Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة لقمان: الآية ٦ حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله : ((منِ استمعَ إلى صوت غناءٍ لم يؤذَنْ له أن يسمع الرُّوحانيين)) فقيل: ومَنِ الرُّوحانيون يا رسولَ الله؟ قال: ((قُرَّاء أهل الجنة)) خرَّجه الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله في ((نوادر الأصول)»(١) وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة))(٢) مع نظائره: ((فمن شرِبَ الخمرَ في الدنيا لم يشرَبْها في الآخرة، ومن لبسَ الحريرَ في الدنيا لم يلبَسْه في الآخرة)»(٣). إلى غير ذلك. و کلُّ ذلك صحیحُ المعنى على ما بيَّنَّاه هناك. ومن رواية مكحول عن عائشة قالت: قال رسول الله ﴾. ((مَنْ مَاتِ وعنده جاريةٌ مغنِّيَةٌ فلا تُصلُّوا عليه))(٤). ولهذه الآثار وغيرها قال العلماء بتحريم الغناء. وهي المسألة: الثانية - وهو الغناء المُعتاد عند المشتَهِرين به، الذي يُحرِّك النفوس ويبعثها على الهوى والغَزَل، والمُجُون الذي يُحرِّك الساكنَ ويبعثُ الكامنَ، فهذا النوع إذا كان في شعرٍ يُشَبَّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهنَّ، وذكر الخمور والمُحرَّمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنَّه اللهوُ والغناءُ المذمومُ بالاتِّفاق. فأمَّا ما سلِمَ من ذلك فيجوز القليلُ منه في أوقات الفرح، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخَنْدَق وحَدْوِ أنْجِشَة وسَلَمة بن الأكوع. فأمَّا ما ابتدعَتْه الصوفيةُ اليومَ من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبّابات والطار والمعازف والأوتار فحرام. ابن العربيٍّ: فأمَّا طبل الحرب فلا حرجَ فيه؛ لأنَّه يقيمُ النفوسَ، ويُرهِبُ (١) ١/ ١٥٤ . (٢) ص ٤٤٨ - ٤٤٩ . (٣) أخرجه بتمامه النسائي في الكبرى (٦٨٤٠)، والحاكم ١٤١/٤ من حديث أبي هريرة ﴾. والطرف الأول أخرجه أحمد (٤٦٩٠)، والبخاري (٥٥٧٥)، ومسلم (٢٠٠٣) من حديث ابن عمر ﴾. والطرف الثاني أخرجه أحمد (١١١٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾. و(١١٩٨٥)، والبخاري (٥٨٣٢)، ومسلم (٢٠٧٣) من حديث أنس . وأحمد (١٦١١٨)، والبخاري (٥٨٣٣) من حديث عبد الله بن الزبير ﴾. ومسلم (٢٠٧٤) من حديث أبي أمامة ﴾. (٤) ذكره ابن حزم في المحلى ٩/ ٥٧ من طريق عمر بن موسى، عن مكحول، به. وقال: عمر بن موسى مجهول، ومکحول لم يلق عائشة. ٤٦٢ سورة لقمان: الآية ٦ العدوَّ(١). وفي اليَرَاعة تردُّد. والدُّفُّ مباح. الجوهريّ: وربما سمُّوا قصبة الراعي التي يَزْمُر بها هَيْرعةً ويَراعةٌ(٢). قال القشيريّ: ضُرِبَ بين يدي النبيِّ # يومَ دخل المدينة، فهَمَّ أبو بكر بالزَّجر، فقال رسول الله﴾: ((دَعْهُنَّ يا أبا بكرٍ حتى تعلمَ اليهودُ أنَّ دينَا فَسيح)) فَكُنَّ يضرِبْنَ ويقُلْنَ: نحنُ بناتُ النجَّار، حبَّذا محمدٌ من جارٍ (٣). وقد قيل: إنَّ الطبلَ في النكاح كالذُّفِّ، وكذلك الآلات المُشْهِرة للنكاح يجوز استعمالُها فيه بما يَحسُنُ من الكلام ولم يكن فيه رَفَثٌ. الثالثة - الاشتغال بالغناء على الدوام سَفَةٌ تُرَدُّ به الشهادة، فإن لم يَدُمْ لم تُردَّ. وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألتُ مالك بن أنس عمَّا يُرخّص فيه أهلُ المدينة من الغناء، فقال: إنما يفعلُه عندنا الفُسَّاق. وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبريّ قال: أمَّا مالك بن أنس فإنَّه نهى عن الغناء وعن استماعِه، وقال: إذا اشترى جاريةً ووجدها مغنيةً كان له ردُّها بالعيب، وهو مذهب سائر أهل المدينة، إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا السَّاجي أنه كان لا يرى به بأساً. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: فأمَّا مالكٌ فيُقال عنه: إنَّه كان عالماً بالصناعة، وكان مذهبُه تحريمَها. ورُويَ عنه أنه قال: تعلمتُ هذه الصناعةَ وأنا غلامٌ شاب، فقالت لي أمي: أيْ بُنيَّ، إنَّ هذه الصناعةَ يَصلُح لها من كان صبيحَ الوجه ولستَ كذلك، فاطلُبِ العلومَ الدينية. فصحبتُ ربيعةً، فجعلَ اللهُ في ذلك خيراً. قال أبو الطيب الطبريّ: وأمَّا مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناءَ مع إباحته شرب النَّبيذ، ويجعلُ سماع الغناء من الذنوب. وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة: إبراهيم والشَّعبيِّ وحماد والثوري وغيرِهم، لا اختلافَ بينهم في ذلك. وكذلك لا يُعرَفُ بين أهل البصرة خلافٌ في كراهية ذلك والمنع منه، إلَّا ما (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٨٢/٣ . (٢) الصحاح (هرع). (٣) طرفه الأول أخرجه أحمد (٢٤٨٥٥) بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها. وطرفه الثاني أخرجه ابن ماجه (١٨٩٩) بنحوه من حديث أنس بن مالك ﴾. ٤٦٣ سورة لقمان: الآية ٦ رُوِيّ عن عُبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأساً. قال: وأما مذهب الشافعيِّ فقال: الغناء مكروهٌ يُشبه الباطل، ومنِ استكثرَ منه فهو سفيهٌ تُردُّ شهادتُه. وذكر أبو الفرج الجَوْزي عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاثَ رواياتٍ؛ قال: وقد ذکر أصحابُنا عن أبي بكر الخَلَّال وصاحبِه عبد العزيز إباحةً الغناء، وإنما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزُّهديَّات؛ قال: وعلى هذا يُحمَلُ ما لم يكره أحمد، ويدلُّ عليه أنه سُئِلَ عن رجلٍ ماتَ وخلَفَ ولداً وجاريةً مغنيةً، فاحتاج الصبيُّ إلى بيعها فقال: تُباعُ على أنها ساذجةٌ لا على أنها مُغنِّية. فقيل لها: إنها تساوي ثلاثين ألفاً، ولعلَّها إن بيعَتْ ساذجةً تُساوي عشرين ألفاً؟ فقال: لا تُباع إلَّ على أنها ساذَجٌ. قال أبو الفرج: وإنما قال أحمد هذا؛ لأنَّ هذه الجارية المغنيَّة لا تُغنِّي بقصائد الزهد، بل بالأشعار المُطربةِ المُثيرةِ إلى العشق. وهذا دليلٌ على أنَّ الغناء محظورٌ؛ إذ لو لم يكن محظوراً ما جاز تفويتُ المال على اليتيم. وصار هذا كقول أبي طلحةً للنبيِّ#: عندِي خمرٌ لأيتام؟ فقال: ((أرِقْها))(١). فلو جازَ استصلاحُها لمَا أُمِرِ بتضييع مال اليتامى. قال الطبريّ: فقد أجمعَ علماءُ الأمصار على كراهةٍ الغناء والمنع منه، وإنَّما فارق الجماعةَ إبراهيمُ بن سعد وعبيد الله العنبري؛ وقد قال رسول الله#: ((عليكم بالسوادِ الأعظم»(٢) و ((من فارق الجماعة مات ميتةً جاهلية))(٣). قال أبو الفرج: وقال القفَّال من أصحابنا: لا تُقبَلَ شهادةُ المُغنِّي والرقَّاص (٤). (١) أخرجه بنحوه أحمد (١٢١٨٩)، وأبو داود (٣٦٧٥) من حديث أنس بن مالك ﴾. وهو في صحيح مسلم (١٩٨٣) وفيه أن السائل رجل، ولم تتعين تسميته بأبي طلحة. (٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٠) من حديث أنس . قال البوصيري: في إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء، وهو ضعيف. قلنا: وفي إسناده معان بن رفاعة، وهو لين الحديث فيما قاله الحافظ في التقريب. (٣) أخرجه أحمد (٢٤٨٧)، والبخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١٨٤٩) من حديث ابن عباس ﴾. وأخرجه أحمد (٧٩٤٤)، ومسلم (١٨٤٨) من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) من بداية المسألة إلى هذا الموضع من تلبيس إبليس ص ٢٢٢ - ٢٢٤ دون قوله: وقال ابن خويز منداد ... فجعل الله في ذلك خيراً. ٤٦٤ سورة لقمان: الآية ٦ قلت: وإذ قد ثبت أنَّ هذا الأمر لا يجوز فأخذُ الأجرةِ عليه لا تجوز. وقدِ ادَّعى أبو عمر بن عبد البر(١) الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك. وقد مضى في الأنعام عند قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وحسْبُك. الرابعة - قال القاضي أبو بكر بن العربي: وأمَّا سماعُ القَيناتِ فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته؛ إذ ليس شيءٌ منها عليه حراماً لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يُمنَعُ من التلذَّذِ بصوتها. أمَا أنه لا يجوز انكشافُ النساء للرجال، ولا هَتْكُ الأستار، ولا سماعُ الرَّفَث، فإذا خرج ذلك إلى ما لا يَحِلُّ ولا يجوز، مُنِعَ من أوَّله، واجتُثَّ من أصله(٢). وقال أبو الطيِّب الطبريّ: أمَّا سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرَمٍ فإنَّ أصحاب الشافعيِّ قالوا: لا يجوز، سواء كانت حرَّةً أو مملوكة. قال: وقال الشافعيُّ: وصاحبُ الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيةٌ تُرَدُّ شهادتُه، ثم غلَّظ القول فيه فقال: فهي دِيائة. وإنَّما جعل صاحبَها سفيهاً لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهاً (٣). الخامسة - قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قراءة العامة بضمِّ الياء، أي: ليُضِلَّ غيرَه عن طريق الهدى، وإذا أضلَّ غيرَه فقد ضلَّ. وقرأ ابن كثير وابن مُحيصن وحميد وأبو عمرو ورُوَيْس وابن أبي إسحاق بفتح الياء على اللازم، أي: لِيُضِلَّ هو نفسه(٤). ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا﴾ قراءةُ المدنيِّين وأبي عمرو وعاصم بالرفع عطفًا على ((مَنْ يَشْتَرِي)) ويجوز أن يكون مُستأنَفاً. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: ((وَيَتَّخِذَها)) (١) في الكافي ١/ ٤٤٤ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٨٢ . (٣) تلبيس إبليس ص ٢٣٤ . (٤) إعراب القرآن ٢٨٢/٣، وينظر السبعة ص ٢٦٧، والتيسير ص ١٣٤، والنشر ٢٩٩/٢ . وينظر ما سلف ١٢ / ١٤٢. ٤٦٥ سورة لقمان: الآيات ٦ - ٩ بالنصب عطفًا على ((لِيُضلَّ))(١). ومن الوجهين جميعاً لا يَحسُنُ الوقفُ على قوله: (بِغَيْرِ عِلْمٍ)) والوقف على قوله: (هُزُوًا))(٢)، والهاء في ((يَتَّخذَها)) كنايةٌ عن الآيات. ويجوز أن يكون كنايةً عن السبيل؛ لأنَّ السبيلَ يؤنَّثُ ويُذَّر(٣). ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: شديدٌ يُهينهم. قال الشاعر: لَقيَ الصليبُ من العذابِ مُهينا (٤) ولقد جزِعْتُ إلى النَّصارى بعد ما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ وَيَنُنَا وَلَى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيَّ أُذُنَّهِ وَقْرَأْ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (@) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا﴾ يعني القرآن. ﴿وَلَّ﴾ أي: أعرض(٥) ﴿مُسْتَكْبًِا﴾ نصب على الحال(٦). ﴿كَنَ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَنَّ فِيَّ أُذُنَّهِ وَقْاْ﴾ ثِقَلاً وصَمَماً. وقد تقدَّم (٧). ﴿فَبَشِّرَهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ تقدَّم أيضاً (٨). خَلِینَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ النَّعِيمِ فِيهَّا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ التَِّ﴾ لمَّا ذكر عذابَ الكفار ذكر نعيمَ المؤمنين. ﴿خَلِينَ فِيهًا﴾ أي: دائمين. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: وعدَهم اللهُ هذا وعداً حقًّا لا خُلْفَ فيه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدَّم أيضاً (٩). (١) إعراب القرآن ٢٨٢/٣. وقد اختلف في القراءة عن عاصم، ففي رواية أبي بكر عنه بالرفع، وفي رواية حفص بالنصب. وينظر السبعة ص ٥١٢ ، والتيسير ص ١٧٦ . (٢) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٣٧ . (٣) إعراب القرآن ٢٨٢/٣ . (٤) قائله جرير، وهو في الكامل ١٠٧٥/٣. (٥) تفسير أبي الليث ١٩/٣ . (٦) البيان ٢/ ٢٥٤ . (٧) ٨/ ٣٤٥ . (٨) ٣٠١/١. (٩) معنى ((العزيز)) سلف ٤٠٣ - ٤٠٤، ومعنى ((الحكيم)) سلف ٤٢٩/١. ٤٦٦ سورة لقمان: الآيتان ١٠ - ١١ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِىِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَبٍَّ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَّتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهاً﴾ تكون («تَرَوْنَها)» في موضع خفضٍ على النعت لـ ((عَمَد)) فيُمكن أن يكون ثَمَّ عَمَدٌ ولكن لا تُرى. ويجوز أن تكون في موضع نصبٍ على الحال من ((السَّماوات)) ولا عَمَدَ ثَمَّ البَتّة(١). النخَّاس: وسمعتُ علي بن سليمان يقول: الأَولى أن يكونَ مُستأنَفاً(٢)، ولا عَمَدَ ثَمَّ. قاله مكيّ (٣). ويكون ((بِغَيْرِ عَمَدٍ)) التمام (٤). وقد مضى في ((الرعد))(٥) الكلامُ في هذه الآية. ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَسِ﴾ أي: جبالاً ثوابت(٦). ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ في موضع نصب؛ أي: كراهيةً أن تميد. والكوفيون يُقدِّرونه بمعنى: لئلا تميد. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَنْنَا فِيهَا مِن كُلِّ نَوْجِ كَرِيمٍ﴾ عن ابن عباس: من كلِّ لونٍ حَسَن. وتأوَّله الشَّعبيُّ على الناس؛ لأنَّهم مخلوقونَ من الأرض؛ قال: مَنْ كان منهم يصير إلى الجنة فهو الكريم، ومَن كان منهم يصير إلى النار فهو اللئيم. وقد تأوَّلَ غيرُه أنَّ النُّطفةَ مخلوقةٌ من تراب، وظاهرُ القرآن يدلُّ على ذلك. قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ الَّهِ﴾ مبتدأ وخبر(٧). والخلق بمعنى المخلوق(٨)، أي: هذا الذي ذكرتُه مما تُعاينون ((خَلْقُ اللـهِ)) (٩) أي: مخلوقُ الله، أي: خلقَها من غير (١) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٦٤ . (٢) إعراب القرآن ٣/ ٢٨٢. (٣) في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٦٤ . (٤) إعراب القرآن ٢٨٢/٣. (٥) ٦/١٢ - ٧ . (٦) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٩٥ . (٧) إعراب القرآن ٣/ ٢٨٣ ، والكلام الذي قبله منه. (٨) الكشاف ٣/ ٢٣٠. (٩) تفسير البغوي ٣/ ٤٩٠ . ٤٦٧ سورة لقمان: الآيات ١٠ - ١٢ شريك. ﴿فَأَرُونِ﴾ معاشرَ المشركين ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾ يعني الأصنام. ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ أي: المشركون ﴿فِي ضَلَلٍ تُبِينٍ﴾ أي: خُسرانٍ ظاهر(١). و((ما)) استفهامٌ في موضع رفع بالابتداء، وخبرُه ((ذا))، وذا بمعنى الذي. و((خلق)) واقعٌ على هاءٍ محذوفة (٢)، تقديره: فأروني أيَّ شيءٍ خَلَقَ الذين من دونه، والجملة في موضع نصبٍ بـ ((أَروني)) وتُضمَرُ الهاءُ مع ((خلق)) تعودُ على الذين، أي: فأروني الأشياء التي خلقَها الذين من دونه(٣). وعلى هذا القول تقول: ماذا تعلمتَ، أنحوٌ أم شِعرٌ؟ ويجوز أن تكون ((ما)) في موضع نصبٍ بـ ((أَروني)) و((ذا)) زائدة، وعلى هذا القول يقول: ماذا تعلمتَ، أنحواً أم شعراً؟ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنْ أَشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَانَيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ مفعولان. ولم ينصرِفْ ((لُقْمان)) لأنَّ في آخره ألفاً ونوناً زائدتين، فأشبهَ فُعلانَ الذي أُنثاه فُعلَى، فلم ينصرِفْ في المعرفة؛ لأنَّ ذلك ثِقَلٌ ثانٍ، وانصرفَ في النكرة؛ لأنَّ أحدَ الثَّقَلين قد زال. قاله النخَّاس(٤). وهو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارَح، وهو آزر أبو إبراهيم. كذا نسبه محمد بن إسحاق(٥). وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن سرون، وكان نُوبِيًّا من أهل أيلة. ذكره السُّهيليُّ(٦). قال وهب: كان ابنَ أخت أيوب. وقال مقاتل: ذُكِرَ أنه كان ابنَ خالة أيوب(٧). الزَّمخشريُّ: وهو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته. وقيل: (١) تفسير الطبري ٥٤٤/١٨ - ٥٤٥، وتفسير أبي الليث ٣/ ٢٠ بمعناه. (٢) إعراب القرآن ٣/ ٢٨٣ . (٣) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٦٥ . (٤) في إعراب القرن ٢٨٣/٣ وما قبله منه. (٥) عرائس المجالس ص ٣٥٠. (٦) في التعريف والإعلام ص ١٣٤. ووقع في مطبوعه: ((يثرون)) بدل ((سرون)). (٧) عرائس المجالس ص ٣٥٠ . ٤٦٨ سورة لقمان: الآية ١٢ كان من أولاد آزر، عاش ألف سنةٍ، وأدركه داود عليه السلام وأخذَ عنه العلم، وكان يُفتي قبل مَبعثِ داود، فلمَّا بُعِثَ قطع الفتوى فقيل له، فقال: لا أكتفِي إذ كُفيتُ(١). وقال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل(٢). وقال سعيد بن المسيِّب: كان لقمانُ أسودَ من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاهُ اللهُ تعالى الحكمةَ، ومنعَه النبوَّة(٣). وعلى هذا جمهور أهل التأويل إنه كان وليًّا ولم يكن نبيًّا. وقال بنبؤَّته عِكرمةُ والشَّعبيُّ، وعلى هذا تكون الحكمةُ النبؤَّةَ. والصواب أنه كان رجلاً حكيماً بحكمةِ الله تعالى - وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدِّين والعقل - قاضيًا في بني إسرائيل، أسودَ مشقَّقَ الرِّجلين ذا مشافر، أي: عظيم الشفتين. قاله ابن عباس وغيره. ورُويَ من حديث ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((لم يكُنْ لقمانُ نبيًّا، ولكن كان عبداً كثيرَ التفكّرٍ، حَسَن اليقين، أحبَّ اللهَ تعالى فأحبَّه، فمنَّ عليه بالحكمة، وخيّره في أن يجعلَه خليفةً يحكم بالحق، فقال: ربِّ، إنْ خيَّرتني قبلتُ العافية وتركتُ البلاء، وإن عزمتَ عليَّ فسمعًا وطاعةً فإنك ستعصمني)). ذكره ابن عطية (٤). وزاد الثعلبيُّ(٥): فقالت له الملائكة بصوتٍ لا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأنَّ الحاكمَ بأشدِ المنازلِ وأكدرِها، يغشاه المظلومُ من كلِّ مكان، إن يُعَنْ فبالْحَرِيِّ أن ينجو، وإن أخطأَ أخطأَ طريقَ الجنة، ومن يكُنْ في الدنيا ذليلاً خيرٌ من أن يكون فيها شريفاً، ومن يَخْتَرِ الدنيا على الآخرة نفَتْه الدنيا ولا يُصيبُ الآخرة. فعجبتِ الملائكةُ من حُسنِ مَنطقِهِ، فنام نومةً، فأُعطِيَ الحكمةَ فانتبه يتكلّم بها، ثم نُودِيَ داودُ بعده فقَبِلها - يعني الخلافة - ولم يَشْتَرِظ ما اشترطَه لقمان، فهوى في الخطيئة غيرَ مرة، كلُّ ذلك یعفو الله عنه. وكان لقمانُ یُوازِرُه بحكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان، (١) الكشاف ٢٣١/٣. (٢) عرائس المجالس ص ٣٥٠. (٣) النكت والعيون ٣٣١/٤، وأخرجه الطبري ٣٨/ ٥٤٧ مختصراً. (٤) في المحرر الوجيز ٤/ ٣٤٧ . (٥) في عرائس المجالس ص ٣٥١، وأخرجه بتمامه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٦ / ٨٥ - ٨٦. ٤٦٩ سورة لقمان: الآية ١٢ أُعطيتَ الحكمةَ، وصُرِفَ عنك البلاءُ، وأُعطي داودُ الخلافةَ، وابتُلي بالبلاءِ والفتنة. وقال قتادة: خيَّر اللهُ تعالى لقمانَ بين النبوَّة والحكمة، فاختار الحكمةَ على النبوَّة، فأتاه جبريلُ عليه السلام وهو نائمٌ فذَرّ عليه الحكمةَ، فأصبح وهو ينطِقُ بها، فقيل له: كيفَ اخترتَ الحكمة على النبوّةِ وقد خيَّرك ربُّكَ؟ فقال: إنه لو أرسل إليَّ بالنبوَّة عَزْمةً(١) لَرَجَوْتُ فيها العونَ منه، ولكنه خيَّرني فخِفتُ أن أضعُفَ عن النبوَّة، فكانتِ الحكمةُ أحبَّ إليَّ(٢). واختُلِفَ في صَنعته؛ فقيل: كان خياطاً. قاله سعيد بن المسيِّب(٣)، وقال لرجلٍ أسود: لا تحزَنْ من أنَّكَ أسود، فإنَّه كان مِنْ خيرِ الناس ثلاثةٌ من السودان: بلال، ومِهْجع مولى عمر، ولقمان(٤). وقيل: كان يحتطب كلَّ يوم لمولاه حُزْمةً حطب. وقال لرجلٍ ينظر إليه: إن كنتَ تراني غليظَ الشَّفتينِ فإنه يخرج من بينهما كلامٌ رقيق، وإن كنتَ تراني أسودَ فقلبي أبيض(٥). وقيل: كان راعياً، فرآه رجلٌ كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألستَ عبدَ بني فلان؟ قال: بلى. قال: فما بَلِغَ بِكَ ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله، وأدائي الأمانة، وصِدقُ الحديث، وتركُ ما لا يعنيني. قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر(٦). وقال خالد الرَّبَعي: كان نجاراً، فقال له سيِّدُه: اذبَحْ لي شاةً وائتني بأطيبها مُضْغتين. فأتاه باللسان والقلب، فقال له: ما كان فيها شيءٌ أطيبَ من هذين؟ فسكت، ثم أمره بذبْحِ شاةٍ أخرى، ثم قال له: ألْقِ أخبثَها مُضْغتين. فألقى اللسان والقلب، فقال له: أمرتُكَ أن تأتيني بأطيبَ مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتُكَ أن تُلقي أخبثَها فألقيتَ اللسان والقلب؟! فقال له: إنه ليس شيءٌ أطيبَ منهما إذا (١) أي: حقًّا من حقوقه، وواجباً من واجباته. النهاية (عزم). (٢) النكت والعيون ٣٣١/٤ . (٣) أخرجه أحمد في الزهد ص ٦٤، وهو في تفسير البغوي ٤٩١/٣، وزاد المسير ٣١٨/٦ . (٤) أخرجه الطبري ٥٤٧/١٨ - ٥٤٨ . (٥) الكشاف ٢٣١/٣ . (٦) النكت والعيون ٣٣١/٤ - ٣٣٢. ٤٧٠ سورة لقمان: الآية ١٢ طابا، ولا أخبثَ منهما إذا خَبُئًا(١). قلت: هذا معناه مرفوعٌ في غير ما حديث، من ذلك قولُهُ ﴾: ((ألا وإنَّ في الجسدِ مضغةً إذا صَلُحتْ صَلُحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدَتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب))(٢). وجاء في اللسان آثارٌ كثيرةٌ صحيحةٌ وشهيرة؛ منها قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ وقاه اللهُ شرَّ اثنتين وَلَج الجنة: ما بين لَحْيَيْه ورجليه)) ... الحديث(٣). وَحِكُم لقمانَ كثيرةٌ مأثورةٌ هذا منها. وقيل له: أيُّ الناس شرٌّ؟ قال: الذي لا يُبالي أن رآه الناس مُسيئاً (٤). قلتُ: وهذا أيضاً مرفوعٌ معنّى؛ قال ﴾: ((كلُّ أمتي معافى إلَّ المُجاهِرون، وإنَّ من المُجاهرة أن يعملَ الرجلُ باللیل عملاً ثم يصبحُ وقد ستره اللهُ فیقول: یا فلان، عملتُ البارحةَ كذا وكذا. وقد باتَ يستره ربُّه، ويُصبح يَكْشِفُ سِترَ الله عنه)). رواه أبو هريرة، خرَّجه البخاري(٥). وقال وهب بن مُنبِّه: قرأتُ من حكمة لقمان أرجَحَ من عشرة آلاف باب(٦). ورُويَ أنه دخل على داودَ عليه السلام وهو يَسْرُد الدروع، وقد ليَّن الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسألَه، فأدركَتْه الحكمةُ فسكت، فلما أتمَّها لِسَها وقال: نِعْمَ لُبُوسُ الحربِ أنتِ. فقال: الصمتُ حكمة، وقليلٌ فاعِلُه. فقال له داود: بحقِّ ما سُمِّيتَ حكيماً(٧). قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ فيه تقديران: أحدهما أن تكون ((أن)) بمعنى أي مفسِّرة، أي: قلنا له: اشكر. والقول الآخر أنها في موضع نصب، والفعل داخلٌ في (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢١٤/١٣، وأحمد في الزهد ص ٦٥، والطبري ٥٤٨/٣٨ . (٢) سلف ١/ ٢٨٧ . (٣) سلف ١٢ / ٨٥ . (٤) المحرر الوجيز ٣٤٧/٤ . (٥) في صحيحه (٦٠٦٩)، وهو في صحيح مسلم (٢٩٩٠). (٦) معاني القرآن للنحاس ٢٨٣/٥. (٧) الكشاف ٢٣١/٣ . ٤٧١ سورة لقمان: الآيتان ١٢ - ١٣ صلتها، كما حكى سيبويه: كتبتُ إليه أن قُمْ. إلَّا أن هذا الوجه عنده بعيد(١). وقال الزجَّاج: المعنى: ولقد آتينا لقمانَ الحكمة لأَنْ يشكر الله تعالى(٢). وقيل: أي: بأنِ اشكُرْ لله تعالى فشكر، فكان حكيماً بشكره لنا. والشكر لله: طاعتُه فيما أمر به. وقد مضى القول في حقيقته لغةً ومعنّى في ((البقرة))(٣) وغيرها. ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِةِ﴾ أي: من يُطع الله تعالى فإنما يعمل لنفسه؛ لأنَّ نفع الثواب عائدٌ إليه. ﴿وَمَن كُفَرَ﴾ أي: كفر النعم فلم يوحِّد الله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ﴾ عن عبادة خلقه ﴿حَمِيدٌ﴾ عند الخلق؛ أي: محمود(٤). وقال يحيى بن سلاَّم: ((غَنِيٌّ)) عن خلقه ((حَمِيدٌ)) في فعله(٥) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال السُّهَيْلِيُّ: اسم ابنه ثاران؛ في قول الطبري والقُتَبيّ(٦). وقال الكلبي: مشكم. وقيل: أنعم. حكاه النقَّاش(٧). وذكر القُشيريُّ أنَّ ابنَه وامرأته كانا كافرين، فما زال يعِظهما حتى أسلما. قلت: ودلَّ على هذا قوله: ﴿لَا تُشْرِكِ بِاللّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وفي ((صحيح مسلم)»(٨) وغيره عن عبد الله قال: لمَّا نزلت ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلك على أصحاب رسول اللـه ﴿ وقالوا: أيُّنا لا يظلِمُ نفسَه؟ فقال رسول الله ﴾: «ليس هو كما تظنُّون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ (١) إعراب القرآن ٢٨٣/٣ . وكلام سيبويه في الكتاب ١٦٢/٣. (٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٩٥. (٣) ١٠٤/٢ - ١٠٦ . (٤) المحرر الوجيز ٣٤٨/٤ . (٥) النكت والعيون ٣٣٣/٤ . (٦) التعريف والإعلام ص ١٣٤، وهو في المعارف لابن قتيبة ص ٥٥ . (٧) النكت والعيون ٣٣٣/٤ . (٨) (١٢٤)، وقد سلف ٨/ ٤٤٥ . ٤٧٢ سورة لقمان: الآيات ١٣ - ١٥ بِلِهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. واختُلِفَ في قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فقيل: إنه من كلام لقمان. وقيل: هو خبرٌ من الله تعالى منقطعاً من كلام لقمان متصلاً به في تأكيد المعنى، ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لمَّا نزلت: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ أشفقَ أصحابُ رسول الله﴿ وقالوا: أيُّنا لم يظلم؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فسكنَ إشفاقُهم، وإنما يسكن إشفاقُهم بأن يكون خبراً من الله تعالى، وقد يسكن الإشفاقُ بأن يذكرَ اللهُ ذلك عن عبدٍ قد وصفَه بالحكمة والسَّداد(١). و((إذ)) في موضع نصبٍ بمعنى اذكر. وقال الزجَّاج في كتابه في القرآن: إنَّ((إذ)) في موضع نصبٍ بـ ((آتينا)) والمعنى: ولقد آتينا لقمانَ الحكمةَ إذ قال. النخَّاس: وأحسبه غلطاً؛ لأنَّ في الكلام واواً تمنع من ذلك. وقال: ﴿يَبَنِىّ﴾ بكسر الياء؛ لأنَّها دالَّةٌ على الياء المحذوفة، ومَنْ فتحَها فِلِخفَّة الفتحة عنده(٢)، وقد مضى في ((هود)(٣) القولُ في هذا. وقوله: ((يا بني)) ليس هو على حقيقة التصغير وإن كان على لفظه، وإنَّما هو على وجه الترقيق، كما يقال للرجل: يا أُخَيَّ، وللصبي: هو كُوَيْس. قوله تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِيِ وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾ وَإِن جَهَدَاَ عَ أَنْ تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ ◌ِهِ، عِلَّمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِ الذُّنْيَا مَعْرُوفًا وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٥ فيه ثماني مسائل : الأولى - قوله تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا اُلْإِسَنَ بِوَلِدَيّهِ﴾ هاتان الآيتان اعتراضٌ بين أثناء (١) المحرر الوجيز ٣٤٨/٤ . (٢) إعراب القرآن ٢٨٤/٣، وكلام الزجاج في معاني القرآن له ١٩٦/٤. (٣) ١٢٣/١١، ووقع في