موقوف من رواية عبد الرزاق، عن معمر،
عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وقد جاء في النسخ التي بين أيدينا مرفوعاً من رواية
عبد الرزاق وغيره. ولم يشر القاضي عياض في إكمال المعلم ، ولا النووي في شرح صحيح مسلم إلى
وقف رواية عبد الرزاق هذه، ولعل ذلك راجع إلى اختلاف النسخ. قال أبو العباس: غير أنه ممَّا يُعلم
أنه من قول رسول الله # قطعاً؛ لأن مضمونه حكاية عن الله تعالى، ولا يعرفها أبو هريرة إلا من جهة
رسول الله # وقد رُوي معناه مسنداً مرفوعاً من طريق آخر. اهـ وأخرجه أحمد (٧٥١٨) والبخاري
(٦١٨٢) بنحوه عن أبي هريرة ﴾ مرفوعاً. قوله: ((يؤذيني ابن آدم)) أي: يخاطبني من القول بما يتأذَّى به
مَن يصح في حقه التأذِّي. وقوله: ((فإني أنا الدهر)) أي: أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدهر. ينظر المفهم
٥٤٧/٥ - ٥٤٩ .

٢٢٣
سورة الأحزاب: الآية ٥٧
أُقُلِّبُ الليلَ والنهار)) أخرجه أيضاً مسلم(١).
وقال عكرمة: معناه: بالتصوير والتعرُّضِ لفعلٍ ما لا يفعلُهُ إلَّا اللهُ بنحتِ الصورِ
وغيرها(٢)، وقد قال رسول الله ﴿): (لَعنَ الله المصوِّرين))(٣).
قلتُ: وهذا ممَّا يقوِّي قولَ مجاهدٍ في المنع من تصوير الشجر وغيرها؛ إذ كلُّ
ذلك صفةُ اختراع وتشبُّهِ بفعلِ اللهِ الذي انفرد به سبحانه وتعالى. وقد تقدَّم هذا في
سورة النمل(٤) والحمد لله.
وقالت فرقةٌ: ذلك على حذفِ مضافٍ، تقديره: يؤذون أولياءَ الله. وأمَّا إذايةٌ
رسولِهِ ﴾ فهي كلُّ ما يؤذيه من الأقوال في غير معنّى واحد، ومن الأفعال أيضاً (٥)؛
أمَّا قولُهم: فساحر، شاعر، كاهن، مجنون. وأمَّا فِعْلُهم: فكَسْرُ رَبَاعِيته وشجُّ وجهه
يومَ أُحُد، وبمكةَ إلقاءُ السَّلَى على ظهره وهو ساجد(٦)، إلى غير ذلك.
وقال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا عليه حين انَّخذ صفيةً بنتَ حُبَيّ (٧).
وأطلق إيذاء الله ورسوله وقيّد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأنَّ إيذاءَ الله ورسوله
لا يكون إلَّا بغير حقِّ أبداً. وأمَّا إيذاءُ المؤمنين والمؤمنات فمنه، ومنه(٨).
الثانية: قال علماؤنا: والطعنُ في تأمير أسامةَ بنِ زيد أذيَّةٌ له عليه الصلاة
والسلام(٩). روى الصحيح عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﴿ بَعْثاً، وأمَّر عليهم
(١) في صحيحه (٢٢٤٦): (٢)، وهو عند أحمد (٧٢٤٥)، والبخاري (٤٨٢٦).
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٨/٤، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٨٥، والطبري ١٧٨/١٩.
(٣) قطعة من حديث أبي جحيفة أخرجه البخاري (٥٣٤٧).
(٤) عند تفسير الآية (٦٠) منها.
(٥) المحرر الوجيز ٣٩٨/٤ .
(٦) حديث إلقاء السَّلَى على ظهره ﴾ أخرجه مطولاً أحمد (٣٧٢٢)، والبخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤)
عن ابن مسعود ﴾.
(٧) أخرجه الطبري ١٧٩/١٩ .
(٨) الكشاف ٣/ ٢٧٣ .
(٩) المحرر الوجيز ٣٩٨/٤ .

٢٢٤
سورة الأحزاب: الآية ٥٧
أسامة بن زيد، فطعن الناس في إِمْرَته (١)، فقام رسول اللـه # فقال: ((إنْ تَطْعُنوا في
إِمْرَتِه فقد كُنْتُم تطعُنون في إمرةٍ أبيه من قبلُ، وَايْمُ اللهِ إنْ كان لَخَليقاً للإمارة، وإنْ
كان لَمِن أحبُّ الناسِ إليَّ، وإنَّ هذا لَمِنْ أحبِّ الناسِ إليَّ بَعْدَه))(٢). وهذا البعثُ
- والله أعلم - هو الذي جهَّزه رسول الله ﴾ مع أسامةَ وأمَّره عليهم، وأمَرِه أن يَغْزُو
(ُبْنَى))، وهي القرية التي عند مُؤتَّة، الموضع الذي قُتل فيه زيدٌ أبوه مع جعفر بن أبي
طالب وعبد الله بنِ رَوَاحة. فأمره أن يأخذ بثأر أبيه، فطَعَن مَن في قلبه رَيْبٌ في
إِمْرَته، من حيث إنَّه كان من الموالي، ومن حيث إنَّه كان صغيرَ السنِّ؛ لأنه كان إذ
ذاك ابنَ ثمانٍ عَشْرَةَ سنةً، فمات النبيُّ :﴿ وقد برز هذا البعثُ عن المدينة ولم ينفصِلْ
بعدُ عنها، فنقَّذه أبو بكر بعد رسول الله ﴾(٣).
الثالثة: في هذا الحديثِ أَوْضحُ دليلٍ على جواز إمامةِ المَوْلَى والمَفْضولِ على
غيرهما ما عدا الإمامةَ الكبرى. وقد قدَّم رسول اللـه ﴿ سالماً مولى أبي حُذيفةً على
الصلاة بقُبَاء، فكان يؤمُّهم وفيهم أبو بكر وعمرُ وغيرُهم من كبراء قريش(٤). وروى
الصحيحُ عن عامر بن واثِلةً: أنَّ نافع بنَ عبد الحارث لقي عمر بعُسْفان، وكان عمر
يستعملُه على مكة، فقال: مَن استعملتَ على هذا الوادي؟ قال: ابن أَبْزى. قال: ومَن
ابنُّ أبْزَى؟ قال: مَوْلَّى من مَوالينا. قال: فاستَخْلفتَ عليهم مَوْلَّى! قال: إنه القارئٌ
لكتاب الله، وإنه لعالمٌ بالفرائض. قال: أمَا إنَّ نبيَّكم قد قال: ((إنَّ الله يرفعُ بهذا
الكتابِ أقواماً ويَضَعُ به آخرين)»(٥).
الرابعة: کان أسامةُ ﴾ الحِبَّ ابنَ الحِبِّ، وبذلك کان یُدْعَى، وکان أسودَ شدید
(١) في (ظ): إمارته. وهو موافق لرواية البخاري للحديث على ما يأتي.
(٢) صحيح البخاري (٦٦٢٧)، وصحيح مسلم (٢٤٢٦)، وهو عند أحمد (٥٨٨٨).
(٣) المفهم ٣٠٨/٦ .
(٤) سلف ٢/ ٤١ .
(٥) صحيح مسلم (٨١٧)، وهو عند أحمد (٢٣٢). وابن أبزى هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعيُّ مولاهم،
وله صحبة. الإصابة ٢٥٨/٦ .

