Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة الأحزاب: الآية ٦ تَركَ دَيْناً أو ضَياعاً فأنا مولاه))(١). قال ابن العربيّ: فانقلبت الآن الحالُ بالذنوب، فإنْ تركوا مالاً ضُويق العَصَبةُ فيه، وإن تركوا ضَياعاً أُسلموا إليه، فهذا تفسيرُ الولاية المذكورة في هذه الآية بتفسير النبيِّ ﴾ وتبينِهِ(٢)، ولا عِظْرَ بعد عَرُوس(٣). قال ابن عطية(٤): وقال بعض العلماء العارفين: هو أَوْلى بهم من أنفسهم؛ لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهم يدعوهم إلى النجاة. قال ابن عطيةً: ويؤيِّد هذا قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أنا آخِذٌ بحُجَزِكم عن النارِ وأنتم تقتحمون فيها تقعُّم الفَراش)». قلت: هذا قولٌ حسنٌ في معنى الآية وتفسيرها، والحديثُ الذي ذُكر أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّما مَثَلي ومَثَلُ أمَّتي كمَثَلِ رجلٍ استوقد ناراً، فجعلت الدوابُّ والفَراشُ يَقَعْنَ فيه، وأنا آخِذٌ بِحُجَزِكم وأنتم تَقَخَّمُون فيه))(٥). وعن جابرٍ مثلُه؛ وقال: ((وأنتم تَفَلَّتون من يدي))(٦). قال العلماء: الحُجْزَةُ للسراويل، والمَعْقِد للإزار، فإذا أراد الرجلُ إمساكَ مَن يخافُ سقوطَه أَخَذَ بذلك الموضع منه. وهذا مَثَلٌ لاجتهاد نبيِّنا عليه الصلاة والسلام في نجاتنا، وحرصِه على تَخلُّصنا من الهَلَكات التي بين أيدينا، فهو أَوْلى بنا من أنفسنا. ولِجَهْلنا بقَدْرِ ذلك، وغلبةِ شَهَواتنا علينا، وظَفَرِ عدوِّنا اللعين بنا، صِرْنا أحقرَ من (١) صحيح البخاري (٢٣٩٩)، وصحيح مسلم (١٦١٩): (١٥)، وهو عند أحمد (٨٤١٨) وهو من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) في (م): وتنبيهه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٩٦/٣. وقوله: لا عطر بعد عروس، ذكره ابن قتيبة دون نسبة في الشعر والشعراء ٦٢٦/٢ عَجُزَ بيت، وصدره: فالآن قبل وفاتي. وذكره الميداني في مجمع الأمثال ٢١١/٢ ، والزمخشري في المستقصى ٢٦٤/٢ . قال الميداني: يضرب لمن لا يدَّخر عنه نفيس. (٤) في المحرر الوجيز ٤/ ٣٧٠ . (٥) صحيح مسلم (٢٢٨٤)، وهو عند أحمد (٧٣٢١) و(٨١١٧)، والبخاري (٦٤٨٣). (٦) صحيح مسلم (٢٢٨٥). ٦٢ سورة الأحزاب: الآية ٦ الفَراش وأذلَّ من الفراش(١)، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم! وقيل: أَوْلى بهم، أي إنه إذا أَمر بشيءٍ، ودَعَتْ النفسُ إلى غيره، كان أمرُ النبيِّ :﴿ أَوْلى(٢). وقيل: أَوْلى بهم، أي: هو أَوْلى بأن يحكُم على المؤمنين فينفذ حكمُه في أنفسهم، أي: فيما يَحْكُمون به لأنفسهم ممَّا يخالفُ حُكْمَه. الثانية: قال بعضُ أهلِ العلم: يجبُ على الإمام أن يقضيَ من بيت المال دَيْنَ الفقراء اقتداءً بالنبيِّ #؛ فإنه قد صرَّح بوجوبٍ ذلك عليه حيث قال: ((فعلَيَّ قضاؤه)). والضَّيَاعُ - بفتح الضَّاد - مصدرُ ضاع، ثم جُعل اسماً لكلِّ ما هو بصددٍ أن يضيع، من عيالٍ وبنينَ لا كافلَ لهم، ومالٍ لا قَيِّمَ له. وسمِّيت الأرضُ ضَيعةً لأنَّها معرَّضةٌ للضَّيَاعِ، وتُجمع ضِياعاً بكسر الضَّاد(٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَهُمْ أُمَّهَُهُمُّ﴾ شرَّف الله تعالى أزواجَ نبيِّهِ﴾ بأنْ جَعَلهنَّ أمهاتِ المؤمنين، أي: في وجوبِ التعظيم والمبرَّةِ والإجلال، وحُرْمةِ النكاحِ على الرجال، وحَجْبِهِنَّ رضي الله تعالى عنهنَّ بخلافِ الأمَّهات(٤). وقيل: لمَّا كانت شَفَقتهنَّ عليهم كشفقة الأمَّهات أُنزلنَ منزلةَ الأمهات. ثم هذه الأمومةُ لا توجِبُ ميراثاً كأمومة التَّنِّي. وجاز تَزْويجُ بناتهنَّ؛ ولا يُجعلنَ أخواتٍ للناس. وسيأتي عددُ أزواجٍ النبيُّ# في آية التخيير(٥) إن شاء الله تعالى. واختلف الناس؛ هل هنَّ أمهاتُ الرجال والنساءِ، أمْ أمَّهاتُ الرجال خاصةً؟ (١) المفهم ٨٦/٦ - ٨٧، ووقعت العبارة الأخيرة فيه: حتى صرنا أحقر من الفراش والجنادب وأذلَّ من الطين اللازب. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/٣. (٣) المفهم ٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦ . (٤) المحرر الوجيز ٤/ ٣٧٠ . (٥) ينظر ص١١٩ من هذا الجزء. ٦٣ سورة الأحزاب: الآية ٦ على قولين: فروى الشعبيُّ عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ امرأة قالت لها: يا أُمَّهْ، فقالت لها: لستُ لك بأمٌّ، إنَّما أنا أمُّ رجالِكم. قال ابن العربيّ(١): وهو الصحيح. قلت: لا فائدةً في اختصاص الحَصْرِ في الإباحة للرجال دون النساء، والذي يَظهرُ لي أنهنَّ أمَّهاتُ الرجال والنساء؛ تعظيماً لحقُّهن على الرجال والنساء. يدلُّ عليه صدرُ الآية: ﴿النَِّىُّ أَوْلَ بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، وهذا يشملُ الرجال والنساء ضرورةً. ويدلُّ على ذلك حديثُ أبي هريرةَ وجابر، فيكون قوله: ﴿وَأَزْوَبُهُ أُمَّهَهُمْ﴾ عائداً إلى الجميع. ثم إنَّ في مصحف أُبيّ بن كعب: ((وأزواجُه أمَّهاتُهم وهو أبٌّ لهم))(٢). وقرأ ابن عباس: ((مِن أنفسهم وهو أبٌ [لهم] وأزواجُه [أمهاتهم]))(٣). وهذا كلُّه يوهنُ ما رواه مسروق - إنْ صح - من جهة الترجيح، وإن لم يصح فيَسقطُ الاستدلالُ به في التخصيص، وبقينا على الأصل الذي هو العمومُ الذي يسبقُ إلى الفهوم. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللَّهِ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ قيل: إنه أراد بالمؤمنين الأنصارَ، وبالمهاجرين قريشاً. وفيه قولان : أحدهما: أنه ناسخٌ للتوارثِ بالهجرة؛ حکی سعيد عن قتادة قال: كان نزل في سورة الأنفال ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ يِّن وَلَيَتِهِم مِن شَىْءٍ حَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الآية: ٧٢] فتوارَثَ المسلمون بالهجرة؛ فكان لا يَرتُ الأعرابيُّ المسلمُ من قريبه المسلمِ (١) في أحكام القرآن ١٤٩٦/٣ - ١٤٩٧ وما قبله منه، والخبر أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٦٥ و٦٧ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٧٠ . (٢) ذكرها الفراء في معاني القرآن ٣٣٥/٢، والنحاس في معاني القرآن ٣٦٨/٣ وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧٠/٤، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١٩ عن ابن مسعود ، وقد سلفت ٨٦/٧، و١١/ ١٧٧. (٣) المحرر الوجيز ٣٧٠/٤، وما بين حاصرتين منه. وسترد في المسألة السادسة. ٦٤ سورة الأحزاب: الآية ٦ المهاجِرِ شيئاً حتى يهاجر، ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله: ﴿وَأَوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ يَبَعْضٍ﴾(١). الثاني: أن ذلك ناسخٌ للتوارث بالحِلْفِ والمؤاخاة في الدِّين؛ روى هشام بن عُروة، عن أبيه، عن الزبير: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾، وذلك أنَّا معشرَ قريش لمَّا قَدِمْنا المدينةَ قَدِمْنا ولا أموالَ لنا، فوجَدْنا الأنصارَ نِعْمَ الإخوان فَآخيناهم، فَأَوْرَثونا وأَوْرَثناهم، فآخَى أبو بكر خارجةَ بن زيد، وآخيتُ أنا كعب بنَ مالك، فجئتُ فوجدتُ السلاحَ قد أَثْقَلَه، فواللهِ لو مات(٢) عن الدنيا ما وَرِثَه غيري، حتى أنزل الله تعالى هذه الآيةَ، فرجعنا إلى مواريثنا. وثبت عن عُروةَ أنَّ رسول اللـه ﴾﴿ آخَى بين الزُّبير وبين كعب بن مالك، فارْتُكَّ كعبٌ يومَ أحُدٍ، فجاء الزُّبير يقوده بزمام راحلته، فلو مات يومئذٍ كعبٌ عن الضُّحِّ والريح لورثه الزُّبير، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِی كِتَبِ اللَّهِ﴾. فبيَّن الله تعالى أنَّ القرابة أَوْلى من الحِلْف، فتُركت الوراثة بالحِلْف وورثوا بالقرابة(٣). وقد مضى في ((الأنفال)) الكلامُ في توريث ذوي الأرحام(٤). وقوله: ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ يَحتمِلُ أن يريد القرآن، ويَحْتَمِلُ أن يريد اللوحَ المحفوظَ (١) أخرجه الطبري ٢٩٢/١١، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٢٩٤/٢ . وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٧٥/٤، وعنه نقل المصنف. (٢) في النسخ: لقد مات، وكذا في النكت والعيون ٣٧٥/٤ ، والكلام منه، وهو خطأ. وقد أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٤٢ (٩٢٠٦)، والحاكم ٣٤٤/٤ - ٣٤٥، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية. وقُتل الزُّبير ه سنة ست وثلاثين منصرفَه من وقعة الجمل، ومات كعب بن مالك ﴾ سنة أربعين، وقيل: سنة خمسين. ينظر السير ٦٤/١ و٥٢٦/٢. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٩٧/٣، وخبر عروة أخرجه القزويني في التدوين في أخبار قزوين ١٩٤/٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٨٧/٥٠. قوله: فارتُثّ، الارتثات: أن يُحمل الجريح وهو ضعيف قد أثخنته الجراح. وقوله: الضِّح والريح، أراد أنه لو مات عما طلعت عليه الشمس وجرت عليه الريح، كنَى بهما عن كثرة المال. النهاية (رثث) و(ضحح). (٤) ١٠ /٩٠. ٦٥ سورة الأحزاب: الآية ٦ الذي قَضَى فيه أحوالَ خَلْقِه (١). و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلُّقٌ بـ ﴿بِ﴾ لا بقوله: ﴿وَأَوْلُواْ اٌلْأَرْحَامِ﴾ بالإجماع؛ لأنَّ ذلك كان يوجب تخصيصاً ببعض المؤمنين، ولا خلافَ في عمومها، وهذا حَلُّ إشكالها؛ قاله ابن العربي(٢). النخَّاس(٣): ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ﴾ يجوز أن يتعلَّق ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) بـ ((أُولُو)) فيكون التقدير: وَأُولُو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين. ويجوز أن يكون المعنى: أوْلَى من المؤمنين. وقال المَهْدويُّ: وقيل: إنَّ معناه: وأولو الأرحام بعضُهم أَوْلى ببعضٍ في كتاب الله إلَّ ما يجوز لأزواج النبيِّ﴾ أن يُدْعَين أمهاتِ المؤمنين. والله تعالى أعلم. الخامسة: واختلف في كونهنَّ كالأمَّهات في المَحْرَمِ وإباحة النظر على وجهين : أحدهما: هنَّ مَحْرَمٌ، لا يَحْرُم النظر إليهنَّ [لتحريم نكاحِهن]. الثاني: أنَّ النظر إليهنَّ محرَّم؛ لأنَّ تحريم نكاحِهنَّ إنَّما كان حِفْظاً لحقٌّ رسولِ اللهِ ﴾ فيهنَّ، وكان من حِفْظِ حقٌّه تحريمُ النظر إليهنّ؛ ولأنَّ عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت دخولَ رجلٍ عليها، أَمرت أختها أسماء أن تُرضعه ليصير ابناً لأختها من الرضاعة، فيصير مَحْرَماً يَستبيحُ النَّظر (٤). وأمَّا اللاتي طَلَّقَهنَّ رسول اللـه ﴾ في حياته، فقد اختلف في ثُبوت هذه الحرمة لهنّ على ثلاثة أوجه: أحدها: ثبتتْ لهنَّ هذه الحرمةُ تغليباً لحرمة رسول الله ﴾. (١) النكت والعيون ٣٧٥/٤ . (٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٩٧ . (٣) في إعراب القرآن ٣٠٣/٣ - ٣٠٤. (٤) النكت والعيون ٣٧٤/٤، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرج مالك في الموطأ ٢/ ٦٠٣ عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن عائشة أمَّ المؤمنين أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أمّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل عليَّ ... ٦٦ سورة الأحزاب: الآية ٦ الثاني: لا يثبتُ لهنَّ ذلك، بل هنَّ كسائر النساء؛ لأنَّ النبيَّ # قد أَثبت عصمَتَهنَّ، وقال: ((أزواجي في الدنيا هنَّ أزواجي في الآخرة))(١). الثالث: مَن دخل بها رسول الله ﴿ منهنَّ ثبتتْ حرمتُها وحَرُم نكاحُها وإن طلَّقها؛ حِفْظاً لحرمته وحراسةً لخلوته. ومَن لم يَدْخِلْ بها لم تثبتْ لها هذه الحرمةُ، وقد همَّ عمر بن الخطاب برجم امرأةٍ فارَقَها رسول الله :﴿ فتزوَّجت، فقالت(٢): لَمَ هذا! وما ضَرَبَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ ﴾ حجاباً، ولا سُمِّيتُ أمَّ المؤمنين، فكفَّ عنها عمر ﴾ (٣). السادسة: قال قومٌ: لا يجوز أن يُسَمَّى النبيُّ أباً لقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ولكن يقال: مِثْل الأبِ للمؤمنين، كما قال: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلِّمكم ... )) الحديثَ. خرَّجه أبو داود(٤). والصحيح أنه يجوز أن يقال: إنه أبٌ للمؤمنين، أي: في الحرمة، وقولُه تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبّ أَحَدٍ مِّن رِجَالِگُمْ﴾ أي: في النسب. وسيأتي. وقرأ ابن عباس: ((مِنْ أَنفُسهم وهو أبٌّ لهم وأزواجُه أمهاتهم))(٥). وسمع عمر هذه القراءة فأَنكرها وقال: حُّها يا غلام؟ فقال: إنَّها في مصحف أُبَيِّ، فذهب إليه فسأله، فقال له أُبَيُّ: إنه كان يُلْهِيني القرآنُ ويلهيكَ الصَّفْقُ بالأسواق. وأَغْلَظَ (١) النكت والعيون ٣٧٤/٤ . والحديث ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير ١٣٢/٣ بلفظ: زوجاتي في الدنيا ... ، وقال: لم أجده بهذا اللفظ، وفي البخاري عن عمار أنه ذكر عائشة فقال: إني لأعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وأخرجه أبو الشيخ في كتاب السنة من حديثه مرفوعاً. اهـ. وخبر عمار في صحيح البخاري (٣٧٧٢). (٢) في (ظ): فارقها رسول الله ﴿ قبل البناء بها أرادت أن تتزوج فقالت. (٣) النكت والعيون ٣٧٤/٤. وخبر عمر ذكره أيضاً ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٤٩٦، وأخرجه ابن سعد ١٤٦/٨ من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) في سننه (٨). (٥) قوله: أمهاتهم، من (ظ)، وقد سلفت هذه القراءة في المسألة الثالثة. ٦٧ سورة الأحزاب: الآية ٦ لعمر (١). وقد قيل في قول لوط عليه السلام: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِ﴾ [هود: ٧٨]: إنَّما أراد المؤمنات، أي: تزوَّجوهن. وقد تقدَّم(٢). السابعة: قال قومٌ: لا يقال: بناتُه أخواتُ المؤمنين، ولا أخوالُهن أخوالُ المؤمنين وخالاتُهم. قال الشافعيُّ ﴾: تزوَّج الزبير أسماء بنت أبي بكر الصدِّيقِ وهي أختُ عائشة، ولم يقل: هي خالةُ المؤمنين(٣). وأَطلق قومٌ هذا وقالوا: معاويةُ خالُ المؤمنين(٤)؛ يعني في الحرمة لا في النَّسَب. الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَابِكُمْ مَّعْرُوفًاْ﴾ يريد الإحسانَ في الحياة، والوصيةَ عند الموت، أي: إنَّ ذلك جائز؛ قاله قتادةُ والحسنُ وعطاء(٥). وقال محمد ابن الحنفِيّة: نزلت في إجازةٍ الوصية لليهوديِّ والنَّصرانيّ(٦). أي: يُفعَل هذا مع الوَليِّ والقريبِ وإن كان كافراً، فالمشركُ وَلَيٍّ في النَّسَب لا في الدِّين، فیوصی له بوصية. واختلف العلماء؛ هل يُجعل الكافر وصيًّا؟ فجوَّز بعضُ ومَنَع بعضٌ. وردًّ النَّظَرَ إلى السلطان في ذلك بعضٌ؛ منهم مالكٌ رحمه الله تعالى. وذهب مجاهد وابن زيد والرُّمَّانِيُّ إلى أنَّ المعنى: إلى أوليائكم من المؤمنين. ولفظُ الآية يَعْضُد هذا المذهبَ، وتعميمُ [لفظِ] الوليّ أيضاً حَسَنٌ. وولايةُ النَّسب لا تُدفَع [في] الكافر، وإنَّما يُدفع أن (١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١٢/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٦٩/٧. (٢) ١٧٧/١١ . (٣) الوسيط ٤٥٩/٣، وتفسير البغوي ٥٠٧/٣ . (٤) ذكر البيهقي في الدلائل ٤٥٩/٣ في ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَتْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُم قَوَدَّةٌ﴾ وتزوّج أمّ حبيبة بنت أبي سفيان)) عن ابن عباس قال: كانت المودةُ التي جعل الله بينهم تزويجَ النبي # أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أمَّ المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين. اهـ. وهو من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عنه. (٥) المحرر الوجيز ٤/ ٣٧٠ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٤/٣، وأخرجه بنحوه الطبري ١٩/١٩. ٦٨ سورة الأحزاب: الآيتان ٦ - ٧ يُلقَى إليه بالموَدَّة كولِيِّ الإسلام(١). التاسعة: قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾ ((الكتاب)) يَحتمِلُ الوجهين المذكورين المتقدِّمين في ((كتابِ اللهِ))(٢). و((مسطوراً)) من قولك: سطرتُ الكتابَ: إذا أَثبتَّه أسطاراً(٣). وقال قتادةُ: أي: مكتوباً عند الله عزَّ وجلَّ ألَّا يرث كافرٌ مسلماً. قال قتادة: وفي بعض القراءة: ((كان ذلك عند اللهِ مكتوباً))(٤). وقال القُرَظيُّ: كان ذلك في التوراة(٥). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ التَِّيْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن ◌ُِّحِ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى (@ وَعِيسَى ابْنِ مَرْمٌّ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِثَقًّا غَلِيظًا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِنَ مِثَقَهُمْ﴾ أي: عَهْدَهم على الوفاء بما حمِّلوا، وأن يبشِّرَ بعضُهم ببعض، ويصدِّقَ بعضُهم بعضاً، أي: كان مسطوراً حين كتب الله ما هو كائنٌ، وحين أخذ الله تعالى المواثيقَ من الأنبياء. ﴿وَمِنكَ﴾ يا محمد ﴿وَمِن نُّويج وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ مَرْمٌ﴾ وإنَّما خصَّ هؤلاء الخمسة - وإنْ دَخَلوا في زمرة النبيِّين - تفضيلاً لهم. وقيل: لأنَّهم أصحابُ الشرائع والكتب، وأولُو العزم من الرسل، وأئمةُ الأمم. ويَحتمِلُ أن يكون هذا تعظيماً في قَطْعِ الولايةِ بين المسلمين والكافرين، أي: هذا مما لم تَختلِفْ فيه الشرائع، أي: شرائعُ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، أي: كان في ابتداء الإسلام توارثٌ بالهجرة، والهجرةُ سببٌ متأكِّدٌ في الدِّيانة، ثم توارثوا (١) المحرر الوجيز ٤/ ٣٧٠، وما سلف بين حاصرتين منه، وقول مجاهد وابن زيد أخرجه بنحوه الطبري ٢٠/١٩. (٢) في المسألة الرابعة. (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٣٧٠ . (٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٢٢ . (٥) ذكره البغوي ٥٠٨/٣ . ٦٩ سورة الأحزاب: الآية ٧ بالقرابة مع الإيمان وهو سببٌ وكِيد. فأمَّا التَّوارُثُ بين مؤمنٍ وكافٍ فلم يكن في دينٍ أحدٍ من الأنبياء الذين أخذ عليهم المواثيق، فلا تُداهِنوا في الدِّين، ولا تُمالِئُوا الكفَّارَ، ونظيرُه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الْذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [الشورى: ١٣] ومِن تَرْكِ التفرُّقِ في الدِّين تَرْكُ موالاةِ الكفار. وقيل: أي: النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كان ذلك في الكتاب مسطوراً ومأخوذاً به المواثيقُ من الأنبياء. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِثَقًّا غَلِفًا﴾ أي: عهداً وثيقاً عظيماً على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدِّق بعضُهم بعضاً. والميثاقُ هو اليمينُ بالله تعالى، فالميثاقُ الثاني تأکیدٌ للمیثاق الأول بالیمین. وقيل: الأولُ هو الإقرارُ بالله تعالى، والثاني في أمر النبوّة، ونظيرُ هذا قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]. أي: أخذ عليهم أن يُعلنوا أنَّ محمداً رسولُ اللـه﴾، ويعلن محمدٌ ﴾ أنْ لا نبيَّ بعده. وقدَّم محمداً في الذِّكر لِمَا رَوى قتادةُ عن الحسن عن أبي هريرةَ: أنَّ رسول الله ◌ِ﴾. سُئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبْعِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ﴾ قال: ((كنتُ أولَهم في الخلق، وآخِرَهم في البعث)»(١). وقال مجاهد: هذا في ظَهْر آدَمَ عليه (١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٩١٩/٣ و١٢٠٩، وتمام في فوائده (١٣٩٩)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٣)، والواحدي في الوسيط ٤٥٩/٣ - ٤٦٠. وأخرجه ابن سعد ١٤٩/١، والطبري ٢٣/١٩ من طريق قتادة عن النبي # مرسلاً. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهو أشبه. قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص٣٢٧ : وله شاهد بلفظ: كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد. اهــ وأخرج الشاهد أحمد (٢٠٥٩٦) من حديث مَيْسَرَةِ الفَجْرِ ﴾. والترمذي (٣٦٠٩) من حديث أبي هريرة ، وقال: حسن صحيح غريب. ٧٠ سورة الأحزاب: الآيتان ٨ - ٩ الصلاة والسلام. قوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا قوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: ليَسْألَ الأنبياءَ عن تبليغهم الرسالةَ إلى قومهم؛ حكاه النقَّاش. وفي هذا تنبيهٌ، أي: إذا كان الأنبياء يُسألون، فكيف مَن سواهم؟ الثاني: لَيَسْأَل الأنبياء عما أجابهم به قومهم؛ حكاه عليّ بنُ عيسى. الثالث: ليَسْأَل الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أَخذه عليهم؛ حكاه ابن شجرة. الرابع: ليسأل الأفواه الصادقةَ عن القلوب المُخْلِصة(١). وفي التنزيل: ﴿فَلَنَسْعَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وقد تقدَّم. وقيل: فائدةُ سؤالهِم توبيُ الكفار، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]. ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهو عذابُ جهنّم. قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَءَتَكُمْ جُنُودٌ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا يعني غزوة الخَنْدِق والأحزاب وبني قُرَيظة، وكانت حالاً شديدة مُعْقَبةً بنعمةٍ ورخاء وغبطة، وتضمَّنت أحكاماً كثيرةً وآياتٍ باهراتٍ عزيزةً، ونحن نذكر من ذلك بعون الله تعالى ما يكفي في عشر مسائل: الأولى: اختلف في أيِّ سنةٍ كانت؛ فقال ابنُ إسحاق: كانت في شؤَّال من السنة الخامسة(٢). وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالكٍ رحمه الله: كانت وقعةُ الخندق (١) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٣٧٨/٤ . (٢) سيرة ابن هشام ٢١٤/٢ . ٧١ سورة الأحزاب: الآية ٩ سنةَ أربعٍ، وهي وبنو قُريظةَ في يومٍ واحد، وبين بني