النسخ الخطية: يوسف. ٤٧٣ سورة لقمان: الآيتان ١٤ - ١٥ وصيَّة لقمان. وقيل: إنَّ هذا ممَّا أوصى به لقمانُ ابنَه؛ أخبر الله به عنه، أي: قال لقمان لابنه (١): لا تُشْرِك بالله ولا تُطِعْ في الشرك والديك، فإنَّ الله وصَّى بهما في طاعتهما ممَّا لا يكون شركاً ومعصيةً لله تعالى. وقيل: أي: وإذ قال لقمان لابنه، فقلنا للقمان فيما آتيناه من الحكمة ووصيّنا الإنسان بوالديه، أي: قلنا له: اشكُرْ لله، وقلنا له: ووصَّينا الإنسان. وقيل: وإذا قال لقمان لابنه: لا تُشرك، ونحن وصَّينا الإنسان بوالديه حسناً، وأمرنا الناس بهذا، وأمر لقمان به ابنَه. ذكر هذه الأقوال القشيريُّ. والصحيح أنَّ هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وَقَّاص، كما تقدَّم في ((العنكبوت))(٢)، وعليه جماعة المفسرين. وجملةُ هذا الباب أنَّ طاعة الأبوين لا تُراعى في ركوب كبيرةٍ ولا في ترك فريضةٍ على الأعيان، وتلزم طاعتهُما في المباحات، ويُستحسن في ترك الطاعات الندب، ومنه أمر الجهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة؛ على أنَّ هذا أقوى من الندب، لكن يُعلَّلُ بخوف هلكةٍ عليها، ونحوه مما يُبيح قطع الصلاة فلا يكون أقوى من الندب. وخالف الحسن في هذا التفصيل فقال: إن منعَتْه أمُّه من شهود العِشاء شفقةً فلا يُطِعْها(٣). الثانية - لمَّا خصَّ تعالى الأم بدرجة ذكر الحمل وبدرجة ذكر الرَّضاع حصلَ لها بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وأشبهَ ذلكَ قولَه ﴾ حين قال له رجلٌ: من أَبَرُّ؟ قال: ((أمَّك)) قال: ثمَّ من؟ قال: ((أمَّك)) قال: ثمَّ من؟ قال: ((أمَّك)) قال: ثمَّ من؟ قال: ((أبوك)) فجعل له الرُّبعَ من المَبَرَّة كما في هذه الآية (٤)، وقد مضى هذا كلُّه في ((سبحان))(٥). (١) المحرر الوجيز ٣٤٨/٤، وزاد المسير ٣٢٠/٦. (٢) ٣٣٩/١٦ - ٣٤٠ . (٣) المحرر الوجيز ٣٤٩/٤ . (٤) المحرر الوجيز ٣٤٨/٤ . (٥) ٥٢/١٣ - ٥٣ . ٤٧٤ سورة لقمان: الآيتان ١٤ - ١٥ الثالثة - قوله تعالى: ﴿وَهْنَّا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: حملَتْه في بطنها وهي تزداد كلَّ يوم ضعفاً على ضعف. وقيل: المرأة ضعيفةُ الخِلقة، ثم يُضْعِفها الحمل(١). وقرأ عيسى الثَّقفيّ: ((وَهَناً على وَهَن)) بفتح الهاء فيهما، ورُويت عن أبي عمرو، وهما بمعنَى واحد(٢). قال قَعْنَب ابن أم صاحب: هل للعواذلٍ من ناهٍ فَیزْجُرَها إنَّ العواذِلَ فيها الأَيْنُ والوَهَنُ(٣) يقال: وَهَن يَهِنُ، ووَهُنَ يَوْهَنُ، ووَهِنَ يَهِنُ، مثلُ وَرِمَ يَرِمُ(٤). وانتصب ((وَهْناً)) على المصدر، ذكره القشيري. النخَّاس(٥): على المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، أي: حملته بضعفٍ على ضعف. وقرأ الجمهور: ((وَفِصَالُهُ))، وقرأ الحسن ويعقوب: ((وفَضْله)) وهما لغتان، أي: وفصاله في انقضاء عامين، والمقصود من الفصام الفطام، فعبَّر بغايته ونهايته (٦). ويقال: انفصلَ عن كذا أي: تميَّز، وبه سُمِّيَ الفَصِيلُ. الرابعة - الناسُ مُجْمِعون على العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحدَّدت فرقةٌ بالعام لا زيادةً ولا نقص. وقالت فرقةٌ: العامان وما اتَّصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان مثَّصلَ الرضاع. وقالت فرقة: إنَّ (١) مجمع البيان ٢١/ ٥٣ . (٢) المحرر الوجيز ٣٤٩/٤، والقراءة في المحتسب ١٦٧/٢، والشاذة ص ١١٦ - ١١٧، والمشهور عن أبي عمرو بمثل قراءة العامة. (٣) النكت والعيون ٣٣٤/٤ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٨٤/٥ . (٥) في إعراب القرآن ٢٨٥/٣ . (٦) المحرر الوجيز ٣٤٩/٤، وزاد المسير ٣١٩/٦، وقراءة ((وفصله)) في المحتسب ١٦٧/٢ عن الحسن ويعقوب وأبي رجاء والجحدري وقتادة، وفي الشاذة ص ١١٦ عن الجحدري. وزاد في زاد المسير نسبتها إلى طلحة بن مصرف .. ٤٧٥ سورة لقمان: الآيتان ١٤ - ١٥ فُطِمَ الصبيِّ قبل العامين وتركَ اللبن، فإنَّ ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرِّم(١)؛ وقد مضى هذا في ((البقرة))(٢) مستوفّى. الخامسة - قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ﴾ ((أَن)) في موضع نصبٍ في قول الزجَّاج، وأن المعنى: ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي. النخَّاس: وأجوَدُ منه أن تكون ((أن)) مفسِّرة، والمعنى قلنا له: أنِ اشكُرْ لي ولوالديك(٣). قيل: الشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين على نعمة التربية (٤). وقال سفيان بن عُيَيْنة: من صلَّى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما(٥). السادسة - قوله تعالى: ﴿وَإِن جَهَدَالكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌّ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنْتُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قد بيًَّّا أنَّ هذه الآية والتي قبلها نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص لمَّا أسلم، وأنَّ أمَّه - وهي حَمْنة بنت أبي سفيان بن أُميَّة - حلفت ألَّا تأكل؛ كما تقدَّم في الآية قبلها. السابعة - قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوف(٦)، أي: مصاحِباً معروفاً؛ يقال: صاحبتُه مُصاحبةً ومُصاحَباً. و((مَعْرُوفًاً)) أي: ما