Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة القصص: الآيات ٧٧ - ٧٨
موضع(١). ﴿وَلَ تَبْعُ اُلْفَسَادَ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: لا تعمَلْ بالمعاصي(٢) ﴿إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ
اَلْمُفْسِدِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِىَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَشَ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن
قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً وَلَا يُسْعَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
اُلْمُجْرِمُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىَّ﴾ يعني علم التوراة(٣). وكان فيما رُويَ
من أقرأِ الناسِ لها، ومن أعلَمِهم بها. وكان أحدَ العلماء السبعين الذين اختارهم
موسى للميقات. وقال ابن زيد: أي: إنما أوتيتُه لِعِلْمِه بفضلي ورضاه عني. فقوله:
((عِنْدي)) معناه: إنَّ عندي أنَّ الله تعالى آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي
إيّاها لفضلٍ فيَّ. وقيل: أوتيتُه على علم من عندي بوجوه التجارة والمكاسب. قاله
علي بن عيسى (٤). ولم يعلم أنَّ الله لو لَمْ يُسهِّلْ له اكتسابَها لَما اجتمعَتْ عنده. وقال
ابن عباس: على علم عندي بصنعة الذهب(٥). وأشار إلى علم الكيمياء. وحكى
النقَّاش: أنَّ موسى عليه السلام علَّمه الثلث من صنعة الكيمياء، ويوشع الثلث،
وهارون الثلث، فخدعهما قارون - وكان على إيمانه - حتى علم ما عندهما
وعمل الكيمياء، فكثُرتْ أموالُه(٦). وقيل: إنَّ موسى علَّم الكيمياء ثلاثة؛ يوشع
ابن نون، وكالب بن يوفنا (٧)، وقارون(٨). واختار الزجَّاج القول الأول، وأنكر قولَ
(١) ٢ / ١٥٢ .
(٢) النكت والعيون ٢٦٨/٤ .
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ٣٠٠ .
(٤) النكت والعيون ٢٦٨/٤، وقول ابن زيد أخرجه الطبري ٣٢٦/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره
(١٧١٢٤).
(٥) زاد المسير ٦/ ٢٤٢.
(٦) النكت والعيون ٢٦٨/٤.
(٧) في النسخ الخطية: ((وطالوت)) بدل ((وكالب بن يوفنا))، والمثبت من (م) والمصادر.
(٨) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٥، والكشاف ١٩١/٣.

٣٢٢
سورة القصص: الآية ٧٨
من قال: إنه يعمل الكيمياء. قال: لأن الكيمياء باطِلٌ لا حقيقةً له(١). وقيل: إنَّ موسى
علَّم أختَه علم الكيمياء، وكانت زوجة قارون، وعلَّمتْ أختُ موسى قارونَ. والله
أعلم(٢).
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ ﴾ أي: بالعذاب(٣). ﴿مِنَ
الْقُرُونِ﴾ أي: الأمم الخالية الكافرة(٤). ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمَا﴾ أي:
للمال، ولو كان المال يدلُّ على فضلٍ لَما أهلكهم(٥). وقيل: القوة الآلات، والجمع
الأعوان والأنصار، والكلام خرج مخرج التقريع من الله تعالى لقارون؛ أي: ﴿أَوَلَمْ
يَعْلَمْ﴾ قارون ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ﴾.
﴿وَلَا يُنْثَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: لا يُسألون سؤال استعتاب، كما قال:
﴿وَلَ هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] ﴿فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾(٦) [فصلت: ٢٤] وإنما يُسألون
سؤال تقريع وتوبيخ؛ لقوله: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]. قاله الحسن(٧).
وقال مجاهد: لا تسألُ الملائكةُ غداً عن المجرمين؛ فإنهم يُعرَفون بسيماهم، فإنهم
يُحشرون سُودَ الوجوه زُرْقَ العيون(٨). وقال قتادة: لا يُسألُ المجرمون عن ذنوبهم
لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النارَ بلا حساب(٩). وقيل: لا يُسألُ مجرمو هذه الأمة
عن ذنوب الأمم الخالية الذين عُذِّبوا في الدنيا(١٠). وقيل: أهلك من أهلك من
(١) نقله عن ابن الجوزي في زاد المسير ٦/ ٢٤٢. وهو في معاني القرآن له ١٥٦/٤.
(٢) الكشاف ١٩١/٣ .
(٣) زاد المسير ٦/ ٢٤٣.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٥ .
(٥) تفسير الطبري ٣٢٦/١٨.
(٦) النكت والعيون ٢٦٩/٤ عن ابن بحر.
(٧) الوسيط ٤٠٨/٣، وتفسير البغوي ٤٥٥/٣ .
(٨) أخرجه الطبري ٣٢٧/١٨، وابن أبي حاتم (١٧١٣٠).
(٩) أخرجه الطبري ١٨/ ٣٢٧، وابن أبي حاتم (١٧١٢٦).
(١٠) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٢٧ عن مقاتل.

٣٢٣
سورة القصص: الآيات ٧٨ - ٨٠
القرون عن علم منه بذنوبهم فلم يحتَجْ إلى مسألتهم عن ذنوبهم(١).
قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِي زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
وَقَالَ الَّذِينَ
يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَّا أُوِي قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ (١)
أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَّوَبُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحَّاً وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا
الصَّبِرُونَ ®
قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَيْهٌِ﴾ أي: على بني إسرائيل فيما رآه زينةً من
متاع الحياة الدنيا؛ من الثياب والدواب والتجمُّل في يوم عيد. قال الغزنوي: في يوم
السبت . ﴿في زِينَتِهِ﴾ أي: مع زينته. قال الشاعر:
إذا ما قلوبُ القوم طارَتْ مخافةً من الموتِ أرسَوا بالنفوسِ المواجدِ(٢)
أي: مع النفوس. كان خرجَ في سبعين ألفاً مِن تَبَعه، عليهم المُعصفَرات، وكان
أوَّل من صُبِغَ له الثيابُ المعصفَرة. قال السُّدِّي: مع ألف جوارٍ بيضٍ، على بغالٍ
بيضٍ، بسروجٍ من ذهب، على قُطُفِ الأُرْجُوان(٣). قال ابن عباس: خرج على البغال
الشُّهب(٤). مجاهد: على براذينَ بيضٍ، عليها سروجُ الأُرْجُوان، وعليهم
المُعصفَرات، وكان ذلك أوَّلَ يومٍ رُؤيَ فيه المُعصفَر. قال قتادة: خرجَ على أربعة
آلاف دابةٍ عليهم ثيابٌ حمر، منها ألفُ بغلِ أبيضٍ عليها قُطُفٌ حمر(٥). قال ابن
جُريج: خرج على بغلةٍ شهباءَ عليها الأُرْجُوان، ومعه ثلاث مئة جارية على البغال
الشُّهب عليهنَّ الثياب الحمر(٦). وقال ابن زيد: خرج في سبعين ألفاً عليهم
(١) زاد المسير ٦/ ٢٤٣ بمعناه عن السدي.
(٢) نسبه المرزياني في معجم الشعراء ص ٢٠٠ إلى قيس بن ثعلبة.
(٣) النكت والعيون ٢٦٩/٤. وقول ابن زيد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧١٣٨)، وقول السدي
أخرجه أيضاً (١٧١٣٤).
(٤) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٢٧، وتفسير البغوي ٤٥٥/٣ ولكن عن مقاتل.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٠٣/٥، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٣٢٩/١٨، وابن أبي حاتم (١٧١٣١).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧١٤١).