٢٢٥
سورة الأحزاب: الآية ٥٧
السواد، وكان زيدٌ أبوه أبيضَ من القُطْن. هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح(١).
وقال غير أحمد: كان زيدٌ أَزْهَرَ اللون وكان أسامةُ شديدَ الأُدْمَةِ(٢). ويروى أنَّ
النبيَّ # كان يُحسِّن أسامةَ وهو صغيرٌ ويمسحُ مُخاطَه، وينقِّي أَنْفَه ويقول: ((لو كان
أسامةُ جاريةً لزيَنَّاه وجَهَّزْناه وحبَّناه إلى الأزواج))(٣).
وقد ذُكر أنَّ سبب ارتدادِ العرب بعد النبيِّ﴾: أنه لمّا كان عليه الصلاة والسلامُ
في حجَّة الوداع بجبل عرفةً عَشِيَّةَ عرفةَ عند النَّفْرِ، احتَبسَ النبيُّ﴾ قليلاً بسبب أسامةً
إلى أن أتاه، فقالوا: ما احتَبس إلَّا لأَجْلِ هذا! تحقيراً له. فكان قولُهم هذا سببَ
ارتدادِهم. ذكره البخاريُّ في التاريخ بمعناه(٤). والله أعلم.
الخامسة: كان عمرُ ﴾ يفرضُ لأسامةَ في العطاء خمسةَ آلافٍ، ولابنه عبدِ الله
أَلْفَين؛ فقال له عبد الله: فضَّلتَ عليَّ أسامةً وقد شَهِدْتُ ما لم يَشْهَدْ! فقال: إنَّ أسامةً
كان أحبَّ إلى رسول اللـه ﴾ منكَ، وأباه كان أحبَّ إلى رسول الله ﴾ من أبيك،
ففضَّلَ﴾ محبوبَ رسولِ الله ﴾ على محبوبه. وهكذا يجب أن يُحَبَّ ما أَحَبَّ
رسولُ اللـه ◌َ﴾ وَيُبْغَض ما(٥) أَبْغَض.
وقد قابَلَ مَرْوان هذا الحبَّ بنقيضه، وذلك أنه مرَّ بأسامةَ بنِ زيدٍ وهو يصلِّي عند
بابٍ بِيتِ النبيِّ # فقال له مَرْوان: إنَّما أردتَ أنْ يُرى مَكانُك، فقد رأينا مكانك، فَعَل
(١) سنن أبي داود، إثر الحديث (٢٢٦٨).
(٢) إكمال المعلم ٦٥٦/٤، والمفهم ١٩٩/٤. وقال نحوه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: إثر
الحدیث (٢٥٥).
(٣) أخرجه بنحوه ابن سعد ٦٢/٤، أحمد (٢٥٠٨٢) من حديث عائشة رضي الله عنها. وذكره السهيلي
في الروض الأنف ٢٤٨/٤ .
(٤) التاريخ الكبير ٢/ ٢٠ عن عروة بن الزبير، وأخرجه أيضاً ابن سعد ٦٣/٤.
(٥) في النسخ عدا (ظ): من، والمثبت من (ظ) والمفهم ٣٠٩/٦، والكلام منه. وخبر عمر ﴾ ذكره ابن
عبد البر في الاستيعاب ١/ ١٤٥، وأخرجه بنحوه الترمذي (٣٨١٣) من حديث عمر ﴾، وقال: حسن
غريب. وأخرجه بنحوه أيضاً أبو يعلى (١٦٢)، وابن حبان (٧٠٤٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

٢٢٦
سورة الأحزاب: الآيتان ٥٧ - ٥٨
الله بك وفَعَل! قولاً قبيحاً. فقال له أسامةُ: إِنَّكَ آذَيْتَنِي، وإنَّك فاحِشٌ مُتَفَحِّشٌ، وقد
سمعتُ رسول اللـه ﴾ يقول: ((إنَّ الله تعالى يُبغِضُ الفاحشَ المتفخِّشَ)). فانظُرْ ما بين
الفعلين، وقِسْ ما بين الرجلين، فقد آذى بنو أميةَ النبيَّ # في أحبابه، وناقَضوه في
محابِّه(١).
قوله تعالى: ﴿لَّعَهُمُ اللّهُ﴾ معناه: أُبعِدوا من كلِّ خيرٍ. واللَّعنُ في اللغة: الإبعادُ،
ومنه اللِّعان. ﴿وَأَعَ لَمُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ تقدَّم معناه في غيرِ موضعٍ. والحمدُ لله ربِّ
العالمين.
قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ
بُهْتَنَا وَإِنْمَّا قُبِينًا
إذايةُ المؤمنين والمؤمناتِ هي أيضاً بالأفعال والأقوالِ القبيحة، كالبهتان
والتكذيب الفاحشِ المختَلَق. وهذه الآيةُ نظيرُ الآيةِ التي في النساء: ﴿وَمَن يَكْسِب
خَطِيَّةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِنْمَا مُّبِينًا﴾ [الآية: ١١٢] كما قال هنا. وقد
قيل: إنَّ من الإذاية تعييرُه بحَسَبٍ مذموم، أو حِرْفةٍ مذمومة، أو شيء يَثْقُلُ عليه إذا
سَمِعَه؛ لأنَّ أَذاهُ في الجملة حرامٌ. وقد ميَّز الله تعالى بين أذاه وأذى الرسولِ وأذى
المؤمنين، فجعل الأوّلَ كفراً والثاني كبيرةً، فقال في أذى المؤمنين: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُواْ
بُهْتَنَا وَإِنْمَا قُِينًا﴾ وقد بيَّنَّاه.
ورويَ أنَّ عمر بن الخطاب قال لأُبيِّ بن كعب: قرأتُ البارحةَ هذه الآيةَ ففزِعْتُ
منها: ﴿وَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾ الآية، واللهِ إنِّي لِأَضْربُهم
وأَنْهَرهُمْ. فقال له أُبَيِّ: يا أميرَ المؤمنين، لستَ منهم، إنَّما أنت معلِّمٌ ومقوِّم(٢).
(١) المفهم ٣٠٩/٦ - ٣١٠، وخبر مروان (وهو ابن الحكم) مع أسامة ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب
١٤٧/١، وأخرجه بنحوه أحمد (٢١٧٦٤)، وابن حبان (٥٦٩٤)، والطبراني في المعجم الكبير
(٤٠٥)، والضياء في المختارة (١٣١٦) و(١٣١٧). وليس الأمر على إطلاقه في بني أمية، ففيهم
الصحابة الكبار، والأئمة الثقات والخلفاء العدول .
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٨/٤، وينظر الدر المنثور ٢٢٠/٥