قريظةَ والنَّضيرِ أربعُ سنين(١). قال ابن وهب: وسمعتُ مالكاً يقول: أمر رسولُ الله : # بالقتال من المدينة، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] قال: ذلك يوم الخندق؛ جاءت قريش من هاهنا، واليهودُ من هاهنا، والنَّجْدية من هاهنا. يريد مالك أنَّ الذين جاؤوا من فوقهم بنو قريظةَ، ومن أسفلَ منهم قريشٌ وغَطَفان(٢). وكان سببها: أنَّ نفراً من اليهود؛ منهم كنانةُ بن الربيع بن أبي الحُقَيق، وسلَّام ابن أبي الحُقَيق، وسلَّام بن مِشْكم؛ وحُيَيّ بنُ أخْطبَ؛ النَّضريُّون، وهَوْذة بنُ قیس، وأبو عمار من بني وائل - وهم كلُّهم يهود، وهم الذين حَزَّبوا الأحزابَ وأَلَّبوا وجمعوا - خرجوا في نفرٍ من بني النَّضير ونَفَرٍ من بني وائلٍ، فأتوا مكة فدَعَوْا [قريشاً] إلى حرب رسول اللـه ﴿، وواعَدوهم من أنفسهم بعونِ مَن انْتَدَبَ إلى ذلك، فأجابهم أهلُ مكةَ إلى ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون إلى غَطَفَان، فدعَوْهم إلى مثل ذلك، فأجابوهم. فخرجت قريشٌ يقودهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غَطَفان وقائدُهم عُيينة بنُ حصن بن حُذيفة بن بدر الفَزَاريُّ على فَزارة، والحارث بنُ عوف المُرِّيُّ على بني مُرَّة، ومسعود بن رُخَيلةَ على أَشْجَع. فلمَّا سمع رسول اللـه # باجتماعهم وخروجهم شاور أصحابه، فأشار علیه سلمان بحفر الخندق، فرضِيَ رأیه. وقال المهاجرون يومئذ: سلمانُ منَّا. وقال الأنصارُ: سلمان منًّا. فقال رسول الله ﴾. ((سلمانُ منَّا أهلَ البيت))(٣). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٩٨/٣، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣٩٧/٣ من طريق أحمد بن حنبل عن موسى بن داود عن مالك. قال البيهقي: لا اختلاف بينهم في الحقيقة ... فمن قال: سنة أربع، أراد بعد أربع سنين وقبل بلوغ الخمس، ومن قال: سنة خمس، أراد بعد الدخول في السنة الخامسة وقبل انقضائها. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٩٨/٣ . (٣) الدرر في اختصار المغازي والسير ص ١٩٠، وما سلف بين حاصرتين منه. وقوله: ((سلمان منا .. )) = ٧٢ سورة الأحزاب: الآية ٩ وكان الخندقُ أوَّلَ مشهدٍ شَهِدَه سلمانُ مع رسول الله ﴾ وهو يومئذٍ حرِّ. فقال: يا رسول الله، إنَّا كنَّا بفارس إذا حُوصِرْنا خَنْدَقْنَا (١). فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين، ونكص المنافقون، وجعلوا يتسلَّلون لِواذاً، فنزلت فيهم آياتٌ من القرآن ذكرها ابنُ إسحاق وغيره. وكان مَن فَرَغَ من المسلمين من حصَّته عاد إلى غيره، حتى كملَ الخندق. وكانت فيه آياتٌ بَيِّناتٌ وعلاماتٌ للنبوَّات(٢). قلت: ففي هذا الذي ذكرناه من هذا الخبر من الفقه وهي: الثانية: مشاورةُ السلطانِ أصحابَه وخاصَّتَه في أمر القتال، وقد مضى ذلك في ((آل عمران)) و((النمل))(٣). وفيه التحصُّنُ من العدوِّ بما أَمْكَن من الأسباب واستعمالها، وقد مضى ذلك في غير موضع (٤). وفيه أنَّ حَفْرَ الخندق يكون مقسوماً على الناس، فَمَن فَرَغَ منهم عاونَ مَن لم يفرغ، فالمسلمون يدٌ على مَن سواهم؛ وفي البخاريِّ ومسلم عن البَرَاء بن عازِبٍ قال: لمَّا كان يومُ الأحزاب وخَنْدَقَ رسول اللـه ◌َ﴾، رأيتُه ينقل من تراب الخندق حتى وارى عنّي الغبارُ جِلدةَ بطنِهِ، وكان كثير الشَّعَر، فسمعته يرتجِزُ بكلماتِ ابنِ رَواحةً ويقول : = أخرجه مطولاً ومختصراً ابن سعد ٨٢/٤ - ٨٣ و٣١٨/٧، والطبري ٣٩/١٩ - ٤٢، والطبراني في الكبير (٦٠٤٠)، والحاكم ٥٩٨/٣، والبيهقي في الدلائل ٤١٨/٣ من حديث عمرو بن عوف المزنيّ ﴾. (١) تاريخ الطبري ٢ / ٥٦٦ . (٢) الدرر ص١٩١، وينظر ما ذكره ابن هشام في السيرة ٢/ ٢١٧ عن ابن إسحاق من المعجزات. قوله: لواذاً، قال ابن هشام: اللواذ: الاستتار بالشيء عند الهرب. (٣) ٣٨٠/٥ وعند تفسير الآية (٣٢) من سورة النمل. (٤) ينظر ٣٠٠/٥ و١٠٨/٧. ٧٣ سورة الأحزاب: الآية ٩ اللَّهِمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدَيْنا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا وثَبِّت الأقدامَ إنْ لاقَيْنا (١) فأَنْزِلَنَ سِكينةً عَلَيْنَا. وأمَّا ما كان فيه من الآيات وهي : الثالثة: فروى النسائيُّ(٢) عن أبي سُكّينةَ - رجلٍ من المحرَّرين - عن رجلٍ من أصحاب رسول الله ﴾ قال: لمَّا أَمر رسول الله ﴾ بحفرِ الخندق عَرَضَتْ لهم صخرةٌ حالتْ بينهم وبين الحفر، فقام رسولُ اللـه﴾ وأخذ المِعْولَ، ووضعَ رداءه ناحيةً الخندقِ وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقًا﴾ الآية [الأنعام: ١١٥]، فَنَدَرَ ثُلُثُ الحجرِ، وسلمانُ الفارسيُّ قائمٌ ينْظُرُ، فَبَرَق مع ضربةِ رسول الله ﴿ بَرْقَةٌ، ثم ضَرَبَ الثانيةَ وقال: ﴿وَتَمَّتْ﴾ الآيةَ، فَتَدَر الثُّلثُ الآخَرِ، فَبَرَقتْ برقةٌ، فرآها سلمان، ثم ضربَ الثالثةَ وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًا﴾ الآية، فنَدَرَ الثلثُ الباقي. وخرج رسول الله ﴾ فأخذ رداءه وجلس، قال سلمانُ: يا رسولَ الله! رأيتُك حين ضربتَ، ما تَضْرِبُ ضربةً إلَّا كانت معها بَرْقةٌ؟ قال له رسول الله ﴾: «رأيتَ ذلك يا سلمان؟» فقال: إيْ والذي بعثكَ بالحقِّ يا رسول الله! قال: ((فإِنِّي حينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبةَ الأولى رُفعتْ لي مَدَائنُ كِسرى وما حَوْلَها، ومدائنُ كثيرةٌ حتَّى رأيتُها بعينيَّ - قال له مَن حَضَرهُ من أصحابه: يا رسول الله، ادعُ الله أن يفتحَها علينا ويغنِّمَنا ذراريهم(٣) ويخرِّبَ بأيدينا بلادَهم، فدعا رسول الله ﴾ - ثم ضربتُ الضربةَ الثانيةَ، فرُفعتْ لي مَدائنُ قَيْصَرَ وما حَوْلَها حتَّى رأيتُها بعينيَّ - قالوا: يا رسول الله، ادعُ الله تعالى أنْ يفتحَها علينا ويغنِّمنا ذراريهم ويخرِّبَ بأيدينا بلادهم، فدعا رسول اللـه ﴾ - ثم ضربتُ الضربةَ الثالثةَ، فرُفعتْ لي مَدَائنُ الحبشةِ وما حَوْلَها من القُرى حتَى رأيتُها بعينيَّ)) قال (١) صحيح البخاري (٣٠٣٤)، وصحيح مسلم (١٨٠٣)، وهو عند أحمد (١٨٥١٣) و(١٨٥٧٠). ونقله المصنف عن الأحكام الصغرى لعبد الحق ٥١٠/٢ . (٢) في المجتبى ٦/ ٤٣ . (٣) في سنن النسائي: ديارهم، في الموضعين. ٧٤ سورة الأحزاب: الآية ٩ رسول اللـهـ ﴿ عند ذلك: ((دَعوا الحبشةَ ما وَدَعُوكم، واتركوا التُّرْكَ ما تَرَكوكم)) وخرَّجه أيضاً عن البَرّاء قال: لمَّا أَمَرَنا رسول الله : ﴿ أن نحفر الخندق، عَرَضَ لنا صخرةٌ لا تأخذُ فيها المعاولُ، فاشتكينا ذلك لرسول الله﴾، فجاء رسول الله ﴾ فألقى ثوبه وأخذ المِعْوَلَ وقال: ((باسم الله))، فضَرب ضربةً فكسر ثلثَ الصخرة، ثم قال: ((الله أكبر، أُعْطِيتُ مفاتيحَ الشام، واللهِ إنِّي لأُبْصِرُ إلى قصورها الحمراءِ الآن من مكاني هذا)) قال: ثم ضرب أخرى وقال: ((باسم الله)) فكسر ثلثاً آخرَ ثم قال: ((الله أكبر، أُعطِيتُ مفاتيحَ فارسَ، والله إنِّي لأُبْصِرُ قَصْرَ المدائنِ الأبيضَ)). ثم ضرب الثالثةَ وقال: ((باسم الله)) فقطع الحجر وقال: الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيحَ اليمن، واللهِ إِنِّي لأُبْصِرُ بابَ صَنْعاءَ)). صحَّحه أبو محمد عبدُ الحقّ(١). الرابعة: فلمَّا فرغ رسول اللـه ﴾ من حَفْرِ الخندق، أقبلت قريش في نحو عشرة آلافٍ بمَن معهم من كنانةَ وأهلِ تِهامةً، وأقبلت غَطَفان بمن معها من أهل نجد، حتى نزلوا إلى جانب أحُد، وخرج رسول اللـه #، والمسلمون حتى نزلوا بظَهْر سَلْعٍ في ثلاثة آلافٍ، وضربوا عَسْكَرهم والخندقُ بينهم وبين المشركين. واستَعْمَلَ على المدينة ابنَ أُمِّ مَكْتوم، في قول ابن شهاب. وخرج عدوُّ الله حُيّيّ بن أَخْطَبَ النَّضَريُّ حتى أتى كعب بنَ أسد القُرَظِيَّ، وكان صاحبَ عقدٍ بني قريظةً ورئيسَهم، وكان قد وادَعَ رسولَ اللهِ ﴾ وعاقَدَه وعاهَدَه. فلمَّا سمع كعب بنُ أسد بحُيَيّ بن أَخْطَبَ أَغلق دونَه بابَ حصنِه وأبى أن يفتح له، فقال له: افتح لي يا أخي (٢)، فقال له: لا أفتحُ لك، فإنك رجلٌ مشؤوم، تَدْعوني إلى خلافٍ محمدٍ وأنا قد عاقَدْتُه وعاهَدْتُه، ولم أَرَ منه إلَّا وفاءً وصدقاً فلستُ بناقضٍ ما بيني وبينَه. فقال حُيّيّ: افتح لي حتى أكلِّمك وأنصرف عنك، فقال: لا أفعل، فقال: (١) في الأحكام الصغرى ٢/ ٥١٠، وهو في سنن النسائي الكبرى (٨٨٠٧). وأخرجه أحمد (١٨٦٩٤). (٢) في الدرر ص ١٩٣ (والكلام منه): افتح لي يا كعب بن أسد. ونحوه وقع في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٠، وتفسير الطبري ٣٢/١٩، وتاريخ الطبري ٢/ ٥٧١ . ٧٥ سورة الأحزاب: الآية ٩ إنَّما تخاف أن آكُلَ معك جَشِيشَتك (١)، فغضب كعبٌ وفتح له. فقال: يا كعب! إنَّما جئتك بعزِّ الدَّهر، جئتك بقريش وسادتها، وغَطَفانَ وقادتها، قد تَعاقَدوا على أن يستأصلوا محمداً ومَن معه، فقال له كعب: جئتني واللهِ بذلِ الدَّهر، وبجَهَامِ لا غيثَ فيه(٢)، وَيْحَكَ يا حُيَّيّ! دَعْني فلستُ بفاعلٍ ما تدعوني إليه. فلم يزل حُبَيٍّ بكَعْبٍ يَعِدُه ويَغُرُّه، حتى رجع إليه وعاقَدَه على خِذلانِ محمدٍ ﴾ وأصحابِهِ، وأن يسير معهم. وقال له حُييّ بن أخطب: إن انصرفتْ قريش وغطفانُ دخلتُ عندك بِمَن معي من اليهود. فلما انتهى خبرُ كعبٍ وحُيَيّ إلى النبيِّ:﴿ بعث سعد بنَ عُبادة وهو سيدُ الخرزج، وسيدَ الأوْسِ سعد بن معاذ، وبعث معهما عبد الله بنَ رَواحة وخَوَّات بنَ جُبير، وقال لهم رسول الله ﴾: ((انْطَلِقوا إلى بني قريظةَ، فإن كان ما قيل لنا حقّاً فالْحنوا لنا لَحْناً [نعرفه] (٣) ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس، وإن كان كذباً فاجْهَروا به للناس)). فانطَلَقوا حتى أَتَوْهم، فوجودهم على أخبثٍ ما قيل لهم عنهم، ونالوا من رسول الله ﴾. وقالوا: لا عهدَ له عندنا. فشاتَمهم سعد بن معاذ وشاتَموه، وكانت فيه حدَّةٌ، فقال له سعد بن عُبادة: دَعْ عنك مُشاتَمتهم، فالذي بيننا وبينهم أكثرُ من ذلك (٤). ثم أقبل سعدٌ وسعدٌ حتى أَتَيا رسولَ اللـه :﴿ في جماعةِ المسلمين، فقالا: عَضَل والقَارَة؛ يُعرِّضان بغدرِ عَضَل والقارَةِ بأصحاب الرَّجيع خُبيبٍ وأصحابهِ. فقال النبيُّ ﴾: ((أَبْشِروا يا (١) الجشيشة هي أن تطحن الحنطة طحناً جليلاً، ثم تُجعل في القدور ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ، وقد يقال لها: دشيشة. النهاية (جشش). (٢) الجَهام: السحاب الذي فرغ ماؤه، أي: الذي تَعْرِضُه عليَّ من الدِّين لا خيرَ فيه، كالجهام الذي لا ماء فيه. النهاية (جهم). (٣) زيادة من الدرر ص ١٩٣ (والكلام منه)، وهو موافق لما في تفسير الطبري ٣٣/١٩، وتاريخه ٢/ ٥٧٢ . ووقع في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٢: أعرفه. والمعنى: أشيرا إليَّ ولا تُفْصِحا، وعرِّضا بما رأيتما. النهاية (لحن). (٤) في الدرر: أكبر من المشاتمة، وفي السيرة وتفسير الطبري: أربى من المشاتمة. ٧٦ سورة الأحزاب: الآية ٩ معشرَ المسلمین)). وعَظُم