٣٢٤
سورة القصص: الآيات ٧٩ - ٨٢
المُعصفَرات(١). الكلبي: خرجَ في ثوبٍ أخضر كان اللهُ أنزله على موسى من الجنة،
فسرقَه منه قارون. وقال جابر بن عبد الله : كانت زينتُه القِرْمز(٢). قلت: القِرْمِز:
صِبْغٌ أحمرُ مثلُ الأُرْجُوان، والأُرْجُوان في اللغة: صِبغٌ أحمر. ذكره القشيري.
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَّا أُوتِى قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ
عَظِيمٍ﴾ أي: نصيبٍ وافرٍ من الدنيا. ثم قيل: هذا من قول مؤمني ذلك الوقت(٣)،
تمنَّوا مثلَ مالِه رغبةً في الدنيا (٤). وقيل: هو من قول أقوام لم يؤمنوا بالآخرة ولا
رغبوا فيها، وهم الكفار(٥).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ وهم أحبار بني إسرائيل، للذين تمنَّوا
مكانَه ﴿وَيَلَكُمْ ثَوَبُ اَللَّهِ خَيْرٌ﴾ يعني الجنة. ﴿لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحَأْ وَلَا يُلَقَّهَا إِلَّا
الضَّكِرُونَ﴾ أي: لا يؤتى الأعمال الصالحة، أو لا يؤتى الجنة في الآخرة إلا
الصابرون على طاعة الله. وجاز ضميرُها؛ لأنها المعنيةُ بقوله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾(٦).
قوله تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ
اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا
لَخَسَفَ بِنَّاً وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ
قوله تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ اُلْأَرْضَ﴾ قال مقاتل: لما أمر موسى الأرض
فابتلعته قالت بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله؛ لأنه كان ابنَ عمه أخي أبيه،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧١٣٨).
(٢) أخرجه الطبري ٣٢٨/١٨ .
(٣) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٢٧.
(٤) النكت والعيون ٢٦٩/٤ .
(٥) مجمع البيان ٣٢٤/٢٠ .
(٦) الوسيط ٤٠٩/٣، وزاد المسير ٢٤٣/٦ - ٢٤٤.

٣٢٥
سورة القصص: الآيتان ٨١ - ٨٢
فخسف الله تعالى به وبداره الأرض وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيام(١)، فأوحى الله إلى
موسى: إني لا أُعيدُ طاعة الأرض إلى أحدٍ بعدكَ أبداً (٢). يقال: خَسَف المكانُ
يخسِفُ خُسوفاً ذهب في الأرض، وَسَفَ اللهُ به الأرض خَسْفاً أي: غاب به فيها،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ وَخَسَفَ هو في الأرض وخُسِفَ به.
وخسوفُ القمر: كسوفُه. قال ثعلب: كَسَفَتِ الشمسُ وخَسفَ القمرُ؛ هذا أجود
الكلام. والخَسْفُ: النقصان؛ يقال: رضي فلانٌ بالخسفِ أي: النقيصة(٣). ﴿فَمَا
كَانَ لَهُ مِن فِئَةِ﴾ أي: جماعةٍ وعصابةٍ. ﴿يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُنْتَصِرِينَ﴾ لنفسِه أي: الممتنعين فيما نزلَ به من الخسف (٤). فيُروى أنَّ قارون يَسفُلُ
كلَّ يومٍ بَقْدرٍ قامة، حتى إذا بلغ قعرَ الأرض السفلى نفخ إسرافيل في الصور. وقد
تقدّم(٥). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِيِنَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أي: صاروا يتندَّمون على ذلك
التمني(٦) و﴿يَقُولُونَ وَيْكَنَ اَللَّهَ﴾ [وي)](٧) حرف تندّم. قال النخَّاس(٨): أحسنُ ما
قيل في هذا قول الخليل وسيبويه ويونس والكسائي: إن القومَ تَنَّهوا أو نُبِّهوا، فقالوا :
وَيْ، والمتندِّمُ من العرب يقول في خلال تندُّمه: وَيْ. قال الجوهري(٩): (وَيْ)) كلمةُ
تعجّب، ويقال: وَيْكَ ووَيْ لعبد الله. وقد تدخل ((وَيْ)) على كأنَّ المخففة والمشدّدة؛
(١) النكت والعيون ٢٧٠/٤.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٠ عن أبي عمران الجوني.
(٣) الصحاح (خسف).
(٤) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٢٧، وتفسير البغوي ٣/ ٤٥٧ .
(٥) عند تفسير الآية (٧٦) من هذه السورة.
(٦) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٧ - ٤٥٨ .
(٧) ما بين حاصرتين من (م).
(٨) في إعراب القرآن ٢٤٤/٣.
(٩) في الصحاح (وي) و(يك).