٢٢٧
سورة الأحزاب: الآيتان ٥٨ - ٥٩
وقد قيل: إنَّ سببَ نزولِ هذه الآيةِ أنَّ عمر رأى جاريةً من الأنصار فضربها وكره
ما رأى من زينتها، فخرج أهلُها فآذَوْا عمرَ باللسان، فأنزل الله هذه الآية(١).
وقيل: نزلت في عليٍّ، فإنَّ المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه ﴾(٢).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَبِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
◌َبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌّ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
٥٩٦
فيه ستُّ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ﴾ قد مضى الكلامُ في تفصيلِ أزواجِه
واحدةً واحدة(٣). قال قتادةُ: مات رسول اللـه ﴿ عن تِسْع. خمس من قريش: عائشة،
وحفصة، وأمّ حبيبةَ، وَسَوْدة، وأمّ سلمةَ. وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب
بنت جحشٍ، وجُوَيْريَّة. وواحدة من بني هارون: صفية (٤).
وأمَّا أولادُه؛ فكان للنبيِّ # أولادٌ ذكورٌ وإناث.
فالذكورُ من أولاده: القاسم، أمُّه خديجةُ، وبه كان يُكْنَى ﴾، وهو أولُ مَن مات من
أولاده، وعاش سنتين. وقال عروةُ: وَلَدَتْ خديجةُ للنبيِّ * القاسمَ والطاهِرَ وعبدَ الله
والطيِّب(٥). وقال أبو بكر البرقيُّ: ويقال: إنَّ الطاهِرَ هو الطيِّبُ، وهو عبد اللـه(٦).
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٣٨٢ عن ابن عباس.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص ٣٨٢ عن مقاتل.
(٣) ص١١٩ من هذا الجزء وما بعدها.
(٤) تلقيح الفهوم لابن الجوزي ص ٣٠، وأخرجه بنحوه مطولاً البيهقي في الدلائل ٢٨٩/٧ .
(٥) تلقيح الفهوم ص٣١، وصفة الصفوة ١٤٧/١ - ١٤٨، وفيهما: المطيّب، بدل: الطيب. وفيهما
أيضاً: ويقال: إن الطيب والمطيب ولدا في بطن.
(٦) وهذا هو الصحيح، كما قال ابن القيم في زاد المعاد ١/ ١٠٠، وكذا سيرد آخر هذه المسألة. وينظر
جمهرة الأنساب للكلبي ص٣٠، وإمتاع الأسماع ٣٣٤/٥. والكلام من تلقيح الفهوم ص٣١.

٢٢٨
سورة الأحزاب: الآية ٥٩
وإبراهيم أمُّه مارِيةُ القبطيَّةُ، وُلد في ذي الحجة سنةً ثمانٍ من الهجرة، وتُوِّيَ ابنَ
ستَّةَ عَشَر شهراً وقيل: ثمانية عشر؛ ذكره الدارقطني. ودُفِنَ بالبقيع(١). وقال ﴾: ((إنَّ
له مُرْضِعاً تُتِمُّ رضاعَه في الجنة)). وجميعُ أولادِ النبيِّ ﴾ من خديجةَ سوى إبراهيم.
وكلُّ أولادِه ماتوا في حياته غيرَ فاطمة (٢).
وأمَّا الإناثُ من أولاده؛ فِمنهنَّ: فاطمةُ الزهراء بنتُ خديجةَ، وَلدَتْها وقريشٌ
تبني البيتَ قبلَ النبوَّةِ بخمسٍ سنينَ، وهي أصغرُ بناتِهِ، وتَزوَّجها عليٍّ رضي الله عنهما
في السنة الثانية من الهجرة في رمضان، وبنَى بها في ذي الحجة. وقيل: تزوَّجها
في رجب، وتُوفِّيت بعد رسول الله ﴿ بيسيرٍ (٣)، وهي أوّلُ مَن لَحِقَه من أهل بيته
رضي الله عنها.
ومنهنَّ: زينب؛ أمُّها خديجة، تزوَّجها ابنُ خالتِها أبو العاصي بنُ الربيع، وكانت
أمُّ [أبي] العاصي هالة بنت خُوَيْلد أختَ خديجة (٤). واسمُ أبي العاصي لَقيط. وقيل:
هاشم. وقيل: هُشيم. وقيل: مِهْشَم(٥). وكانت أكبرَ بناتِ رسولِ الله :﴿، وتوفِّيتْ سنةً
ثمانٍ من الهجرة، ونزل رسول الله﴾. في قبرها(٦).
ومنهنّ: رُقَيَّة؛ أمُّها خديجة، تزوَّجها عُتبة بن أبي لَهَب قبل النبوَّة، فلمَّا بُعث
رسول اللـه * وأُنزل عليه: ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾ قال أبو لهبٍ لابنه: رأسي مِن
رأسِكَ حرامٌ إنْ لم تطلِّق ابنتَه، ففارَقَها ولم يكن بَنَى بها. وأَسْلَمَتْ حين أَسْلَمَتْ أمُّها
(١) تلقيح الفهوم ص٣١، دون قوله: ذكره الدارقطني، ولم نقف عليه عند الدارقطني، وأخرجه ابن سعد
٧/٣ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) تلقيح الفهوم ص ٣١، وحديث: ((إن له مرضعاً ... )) أخرجه أحمد (١٨٥٠٠)، والبخاري (١٣٨٢).
(٣) تلقيح الفهوم ص ٣١ - ٣٢.
(٤) تلقيح الفهوم ص ٣٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) في النسخ عدا (ظ): مقسم، والمثبت من (ظ)، والاستيعاب ٢٤/١٢، والإصابة ٢٣١/١١، قال ابن
عبد البر: والأكثر لقيط.
(٦) تلقيح الفهوم ص ٣٢ - ٣٣ .