يَحْسُن(٧) . والآية دليلٌ على صلة الأبوين الكافرَيْن بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، (١) المحرر الوجيز ٣٤٩/٤ . (٢) ١٠٦/٤ - ١١١ . (٣) إعراب القرآن ٢٨٥/٣، وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٩٦/٤. (٤) النكت والعيون ٣٣٥/٤ . (٥) المحرر الوجيز ٣٤٩/٤، وتفسير البغوي ٤٩١/٣. (٦) إعراب القرآن ٢٨٥/٣. (٧) معاني القرآن للنحاس ٢٨٦/٥ . ٤٧٦ سورة لقمان: الآيات ١٤ - ١٦ وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق؛ وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق للنبيِّ عليه الصلاة والسلام وقد قَدِمت عليها خالتُها - وقيل: أمُّها من الرضاعة - فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمِّي قدِمَتْ عليَّ وهي راغبةٌ، أفأَصِلُها؟ قال: ((نعم)). وراغبة قيل: معناه: عن الإسلام. قال ابن عطية: والظاهر عندي أنها راغبةٌ في الصِّلة، وما كانت لِتِقْدَم على أسماء لولا حاجتُها. ووالدة أسماء هي قُتيلة بنت عبد العُزَّى بن عبد أسد، وأمُّ عائشة وعبد الرحمن هي أم رُومان، قديمةُ الإسلام(١). الثامنة - قوله تعالى: ﴿وَأَقَِّعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ﴾ وصيَّةٌ لجميع العالم؛ كأن المأمور الإنسان. و((أَنَابَ)) معناه: مال ورجع إلى الشيء، وهذه سبيل الأنبياء والصالحين. وحكى النقّاش أنَّ المأمور سعد، والذي أناب أبو بكر؛ وقال: إنَّ أبا بكرٍ لمَّا اسلمَ أتاه سعدٌ وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزُّبير فقالوا : آمنتَ؟ قال: نعم. فنزلت فيه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَلِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] فلمَّا سمعَها الستة آمنوا، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَبُواْ الَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى الَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَّ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٧ -١٨] (٢). وقيل: الذي أناب النبيُّ﴾(٣). وقال ابن عباس: ولمَّا أسلم سعد أسلم معه أخواه عامر وعُوَيْمر، فلم يبقَ منهم مشرٌ إلا عُتبة. ثم توغَّد عزَّ وجلَّ بِبَعثِ مَن في القبور والرجوع إليه للجزاءِ والتوقيفِ على صغيرِ الأعمال وكبيرِها (٤). قوله تعالى: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَاَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ (١) المعنى: وقال لقمان لابنه: با بُنَيَّ. وهذا القول من لقمان إنَّما قُصِدَ به إعلامُ ابنِه (١) المحرر الوجيز ٣٤٩/٤، والحديث سلف ١٤/٦. (٢) المحرر الوجيز ٣٤٩/٤ . (٣) زاد المسير ٣٢٠/٦، ونسبه إلى ابن السائب. (٤) المحرر الوجيز ٣٤٩/٤ . ٤٧٧ سورة لقمان: الآية ١٦ بقدر قدرة الله تعالى. وهذه الغاية التي أمكنَه أن يفهَمَه؛ لأنَّ الخردلَةُ يقال: إنَّ الحِسَّ لا يُدرِكُ لها ثِقَلًا؛ إذ لا تُرجِّحُ ميزاناً (١). أي: لو كان للإنسان رزقٌ مثقالَ حبَّةِ خَرْدَلٍ في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقَها إلى مَنْ هي رِزقُه، أي: لا تهتمَّ للرزق حتى تشتغِلَ به عن أداء الفرائض، وعن اتباع سبيل من أناب إليَّ. قلت: ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ لعبد الله بن مسعود: ((لا تُكثِرْ هَمَّكَ، ما يُقَدَّرُ يكون، وما تُرْزَقُ يأتيك))(٢). وقد نطقتْ هذه الآية بأنَّ الله تعالى قد أحاط بكلِّ شيءٍ علماً، وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً، سبحانه لا شريكَ له. ورُوِيَ أنَّ ابنَ لقمان سأل أباه عن الحبَّةِ تقع في سُفل البحر أيعلَمُها الله؟ فراجعه لقمانُ بهذه الآية. وقيل: المعنى أنه أراد الأعمال، المعاصي والطاعات، أي: إن تَكُ الحسنةُ أو الخطيئةُ مثقال حبةٍ يأتِ بها الله، أي: لا تفوتُ الإنسانَ المقدَّرَ وقوعُها منه. وبهذا المعنى يتحصَّل في الموعظة ترجيةٌ وتخويفٌ مضافٌ ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى. وفي القول الأوّل ليس فيه ترجيةٌ ولا تخويف. قوله تعالى: ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ عبارةٌ تصلح للجواهر، أي: قدر حبة، وتصلح للأعمال، أي: ما يزِنُه على جهة المماثلة قَدْرُ حبة. ومما يؤيِّد قولَ من قال: هي من الجواهر، قراءةُ عبد الكريم الجَزَري ((فتِكِنُّ)) بكسر الكاف وشدِّ النون، من الكَنِّ الذي هو الشيء المُغَطّ. وقرأ جمهور القُرَّاء: ((إِنْ تَكُ)) بالتاء من فوق ((مِثْقَالَ)) بالنصب على خبر كان، واسمُها مضمرٌ تقديره: مسألتك، على ما رُوي، أو المعصية والطاعة على القول الثاني (٣)، ويدلُّ على صحته قولُ ابن لقمان لأبيه: يا أبتِ إن عملتُ الخطيئةَ حيث لا يراني أحدٌ كيف يعلمُها الله؟ فقال لقمان له: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ (١) المحرر الوجيز ٤/ ٣٥٠ . (٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٨٠٦)، واللالكائي في شرح أصول السنة (١٠٨٠) عن مالك بن عبد الله المعافري أن رسول الله # ... فذكره. إسناده منقطع. (٣) من قوله: وقد نطقت هذه الآية ... إلى هذا الموضع من المحرر الوجيز ٤/ ٣٥٠، وما بين حاصرتين منه. ٤٧٨ سورة لقمان: الآية ١٦ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةِ﴾ الآية(١). فما زال ابنه يضطرب حتى مات قاله مقاتل. والضمير في ((إِنَّهَا)) ضمير القصة، كقولك: إنها هندٌ قائمةٌ، أي: القصة إنها إن تَكُ مثقال حبة. والبصريون يُجيزون: إنها زيدٌ ضربَتْه؛ بمعنى إن القصة. والكوفيون لا يُجیزون هذا إلا في المؤنث كما ذكرنا(٢). وقرأ نافع: ((مِثقالُ)) بالرفع (٣)، وعلى هذا ((تكُ)) يرجع إلى معنى خردلة، أي: إن تَكُ حبة من خردل. وقيل: أسند إلى المثقال فعلاً فيه علامةُ التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنثٍ هو منه (٤)؛ لأنَّ مثقالَ الحبة من الخردل إمَّا سيئة أو حسنة، كما قال: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأنَّث وإن كان المِثلُ مذكراً؛ لأنه أراد الحسنات، وهذا كقول الشاعر: مَشَيْنَ كما اهتزَّتْ رِماحٌ تسفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرياحِ النَّواسِمِ (٥) و(تَكُ)) ها هنا بمعنى تقع، فلا تقتضي خبراً. قوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِى صَخْرَةِ﴾ قيل: معنى الكلام: المبالغةُ والانتهاء في التفهيم، أي: أنَّ قدرتَه تعالى تنال ما يكون في تضاعيف صخرةٍ وما يكون في السماء والأرض(٦). وقال ابن عباس: الصخرة تحت الأرضين السبع وعليها الأرض(٧). وقيل: هي الصخرة على ظهر الحوت(٨). وقال السُّدِّي: هي صخرةٌ ليست في (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٩٢ . (٢) إعراب القرآن ٢٨٤/٣ . (٣) السبعة ص ٥١٣ ، والتيسير ص ١٥٥ . (٤) المحرر الوجيز ٤/ ٣٥٠ . (٥) قائله ذو الرمة، وقد سلف ٣١١/١. (٦) المحرر الوجيز ٤/ ٣٥٠ . (٧) تفسير البغوي ٣/ ٤٩٢ . (٨) أخرجه الطبري ٥٥٦/١٨ عن عبد الله بن الحارث، وهو في النكت والعيون ٣٣٧/٤. ٤٧٩ سورة لقمان: الآيتان ١٦ - ١٧ السماوات والأرض(١)، بل هي وراءَ سبع أَرَضين عليها مَلَك قائم؛ لأنه قال: ﴿صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ﴾ وفيهما غُنْيَةٌ عن قوله: ﴿فَتَكُنْ فِ صَخْرَةِ﴾ وهذا الذي قاله ممكن، ويمكن أن يُقال: قوله: ﴿فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ﴾ تأكيدٌ، كقوله: ﴿اقْرَأْ ◌ِأَسِّ رَبِّكَ الَّذِىِ خَقَ، خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلٍَ﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾. قوله تعالى: ﴿يَبُنَىَّ أَقِمِ القَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكٌّ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى: ﴿يَبُنِىَّ أَقِمِ الصَّلَوْءَ﴾ وصَّى ابنَه بعُظْم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا إنما يُريد به بعد أن يمتثل ذلك هو في نفسه ويزدجر عن المنكر، وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع(٢). ولقد أحسن من قال: فإذا انتهتْ عنه فأنتَ حكيمُ وابدأ بنفسِكَ فانْهَهَا عن غَيِّها في أبياتٍ تقدَّم في ((البقرة))(٣) ذِكرُها. الثانية - قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ﴾ يقتضي حضًّا على تغيير المنكر وإن نَالَكَ ضرر، فهو إشعارٌ بأن المغيِّر يؤذَى أحياناً، وهذا القَدْرُ على جهة النَّدبِ والقوّة في ذات الله، وأما على اللزوم فلا(٤)، وقد مضى الكلام في هذا مستوفّى في ((آل عمران)) و((المائدة))(٥). وقيل: أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها، (١) زاد المسير ٣٢١/٦. (٢) المحرر الوجيز ٣٥١/٤ . (٣) ٥٩/٢ . (٤) المحرر الوجيز ٣٥١/٤ . (٥) ٧٣/٥ و١٠٥/٨ - ١٠٦ . ٤٨٠ سورة لقمان: الآيتان ١٧ - ١٨ وألَّا يخرج من الجزَع إلى معصية الله عزَّ وجلَّ (١). وهذا قولٌ حسنٌ لأنه يعمُّ. الثالثة - قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال ابن عباس: من حقيقة الإيمان الصبرُ على المكاره. وقيل: إنَّ إقامةَ الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور، أي: ممَّا عزمَه اللهُ وأمرَ به. قاله ابن جُريج. ويحتمل أن يريد أنَّ ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحَزم السالكين طريق النجاة. وقول ابن جُريج (٢) أصوب(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَ تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِىِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخَْلٍ فَخُورٍ ﴾﴾ فيه ثلاث مسائل : الأولى - قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن مُحَيْصِن: ((تصاعر)) بالألف بعد الصاد. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر والحسن ومجاهد: ((تُصَعِّر))(٣). وقرأ الجَحدرِيُّ: ((تُصْعر)) بسكون الصاد(٤)، والمعنى متقارب. والصَّعَر: الميل، ومنه قول الأعرابي: وقد أقام الدهرُ صعري، بعد أن قمتُ صعرَه. ومنه قول عمرو بن حُنَيّ (٥) . التَّغلبي(٥) : وكنا إذا الجبَّار صَغَّرَ خذَّهُ أقمنا له من مَيْلِهِ فَتقوَّمِ وأنشده الطبري: ((فتقوَّمًا)). قال ابن عطية: وهو خطأ؛ لأنَّ قافيةَ الشعر مخفوضة. وفي بيتٍ آخر : (١) إعراب القرآن ٢٨٦/٣ بقسمه الثاني. (٢) المحرر الوجيز ٣٥١/٤ دون قول ابن عباس. (٣) ينظر السبعة ص ٥١٣ ، والتيسير ص ١٧٦ . (٤) الشاذة ص ١١٧، وزاد المسير ٦/ ٣٢٢ ونسبها أيضاً إلى أبي بن كعب وأبي رجاء وابن السميفع. (٥) كما في الشعر والشعراء ص ١٣ .