٣٢٦
سورة القصص: الآيتان ٨١ - ٨٢
تقول: ويكأنَّ الله. قال الخليل: هي مفصولة؛ تقول: ((وَيْ)) ثم تبتدئ فتقول: ((كَأَنّ).
قال الثعلبي: وقال الفرَّاء: هي كلمة تقرير، كقولك: أما ترى إلى صُنعِ اللـه
وإحسانه. وذكر أنَّ أعرابيةً قالت لزوجها: أين ابنُكَ وَيْك؟ فقال: وَيْ كأنَّه وراء
البيت، أي: أما ترَيْنَه. وقال ابن عباس والحسن: ويكَ كلمة ابتداءٍ وتحقيقٍ تقديره:
إنَّ الله يبسط الرزق. وقيل: هو تنبيهٌ بمنزلة ألا (١) في قولك: أمَّا بعد. قال الشاعر:
قَلَّ مالي قد جِئْتُماني بِنُكْرٍ
سألتَاني الطلاقَ إِذْ رَأَتَاني
بَبْ ومَنْ يَفتقِرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ (٢)
وَيْ کَاَنْ مَنْ يَكُنْ لە نَشَبٌ يُخْ
وقال قُظْرُب: إنما هو ويلك، وأُسقِطَت لامُه وضُمَّتِ الكافُ التي هي للخطاب
إلى وَيْ. قال عَنترة :
قَوْلُ الفوارسِ وَيْكَ عَنْتَرُ أَقْدِمِ (٣)
ولقد شَفَى نفسي وأَبرأَ سُقْمَها.
وأنكره النخَّاس وغيره، وقالوا: إنَّ المعنى لا يصح عليه؛ لأنَّ القوم لم يُخاطِبوا
أحداً فيقولوا له: ولك، ولو كان كذلك لكان إنه بالكسر. وأيضاً فإنَّ حذف اللام من
ويلك لا يجوز (٤). وقال بعضهم: التقدير: ويلَكَ اعلم أنَّه؛ فأضمرَ اعلم(٥). ابن
الأعرابي: ﴿وَيْكَأَنَ الَهَ﴾ أي: اعلم. وقيل: معناه: ألم ترَ أنَّ الله (٦). وقال
القُتبي(٧): معناه: رحمةً لك بِلُغة حِمْير. وقال الكسائي: وَيْ فيه معنى التعجب.
(١) تفسير البغوي ٤٥٨/٣. وكلام الفراء في معاني القرآن له٢/ ٣١٢، وقول ابن عباس ذكره ابن الجوزي
في زاد المسير ٢٤٦/٦ .
(٢) قائلهما زيد بن عمرو بن نفيل، وهما في الكتاب ٢/ ١٥٥، وخزانة الأدب ٤١٠/٦ .
(٣) تفسير البغوي ٤٥٨/٣، والبيت في شرح المعلقات السبع للزوزني ص١٥٢، وشرح القصائد العشر
للتبریزي ص٢٤٩ .
(٤) إعراب القرآن ٢٤٤/٣، والبيان ٢٣٧/٢، ومشكل إعراب القرآن ٥٤٨/٢.
(٥) معاني القرآن للفراء ٣١٢/٢.
(٦) المحرر الوجيز ٣٠٢/٤، ونسبة ابن الجوزي في زاد المسير ٢٤٦/٦ إلى ابن عباس ﴾.
(٧) في تأويل مشكل القرآن ص٤٠١، ونسب القول الذي قبله إلى الكسائي.

٣٢٧
سورة القصص: الآيات ٨١ - ٨٤
ويروى عنه أيضاً الوقفُ على وَيْ وقال: كلمة تفجّع. ومن قال: ويك فوقف على
الكاف فمعناه: أعجِبْ لأنَّ اللهَ يبسط الرزق، وأعجِبْ لأنه لا يفلح الكافرون. وينبغي
أن تكون الكاف حرف خطابٍ لا اسماً؛ لأنَّ وَيْ ليست ممَّا يُضاف. وإنما كُتبت
متصلةً؛ لأنها لمَّا كثُرَ استعمالُها جُعِلتْ مع ما بعدها كشيءٍ واحد.
﴿لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اُللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالإيمان والرحمة وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من
البغي والبطر ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾(١).
وقرأ الأعمش: ((لَوْلًا مَنُّ اللهِ عَلَيْنَا))(٢). وقرأ حفص: (لَخَسفَ بِنَا)) مسمَّى
الفاعل. الباقون: على ما لم يُسَمَّ فاعلُه(٣)، وهو اختيار أبي عبيد. وفي حرف
عبد الله: (لَا نْخُسِفَ بِنَا)) كما تقول: انطُلِقَ بنا. وكذلك قرأ الأعمش وطلحة بن
مُصرِّف (٤). واختار قراءةً الجماعة أبو حاتم لوجهين: أحدهما قوله: ﴿فَسَفْنَا بِهِ،
وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. والثاني قوله: ﴿لَوْلَآ أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ فهو بأن يُضاف إلى الله تعالى
لِقُربِ اسمِه منه أولى. ﴿وَيُكَتَُّ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ عند الله.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَِّنَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٨ مَن جَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَن جَآءَ بِلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى
الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (9َ﴾
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الذَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ يعني الجنة. وقال ذلك على جهة التعظيم لها
والتفخيم لشأنها. يعني: تلكَ التي سمعت بذكرها، وبلغَكَ وصفُها ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
يُرِدُونَ عُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: رفعةً وتكبُّراً على الإيمان والمؤمنين(٥) ﴿وَلَا فَسَاءًا﴾ عملاً
(١) تفسير أبي الليث ٥٢٨/٢ .
(٢) الشاذة ص ١١٤، والمحرر الوجيز ٣٠٢/٤ .
(٣) السبعة ص ٤٩٥، والتيسير ص ١٧٢ .
(٤) المحتسب ١٥٧/٢، وفي معاني القرآن للفراء ٣١٣/٢، والشاذة ص١١٤ عن عبد الله، وفي المحرر
الوجيز ٣٠٢/٤ عن الأعمش وطلحة.
(٥) تفسير أبي الليث ٥٢٨/٢ .