٢٢٩
سورة الأحزاب: الآية ٥٩
خديجة، وبايعتْ رسول الله # هي وأخواتُها حين بايعه النساء، وتزوَّجها عثمان بن
عفان(١)، وكانت نساء قريش يَقُلْنَ حين تزوَّجها عثمان:
أحسنُ شخصين رأى إنسانُ رقيَّةٌ وبعلُها عثمانُ(٢)
وهاجرت معه إلى أرض الحبشة الهجرتين، وكانت قد أَسْقَطتْ من عثمان سقطاً،
ثم وَلَدتْ بعد ذلك عبد الله، وكان عثمان يُكْنَى به في الإسلام، وبلغ ستَّ سنين،
فنقره ديكٌ في وجهه فمات، ولم تلد له شيئاً بعد ذلك. وهاجرت إلى المدينة،
ومَرِضَتْ ورسولُ الله :﴿ يتجهَّزُ إلى بدرٍ، فخلَّف عثمانَ عليها، فتوفِّيت ورسول الله ﴾
ببدر، على رأس سبعةً عَشَرَ شهراً من الهجرة. وقَدِمَ زيد بن حارثة بشيراً من بدر،
فدخل المدينة حين سوِّي التراب على رُقَيَّة. ولم يشهد دَفْنَها رسولُ الله ◌ِ﴾.
ومنهنَّ: أمّ كلثوم؛ أمُّها خديجة، تزوَّجها عُتيبةُ بن أبي لهب ـ أخو عتبةً - قبل
النبوّة، وأمره أبوه أن يفارِقَها للسبب المذكور في أمر رقية، [ففارَقها] ولم يكن
دخل بها، فلم تزل بمكة مع رسول الله ﴾، وأسلمت حين أسلمت أمُّها، وبايعتْ
رسولَ الله # مع أخواتها حين بايعه النساء، وهاجرت إلى المدينة حين هاجر
رسول الله ﴾. فلمَّا توفِّيتْ رقيةُ تزوَّجها عثمان، وبذلك سمِّي ذا النُّورَيْن. وتوفِيت في
حياة النبيِّ# في شعبان سنةً تسع من الهجرة. وجلس رسول الله 8﴾ على قبرها، ونزل
في حفرتها عليٍّ والفضلُ وأسامةُ .
وذكر الزبير بن بكَّار أنَّ أكبر ولدِ النبيِّ ﴾: القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله،
وكان يقال له: الطيِّب، والظّاهر، ووُلد بعد النبوّة ومات صغيراً. ثم أمُّ كلثوم، ثم
فاطمةُ، ثم رقيةُ. فمات القاسم بمكةً، ثم مات عبد الله(٣).
الثانية: لمَّا كانت عادةُ العربيَّات التبذُّلَ، وكنَّ يَكْشِفْنَ وجوهَهنَّ كما يفعل
(١) طبقات ابن سعد ٣٦/٨. وتلقيح الفهوم ص ٣٣، والكلام منه.
(٢) ذكره السهيلي في الروض الأنف ٧٩/٢ .
(٣) تلقيح الفهوم ص ٣٣ - ٣٤، وما سلف بين حاصرتين منه، وينظر طبقات ابن سعد ٧/٣ و٣٧/٨.

٢٣٠
سورة الأحزاب: الآية ٥٩
الإماء، وكان ذلك داعيةً إلى نظر الرجال إليهنَّ، وتَشغُبِ الفكرة فِيهنَّ، أمر الله
رسوله # أن يأمرهنَّ بإرخاء الجلابيب عليهنَّ إذا أَرذنَ الخروجَ إلى حَوائِجهنَّ - وكنَّ
يتبرَّزْنَ في الصحراء قبل أنْ تُنَّخذ الكُنُف - فيقع الفرقُ بينهنَّ وبين الإماء، فتُعرف
الحرائر بسترهنَّ، فيكُفُّ عن معارضتهنَّ مَن كان عَزْباً أو شابًّا(١). وكانت المرأةُ من
نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرَّز للحاجة، فيتعرَّضُ لها بعض الفُجَّار يظنُّ أنها
أَمة، فتصيحُ به فيذهب، فشَكَوْا ذلك إلى النبيِّ ﴾. ونزلت الآيةُ بسبب ذلك. قال معناه
الحسن وغيره (٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِن جَبِيِهِنَّ﴾ الجلابيبُ جمعُ جِلْباب، وهو ثوبٌ أكبرُ من
الخِمار. وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء(٣). وقد قيل: إنه القِناع.
والصحيحُ أنه الثوبُ الذي يستر جميعَ البدن. وفي ((صحيح)) مسلم عن أمِّ عطيّةً:
قلتُ: يا رسولَ الله، إحدانا لا يكون لها جِلْبابٌ؟ قال: ((لِتُلْبِسْها أختُها من
جِلْبابها))(٤).
الرابعة: واختلف الناس في صورة إرخائه؛ فقال ابن عباس وعَبيدةُ السَّلْمانيُّ:
ذلك أن تَلْوِيه المرأةُ حتى لا يظهر منها إلَّا عينٌ واحدةٌ تُبصِرُ بها. وقال ابن عباس
أيضاً وقتادةُ: ذلك أن تَلْوِيَه فوقَ الجبين وتَشُدَّه، ثم تَعْطِفه على الأنف وإن ظهرت
عيناها، لكنه يَسْتُر الصدرَ ومُعْظَمَ الوجه(٥). وقال الحسن: تغطّ نصفَ وَجْهِهَا(٦).
الخامسة: أمر الله سبحانه جميعَ النساء بالسَّتْر، وأنَّ ذلك لا يكون إلَّا بما لا
(١) المحرر الوحيز ٣٩٩/٤، ووقع في مطبوعه: غزلاً، بدل: عزباً.
(٢) طبقات ابن سعد ١٧٦/٨، وتفسير عبد الرزاق ١٢٣/٢، وتفسير الطبري ١٩/ ١٨٢ - ١٨٣، وأسباب
النزول للواحدي ص ٣٨٢ - ٣٨٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/٣، والمحرر الوجيز ٣٩٩/٤.
(٤) صحيح مسلم (٨٩٠)، وأخرجه مطولاً أحمد (٢٠٧٨٩)، والبخاري (١٦٥٢).
(٥) المحرر الوجيز ٣٩٩/٤، والأخبار المذكورة أخرجها بنحوها الطبري ١٩/ ١٨٢.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٣٧٨/٥ .