عند ذلك البلاءُ واشتدَّ الخوف، وأَتى المسلمين عدوُّهم من فوقهم، يعني من فوق الوادي من قِبَلِ المَشْرِق، ومن أَسْفَلَ منهم؛ من بطنِ الوادي من قِبَل المَغْرِب، حتى ظَنُّوا بالله الظُّنونا. وأَظْهَرَ المنافقون كثيراً مما كانوا يُسِرُّون، فمنهم مَن قال: إنَّ بيوتنا عورةٌ، فلْننصَرِفْ إليها، فإنا نخاف عليها. وممَّن قال ذلك: أوْس بنُ فَيْظيّ. ومنهم مَن قال: يَعِدُنا محمدٌ أن يفتح كنوزَ كسرى وقَيصر، وأحدُنا اليوم لا يأمَنُ على نفسه [أن](١) يذهب إلى الغائط! وممن قال ذلك: مُعَتِّب بنُ قُشير أحدُ بني عمرو بن عوف. فأقام رسول الله # وأقام المشركون بضعاً وعشرين ليلةً؛ قريباً من شهرٍ؛ لم يكن بينهم حَرْبٌ إلَّا الرَّميُ بالنَّبْل والحصى . فلمَّا رأى رسول اللـه ﴿ أنه اشتدَّ على المسلمين البلاءُ بعث إلى عُيَيْنَة بنِ حصن الفَزَاريِّ، وإلى الحارث بن عوف المُرِّيِّ، وهما قائدا غَطَفان، فأعطاهما ثلثَ ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غَطفان، ويخذلا قريشاً ويرجعا بقومهما عنهم. وكانت هذه المقالةُ مُراوَضةً ولم تكن عقداً. فلمَّا رأى رسول الله ﴿ منهما أنَّهما قد أنابا ورضیا، أَتی سعد بن معاذ وسعد بن عبادةَ فذكر ذلك لهما واستشارهما، فقالا : یا رسول الله، هذا أمر تحُّه فنصنعَه لك، أو شيءٌ أَمَرك الله به فنسمعَ له ونطيع، أو أمرٌ تصنعُه لنا؟ قال: ((بل أمرٌ أَصنعُه لكم، واللهِ ما أصنعُه إلَّا أنّي قد رأيتُ العربَ قد رمتكم عن قَوْسٍ واحدة)). فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لقد كنّا نحن وهؤلاء القومُ على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمِعوا قَطُ أن ينالوا منّا ثمرةً إلَّا شِراءً أو قِرَى، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا! واللهِ لا نعطيهم إلَّ السيفَ حتى يحكم الله بيننا وبينهم! فسُرَّ رسول اللـه# بذلك وقال: ((أنتم وذاك)). وقال لعيينةَ والحارثِ: ((انْصرِفا فليس لكما عندنا إلَّ السيفُ)). وتناول سعدٌ الصحيفةَ وليس فيها شهادةٌ فمحاها. (١) زيادة من الدرر ص ١٩٥، والكلام منه. ٧٧ سورة الأحزاب: الآية ٩ الخامسة: فأقام رسولُ الله﴾ والمسلمون على حالهم، والمشركون يحاصرونهم ولا قتالَ بينهم؛ إلَّا أنَّ فوارسَ من قريشٍ - منهم عمرو بنُ عبدِ وُدِّ العامريُّ من بني عامر بن لُؤَيّ، وعِكرمةُ بنُ أبي جهل، وهُبَيرةُ بن أبي وَهْبٍ، وضِرار بنُ الخطّاب الفِهريُّ، وكانوا فرسانَ قريشٍ وشجعانَهم - أقبلوا حتى وقفوا على الخندق، فلَّما رأَوْه قالوا: إنَّ هذه لَمكيدةٌ ما كانت العربُ تَكيدُها! ثم تَيمَّموا مكاناً ضيِّقاً من الخندق، فضربوا خيلَهم فاقتحمت بهم، وجاوزوا الخندق، وصاروا بين الخندق وبين سَلْع، وخرج عليّ بن أبي طالب في نفرٍ من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثُّغرةَ التي اقتَحَموا منها، وأقبلت الفرسانُ نحوهم، وكان عمرو بنُ عبد وُدِّ قد أثبتته الجراح يومَ بَدْرٍ فلم يشهد أُحُداً، وأراد يومَ الخندق أن يُرَى مكانُه، فلمَّا وقف هو وخيلُه نادى: مَن يبارز؟ فبرز له عليُّ بنُ أبي طالب وقال له: يا عمرو، إنك عاهدتَ الله فيما بلغنا أنك لا تُدْعَى إلى إحدى خَلَّتين إلَّ أخذتَ إحداهما؟ قال: نعم. قال: فإنِّي أدعوك إلى الله والإسلام. قال: لا حاجةً لي بذلك. قال: فأدعوك إلى البِرَاز. قال: يا ابن أخي، والله ما أحبُّ أنْ أقتلك لِمَا كان بيني وبين أبيك. فقال له عليٍّ: أنا واللهِ أحبُّ أن أقتلك. فحَمِيَ عمرو بن عبد وُدِّ ونزل عن فرسه، فعقره وصار(١) نحو عليٍّ، فتنازَلا وتَجاوَلا وثار النَّفْعُ بينهما حتى حال دونهما، فما انجلى النَّقْع حتى رُئيَ عليٍّ على صدر عمرو يقطعُ رأسَه، فلمَّا رأى أصحابهُ أنه قد قتله عليٍّ اقتحموا بخيلهم الثُّغْرةَ مُنْهزِمين هاربين. وقال عليٍّ ﴾ في ذلك: ونَصَرْتُ دِينَ محمدٍ بِضِرابٍ نَصَر الحجارةَ من سَفَاهةِ رأیهِ كالجِذْعِ بين دَكادكِ(٣) ورَوَابي نازَلْتُه فتركتُه(٢) متجدِّلاً كنتُ المقطّرَ بَزَّني أثوابي(٤) وعففتُ عن أثوابه ولوَ انَّني (١) في الدرر: وسار. (٢) في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٥: فصددت حين تركته. (٣) جمع دكدك، وهو الرمل الليّن. الإملاء المختصر في شرح غريب السير ٦/٣. (٤) لم يرد هذا البيت في الدرر، وهو في سيرة ابن هشام ٢٢٥/٢ . والمقطَّر: الذي أُلقي على أحد = ٧٨ سورة الأحزاب: الآية ٩ لا تَحسِبنَّ اللهَ خاذلَ دِينِه ونبيِّه يا معشرَ الأحزابِ قال ابن هشام: أكثرُ أهلِ العلم بالسِّير(١) يشكُّ فيها لعليّ. قال ابن هشام(٢): وألقى عِکرمُ بن أبي جهلٍ رُمْحه يومئذٍ وهو منهزمٌ عن عمرو، فقال حسان بن ثابت في ذلك: لعلك عِكرِمَ لم تَفْعَلٍ فرَّ وأَلِقَى لنا رُمْحَهُ ما إن تجورُ عن المَعْدِلِ وولَّيتَ تَعْدُو كعَدْوِ الظَّليم (٣) كأنَّ قَفاك قَفَا فُرْعُلٍ ولم تُلْقِ ظهرَك مستأنساً قال ابن هشام: فُرْعُل : صغيرُ الضِّباع. وكانت عائشةُ رضي الله عنها في حصٍ بني حارثةَ، وأُمُّ سعد بن معاذٍ معها، وعلى سعدٍ دِرْعٌ مُقَلِّصةٌ قد خرجت منها ذراعُه، وفي يده حربتُه وهو يقول : لَبِّثْ قليلاً يَلْحَقِ الهَيْجَا حَمَلْ (٤) لا بأسَ بالموت إذا كان(٥) الأجَلْ ورُميَ يومئذٍ سعد بنُ معاذ بسهمٍ فقطع منه الأَكْحل(٦) . واختُلف فيمَن رماه؛ فقيل: رماه حِبَّان بن قيس بن العَرِقة، أحدُ بني عامر بن = قُطريه، أي: جانبيه، يقال: طعنه فقَطَرَه. وبزَّني: سلبني وجرَّدني. الإملاء المختصر ٦/٣. (١) في السيرة ٢٢٥/٢: بالشعر. (٢) في السيرة ٢٢٦/٢ . (٣) الظليم: ذكر النعام، الإملاء المختصر ٦/٣ . (٤) في النسخ ومطبوع الإملاء المختصر: جمل، بالجيم، وهو خطأ؛ قال أبو ذر صاحب الإملاء: حَمّل هنا اسم رجل، وقال السهيلي في الروض الأنف ٣/ ٢٨٠ : عنى به حمل بن سعدانة بن حارثة بن معقل .. ، وكذا نقل الحافظ في الإصابة ٢٨٨/٢ عن أبي محمد الأسود الغندجاني، وقال الزمخشري في المستقصى في أمثال العرب ٢٧٨/٢: لا يبعد أن يراد به حَمَل بن بدر، صاحب الغبراء. (٥) كذا في النسخ، وفي المصادر: حان. (٦) سيرة ابن هشام ٢٢٦/٢ - ٢٢٧ وأخرجه مطولاً أحمد (٢٥٠٩٧)، والطبري في التاريخ ٥٧٥/٢ -٥٧٦ من حديث عائشة رضي الله عنها. قوله: درع مقلّصة: أي قصيرة ارتفعت وانقبضت. الإملاء المختصر ٦/٣ . قال ابن الأثير في النهاية (قلص): يقال: قلَّصت الدرع وتقلَّصت. ٧٩ سورة الأحزاب: الآية ٩ لؤيّ، فلمَّا أصابه قال له: خُذْها وأنا ابنُ العَرِقة. فقال له سعد: عرَّقَ الله وجهك في النار (١). وقيل: إنَّ الذي رماه خَفاجةُ بن عاصم بن حبَّان(٢). وقيل: بل الذي رماه أبو أسامةَ الجُشَمِيُّ حليفُ بني مخزوم. ولحسان مع صفيةَ بنتِ عبد المطلب خبرٌ طريفٌ يومئذ؛ ذكره ابنُ إسحاق وغيره: قالت صفيةُ بنتُ عبد المطلب رضي الله عنها: كنَّا يومَ الأحزاب في حصن حسان بن ثابت، وحسان معنا في النساء والصبيان، والنبيُّ ﴾ وأصحابُه في نحر العدوِّ لا يستطيعون الانصرافَ إلينا، فإذا يهوديٌّ يدور، فقلتُ لحسان: انزِلْ إليه فاقتُلْه، فقال: ما أنا بصاحِبِ هذا يا ابنةَ عبدِ المطّلب! فأخذتُ عموداً ونزلتُ من الحصن فقتلتُه، فقلت: يا حسان، انزل فاسلبه، فلم يمنعني من سَلَبه إلَّ أنه رجل. فقال: مالي بسلبه حاجةٌ يا ابنةَ عبدِ المطّلب! قالت(٣): فنزلتُ فسلبتُه (٤). قال أبو عمر ابنُ عبد البرِّ(٥): وقد أَنكر هذا عن حسان جماعةٌ من أهل السِّيّر وقالوا: لو كان في حسان من الجُبْنِ ما وصفتُم لهجاه بذلك الذين كان يهاجيهم في الجاهلية والإسلام، ولَهُجِيَ بذلك ابنُه عبد الرحمن؛ فإنه كان كثيراً ما يهاجي الناسَ من شعراء العرب، مثل النجاشيِّ وغيره. السادسة: وأَتى رسولَ الله ﴿ نُعيم بنُ مسعود بن عامر الأشجعيُّ، فقال: يا رسول الله، إنِّي قد أسلمتُ ولم يعلم قومي بإسلامي، فمُرْني بما شئتَ، فقال له (١) سيرة ابن هشام ٢٢٧/٢، والدرر ص ١٩٧. وأخرجه أحمد (٢٤٢٩٤) مختصراً، والبخاري (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٩) مطولاً من حديث عائشة رضي الله عنها . (٢) في النسخ: جبارة، والمثبت من سيرة هشام ٢٢٨/٢، والبداية والنهاية ٤٩/٢ . (٣) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: قال. (٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٨، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في التاريخ ٥٧٧/٢ ، وليس فيهما قولها: فنزلت فسلبته. وإسناده منقطع كما ذكر السهيلي في الروض الأنف ٢٨١/٣ . وأنكر ذلك عن حسان ﴾ وقال: وإن صحَّ؛ فلعل حسان أن يكون معتلًّا في ذلك اليوم بعلّة منعته من شهود القتال. (٥) في الدرر ص١٩٨ . ٨٠ سورة الأحزاب: الآية ٩ رسول الله﴾: ((إنَّما أنت رجلٌ واحدٌ من غَطَفان، فلو خرجتَ فخذَّلْتَ عنَّا إن استطعتَ؛ كان أحبَّ إلينا من بقائك معنا(١)، فاخرجْ فإنَّ الحرب خُدْعة))(٢). فخرج نُعيم بنُ مسعود حتى أتى بني قريظةَ - وكان يُنادِمُهم في الجاهلية - فقال: يا بني قريظة، قد عرفتُم وُدِّي إياكم، وخاصَّةَ ما بيني وبينَكم. قالوا: قُلْ، فلستَ عندنا بِمُتَّهَم. فقال لهم: إنَّ قريشاً وغَطَفان ليسوا كأنتم، البلدُ بلدُكم، فيه أموالُكم وأبناؤكم ونساؤكم، وإنَّ قريشاً وغَطَفانَ قد جاؤوا لحربِ محمدٍ وأصحابِهِ، وقد ظاهَرْ تُموهم عليه، فإن رأوا نُهْزةً(٣) أصابوها، وإن كان غير ذلك لَحقوا ببلادهم وخلّوْا بينكم وبينَ الرجل، ولا طاقةً لكم به، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُناً. ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لهم: قد عرفتُم وُدِّي لكم معشرَ قريش، وفراقي محمداً، وقد بلغني أمرٌ أرى من الحقِّ أنْ أبلِّغَكموه نُصْحاً لكم، فاكتموا عليَّ. قالوا: نفعلُ. قال: تعلمون (٤) أنَّ معشر يهودَ قد نَدِموا على ما كان من خذلانهم محمداً، وقد أرسلوا إليه: إنَّا قد نَدِمنا على ما فعلنا، فهل يرضيكَ أنْ نأخذ من قريشٍ وغَطَفانَ رُهُناً رجالاً ونسلِّمهم إليكم تضربوا أعناقهم؟ ثم نكون معك على ما بقي منهم حتى نستأصلهم. ثم أتى غَطَفان، فقال مثلَ ذلك . فلمَّا كان ليلةَ السبت - وكان ذلك من صُنْعِ الله عزَّ وجلَّ لرسوله والمؤمنين - أرسل أبو سفيان إلى بني قُرَيظةَ عِكرمةَ بن أبي جهل في نفرٍ من قريش وغَطَفان يقول لهم: إِنَّا لَسْنا بدارِ مُقام، قد هلك الخُفُّ والحافر، فاغْدُوا صبيحةَ غدٍ للقتال حتى (١) في (ظ): من أن تقاتل معنا. (٢) الدرر ص١٩٨، والخبر في سيرة ابن هشام ٢٢٩/٢ . وقوله: الحرب خُذْعة، أخرجه أحمد (١٤٣٠٨)، والبخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩) من حديث جابر ﴾. وأخرجه أحمد (٨١١٢)، والبخاري (٣٠٢٧)، ومسلم، (١٧٤٠) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) النُّهْزَة: الفرصة، وانتهزها: اغتنمها. القاموس (نهز). (٤) في الدرر: أتعلمون. ووقع في السيرة: تعلّموا، وفي تاريخ الطبري ٥٧٨/٢ : فاعلموا.