٣٢٨
سورة القصص: الآيتان ٨٣ - ٨٤
بالمعاصي. قاله ابن جُريج ومقاتل(١). وقال عِكْرمة ومسلم البطين: الفساد: أخذُ
المال بغير حق(٢). وقال الكلبي: الدعاء إلى غير عبادة الله(٣). وقال يحيى بن سلام:
هو قتل الأنبياء والمؤمنين(٤). ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال الضخَّاك: الجنة(٥). وقال أبو
معاوية: الذي لا يريد علوّاً هو من لم يجزَعْ من ذلِّها ولم ينافِسْ في عِزِّها، وأرفعهم
عند الله أشدُّهم تواضعاً، وأعزُّهم غداً ألزمُهم لذلِ اليوم(٦). وروى سفيان بن عُيَيْنة
عن إسماعيل بن أبي خالد قال: مرَّ عليُّ بن الحسين وهو راكبٌ على مساكينَ يأكلون
كِسَراً لهم، فسلّم عليهم، فدعَوه إلى طعامهم، فتلا هذه الآية: ﴿ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَاءًا﴾ ثم نزل وأكل معهم. ثم قال: قد أجبتُكم
فأجيبوني. فحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم. خرَّجه أبو القاسم الطبراني
سليمان بن أحمد قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدَّثني أبي، قال:
حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَة ... فذكره(٧) وقيل: لفظ الدار الآخرة يشمل الثواب والعقاب.
والمراد: إنما ينتفع بتلك الدار من اتَّقى، ومن لم يتَّقِ فِتِلكَ الدارُ عليه لا له؛ لأنَّها
تضرُّه ولا تنفعه.
قوله تعالى: ﴿مَنْ جَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَ﴾ تقدَّم في ((النمل)) (٨). وقال عكرمة:
ليس شيءٌ خيراً من لا إله إلا الله. وإنما المعنى: من جاء بلا إله إلا الله فله منها
(١) تفسير البغوي ٤٥٨/٣، ومجمع البيان ٣٢٨/٢٠ .
(٢) الوسيط ٤١٠/٣، وهو في النكت والعيون ٢٧١/٤، وتفسير أبي الليث ٥٢٨/٢ عن مسلم البطين،
وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧١٨٤). وهو في تفسير البغوي ٤٥٨/٣ عن عكرمة.
(٣) الوسيط ٣/ ٤١٠، وتفسير البغوي ٤٥٨/٣، وزاد المسير ٢٤٨/٦.
(٤) النكت والعيون ٤/ ٢٧١.
(٥) أخرجه الطبري ٣٤٤/١٨ عن قتادة.
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٧١/٤، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم (١٧١٧٩).
(٧) مكارم الأخلاق للطبراني (١٧٣).
(٨) عند تفسير الآية (٨٩) منها.

٣٢٩
سورة القصص: الآيات ٨٤ - ٨٨
خير (١). ﴿وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: بالشرك ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ أي : يُعاقَبُ بما يليقُ بعمله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِىِ فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَاذُكَ إِلَى مَعٍَ قُل رَبِيّ أَعْلَمُ مَن
◌َآءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ
إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيْرًا لِلْكَفِرِينَ ﴾ وَلَا يَصُدُّنَكَ عَنْ مَيَّتِ
اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَأَدْعُ إِلَى رَبِكٌ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ وَلَا تَدْعُ
مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُمْ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ
MI
تَرْجَعُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَاتُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ختم السورة ببشارة
نبيِّه محمدٍ﴿ بردِّه إلى مكة قاهراً لأعدائه. وقيل: هو بشارةٌ له بالجنَّة. والأوّل أكثر،
وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس ومجاهد وغيرهم(٢). قال القُتبي: مَعادُ الرجل
بلده؛ لأنَّه ينصرف ثم يعود (٣). وقال مقاتل: خرجَ النبيُّ# من الغار ليلاً مهاجراً إلى
المدينة في غير الطريق مخافةً الطلب، فلمَّا رجع إلى الطريق ونزل الجَحفةَ عرف
الطريقَ إلى مكة فاشتاق إليها، فقال له جبريل: إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ
الْقُرْءَانَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَاٍَ﴾ أي: إلى مكة ظاهراً عليها(٤). قال ابن عباس: نزلت هذه
الآية بالجَخْفة ليست مكية ولا مدنية(٥). وروى سعيد بن جُبير عن ابن عباس: ﴿إِلَّى
مَعَادٍ﴾ قال: إلى الموت(٦). وعن مجاهدٍ أيضاً وعكرمة والزُّهري والحسن: إن
(١) إعراب القرآن ٣/ ٢٤٤.
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٧٣) عن ابن عباس ﴾، وأخرجه - أيضاً - الطبري ١٨/ ٣٥٠ - ٣٥١ عنه وعن
مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم (١٧٢٠٤) عن مجاهد.
(٣) تأويل مشكل القرآن ص٣٢٩.
(٤) زاد المسير ٢٤٩/٦ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٥/٤ لكن نسبه إلى ابن سلام وغيره، وفي النكت والعيون ٢٧٢/٤، وتفسير البغوي
٤٥٩/٣، وزاد المسير ٢٥٠/٤ من غير نسبة.
(٦) أخرجه الطبري ٣٤٩/١٨ ، وابن أبي حاتم (١٧١٩٩).

٣٣٠
سورة القصص: الآيات ٨٥ - ٨٨
المعنى: لَرادُكَ إلى يوم القيامة(١). وهو اختيار الزجَّاج(٢). يُقال: بيني وبينك المعاد،
أي: يوم القيامة؛ لأنَّ الناسَ يعودون فيه أحياء(٣). و((فَرَضَ)) معناه أنزل(٤). وعن
مجاهدٍ أيضاً وأبي صالح: ﴿إِلَى مَعَاٍ﴾: إلى الجنة. وهو قول أبي سعيد الخدري
وابن عباس أيضاً (٥)؛ لأنه دخلها ليلة الإسراء. وقيل: لأنَّ أباه آدمَ خرجَ منها(٦). ﴿قُل
تَِّ أَعْلَمُ﴾ أي: قُلْ لكفار مكة إذا قالوا: إنَّكَ لفي ضلالٍ مبين: ﴿َّ أَعْلَمُ مَن ◌َجَآءَ
بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ تُبِينٍ﴾ أنا أم أنتم(٧).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ﴾ أي: ما علمتَ أنَّنا نُرسِلُكَ
إلى الخلق ونُنزِلُ عليك القرآن (٨). ﴿إِلَّا رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ﴾ قال الكسائي: هو استثناءٌ
منقطع بمعنى لكن(٩) . ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلِكَفِرِينَ﴾ أي: عوناً لهم ومساعداً. وقد
تقدَّم في هذه السورة(١٠).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ عَلَيَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ﴾ يعني أقوالهم
وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفِتْ نحوَهم وامْضٍ لأمرك وشأنك. وقرأ يعقوب: ((يَصُدُّنْكَ))
مجزوم النون(١١). وقرئ: ((يُصِدُّنَّكَ)) من أصدَّه، بمعنى: صدَّه، وهي لغةٌ في كلب؛
قال الشاعر :
(١) أخرجه عنهم الطبري ٣٤٦/١٨ - ٢٤٧، وابن أبي حاتم (١٧٢٠١) عن مجاهد.
(٢) في معاني القرآن له ٤/ ١٥٨ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٠٧/٥ .
(٤) تأويل مشكل القرآن ص٣٦٤ .
(٥) أخرجه عنهم الطبري ٣٤٦/١٨ - ٣٤٧ .
(٦) تفسير الطبري ٣٥١/١٨.
(٧) تفسير أبي الليث ٥٢٩/٢ .
(٨) الوسيط ٤١١/٣ .
(٩) نقله البغوي في تفسيره ٣/ ٤٥٩ وغيره عن الفراء، وهو في معاني القرآن له ٣١٣/٢.
(١٠) عند الآية (١٧).
(١١) المحرر الوجيز ٣٠٣/٤ - ٣٠٤ . وهذه القراءة ليست مشهورة عن يعقوب، وإنما المشهور عنه مثل
قراءة الجمهور.