٢٣١
سورة الأحزاب: الآية ٥٩
يَصِفُ جِلْدَها، إلَّا إذا كانت مع زوجها؛ فلها أن تلبس ما شاءت؛ لأنَّ له أن يستمتع
بها كيف شاء.
ثبت أنَّ النبيَّ # استيقظ ليلةً فقال: ((سبحانَ الله، ماذا أُنزل الليلةَ من الفتن،
وماذا فُتح من الخزائن، مَن يُوقِظُ صواحبَ الحُجَر؟ رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في
الآخرة))(١).
وروي أنَّ دِخْيَةَ الكلْبيَّ لمَّا رجع من عند هِرَقْل فأعطاه النبيُّ :﴿ قُبْطِيَّةً؛
فقال: ((اجْعَلْ صَديعاً لك قميصاً، وأَعْطِ صاحبتَكَ(٢) صَديعاً تَخْتَمِرُ به)) - والصَّديعُ:
النصف - ثم قال له: ((مُرْها تجعل تحته شيئاً لئلا يَصِفَ))(٣).
وذكر أبو هريرةَ رقَّةَ الثياب للنساء فقال: الكاسياتُ العاريات، الناعماتُ
الشقيَّات (٤).
ودخل نسوةٌ من بني تميم على عائشةَ رضي الله عنها عليهنَّ ثيابٌ رِقَاقٌ، فقالت
عائشة: إنْ كنتُنَّ مؤمناتٍ فليس هذا بلباسِ المؤمنات، وإنْ كنتنَّ غيرَ مؤمناتٍ
فتمثَّعنه(٥). وأُدخلت امرأةٌ عروسٌ على عائشةَ رضي الله عنها وعليها خمارٌ قُبْطِيٍّ
مُعَصْفَر، فلمَّا رأتها قالت: لم تؤمن بسورة النور امرأةٌ تلبسُ هذا(٦).
(١) أخرجه البخاري (١١٥) و(١١٢٦) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. قوله: الحُجَر. بضم الحاء وفتح
الجيم، جمع حجرة، وهي منازل أزواج النبي #، وإنما خصَّهن لأنهن الحاضرات حينئذٍ، وفي قوله:
((كاسية)) و((عارية)) أقوال منها: كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب لعدم
العمل في الدنيا. ومنها: كاسية بالثياب لكنها لا تستر عورتها، فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء على
ذلك، وقيل غير ذلك. ينظر الفتح ١/ ٢١٠ و٢٣/١٣ .
(٢) في (ظ): زوجتك.
(٣) أخرجه أبو داود (٤١١٦) من حديث دحية﴾. وفي الباب عن أسامة بن زيد ﴾ عند أحمد (٢١٧٨٦).
قوله: قُبْطية، هي الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء. النهاية (قبط).
(٤) في (د): المتنعمات. والخبر أخرجه بنحوه من قول أبي هريرة مالك في الموطأ ٩١٣/٢، وسيأتي عنه
مرفوعاً.
(٥) في (د) و(م): فتمتعينه.
(٦) لم نقف على هذين الخبرين عن عائشة رضي الله عنها.

٢٣٢
سورة الأحزاب: الآية ٥٩
وثبت عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مُمِيلاتٌ، رؤوسُهنَّ
مثلُ أَسْنمةِ الْبُخْتِ، لا يَدْخلْنَ الجنةَ ولا يَجِدْنَ ريحَها))(١).
وقال عمر ﴾: ما يمنعُ المرأةَ المسلمةَ إذا كانت لها حاجةٌ أن تخرج في
أطمارِها(٢) أو أطمارِ جارتها مُسْتَخْفِيةً، لا يعلم بها أحدٌ حتى ترجع إلى بيتها.
السادسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي: الحرائر، حتى لا يَختلظْنَ
بالإماء، فإذا عُرِفْنَ لم يقابلْنَ بأذى(٣) من المعارضة مراقبةً لرتبةِ الحرِّية، فتنقطع
الأطماعُ عنهن. وليس المعنى أن تُعرف المرأة حتى يُعلم من هي. وكان عمر ﴾ إذا
رأى أمَةً قد تقنَّعتْ ضَرَبَها بالدِّرَّة، محافظةً على زيِّ الحرائر(٤).
وقد قيل: إنه يجب السِّترُ والتقنُّع الآن في حقِّ الجميع من الحرائر والإماء. وهذا
كما أنَّ أصحاب رسول اللـه:﴿ منعوا النساء المساجدَ بعد وفاة رسول الله ﴾ مع
قوله: ((لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله))(٥) حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لو عاش
رسول الله ﴿ إلى وقتنا هذا لَمَنَعهنَّ من الخروج إلى المساجد كما مُنعت نساء بني
(٦)
إسرائيل(٦).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ تأنيسٌ للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمرِ المشروع.
(١) أخرجه أحمد (٨٦٦٥)، ومسلم (٢١٢٨) من حديث أبي هريرة﴾. وسلف ٣٤١/١٥ قوله: كاسيات
عاريات، أي: كاسيات بالثياب التي لا تستر منهن حجم عورة، أو تبدي من محاسنها ما لا يحل لها أن
تبديه. والأسنمة جمع سنام، والبُخت جمع بُختية، وهي ضرب من الإبل عِظامُ الأسنمة؛ شبّه رؤوسهن
بها لِمّا رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن. ينظر المفهم ٤٥٠/٥ - ٤٥١ .
(٢) جمع طِعْر، وهو الثوب الخَلَق، أو الكساء البالي من غير الصوف. القاموس (طمر) ..
(٣) في (خ) و(د) و(م): بأدنى، والمثبت من باقي النسخ وهو موافق لما في المحرر الوجيز ٣٩٩/٤،
والكلام منه.
(٤) المحرر الوجيز ٣٩٩/٤، وخبر عمر أخرجه ابن أبي شيبة ٢٣٠/٢ - ٢٣١، وبنحوه عبد الرزاق
(٥٠٦٤).
(٥) أخرجه أحمد (٤٦٥٥)، والبخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢): (٣٦) من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما. وسلف ٢/ ٣٢٢ .
(٦) أخرجه أحمد (٢٤٦٠٢)، والبخاري (٨٦٩)، ومسلم (٤٤٥) عن عائشة رضي الله عنها بنحوه.

٢٣٣
سورة الأحزاب: الآيات ٦٠ - ٦٢
قوله تعالى: ﴿لَّيِنِ لَّمْ يَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِىِ
اَلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٥) مَّلْعُونِيِنْ أَيْنَمَا نُقِفُواْ
أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا ( سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةٍ
اللَّهِ تَبْدِيلًا (@)
فیه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَِّن لَّ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ﴾ الآية. أهلُ التفسيرِ على أنَّ
الأوصاف الثلاثةَ لشيءٍ واحد، كما روى سفيان بن سعيد عن منصور، عن أبي رَزين
قال: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ وَالْمُرْجِقُونَ فِ اَلْمَدِينَةِ﴾ قال: هم شيءٌ واحدٌ،
يعني أنَّهم قد جمعوا هذه الأشياء(١). والواو مُفْحَمةٌ، كما قال:
إلى الملكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَّامِ وَلَيْثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ
أراد: إلى الملك القَرْم ابنِ الهُمام ليثِ الكتيبة، وقد مضى في ((البقرة))(٢).
وقيل: كان منهم قومٌ يُرْجِفون، وقومٌ يتبعون النساء للرِّيبة، وقومٌ يشكّكون
المسلمين.
قال عكرمةُ وشَهْر بن حَوْشَب: ((الذين في قلوبهم مرضٌ)) يعني الذين في قلوبهم
الزِّنى. وقال طاوسٌ: نزلت هذه الآية في أمر النساء. وقال سلمةُ بن كُهيل: نزلت في
أصحاب الفواحش(٣)، والمعنى متقارب.
وقيل: المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ شيءٌ واحدٌ، عبَّر عنهم بلَفْظَين، دليلهُ
آيةُ المنافقين في أوَّلِ ((البقرة)». والمُرْجِفون في المدينة قومٌ كانوا يُخْبِرون المؤمنين بما
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/٣.
(٢) ٢ / ٨٥ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣٧٩/٥. وقول عكرمة أخرجه عبد الرزاق ١٢٤/٢، والطبري ١٨٤/١٩.
وأخرج قول طاوس عبد الرزاق ١٢٣/٢ .