٣٣١
سورة القصص: الآيات ٨٥ - ٨٨
أُنَاسٌ أصدُّوا الناسَ بالسيفِ عنهمُ صُدُودَ السَّوَاقي عن أنوفِ الحَوَائِمِ (١)
﴿ وَدْعُ إِلَى رَبِّكٌ﴾ أي: إلى التوحيد(٢). وهذا يتضمَّنُ المهادنةَ والموادعة. وهذا
كلُّه منسوخٌ بآية السيف. وسبب هذه الآية ما كانت قريشٌ تدعو رسولَ الله : # إلى
تعظيم أوثانهم، وعند ذلك ألقى الشيطانُ في أمنيته أمر الغَرَانيق(٣) على ما تقدَّم(٤).
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ﴾ أي: لا تعبُدْ معه غيرَه فإنه لا إلهَ إلا
هو. نفيٌّ لكل معبودٍ وإثباتٌ لعبادته . ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَمْ﴾ قال مجاهد: معناه:
إلَّا هو (٥). وقال الصادق: دِينُه. وقال أبو العالية وسفيان: أي: إلَّا ما أُرِيدَ به
وجهُه(٦)؛ أي: ما يُقصَدُ إليه بالقربة. قال:
أستغفِرُ اللهَ ذنباً لستُ مُخْصِیَهُ
ربَّ العبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ(٧)
وقال محمد بن يزيد: حدَّثني الثوري قال: سألتُ أبا عبيدة عن قوله تعالى: ﴿كُلُّ
شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فقال: إلَّا جاهَه، كما تقول: لفلانٍ وجهٌ في الناس أي:
جاه(٨). ﴿لَُّ اَلْتَكْمُ﴾ في الأولى والآخرة ﴿وَإِلّهِ تُرْجَعُونَ﴾. قال الزجَّاج: ((وَجْهَهُ))
منصوبٌ على الاستثناء، ولو كان في غير القرآن كان إلَّ وجهُه بالرفع، بمعنى: كلُّ
(١) الكشاف ١٩٤/٣، والقراءة في الشاذة ص١١٤. والبيت هكذا أنشده الجوهري في الصحاح (صدد)
من غير نسبة. ونقله عنه صاحب اللسان ونسبه لذي الرمة، ونقل عن ابن بري أنه قال: صواب إنشاده:
صدود السواقي عن رؤوس المخارم. قلنا: وقد جاء على الصواب في ديوان ذي الرمة ٢/ ٧٧١ .
(٢) تفسير البغوي ٤٥٩/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٠٤/٤ .
(٤) ١٤ / ٤٢٥ - ٤٢٦ .
(٥) زاد المسير ٦/ ٢٥١ عن الضحاك وأبي عبيدة.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٢٠٧/٥، والنكت والعيون ٢٧٣/٤ عن سفيان الثوري، وتفسير البغوي ٤٥٩/٣
عن أبي العالية.
(٧) سلف ٢/ ٣٣١.
(٨) معاني القرآن للنحاس ٢٠٧/٥ .

٣٣٢
سورة القصص: الآية ٨٨
شيءٍ غيرُ وجهِه هالِكٌ كما قال:
لَعَمْرُ أبيكَ إلَّا الْفَرْقَدَانِ
وكلُّ أخٍ مُفارقُهُ أخوهُ.
والمعنى: كلُّ أخ غيرُ الفرقَدين مُفارِقُه أخوه. ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بمعنى تُرجعون
إليه(١).
تمَّتْ سورةُ القَصصِ والحمدُ لله
(١) إعراب القرآن ٢٤٤/٣ - ٢٤٥، وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٥٨/٤، والبيت سلف ٥٤/١١ .

سورة العنكبوت
مكيةٌ كلُّها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. ومدنيةٌ كلَّها في أحد قولَي ابن
عباس وقتادة. وفي القول الآخر لهما وهو قول يحيى بن سأَّام أنها مكيةٌ إلا عشر آيات
من أولها، فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من المسلمين بمكة. وقال علي بن أبي
طالب : نزلت بين مكة والمدينة(١). وهي تسعٌ وستون آية (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَّةِ
قوله تعالى: ﴿الّ ﴿﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَأْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
وَلَقَدْ فَتَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ
قوله تعالى: ﴿الَّ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُوا﴾(٣) تقدَّم القولُ في أوائل السور. وقال
ابن عباس: المعنى: أنا الله أعلم. وقيل: هو اسمٌ للسورة. وقيل: اسمٌ للقرآن.
﴿أَحَسِبَ﴾ استفهامٌ أُريدَ به التقرير والتوبيخ، ومعناه الظن (٤). ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ في
موضع نصب بـ(حَسِبَ)) وفيه وَصِلتُها مقامُ المفعولين على قول سيبويه. و((أنَّ) الثانية
من ((أَن يَقُولُوا)) في موضع نصبٍ على إحدى جهتين، بمعنى: لأَنْ يقولوا، أو: بأن
يقولوا، أو: على أن يقولوا. والجهة الأخرى أن يكون على التكرير، والتقدير: ﴿الّمـ
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ﴾ أحَسِبُوا ﴿أَنْ يَقُولُوَأَ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾(٥). قال ابن عباس
وغيره: يُريد بالناس قوماً من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريشٍ يؤذونهم
(١) النكت والعيون ٢٧٤/٢.
(٢) الوسيط ٢/ ٤١٢ وتفسير البغوي ٣/ ٤٦٠ .
(٣) في (م) ذكرت الآية بتمامها، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) النكت والعيون ٤/ ٢٧٤ .
(٥) إعراب القرآن ٢٤٧/٣ .

٣٣٤
سورة العنكبوت: الآيات ١ - ٣
ويُعذِّبونهم على الإسلام، كسلمةً بن هشام، وعيَّش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد،
وعمّار بن ياسر، وياسرٍ أبيه، وسُميةَ أمِّه، وعدةٍ من بني مخزوم وغيرِهم، فكانت
صدورهم تضيق لذلك، وربما استُنكِرَ أن يُمكنَ اللهُ الكفارَ من المؤمنين؛ قال مجاهدٌ
وغيره: فنزلت هذه الآية مسلِيةً ومعلِّمةً أن هذه هي سيرة الله في عباده اختباراً
للمؤمنين وفتنة. قال ابن عطية(١): وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في
معناه من الأقوال، فهي باقيةٌ في أمة محمد ﴿، موجودٌ حكمُها بقية الدهر، وذلك أنَّ
الفتنةً من الله تعالى باقيةٌ في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك. وإذا
اعتُبِرَ أيضاً كلُّ موضعٍ ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن، ولكن التي تشبه نازلةً
المسلمين مع قريشٍ هي ما ذكرناه من أمر العدوّ في كل ثغر.
قلت: ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما قال ﴾. وقال مقاتل: نزلت في مِهجَع
مولى عمر بن الخطاب؛ كان أول قتيلٍ من المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن
الحضرمي بسهم فقتله، فقال النبيُّ # يومئذٍ: ((سيدُ الشهداء مِهْجَع، وهو أوَّلُ من
يُدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة)). فجزع عليه أبواه وامرأته، فنزلت: ﴿الَّ أَحَسِبَ
النَّاسُ أَن يُتْرَّكُواْ﴾(٢). وقال الشَّعبي: نزل مُفتتحُ هذه السورة في أُناسٍ كانوا بمكة من
المسلمين، فكتب إليهم أصحاب النبيِّ﴾ من الحديبية أنه لا يُقبَلُ منكم إقرارُ
الإسلام(٣) حتى تهاجروا، فخرجوا، فأتبعهم المشركون فآذوهم، فنزلت فيهم هذه
الآية ﴿الَّمَّ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُفْرَّكُواْ﴾ فكتبوا إليهم: نزلت فيكم آية كذا. فقالوا: نخرج
وإن اتبعنا أحدٌ قاتلناه. فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قُتِلَ، ومنهم من نجا،
فنزل فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾(٤).
(١) في المحرر الوجيز ٣٠٥/٤، وما قبله منه ومن الوسيط ٤١٢/٣، وتفسير البغوي ٤٦٠/٣.
(٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٣٠، وتفسير البغوي ٣/ ٤٦٠ .
(٣) في النسخ سوى (م): إقرار ولا إسلام، والمثبت من (م) والمصادر.
(٤) أخرجه الطبري ٣٥٨/١٨-٣٥٩، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧١٣١) وهو تفسير البغوي ٤٦٠/٣ .

٣٣٥
سورة العنكبوت: الآيات ١ - ٣
﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ يُمتحنون، أي: أظنّ الذين جَزِعوا من أذى المشركين أن يُقْنَع
منهم أن يقولوا: إنَّا مؤمنون، ولا يُمتحنون في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبيّن به
حقيقةٌ إيمانهم(١)؟.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: ابتلينا الماضين، كالخليل أُلقي في
النار، وكقوم نُشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه(٢). وروى البخاري(٣) عن
خَبَّاب من الأرت: قالوا شكونا إلى رسول الله ﴾ وهو متوسِّدٌ بردةً له في ظِلِّ الكعبة،
فقلنا له: ألا تستنصِرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: ((قد كان مَنْ قبلكم يُؤْخَذُ الرجلُ فيُحفَرُ
له في الأرض فيُجعَلُ فيها، فيُجاء بالمِنشارِ فُيُوضَعُ على رأسه فيُجعَلُ نصفين، ويُمشَط
بأمشاط الحديد لحمُه وعظمُه، فما يصرِفُه ذلك عن دينه، ولَيُتِمَّنَّ اللـهُ(٤) هذا الأمرَ
حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاء إلى حَضرَمَوت لا يخافُ إلا الله والذئب على غنمه،
ولكنَّكم تستعجلون)). وخرَّج ابن ماجه(٥) عن أبي سعيد الخدري قال: دخلتُ على
النبيِّ # وهو يُوعَكُ، فوضعتُ يدي عليه، فوجدْتُ حرَّه بين يديَّ فوق اللِّحاف.
فقلتُ: يا رسول الله، ما أشدَّها عليك! قال: ((إنَّا كذلك يُضعَّفُ لنا البلاءُ ويُضعَّفُ
لنا الأجر)» قلت: يا رسول الله، أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء)» قلت: ثُمَّ مَنْ؟
قال: ((ثم الصالحون؛ أن كان أحدُهم ليُبتلى بالفقر حتى ما يجدَ إلاَّ العباءةَ
يجوبُها(٦)، وأن کان أحدُهم لَیفرُ بالبلاء کما یفرحُ أحدُكم بالرخاء)». وروی سعد بن
(١) الوجيز للواحدي على هامش مراح لبيد ٢/ ١٥٢.
(٢) الوسيط ٤١٢/٣-٤١٣ .
(٣) في صحيحه (٣٨٥٢)، وهو في مسند أحمد (٢١٠٥٧).
(٤) في النسخ: والله ليتمنَّ، والمثبت من صحيح البخاري.
(٥) في سننه (٤٠٢٤)، وهو في مسند أحمد (١١٨٩٣)، والأدب المفرد (٥١٠).
(٦) كذا في (م) وكذا ضبطها السندي في شرحه لابن ماجه ٢/ ٤٩٠ وقال: أي: يجعل لها جيباً. والذي في
النسخ الخطية ومطبوع ابن ماجه ((يُحوِّيه)). والتَّحوية فيما ذكر ابن الأثير في النهاية (حوا): أن يُديرّ
كساءً حول سنام البعير ثم يركبه. قلنا: وهذا لا يناسب المعنى، فلعله ((يجوبها)) كما في المسند ومطبوع
الأدب المفرد، فيكون المعنى كما قال السندي في حاشيته على المسند: أي: يقطعها ليلبسها في عنقه.