٢٣٤
سورة الأحزاب: الآيات ٦٠ - ٦٢
يَسوءُهم من عدوّهم، فيقولون إذا خرجتْ سرايا رسول اللـه ﴾: إنَّهم قد قُتلوا أو
هُزِموا، وإنَّ العدوَّ قد أتاكم، قاله قتادةُ وغيره(١). وقيل: كانوا يقولون: أصحابُ
الصُّقَّة قومٌ عُزَّاب، فهم الذين يتعرَّضون للنساء.
وقيل: هم قومٌ من المسلمين يَنْطِقون بالأخبار الكاذبةِ حُبًّا للفتنة. وقد كان في
أصحابِ الإفكِ قومٌ مسلمون، ولكنَّهم خاضوا حُبًّا للفتنة.
وقال ابن عباس: الإرجافُ: التِماسُ الفتنة(٢). والإرجافُ: إشاعةُ الكذب
والباطلِ للاغتمام به. وقيل: تحريك القلوب، يقال: رجفت الأرضُ ـ أي: تحرَّكتْ
وتزلزلت - تَرْجُف رَجْفاً. والرَّجَفان: الاضطرابُ الشديد. والرَّجَّاف: البحر، سُمِّ به
لاضطرابه؛ قال الشاعر:
المُطعِمونَ اللَّحمَ كلَّ عَشِيَّةٍ
حتى تَغيبَ الشمسُ في الرَّجَّاف(٣)
والإرجافُ: واحدُ أَرَاجيفِ الأخبار. وقد أَرْجَفوا في الشيء، أي: خاضوا فيه.
قال الشاعر:
وأَرْجَفَ بِالإسلامِ باغٍ وحاسدُ(٤)
فإنَّا وإن عيَّرتُمونا بقتلهِ
وقال آخر :
وفي الأراجيف خِلْتُ اللؤْمُ والخَوَرُ(٥).
أَبأُلأَرَاجِيفِ يا ابنَ اللُّؤْمِ تُؤْعِدُني
(١) تفسير الطبري ١٩/ ١٨٥.
(٢) النكت والعيون ٤٢٤/٤ .
(٣) تهذيب اللغة ٤٣/١١، والصحاح (رجف) والكلام منه، وأساس البلاغة (رجف)، ووقع في هذه
المصادر: الشحم، بدل: اللحم. وذكره ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ١٧٨/١ عن مطرود بن
كعب الخزاعي في رثاء عبد المطلب، وصدره فيه: والمطعمين إذا الرياح تناوحت ... ، وينظر اللسان
(رجف).
(٤) قائله عبدالله بن جحش ، وسلف ٣/ ٤٢٧.
(٥) نسب للَّعين المِنْقَري كما في الكتاب ١١٩/١ - ١٢٠، والحيوان ٢٦٧/٤، والخزانة ٢٥٧/١. ونسبه
صاحب اللسان (خيل) لجرير. ووقع في جميع هذه المصادر: أبالأراجيز، بدل: أبالأراجيف. وذكر =

٢٣٥
سورة الأحزاب: الآيات ٦٠ - ٦٢
فالإرجافُ حرامٌ لأنَّ فيه إذايةً، فدلَّت الآيةُ على تحريم الإيذاء بالإرجاف.
الثانية: قوله تعالى: ﴿لَنُغْرِيَتَّكَ بِهِمْ﴾ أي: لنُسلِّطنَّك عليهم(١) فتستأصلهم بالقتل.
قال ابن عباس: لم يَنْتَهوا عن إيذاءِ النساءِ، وإنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أغْرَاه بهم، ثم
إنه(٢) قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]،
وإنَّه أَمَره بلَعْنِهم، وهذا هو الإغراء. وقال محمد بن يزيد: قد أَغْراه بهم في الآية التي
تَلي هذه مع اتِّصالِ الكلامِ بها، وهو قولُه عز وجل: ﴿ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ
تَفْتِيلاً﴾ فهذا فيه معنى الأمرِ بِقَتْلِهِم وأَخْذِهم، أي: هذا حُكْمُهم إذا كانوا مقيمين
على النفاق والإرجاف. وفي الحديث عن النبيِّ﴾: ((خمسٌ يُقتَلْنَ في الحِلِّ
والحَرَم))(٣) فهذا فيه معنى الأمرِ كالآية سواء. النحاس(٤): وهذا مِن أَحْسَنِ ما قيل في
الآية.
وقيل: إنَّهم قد انتَهَوْا عن الإرجاف فلم يُغْرَ بِهم. ولامُ ((لَنُغْرِيَنَّكَ)) لامُ القَسَم،
واليمينُ واقعةٌ عليها، وأُدخلت اللامُ في ((إنْ)) تَوْطِئَةً لها.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ أي: في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾
نصب على الحال من الضمير في ((يُجَاوِرُونَكَ))، فكان الأمرُ كما قال تبارك وتعالى؛
لأنهم لم يكونوا إلَّا أَقِلَّاءَ. فهذا أحدُ جَوَابي الفرَّاء(٥)، وهو الأَوْلَى عنده، أي: لا
يجاورونك إلَّا في حالٍ قِلَّتِهم. والجوابُ الآخَرُ أنْ يكون المعنى: إلَّ وقتاً قليلاً،
أي: لا يَبْقَوْنَ معك إلَّا مدَّة يسيرةً، أي: لا يجاورونك فيها إلَّ جِواراً قليلاً حتى
= البغدادي أن القصيدة لامية، وأن الصواب: والفشلُ، بدل: والخور. ووقع في الحيوان: جَلْبُ اللؤمِ
والكسلِ.
(١) هذا قول ابن عباس في تفسير هذه الآية، كما أخرجه الطبري ١٩/ ١٨٥، وعلقه البخاري قبل الحديث
(٤٧٩٧).
(٢) في إعراب القرآن ٣٢٦/٣ (والكلام منه): لأنه، بدل: ثم إنه. وقد ذكر النحاس هذا الكلام دون نسبة.
(٣) سلف ٣٦٨/١.
(٤) في إعراب القرآن ٣٢٦/٣، وما قبله منه.
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٣٥٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٢٦/٣.

٢٣٦
سورة الأحزاب: الآيات ٦٠ - ٦٢
يَهْلَكوا، فيكون نعتاً لمصدرٍ أو ظرفٍ محذوف. ودلَّ على أنَّ مَن كان معك ساكناً
بالمدينة فهو جارٌ، وقد مضى في ((النساء))(١).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿مَّلْعُونِينٌَ﴾ هذا تَمامُ الكلام عند محمد بن يزيد، وهو
منصوبٌ على الحال(٢). وقال ابن الأنباريّ(٣): ((قلِيلاً ملعونين)) وقفٌ حسن.
النحاس(٤): ويجوز أن يكون التَّمَامُ ((إِلَّ قليلاً))، وتنصب ((مَلْعُونِينَ)) على الشَّتْم، كما
قرأ عيسى بن عمر: ﴿وَأَمْرَأَتُمُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾ [المسد: ٤](٥). وقد حُكي عن بعض
النَّحْويين أنه قال: يكون المعنى: أينما تُقِفوا أُخِذُوا ملعونين. وهذا خطأٌ، لا يَعملُ ما
[كان] مع المجازاة فيما قَبْلَه.
وقيل: معنى الآيةِ: إنْ أَصَرُوا على النفاق لم يكن لهم مُقامٌ بالمدينة إلَّ وهم
مَظْرودون ملعونون. وقد فُعِلَ بهم هذا؛ فإنَّه لمَّا نزلت سورةُ ((براءة)) جُمِعوا، فقال
النبيُّ ◌َ﴾: ((يا فلانُ، قُمْ فاخْرُجْ فإنك منافق، ويا فلان قم)) فقام إخوانهم من المسلمين
وتَوَلَّوا إخراجَهم من المسجد (٦).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر، أي: سَنَّ الله جلَّ
وعزَّ فِيمَن أَرْجَفَ بالأنبياء وأَظْهَرَ نفاقَه أن يؤخذ ويُقتل. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾
أي: تحويلاً وتغييراً؛ حكاه النقَّاش. وقال السُّدِّيّ: يعني أنَّ مَن قُتل بحقِّ فلا دِيةً على
قاتله(٧).
(١) ٣٠٦/٦ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٧/٣ .
(٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٨٤٣/٢.
(٤) في إعراب القرآن ٣/ ٣٢٧ ، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٥) وهي قراءة عاصم، وقرأ الباقون برفع التاء. السبعة ص ٧٠٠ ، والتيسير ص ٢٢٥ .
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٩٦) مطولاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما دون قوله: فقام
إخوانهم ... ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٣٤ : فيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، وهو
ضعيف.
(٧) النكت والعيون ٤٢٥/٤ .
٠

٢٣٧
سورة الأحزاب: الآيات ٦٠ - ٦٥
المهدَوِيُّ: وفي الآيةِ دليلٌ على جواز تَرْكِ إنفاذِ الوعيد، والدليلُ على ذلك بقاءُ
المنافقين معه حتى مات. والمعروفُ من أهل الفضل إتمامُ وَعْدِهم وتأخيرُ وعيدهم،
وقد مضى هذا في ((آل عمران)»(١) وغيرِها.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ
١٣
السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَّةِ﴾ هؤلاء المُؤْذُونَ لرسول اللـه ◌ِ﴾ لمَّا تُوعِّدوا
بالعذاب سألوا عن الساعة، استبعاداً وتكذيباً، مُوهِمين أنَّها لا تكون. ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا
عِندَ الَّهِ﴾ أي: أَجِبْهم عن سؤالهم، وقُلْ: عِلْمُها عند الله، وليس في إخفاءِ الله وَقْتَها
عَنِّي ما يُبْطِلُ نبوَّتي. وليس من شرط النبيِّ أن يعلم الغيبَ بغيرِ تعليم من الله جلّ وعزّ.
﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: ما يُعْلِمُك ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أي: في زمانٍ قريب.
وقال ﴿: ((بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتين)) وأشار إلى السبَّابة والوسطى، خرَّجه أهلُ
الصحيح (٢).
وقيل: أي: ليست الساعةُ تكون قريباً. فحذف هاء التأنيث ذهاباً بالساعة إلى
اليوم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ولم يقل:
قريبةٌ، ذهاباً بالرحمة إلى العفو؛ إذ ليس تأنيثُها أصليًّا. وقد مضى هذا مستوفّى(٣).
وقيل: إنَّما أَخْفَى وقتَ الساعةِ ليكون العبدُ مستعدًّا لها في كلِّ وقت.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ﴾ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَاً لَّا
٦٥
يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ﴾ أي: طَرَدَهم وأَبْعَدَهم. واللعنُ: الظَّرْدُ
(١) ٤٧٨/٥ .
(٢) صحيح البخاري (٦٥٠٣)، وصحيح مسلم (٢٩٥٠) من حديث سهل بن سعد ، وسلف ٢٦٨/١٢ .
(٣) ٩/ ٢٥٠.

٢٣٨
سورة الأحزاب: الآيات ٦٤ - ٦٧
والإبعادُ عن الرحمة. وقد مضى في ((البقرة)) بيانُه(١). ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا. خَلِينَ فِيهَا
أَبَدَّ﴾ فأنّثَ السعير لأنَّها بمعنى النارِ ﴿لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يُنجيهم من عذابِ
اللهِ والخلودِ فیه.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ◌َللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ
وَقَالُواْ رَيَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
٦٦
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ قراءةُ العامَّةِ بضمُّ التاء وفتحِ اللّام،
على الفعل المجهول. وقرأ عيسى الهمدانيُّ وابن أبي إسحاق(٢): ((نُقَلِّبُ)) بنونٍ وكَسْرٍ
اللَّام(٣) ((وجوهَهم) نصباً. وقرأ عيسى أيضاً: ((تُقَلِّبُ)) بضمِّ التاء وكَسْرِ اللام(٤)، على
معنى: تُقلِّب السعيرُ وجوههم. وقرأ أبو حيوة باختلاف عنه، وأبو جعفر وشيبة:
تَقَلَّبُ؛ بفتح التاء واللام؛ على معنى تَتَقَّلَّبُ (٥).
وهذا التقليبُ تغييرُ ألوانِهِم بلفح النار، فَتَسْوَدُّ مرةً وتَخْضَرُّ أخرى. وإذا بدِّلت
جلودُهم بجلودٍ أُخَرَ فحينئذٍ يتمنَّوْنَ أنهم ما كفروا، ويقولون: يا ليتنا. ويجوز أن يكون
المعنى: يقولون يومَ تقلّب وجوههم في النار: ﴿يَلَيْتَنَّا أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَاَ الرَّسُولَا﴾ أي:
لم نكفرُ فننجوَ من هذا العذاب كما نجا المؤمنون. وهذه الألفُ تقع في الفواصل،
فيوقَفُ عليها ولا يوصَلُ بها. وكذا ((السبيلا)) وقد مضى في أول السورة(٦).
(١) ٢٤٧/٢ .
(٢) في النسخ عدا (ظ): وابن إسحاق، والمثبت من (ظ) وفتح القدير ٣٠٦/٤.
(٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٢٠ عن أبي حيوة.
(٤) المحتسب ١٨٤/٢، والمحرر الوجيز ٤٠٠/٤، والكلام منه. وقد ذكر أبو حيان في البحر ٧/ ٢٥٢ أن
الذي قرأ ((نقلِّب)» بالنون هو عيسى البصري (وهو ابن عمر الثقفي النحوي)، أما الذي قرأ: ((تُقُلِّب)) بالتاء
فهو عيسى الكوفي (وهو ابن عمر الهمداني). وينظر معرفة القراء الكبار ٢٦٩/١ - ٢٧٠ .
(٥) من قوله: وقرأ أبو حيوة ... إلى هذا الموضع، ليس في (م). وقد ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز
٤/ ٤٠٠ عن أبي حيوة، وذكرها أبو حيان في البحر ٧/ ٢٥٢ عن أبي جعفر، لكن القراءة المشهورة عن
أبي جعفر - وهو من العشرة - كقراءة الجماعة.
(٦) ص ٩٣ من هذا الجزء.