٣٣٦
سورة العنكبوت: الآيات ١ - ٣
أبي وقَّاصٍ قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم
الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حسب دينهِ، فإنْ كان في دينه صُلباً اشتدَّ بلاؤه،
وإن كان في دينه رقَّةٌ ابتُليَ على حسب دينه، فما يبرَحُ البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي
على الأرض وما عليه من خطيئة))(١). وروى عبد الرحمن بن زيد أنَّ عيسى عليه
السلام كان له وزير، فركب يوماً، فأخذه السَّبُعُ فأكله، فقال عيسى: يا ربِّ وزيري
في دينك، وعوني على بني إسرائيل، وخليفتي فيهم، سلَّطْتُ عليه كلباً فأكله. قال:
«نعم، كانت له عندي منزلةٌ رفيعةٌ لم أجِدْ عمله يبلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك
المنزلة))(٢). وقال وهب: قرأتُ في كتاب رجلٍ من الحواريِّين: إذا سُلِكَ بكَ سبيلُ
البلاء فقرَّ عيناً، فإنه سُلِكَ بِكَ سبيلُ الأنبياء والصالحين، وإذا سُلِكَ بِكَ سبيلُ الرَّخاء
فابْكِ على نفسك، فقد خُولِفَ بِكَ عن سبيلهم(٣).
قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ أي: فليَريَنَّ اللهُ الذين صدقوا في
إيمانهم. وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة)) (٤) وغيرها. قال الزجَّاج: ليعلمَ صدقَ
الصادقِ بوقوعٍ صدقِه منه، وقد عَلِمَ الصادقَ من الكاذبِ قبل أن يخلُقَهما، ولكنِ
القصدُ قصدُ وقوعِ العلم بما يُجازى عليه(٥). وإنما يعلم صدقَ الصادقِ واقعاً كائناً
وقوعُه، وقد علِمَ أنه سيقع. وقال النخَّاس(٦): فيه قولان: أحدهما - أن يكون
((صَدَقُوا)) مشتقًّا من الصِّدق و((الكاذبينَ)) مشتقًّا من الكَذِب الذي هو ضِدُّ الصِّدق،
ويكون المعنى: فَلَيُبْيِّنَنَّ اللهُ الذي صدقوا فقالوا: نحن مؤمنون واعتقدوا مثل ذلك،
والذين كذبوا حين اعتقدوا غيرَ ذلك. والقول الآخر - أن يكون صدَقوا مشتقًّا من
(١) أخرجه أحمد (١٤٨١).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧ / ٤٠٧ .
(٣) أخرجه أحمد في الزهد ص٧١ .
(٤) ٣ / ١٤٠ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٦٠ .
(٦) في إعراب القرآن ٣/ ٢٤٧-٢٤٨ .

٣٣٧
سورة العنكبوت: الآيات ٣ - ٧
الصِّدق: وهو الصُّلب، والكاذبين مشتقًّا من كَذَّب إذا انهزم، فيكون المعنى: فليعلمَنَّ
اللهُ الذي ثبتوا في الحرب والذين انهزموا، كما قال الشاعر:
لَيثُّ بِعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذا
ما اللَّيثُ كَذَّبَ عن أقرانِه صَدَقَا (١)
فجعل (لَيَعْلَمَنَّ)) في موضع فليُبِّننَّ مَجازاً.
وقراءة الجماعة: ((فَلَيَعْلَمَنَّ)) بفتح الياء واللام، وقرأ علي بن أبي طالب بضمِّ الياء
وكسر اللام(٢)، وهي تُبيِّنُ معنى ما قاله النخَّاس. ويَحتملُ ثلاثةَ معان: الأوَّل - أن
يُعلِمَ في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في
الدنيا، بمعنى: يُوقفهم على ما كان منهم. الثاني - أن يكون المفعولُ الأوَّلُ محذوفاً
تقديرُه: فليُعلمنَّ الناسَ والعالمَ هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي: يفضحهم
ويشهرهم؛ هؤلاء في الخبر، وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة. الثالث - أن
يكون ذلك من العلامة، أي: يضع لكلِّ طائفةٍ علامةً يشتهر بها. فالآية على هذا تنظر
إلى قول النبيِّ ﴿: ((مَنْ أسرَّ سريرةً ألبْسَهُ اللهُ رداءَها))(٣).
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَأْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
﴿ مَن كَانَ يَرَّجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَتَّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ وَمَنْ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَيِلُواْ
جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾
الصَّلِحَتِ لَتُكَفِرَنَ عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: الشرك. ﴿أَنْ يَسْبِقُونَ﴾ أي:
(١) قائله زهير، وهو في ديوانه ص٥٤ . عَثَّر: بلدٌ في اليمن. معجم البلدان ٤/ ٨٤ .
(٢) المحتسب ١٥٩/٢، والشاذة ص١١٤ عن علي والزهري. وفي زاد المسير ٢٥٥/٦ عن علي وجعفر بن
محمد.
(٣) المحرر الوجيز ٣٠٦/٤ . والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١٧٠٢)، وفي الأوسط (٧٩٠٢) من
حديث جندب بن سفيان ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٥/١٠: فيه حامد بن آدم، وهو كذاب.
وأخرجه الطبراني بنحوه ١٢٧/١٠ من حديث عثمان بن عفان ﴾. وفي إسناده سليمان بن أرقم، وهو
متروك. ميزان الاعتدال ١٩٦/٢ وقال العجلوني في كشف الخفا ٢/ ٣٥٠: قيل: ليس بحديث، لكن
معناه صحيح .

٣٣٨
سورة العنكبوت: الآيات ٤ - ٧
يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يفعلون. قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة
وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط
وحنظلة بن أبي سفيان والعاص بن وائل(١). ﴿مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس الحكم ما حكموا
في صفات ربهم أنه مسبوقٌ والله القادر على كلِّ شيء.
و((ما)) في موضع نصب بمعنى ساء شيئاً أو حكماً يحكمون. ويجوز أن تكون ((ما))
في موضع رفعٍ بمعنى ساء الشيء، أو الحكمُ حكمُهم. وهذا قول الزجَّاج. وقدَّرها ابنُ
كيسان تقديرين آخرين خلاف ذَينِكَ: أحدهما - أن يكون موضع ((ما)) [مع] ((يَحْكُمُونَ))
بمنزلة شيءٍ واحد، كما تقول: أعجبني ما صنعتَ، أي: صنيعُكَ، فـ((ما)) والفعل
مصدرٌ في موضع رفع، التقدير: ساء حُكمُهم. التقدير: ساء حُكمُهم. والتقدير الآخر
أن تكون ((ما)) لا موضعَ لها من الإعراب، وقد قامت مقامَ الاسم لِساء، وكذلك نِعْمَ
ويِئْسَ. قال أبو الحسن بن كَيْسان: وأنا أختار أن أجعل لـ((ما)) موضعاً في كلِّ ما أقدِرُ
عليه، نحو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وكذا ﴿فَّبِمَا نَقْضِهِم﴾
[المائدة: ١٣] وكذا ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨] ((ما)) في موضع خفضٍ في
هذا كلِّه وما بعده تابعٌ لها، وكذا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيءٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ﴾
[البقرة: ٢٦] ((ما)) في موضع نصبٍ و((بَعُوضَةً)) تابعٌ لها(٢).
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ اَللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَتٍّ﴾ ((يَرْجُو)) بمعنى: يخاف،
من قول الهُذَليّ في وصف عَسَّال:
إذا لَسَعَتهُ النَّحِلُ لم يَرْجُ لسعَها(٣)
وأجمع أهل التفسير على أنَّ المعنى: من كان يخافُ الموت فليعمل عملاً صالحاً
(١) الوسيط ٣/ ٤١٣ بنحوه.
(٢) إعراب القرآن ٢٤٨/٣، وما بين حاصرتين منه. وقول الزجاج في معاني القرآن له ٤/ ١٦٠.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣٠٢/٤ . وهذا صدر لبيت قائله أبو ذؤيب الهذلي، وعجزه: وخالفَها في بيت
نُوبٍ عواملٍ. وقد سلف ٤٣٣/٣ .

٣٣٩
سورة العنكبوت: الآيات ٦ - ٩
فإنه لابُدَّ أن يأتيه. ذكره النخَّاس(١). قال الزجَّاج: معنى ((يَرجُو لِقَاءَ الله)) ثواب
الله(٢)، و((من)) في موضع رفعٍ بالابتداء و«كَانَ» في موضع الخبر، وهي في موضع
جزم بالشرط، و((يَرْجُو)) في موضع خبر كان، والمجازاة ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَتٍ وَهُوَ
اُلسَمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ﴾﴾ أي: ومَنْ جاهد في الدِّين، وصبرَ
على قتال الكفار وأعمال الطاعات، فإنما يسعى لنفسه، أي: ثوابُ ذلك كلُّه له، ولا
يرجع إلى الله نفعٌ من ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ أي: عن أعمالهم. وقيل:
المعنى: مَنْ جاهدَ عدوَّه لنفسه لا يريد وجهَ اللهِ فليسَ لله حاجةٌ بجهاده.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي: صدَّقوا. ﴿وَعَلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: لنُغطّيَّها عنهم بالمغفرة لهم. ﴿ وَلَنَجْزِيَنَهُمْ أَحْسَنَ اَلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي:
بأحسن أعمالهم وهو الطاعات. ثم قيل: يَحتمِلُ أن تُكفَّرَ عنهم كلُّ معصيةٍ عملوها في
الشرك، ويُثابوا على ما عملوا من حسنةٍ في الإسلام(٤). ويَحتمِلُ أن تُكفَّرَ عنهم
سيئاتُهم في الكفر والإسلام، ويُثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَا وَإِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِء
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِئُكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ (@)
الصَّلِحَتِ لَتُدْخِلَنَّهُمْ فِ الصَّلِينَ
قوله تعالى: ﴿وَوَضَيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ نزلت في سعد بن أبي وقاص فيما روى
التّرمذيُّ قال: أُنزلت فيَّ أربعُ آيَاتٍ فذَكَر قصةً؛ فقالت أمُّ سعد: أليسَ قد أمرَ الله
بالبرِّ؟! واللهِ لا أطعَمُ طعاماً، ولا أشربُ شراباً حتى أموتَ أو تكفر. قال: فكانوا إذا
(١) في إعراب القرآن ٢٤٩/٣ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٦٠.
(٣) إعراب القرآن ٢٤٩/٣ .
(٤) مجمع البيان ٢٠/ ٣٤٠.

٣٤٠
سورة العنكبوت: الآيتان ٨ - ٩
أرادوا أن يُطعموها شَجَرُوا فَاها(١)، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيِّ حُسْنًا﴾
الآية. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(٢). وَرُويَ عن سعدٍ أنه قال: كنتُ
بارًّا بأمي فأسلمتُ، فقالت: لتدَعَنَّ دينَكَ أو لا آكلُ ولا أشربُ حتى أموتَ فَتُغَيَّرَ بي،
ويُقال: يا قاتِلَ أمِّه. وبقِيَتْ يوماً ويوماً فقلتُ: يا أمَّاه، لو كانت لكِ مئةُ نفس،
فخرجتْ نفساً نفساً ما تركتُ ديني هذا، فإن شئتِ فكلي، وإن شئتِ فلا تأكلي. فلمَّا
رأتْ ذلك أكلَتَ ونزلَتْ: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى) الآية(٣). وقال ابن عباس: نزلت
في عيَّش بن أبي ربيعة أخي أبي جهلٍ لأمّه وقد فعلَتْ أمُّه مثلَ ذلك(٤). وعنه أيضاً:
نزلت في جميع الأمة؛ إذ لا يصبر على بلاء الله إلاَّ صِدِّيق.
و ((حُسْنَا)) نُصِبَ عند البصريين على التكرير، أي: ووصيناه حُسناً. وقيل: هو على
القطع، تقديره: ووصيناه بالحُسن، كما تقول: وصَّيتُه خيراً، أي: بالخير. وقال أهل
الكوفة: تقديره: ووصَّينا الإنسانَ أن يفعل حسناً فيُقدَّرُ له فعل. وقال الشاعر:
ومن أبي دَهمَاءَ إذ يُوصينا
عَجِبتُ من دَهْمَاءَ إذ تَشكونا.
خيراً بها كأنَّما خافونا
أي: يوصينا أن نفعلَ بها خيراً، كقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْئًا﴾ [ص: ٣٣] أي: يمسحُ
مَسْحاً. وقيل: تقديره: ووصَّيناه أمراً ذا حُسنٍ، فأُقيمتِ الصِّفةُ مقامَ الموصوف،
وحُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مقامَه(٥). وقيل: معناه: ألزمناه حسناً (٦).
(١) أي: أدخلوا في شَجْره عوداً حتى يفتحوه به، والشَّجْر: مفتح الفم. النهاية (شجر).
(٢) سنن الترمذي (٣١٨٩). وهو في مسند أحمد (١٦١٤)، وأخرجه مسلم بنحوه ١٨٧٨/٤ (٤٤).
(٣) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٣٥٧، والوسيط ٤١٤/٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق
٣٣١/٢٠.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٧/٤، وزاد المسير ٢٥٧/٦ من غير نسبة. وساق القصة الطبرسي في مجمع البيان
٣٣٩/٢٠ عن الكلبي.
(٥) تفسير الطبري ٣٦٢/١٨ .
(٦) النكت والعيون ٢٧٦/٤ عن السدي.