٢٣٩
سورة الأحزاب: الآيات ٦٦ - ٦٨
وقرأ الحسن: ((إنَّا أَطَعْنا ساداتِنا)) بكسر التاء (١)، جمع سادة، وكان في هذا زجرٌ
عن التقليد. والسادةُ جمعُ السيد، وهو فَعَلة، مثل كَتَبة، وفَجَرة، وساداتنا جمع
الجمع. والسادةُ والكبراءُ بمعنّى. وقال مقاتل(٢): هم المُطْعِمون في غزوة بدر.
والأَظْهَرُ العمومُ في القادة والرؤساء في الشِّرْكِ والضَّلالة، أي: أَطَعْناهم في معصيتك
وما دَعَوْنا إليه ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أي: عن السَّبيل وهو التوحيد، فلما حُذفَ الجارُّ
وُصِلَ الفعلُ فنصب. والإضلالُ لا يتعدَّى إلى مفعولين من غير توسُّطِ حرفِ الجرِّ،
كقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ أَضَلَِّ عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩].
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا
٦٨
قوله تعالى: ﴿رَبََّآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ قال قتادة: عذاب الدنيا
وعذاب الآخرة(٣).
وقيل: عذاب الكفر وعذاب الإضلال، أي: عذِّبهم مِثْلَيْ ما تُعَذِّبنا، فإنَّهم ضَلُّوا
وأَضَلُّوا. ﴿وَالْعَهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا﴾ قرأ ابن مسعود وأصحابه ويحيى وعاصم بالباء. الباقون
بالثاء(٤)، واختاره أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس(٥)؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ يَلْعَنْهُمُ اللّهُ
وَيَلْعَّهُمُ الَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وهذا المعنى كثير. وقال محمد بن أبي السَّرِي: رأيتُ في
المنام كأنِّ في مسجدٍ عَسْقَلان، وكأنَّ رجلاً يُناظِرُني فيمَن يبغض أصحاب محمدٍ ﴾،
فقال: والْعَنْهُمْ لعناً كثيراً، ثم كَرَّرَها حتى غاب عنِّي، لا يقولُها إلَّا بالثاء (٦). وقراءةُ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/٣، وهي قراءة ابن عامر كما في السبعة ص ٥٢٣، والتيسير ص ١٧٩ .
(٢) في (د) و(م): قتادة، وذكره عن مقاتل الواحدي في الوسيط ٤٨٣/٣ .
(٣) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣٤٤/٥ في تفسير قوله تعالى: ﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِّ﴾
[الأحزاب: ٣٠].
(٤) السبعة ص ٥٢٣ ، والتيسير ص ١٧٩ .
(٥) في إعراب القرآن ٣٢٨/٣ .
(٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٣٢/٥٥ بنحوه مطولاً، ثم روى عن ابن عدي قوله: ابن أبي السري
العسقلاني كثير الغلط.

٢٤٠
سورة الأحزاب: الآية ٦٩
الباء تَرْجِعُ في المعنى إلى الثاء؛ لأنَّ ما كبر كان كثيراً عظيمَ المِقْدار.
قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ءَذَوْا مُوسَى فَبََّهُ اَللَّهُ مِمَّا قَالُواْ
٦٩
وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِهًا
لمَّا ذكر الله تعالى المنافقين والكفَّارَ الذين آذَوْا رسولَ الله ﴾ والمؤمنين، حذَّر
المؤمنين من التعرُّضِ للإيذاء، ونهاهم عن التَّشَبُِّ ببني إسرائيلَ في إذابتِهِم (١) نبيَّهم
موسى.
واختلف الناس فيما أوذي به محمد ﴾ وموسى، فحكى النقَّاشُ أنَّ إذايتهم
محمداً عليه الصلاة والسلام قولُهم: زيد بنُ محمد. وقال أبو وائل: إذايته أنه ﴿ قَسَم
قَسْماً، فقال رجلٌ من الأنصار: إنَّ هذه القِسمةَ ما أُرِيدَ بها وجهُ الله، فذُكر ذلك
للنبيِّ ﴾، فغضب وقال: ((رَحِمَ الله موسى، لقد أُوذيَ بأكثرَ من هذا فَصَبّر))(٢).
وأمَّا إذايةُ موسى # فقال ابن عباس وجماعةٌ: هي ما تضمَّنه حديثُ أبي هريرةَ ﴾
عن النبيِّ ﴾، وذلك أنه قال: ((كان بنو إسرائيلَ يغتسلون عُراةً، وكان موسى عليه
السلام يتستَّر كثيراً ويُخْفِي بَدَنَه، فقال قومٌ: هو آدرُ(٣) وأبرصُ، أو به آفةٌ، فانطلق
ذاتَ يومٍ يغتسلُ في عينٍ بأرض الشام وجَعَل ثيابَه على صخرةٍ، ففرَّ الحجرُ بثيابه
واتَّبعه موسى عرياناً يقول: ثَوْبِي حَجَرُ ثوبي حَجَرُ، حتى انتهى إلى ملأ من بني
إسرائيلَ، فنظروا إليه، فإذا هو مِن أَحْسَنِهِم خَلْقاً وأَعْدَلِهم صورةً، وليس به الذي
قالوا، فهو قولُه تبارك وتعالى: ﴿فَرََّهُ اللّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾)) (٤). أخرجه البخاريُّ ومسلم
(١) كذا في النسخ الخطية في هذا الموضع، وفي المواضع التالية. وكذا ورد في سياق كلام ابن عطية في
المحرر الوجيز ٤٠١/٤، ووقع في (م) أذيتهم.
(٢) أخرجه أحمد (٣٦٠٨)، والبخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢) من طريق أبي وائل (وهو شقيق بن
سلمة) عن ابن مسعود ، والكلام من النكت والعيون ٤٢٦/٤ .
(٣) الآدَر هو ذو الأُدْرة: وهي عِظَمُ الخصيتين وانتفاخهما. المفهم ٦/ ١٩٠ .
(٤) تفسير الطبري ١٩٠/١٩ - ١٩٤. وسيأتي شرح قوله: ثوبي حجر.