Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة القصص: الآيات ٥٨ - ٦١ مارُّ الطريقِ يوماً أو ساعة(١). ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِئِينَ﴾ أي: لِمَا خَلَّفوا بعد هلاكهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَّى يَبْعَثَ فِيَّ أُمِّهَا رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَّأَ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِ الْقُرَى إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ * وَمَا أُوِتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَاْ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (® أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَنْ مَّنَعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوْمِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ أي: القرى الكافرُ [أهلُها](٢). ﴿حَقَّ يَبْعَثَ فِيَ أُتِهَا﴾ قُرئ بضمِّ الهمزة وكسرِها(٣) لإتباع الجر يعني مكة، و﴿رَسُولًا﴾ يعني محمداً ﴾(٤). وقيل: ((فِي أُمِّهَا)) يعني: في أعظمها ((رَسُولاً)) ينذرهم(٥). وقال الحسن: في أوائلها(٦). قلت: ومكةُ أعظمُ القرى لِحرمتها وأوَّلها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] وخُصَّتْ بالأعظم لبعثة الرسول فيها؛ لأنَّ الرسلَ تُبعَثُ إلى الأشراف، وهم يسكنون المدائن وهي أمُّ ما حولها(٧). وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة (يوسف)) (٨). ﴿يَغْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَيَدِنْأَ﴾ ((يَثْلُوا)) في موضع الصفة، أي: تالياً، أي يخبرهم أنَّ العذاب ينزل بهم إن لم يؤمنوا. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِ الْقُرَى﴾ وسقطتِ (١) من قوله: فالمعنى إذاً ... إلى هذا الموضع من تفسير البغوي ٣/ ٤٥١، في زاد المسير ٢٣٣/٦. (٢) المصدران السابقان، وما بين حاصرتين منهما. (٣) قرأ حمزة والكسائي من السبعة بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بضمّها. السبعة ص٢٢٧ - ٢٢٨، والتيسير ص٩٤ . (٤) الكشاف ١٨٦/٣ . (٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٥١ . (٦) النكت والعيون ٢٦١/٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠١٨) (٧) زاد المسير ٢٣٤/٦. (٨) ٤٧٠/١١ . ٣٠٢ سورة القصص: الآيات ٥٩ - ٦١ النونُ للإضافة، مثل: ﴿ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]. ﴿إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ أي: لم أُهلِكْهم إلَّا وقدِ استحقُّوا الإهلاك؛ لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم. وفي هذا بيانٌ لعدلِه وتقدُّسِه عن الظلم؛ أخبر تعالى أنه لا يُهلكهم إلاَّ إذا استحقُّوا الإهلاكَ بظلمهم، ولا يُهلكهم مع كونهم ظالمين إلَّا بعد تأكيد الحُجَّة والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل عِلْمَه بأحوالهم حُجَّةٌ عليهم، ونزَّه ذاتَه أن يُهلِكُهم وهم غير ظالمين، كما قال عزَّ مِنْ قائل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] فنصَّ في قوله: ﴿يُظُلْمٍ﴾ على أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلماً لهم منه، وأنَّ حالَه في غناه وحكمتَه منافيةٌ للظلم، دلَّ على ذلك بحرف النفي مع لامه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ (١) [البقرة: ١٤٣]. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُوِيْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ يا أهل مكة ﴿فَمَتَعُ الْحَيَوْوِ الذُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ أي: تتمتعون بها مدَّة حياتكم، أو مدَّةً في حياتكم، فإمَّا أن تزولوا عنها أو تزول عنكم. ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ أي: أفضَلُ وأدْوَمُ، يريد الدارَ الآخرة وهي الجنة. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ الباقي أفضلُ من الفاني(٢). قرأ أبو عمرو: ((يَعْقِلُونَ)) بالياء. الباقون بالتاء على الخطاب، وهو الاختيار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُ﴾(٣). قوله تعالى: ﴿أَفَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيهِ﴾ يعني الجنة وما فيها من الثواب ﴿ كَمَنْ مَّتَعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ فأُعطيَ منها بعضَ ما أراد. ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي: في النار. ونظيره قوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾(٤) [الصافات: ٥٧] قال ابن عباس: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وفي أبي جهل بن (١) من قوله: وفي هذا بيان لعدله ... إلى هذا الموضع من الكشاف ١٨٦/٣ - ١٨٧. (٢) الوسيط ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥، وتفسير البغوي ٤٥١/٣، وزاد المسير ٢٣٤/٦. (٣) الحجة في القراءات السبعة ٤٢٤/٥. وينظر السبعة ص ٤٩٥، والتيسير ص ١٧٢ . (٤) الكشاف ١٨٧/٣ . ٣٠٣ سورة القصص: الآيات ٦١ - ٦٧ هشام(١). وقال مجاهد: نزلت في النبي# وأبي جهل(٢). وقال محمد بن كعب: نزلت في حمزة وعليّ، وفي أبي جهل وعمارة بن الوليد(٣). وقيل: في عمار والوليد ابن المغيرة. قاله السُّدِّي. قال القشيري: والصحيح أنها نزلت في المؤمن والكافر على التعميم. الثعلبي: وبالجملة فإنها نزلت في كلِّ كافرٍ مُتِّعَ في الدنيا بالعافية والغنى، وله في الآخرة النار، وفي كلِّ مؤمنٍ صَبَرَ على بلاء الدنيا ثقةً بوعد الله، وله في الآخرة الجنة. قَالَ الَّذِينَ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرِكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوَلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنًا تَبَأْنَا إِلَيْكَّ مَا كَانُواْ وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِبُواْ لَهُمْ وَرَوْ اَلْعَذَابٌّ لَوْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (١) أَنَّهُمْ كَانُوْ يَهْتَدُونَ (٤) وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٢٥ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَكَلِحًا فَعَسَوْنَ أَنْ ٦٦ اُلْأَثْبَآءُ يَوْمَيِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ ﴾ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي: ينادي اللهُ يومَ القيامة هؤلاء المشركين ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَِّىَ﴾ بزعمكم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم. ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَئِهِمُ الْقَوَلُ﴾ أي: حقَّتْ عليهم كلمة العذاب، وهم الرؤساء. قاله الكلبي. وقال قتادة: هم الشياطين (٤). ﴿رَبَّنَا هَدُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآ﴾ أي: دعوناهم إلى الغيِّ. فقيل لهم: أغويتموهم؟ قالوا: ﴿أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيَنً﴾ يعنون: أأضللناهم كما كنّا ضالِّين. ﴿تَبَرَأَنَا إِلَيْكٌ﴾ أي: تبرَّأ بعضُنا من بعض، والشياطين يتبرؤون ممن أطاعهم، والرؤساء يتبرؤون ممن قبل (١) أخرجه الطبري ٢٩٥/١٨ ولكن عن مجاهد، وكذلك ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٣٤/٦. (٢) أخرجه الطبري ٢٩٤/١٨، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٣٤/٦. (٣) تفسير البغوي ٤٥١/٣ - ٤٥٢، ومجمع البيان ٣١١/٢٠ وليس فيه عمارة بن الوليد. (٤) زاد المسير ٢٣٥/٦ - ٢٣٦. وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٢، والطبري ٢٩٦/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٤٠). ٣٠٤ سورة القصص: الآيات ٦٦ - ٦٧ منهم، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلََّةُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٍّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾(١) [الزخرف: ٦٧]. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للكفار ﴿أَدْعُواْ شُرَكَآَكُمْ﴾ أي: استغيثوا بآلهتكم التي عبدتُموها في الدنيا لتنصرَكم وتدفعَ عنكم . ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أي: استغاثوا بهم. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ﴾ أي: فلم يُجيبوهم ولم ينتفعوا بهم. ﴿وَرَوُا الْعَذَابُّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ قال الزجَّاج: جواب (لَوْ)) محذوف، والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم الهدى، ولَما صاروا إلى العذاب. وقيل: لو أنهم كانوا يهتدون ما دَعَوهم (٢). وقيل: المعنى: ودُوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إذا رأوا العذابَ يوم القيامة. قوله تعالى(٣): ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: يقول اللهُ لهم: ما كان جوابُكم لِمن أُرسِلَ إليكم من النبيين لمَّا بلغوكم رسالاتِي؟ (٤) ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَيِذٍ﴾ أي: خَفِيَتْ عليهم الحُجج. قاله مجاهد؛ لأنَّ الله قد أَعذَرَ إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم عذرٌ ولا حُجَّةٌ يوم القيامة(٥). و((الْأَنْبَاءُ)): الأخبار؛ سَمَّى حُجَجَهم أنباءً لأنها أخبارٌ يُخبرونها(٦). ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَلَّلُونَ﴾ أي: لا يسألُ بعضُهم بعضاً عن الحُجَجِ؛ لأنَّ الله تعالى أدحَضَ حُجَجهم. قاله الضحاك(٧). وقال ابن عباس: ((لا يتساءَلُونَ)) أي: لا ينطقون بِحُجَّة. وقيل: ((لا يتساءَلُونَ)» في تلك الساعة، ولا يدرون ما يُجیبون به من هول تلك الساعة، ثم يُجيبون بعد ذلك كما أخبر عن قولهم: ﴿وَلَّهِ دَيْنَ مَا كُنَّ مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقال مجاهد: لا يتساءلون بالأنساب. وقيل: لا يسألُ بعضُهم (١) معاني القرآن للنحاس ١٩٢/٥. (٢) إعراب القرآن ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١، وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٥١/٤. (٣) عبارة: ((قوله تعالى)) من (ظ). (٤) مجمع البيان ٣١٣/٢٠. (٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٢. وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٩٧/١٨ . (٦) زاد المسير ٢٣٦/٦. (٧) النكت والعيون ٢٦٢/٤، ومجمع البيان ٣١٣/٢٠ . ٣٠٥ سورة القصص: الآيات ٦٦ - ٧٠ بعضاً أن يحمل من ذنوبه شيئاً. حكاه ابن عيسى(١). قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ﴾ أي: من الشرك ﴿وَءَامَنَ﴾ أي: صدَّق ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ أدى الفرائضَ وأكثرَ من النوافل ﴿فَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي: من الفائزين بالسعادة. وعسى من الله واجبة. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ وَرَبِّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَهُوَ اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوْ لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُوْلَى وَالْآَخِرَةِّ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣) قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ هذا متَّصِلٌ بِذِكر الشُّركاءِ الذين عبَدوهم واختاروهم للشفاعة، أي: الاختيار إلى الله تعالى في الشُّفعاء لا إلى المشركين. وقيل: هو جوابُ الوليد بن المغيرة حين قال: ﴿لَوْلًا نُزِلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني نفسَه زعم، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف(٢). وقيل: هو جوابُ اليهود إذ قالوا: لو كان الرسولُ إلى محمدٍ غیرَ جبريل لاَمَنَّا به. قال ابن عباس: والمعنى: وربُّكَ يخلقُ ما يشاء من خَلْقِه ويختارُ منهم مَنْ يشاء لطاعته. وقال يحيى بن سلَّام: المعنى: وربُّكَ يخلقُ ما يشاء مِنْ خلقِه ويختار مَنْ يشاء لنبوَّته. وحكى النقّاش أنَّ المعنى: وربُّكَ يخلقُ ما يشاء مِنْ خلقِه يعني محمداً﴾، ويختارُ الأنصارَ لدينه(٣). قلتُ: وفي كتاب البزَّار مرفوعاً صحيحاً عن جابر: ((إنَّ اللهَ تعالى اختارَ (١) قول مجاهد وابن عيسى في النكت والعيون ٢٦٢/٤ . وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٩٨/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٤٥). (٢) الوسيط ٤٠٦/٣، وتفسير أبي الليث ٥٢٤/٢، وتفسير البغوي ٤٥٢/٣. (٣) النكت والعيون ٤/ ٢٦٢. ٣٠٦ سورة القصص: الآيات ٦٨ - ٧٠ أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختارَ لي من أصحابي أربعة - يعني أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّاً - فجعلهم أصحابي، وفي أصحابي كلِّهم خيرٌ، واختارَ أمَّتي على سائر الأمم، واختارَ لي من أمتي أربعةَ قرون»(١). وذكر سفيان بن عُييْنة عن عَمرو بن دينار، عن وهب بن مُنبِّه، عن أبيه في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارٌ﴾ قال: من النَّعَمِ الضأن، ومن الطيرِ الحمام. والوقف التام ((وَيَخْتَارُ))(٢). وقال عليّ بن سليمان: هذا وقفُ التمام، ولا يجوز أن تكون ((ما)) في موضع نصب بـ((يَخْتَارُ)) لأنها لو كانت في موضع نصبٍ لم يَعُدْ عليها شيء. قال: وفي هذا رَدِّ على القدرية(٣). قال النخَّاس: التمام ((وَيَخْتَارُ)) أي: ويختار الرسل. ﴿مَا كَانَ لَهُمُ اٌلْخِيَرَةُ﴾ أي: ليس يُرسِلُ مَن اختاروه هم(٤). قال أبو إسحاق: ((وَيَخْتَارُ)) هذا الوقف التامُّ المختار، ويجوز أن تكون ((ما)) في موضع نصبٍ بـ ((يختار)) ويكون المعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخِيَرَةِ(٥). قال القُشيري: الصحيح الأوَّل ؛ لإطباقهم [على](٦) الوقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارٌ﴾. قال المهدوي: وهو أشبه بمذهب أهل (١) مسند البزار ((كشف الأستار)) (٢٧٦٣) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، عن نافع بن يزيد، عن زهرة بن معبد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر مرفوعاً. وأخرجه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٣١٢/٢ من طريق أبي صالح وسعيد بن أبي مريم، بالإسناد السابق. قال الذهبي في السير ٤١٤/١٠ - ٤١٥: قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: حديث ((إن الله اختار أصحابي» موضوع، والحمل فيه على أبي صالح. ثم قال الذهبي: لكن قد تابعه عليه سعيد بن أبي مريم، عن نافع ... فتخلَّص أبو صالح. ثم قال: وقال أبو زرعة وغيره: هو من وضع خالد بن نجيح المصري، وكان يضع في كتب الشيوخ. قال الذهبي: لعله أدخله على نافع بن يزيد، مع أن نافعاً صدوقٌ احتجَّ به مسلم. (٢) إيضاح الوقف والابتداء ٨٢٣/٢ . (٣) إعراب القرآن ٢٤١/٣ . (٤) معاني القرآن للنحاس ١٩٤/٥ . (٥) إعراب القرآن ٢٤١/٣، وكلام الزجاج في معاني القرآن له ١٥٢/٤. (٦) ما بين حاصرتين من (م). ٣٠٧ سورة القصص: الآيات ٦٨ - ٧٠ ج السُّنَّة و((ما)) من قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفيٌ عامٌّ لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيءٌ سوى اكتسابِه بقدرٍ (١) اللهِ عزَّ وجلَّ. الزمخشري(٢): ﴿مَا كَانَ لَُ ج الْخِيَرَةُ﴾ بيانٌ لقوله: ﴿وَيَخْتَارٌ﴾؛ لأنَّ معناه: يختارُ ما يشاء؛ ولهذا لم يدخلِ العاطفُ، والمعنى: إنَّ الخِيَرَةَ لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، أي: ليس لأحدٍ من خلقِه أن يختارَ عليه. وأجاز الزجَّاج(٣) وغيرُه أن تكون ((ما)) منصوبةً بـ ((يَخْتارُ)). وأنكر الطبريُّ(٤) أن تكون (ما)) نافية؛ لئلا يكون المعنى: إنهم لم تكُنْ لهم الخيرةُ فيما مضى وهي لهم فيما يُستقبل، ولأنَّه لم يتقدَّم كلامٌ بنفي. قال المهدوي: ولا يلزم ذلك؛ لأنَّ ((ما)) تنفي الحالَ والاستقبالَ كَلَيسَ؛ ولذلك عمِلَتْ عملها، ولأنَّ الآيَ كانت تنزل على النبيِّ* على ما يسأل عنه، وعلى ما هم مُصِرُّون عليه من الأعمال وإن لم يكن ذلك في النص. وتقدير الآية عند الطبري: ويختار لولايته الخِيَرةَ من خلقه؛ لأنَّ المشركين كانوا يختارون خيار أموالهم فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارٌ﴾ للهدايةِ من خلقِهِ مَنْ سبقت له السعادةُ في علمه، كما اختار المشركون خيارَ أموالهم لآلهتهم، فـ ((ما)) على هذا لمن يعقِلُ، وهي بمعنى الذي، و ((الْخِيَرَةُ)) رفعٌ بالابتداء، و((لَهُم)) الخبر، والجملة خبر ((كان)). وشبهه بقولك: ((كان زيدٌ أبوه منطلقٌ)) وفيه ضعف؛ إذ ليس في الكلام عائدٌ يعود على اسم كان، إلَّا أن يُقَدَّرَ فيه حذفٌ فيجوز على بُعْدٍ. وقد رُويَ معنى ما قاله الطبري عن ابن عباس(٥). قال الثعلبي: و((ما)) نفي، أي: ليس لهم الاختيارُ على الله. وهذا أصْوَبُ، كقوله تعالى: (١) في (م): بقدرة. والمثبت من (د) و(ظ). (٢) في الكشاف ١٨٨/٣ . (٣) في معاني القرآن له ٤/ ١٥٢. (٤) في تفسيره ٣٠١/١٨ - ٣٠٢ . (٥) تفسير الطبري ٢٩٩/١٨ - ٣٠٠ . ٣٠٨ سورة القصص: الآيات ٦٨ - ٧٠ ﴿َوَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. قال محمود الورَّاق: أردتَ فإنَّ اللهَ يقضي ويَقْدِرُ توكَّلْ على الرحمنِ في كلِّ حاجةٍ يُصِبْهُ وما للعبدِ ما يتخيَّرُ إذا ما يُرِدْ ذو العرشِ أمراً بعبدهِ وينجو بحمدِ الله من حيثُ يَحذرُ(١) وقد یهلِكُ الإنسانُ من وجهِ حِذْرهِ وقال آخر: والدَّهرُ ذو دُوَلٍ والرِّزْقُ مقسومُ العبدُ ذو ضَجَرٍ والربُّ ذو قَدَرٍ وفي اختيار سواه اللَّومُ والشُّومُ والخيرُ أجمَعُ فيما اختارَ خالِقُنا قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحدٍ أن يقدُمَ على أمرٍ من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخِيرَةَ في ذلك؛ بأن يُصلِّيَ ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ وفي الركعة الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾. واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ ج لَمُ الْخِيَرَةُ﴾ الآية، وفي الركعة الثانية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًّاً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وكلٌّ حسن. ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام، وهو ما رواه البخاريُّ في ((صحيحه)) عن جابر بن عبد الله قال: كان النبيُّ# يُعلِّمنا الاستخارة في الأمورِ كلِّها، كما يُعلِّمنا السورةَ من القرآن؛ يقول: ((إذا هَمَّ أحدُكم بالأمرِ فليركَعْ ركعتين غيرَ الفريضةِ، ثم ليقُلْ: اللهمَّ إني أستخيرُكَ بعلمِكَ وأستقدِرُكَ بِقُدرِكَ وأسألُكَ من فضلِكَ العظيم، فإنَّكَ تقدِرُ ولا أقدِرُ، وتعلَمُ ولا أعلَمُ، وأنت علَّامُ الغيوب، اللهمَّ إن كنتَ تعلَمُ أنَّ هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةٍ أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاقْدُره لي ويسِّره لي، ثم بارِكْ لي فيه، اللهمَّ وإن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شرِّ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبةٍ أمري - أو قال: (١) وقد نسبت هذه الأبيات إلى أبي العتاهية، وهي في ديوانه ص١٥٣. ٣٠٩ سورة القصص: الآيات ٦٨ - ٧٠ في عاجل أمري وآجله - فاصرِفْه عني واصرفني عنه، واقدُرْ ليَّ الخيرَ حيثُ كان، ثم رضّني به)) قال: ويُسمِّي حاجته (١). وروَتْ عائشةُ عن أبي بكر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ كان إذا أراد أمراً قال: ((اللهمَّ خِرْ لي واختَرْ لي))(٢). وروى أنسٌ أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ قال: ((يا أنس، إذا هممتَ بأمرٍ فاستخِرْ ربَّكَ فيه سبعَ مرات، ثم انظُرْ إلى ما يسبِقُ قلبَكَ فإنَّ الخيرَ فيه)(٣). قال العلماء: وينبغي له أن يُفرِّغَ قلبَه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلاً إلى أمرٍ من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإنَّ الخير فيه إن شاء الله. وإن عزم على سفرٍ فيتوخّى بسفره يوم الخميس أو يوم الاثنين اقتداءً برسول الله ◌ِ﴾(٤). ثم نزَّه نفسَه سبحانه بقوله الحق، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: تنزيهاً. ﴿وَتَعَلَى﴾ أي: تقدَّس وتمجَّد ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يظهرون . وقرأ ابن مُحَيصِن وحميد: (تَكُنُّ)) بفتح التاء وضمِّ الكاف، وقد تقدَّم هذا في ((النمل))(٥). تمَّح سبحانه بأنه عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء ﴿وَهُوَ اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا (١) صحيح البخاري (١١٦٢). وهو في مسند أحمد (١٤٧٠٧). (٢) أخرجه الترمذي في سننه (٣٥١٦) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زَنْفَل، وهو ضعيف عند أهل الحديث، وتفرد بهذا الحديث ولا يُتابع عليه. (٣) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٩٨) من طريق عبيد الله بن الحميري، عن إبراهيم بن البراء، عن النضر بن مالك، عن أبيه - يعني أنس بن مالك بن أنس بن مالك -، عن أبيه - يعني مالكاً - عن أنس بن مالك مرفوعاً. عبيد الله بن الحميري لم نقف له على ترجمة، وإبراهيم بن البراء ضعيف جداً يحدث عن الثقات البواطيل، لا يجوز الاحتجاج بحديثه. الميزان ١/ ٢١ - ٢٢ . (٤) أخرج أحمد (٢٧١٧٥)، والبخاري (٢٩٥٠) من حديث كعب بن مالك : أن رسول الله # كان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس. وفي رواية للبخاري (٢٩٤٩): لقلَّما كان رسول الله # يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس. (٥) ص٢٠٣ من هذا الجزء، وهي قراءة شاذة. ٣١٠ سورة القصص: الآيات ٧٠ - ٧٣ هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُوْلَى وَالْآَخِرَةُّ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تقدَّم معناه، وأنه المنفرد بالوحدانية، وأنَّ جميعَ المحامد إنما تجب له، وأن لا حُكم إلا له وإليه المصير. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّتِلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاْءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٨ قُلْ أَرََيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَزْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةٍ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿ وَمِنْ زَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ اَلَِّلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (بَا﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّتْلَ سَرْهَدًا﴾ أي: دائماً (١)؛ ومنه قول طرفة (٢): لعمرُكَ ما أمري عليَّ بِغُمَّةٍ نهاري ولا ليلي عليَّ بِسَرْمَدٍ بَيَّنَ سبحانه أنه مَهَّدَ أسباب المعيشة ليقوموا بشكر نعمه . ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ بَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ﴾ أي: بنورٍ تطلبون فيه المعيشة(٣). وقيل: بنهارٍ تُبصرون فيه معايشكم وتُصلَحُ فيه الثمرُ والنبات(٤). ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ سماع فهم وقبول. ﴿قُلْ أَرََّيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِ يَأْتِكُمْ بِلٍ تَسْكُنُونَ فِيةٍ﴾ أي: تستقِرُّون فيه من النَّصَب. ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ما أنتم فيه من الخطإ في عبادة غيره(٥)، فإذا أقررتم بأنه لا يقدِرُ على إيتاء الليل والنهارِ غيرُه، فلِمَ تُشركون به؟! (١) معاني القرآن للنحاس ١٩٤/٥ عن مجاهد، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٦٢)، وأخرجه (١٧٠٦١) عن ابن عباس ﴾ (٢) في ديوانه ص ٤٠، وقد سلف ٢٤/١١. (٣) الوسيط ٤٠٦/٣، وتفسير البغوي ٤٥٣/٣. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٥٢. (٥) الوسيط ٤٠٦/٣، وزاد المسير ٢٣٨/٦. ٣١١ سورة القصص: الآيات ٧١ - ٧٥ ﴿وَمِنْ زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُوا فِيهِ﴾ أي: فيهما. وقيل: الضمير للزمان وهو الليل والنهار(١). ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي: لتطلبوا من رزقه فيه، أي: في النهار، فحذف(٢). ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. (٧٤) قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ فَعَلِّمُواْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أعادَ هذا الضميرَ لاختلاف الحالَين، يُنادَون مرةً فيُقال: ﴿أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فَيَدْعون الأصنام فلا يستجيبون، فتظهَرُ حَيْرَتُهم (٣)، ثم يُنادَون مرةً أخرى فيسكتون. وهو توبيخٌ وزيادةُ خزي. والمناداةُ هنا ليست من الله؛ لأنَّ الله تعالى لا يُكلِّم الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] لكنَّه تعالى يأمر مَنْ يُوبِّخُهم ويُبَكِّتُهم، ويُقيمُ الحُجَّةَ عليهم في مقام الحساب. وقيل: يَحتمل أن يكون من الله، وقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ حين يُقال لهم: ﴿أَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقال: ﴿شُرَكَآِىَ﴾ لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم. قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّتٍِ شَهِيدًا﴾ أي: نبيّاً. عن مجاهد(٤). وقيل: هم عدولُ الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في الدنيا(٥). والأوَّلُ أظهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَحِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وشهيدُ كلِّ أمةٍ رسولُها الذي يشهد عليها(٦). والشهيد: الحاضر. أي: أحضرنا رسولَهم المبعوثَ إلیھم. (١) معاني القرآن للنحاس ١٩٥/٥ بنحوه. (٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٢٤ . (٣) في (ظ): فيظهر خزيهم. (٤) معاني القرآن للنحاس ١٩٦/٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٦٨). (٥) مجمع البيان ٣١٧/٢٠. (٦) الوسيط ٣/ ٤٠٧، وتفسير البغوي ٤٥٣/٣ بنحوه. ٣١٢ سورة القصص: الآيات ٧٥ - ٧٧ ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ﴾ أي: حُجَّتَكم (١). ﴿فَعَلِمُوْاْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: علموا صِدقَ ما جاءت به الأنبياء(٢). ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: ذهب عنهم وبطل(٣). ﴿مَا كَانُواْ يَفْتَُّونَ﴾ أي: يختلقونه من الكذب على الله تعالى من أنَّ معه آلهةً تُعبَدُ (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ بِلْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَغْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ وَأَبْتَغْ فِيمَا ءَتَنْكَ اَللَّهُ النَّارَ الْآَخِرَةٌّ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الْفَرِحِينَ ﴾ كَمَا أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا الدُّنْيَّاً وَأَحْسِنْ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فَرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى﴾ لمَّا قال تعالى: ﴿وَمَّا أُوِتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ بَيَّن أنَّ قارونَ أوتيها واغترَّ بها ولم تعصِمْه من عذاب الله كما لم تعصِمْ فرعون، ولستُم أيها المشركون بأكثرَ عدداً ومالاً من قارون وفرعون، فلم ينفَعْ فرعونَ جنودُه وأموالُه، ولم ينفَعْ قارونَ قرابتُه من موسى ولا كنوزُه. قال النَّخعيُّ وقتادة وغيرهما: كان ابنُ عمِّ موسى لَحَاً (٥)؛ وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث(٦). وقال ابن إسحاق: كان عمَّ موسى لأبٍ وأمّ(٧). وقيل: كان ابن خالته(٨). ولم ينصرِفْ؛ للعُجمة (١) أخرجه الطبري ٣٠٨/١٨ عن مجاهد، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٧٠) عن أبي العالية. (٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٥٣. (٣) الوسيط ٣/ ٤٠٧ . (٤) مجمع البيان ٢٠/ ٣١٧ بنحوه. (٥) الوسيط ٤٠٧/٣ والمحرر الوجيز ٢٩٨/٤ ولَحّاً، أي: لاصق النسب. الصحاح (لحح). (٦) الوسيط ٣/ ٤٠٧، وتفسير البغوي ٣/ ٤٥٤ . (٧) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٤، وزاد المسير ٢٣٩/٦ . (٨) زاد المسير ٢٣٩/٦ عن ابن عباس ﴾. ٣١٣ سورة القصص: الآيتان ٧٦ - ٧٧ والتعريف(١). وما كان على وزن فاعول أعجمياً لا يحسُنُ فيه الألف واللام، لم ينصرِفْ في المعرفة، وانصرف في النكرة، فإن حسُنت فيه الألفُ واللامُ انصرف إن كان اسماً لمذكَّرٍ، نحو طاوس وراقود. قال الزجَّاج: ولو كان قارون من قرنت الشيء لا نصرف (٢). ﴿فَى عَلَيْهِمْ﴾ بغيُه أنه زاد في طول ثوبه شبراً. قاله شهر بن حوشب. وفي الحديث: ((لا ينظرُ الله إلى مَنْ جرَّ إزاره بطَراً)) وقيل: بغيُه كفرُه بالله عزَّ وجلَّ. قاله الضخَّاك. وقيل: بغيُه استخفافُه بهم بكثرة ماله وولده. قاله قتادة. وقيل: بغيُه نسبتُه ما أتاه الله من الكنوز إلى نفسه بعلمه وحيلته. قاله ابن بحر(٣). وقيل: بغيُه قولُه: إذا كانتِ النبوَّةُ لموسى، والمَذبحُ والقُربان في هارون، فما لي؟ فرُوي أنه لمَّا جاوز بهم موسى البحر، وصارتِ الرسالةُ لموسى والحُبورة لهارون؛ يُقرِّب القربان ويكون رأساً فيهم، وكان القربان لموسى فجعله موسى إلى أخيه، وجدَ قارونُ في نفسه وحسدَهما، فقال لموسى: الأمرُ لكما ولستُ على (٤) شيء إلى متى أصبر؟ قال موسى: هذا صنع الله. قال: واللهِ لا أصدِّقنَّكَ حتى تأتي بآية. فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كلُّ واحدٍ منهم بعصاه، فحزمها وألقاها في القُبَّة التي كان الوحي ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيّهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتزُّ ولها ورقٌ أخضر - وكانت من شجر اللوز - فقال قارون: ما هو بأعجبَ ممَّا تصنع من السحر. ﴿فَغَى عَيْهِمْ﴾ من البغي: وهو الظلم(٥). وقال يحيى بن سلَّام وابن المسيِّب: كان قارونُ غنيّاً عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فتعدَّى عليهم وظلمهم وكان منهم. (١) الكشاف ٣/ ١٩٠. (٢) إعراب القرآن ٢٤٢/٣، وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٥٣/٤. (٣) النكت والعيون ٢٦٤/٤ - ٢٦٥ دون ذكر الحديث، وقد أخرجه أحمد (٩٠٠٤)، والبخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (٢٠٨٧) من حديث أبي هريرة ﴾. وقول شهر بن حوشب أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٧٨)، وأخرج قول الضحاك (١٧٠٧٧). (٤) في (د) و(م): وليس لي. والمثبت من (ظ) والكشاف. (٥) الكشاف ١٩٠/٣ . ٣١٤ سورة القصص: الآيتان ٧٦ - ٧٧ وقول سابع: رُوي عن ابن عباس قال: لمَّا أمرَ اللهُ تعالى برجم الزاني عمد قارون إلى امرأةٍ بغيٍّ وأعطاها مالاً، وحملها على أن ادَّعت على موسى أنه زنى بها وأنه أحبلها، فعَظُمَ على موسى ذلك، وأحلفَها بالله الذي فلقَ البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى إلَّ صدقت. فتداركها اللهُ فقالت: أشهدُ أنَّكَ بريء، وأنَّ قارون أعطاني مالاً، وحملني على أن قُلتُ ما قُلتُ، وأنت الصادق، وقارون الكاذب(١). فجعل الله أمرَ قارون إلى موسى، وأمر الأرضَ أن تُطيعه، فجاءه وهو يقول للأرض: يا أرضُ خُذيه، يا أرض خُذيه. وهي تأخذه شيئاً فشيئاً، وهو يستغيث: يا موسى! إلى أن ساخَ في الأرض هو ودارُه وجلساؤه الذين كانوا على مذهبه. ورُوي أنَّ الله تعالى أوحى إلى موسى: استغاثَ بكَ عبادي فلم ترحَمْهم، أما إنهم لو دعَوني لوجدوني قريباً مجيباً(٢). ابن جُريج: بلغنا أنه يُخسَفُ بهم كلَّ يومٍ قامة، فلا يبلغون إلى أسفل الأرض إلى يوم القيامة(٣). وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب ((الفرج)): حدَّثني إبراهيم بن راشد قال: حدَّثني داود بن مِهْران، عن الوليد بن مسلم، عن مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبَس قال: لقي قارونُ يونسَ في ظلمات البحر، فنادى قارونُ يونس، فقال: يا يونس، تُبْ إلى الله، فإنك تجده عند أول قدم ترجع بها إليه. فقال يونس: ما منعكَ من التوبة؟ فقال: إنَّ توبتي جُعلت إلى ابن عمي، فأبى أن يقبل مني (٤). وفي الخبر: إذا وصلَ قارونُ إلى قرار الأرض السابعة نفخَ إسرافيلُ في الصور. والله أعلم. قال السُّدِّي: وكان اسم البغي سبرتا، وبذل لها قارون ألفَي (١) النكت والعيون ٢٦٤/٤ - ٢٦٥ . (٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧١٥٦)، والحاكم ٤٠٨/٢ - ٤٠٩ عن ابن عباس ﴾ بنحوه. وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم (١٧١٥٧) عن عبد الله بن الحارث بن نوفل. وأخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٤٠٢/١، وابن أبي حاتم (١٧١٦٣) عن عبد الله بن عوف القاري. (٣) نسبه السيوطي في الدر المنثور ١٣٩/٥ إلى ابن المنذر، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧١٦١) عن سمرة بن جندب ، و(١٧١٦٠) عن قتادة. (٤) الفرج بعد الشدة (٣٥). ٣١٥ سورة القصص: الآيتان ٧٦ - ٧٧ درهم(١). قتادة: وكان قطع البحر مع بني إسرائيل(٢) وكان يُسمى: المنوَّر، من حسن صوته(٣) في التوراة، ولكن عدوَّ الله نافقَ كما نافقَ السامري(٤). قوله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ قال عطاء: أصابَ كثيراً من كنوز يوسف عليه السلام. وقال الوليد بن زَرْوان(٥): إنه كان يعمل الكيمياء (٦). ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ((إنَّ) واسمها وخبرها في صلة ((ما)) و((ما)) مفعولة ((آتَيْنَا)). قال النخَّاس: وسمعتُ علي ابن سليمان يقول: ما أقبحَ ما يقول الكوفيون في الصِّلات! إنه لا يجوز أن تكون صلةٌ الذي وأخواته ((إن)) وما عملت فيه، وفي القرآن ﴿مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾. وهو جمع مِفْتَح بالكسر: وهو ما يُفتَح به. ومن قال: مفتاح قال: مفاتيح. ومن قال: هي الخزائن، فواحدها مَفتح بالفتح . ﴿لَنَنُوَأُ بِلْعُصْبَةِ﴾ أحسنُ ما قيل فيه أن المعنى لتنبىء العصبة، أي: تُميلهم بثِقَلها(٧)، فلمَّا انفتحتِ التاء دخلت الباء. كما قالوا: هو يذهب بالبؤس، ويُذهِب البؤس. فصار ﴿لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ فجعل العصبة تنوء أي: تنهض متثاقلة، كقولك: قُمْ بنا، أي: اجعلنا نقوم(٨). يقال: ناءَ ينوءُ نوءاً إذا نهض بثقل(٩). (١) النكت والعيون ٢٦٥/٤، وفي مطبوعه اسم البغي: شجرتا. (٢) في (٥) و(م): موسى، والمثبت من (ظ) والمصادر. (٣) في (م): صورته، والمثبت من (د) و(ظ) والمصادر. (٤) النكت والعيون ٢٦٤/٤ . وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٧٥). (٥) في النسخ: مروان، والتصويب من تفسير ابن أبي حاتم. وقد ترجم له الحافظ ابن حجر في تهذيبه ٣١٦/٤، فقال: الوليد بن زَوْران الرقي - بتقديم الزاي على الواو - وكذلك ترجم له في تقريبه لكنه قال: وقيل بتأخير الواو. روى له أبو داود في سننه حديثاً واحداً في الوضوء عن أنس بن مالك ﴾، وقال أبو داود: لا ندري سمع من أنسٍ أو لا. (٦) النكت والعيون ٢٦٥/٤، وقول عطاء أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٠٨١)، وقول الوليد أخرجه أيضاً (١٧٠٨٢). والكيمياء اسم لعلم التحليل والتركيب، أو علم تحويل المعادن من أدنى إلى أعلى. معجم متن اللغة ١٢٩/٥. (٧) إعراب القرآن ٢٤٢/٣ . (٨) نزهة القلوب ص١٦٨ . (٩) الحجة في القراءات السبع لابن خالويه ص ٢٢٠ . ٣١٦ سورة القصص: الآيتان ٧٦ - ٧٧ قال الشاعر : وتَمشي الهُوَينى عن قريبٍ فَتُبْهَرُ(١) تنوءُ بأُخراها فَلَأَياً قِيامُها وقال آخر: كأنِّيَ من طولِ الزمانِ مُقيَّدُ أخذتُ فلم أملِكْ ونُؤْتُ فلم أَقُمْ وأناءني إذا أثقلني. عن أبي زيد. وقال أبو عبيدة: قوله: ﴿لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ مقلوب، والمعنى: لتنوء بها العصبة، أي: تنهض بها. أبو زيد: نُؤْتَ بالحمل إذا نهضت(٢) .قال الشاعر: إنَّا وجدنا خَلَفاً بئس الخَلَفْ عبداً إذا ما ناءَ بالحملِ وَقَفْ(٣) والأوّل معنى قول ابن عباس وأبي صالح والسُّدِّي. وهو قول الفرَّاء(٤)، واختاره النخَّاس(٥). كما يُقال: ذهبتُ به وأذهبتُه، وجِئْتُ به وأجأتُه، ونُؤْتُ به وأَنَاتُهُ، فأما قولهم: له عندي ما ساءه وناءه. فهو إتباٌ، كان يجب أن يُقال: وأَناءه. ومثله: هنأني الطعامُ ومرأني، وأخذه ما قدُمَ وما حدُثَ(٦). وقيل: هو مأخوذٌ من النأي: وهو البُعد. ومنه قول الشاعر: يَنْأَوْنَ عنَّا وما تَنْأَى موذَّتُهِمْ فالقلبُ فيهم رهينٌ حيثما كانوا(٧) وقرأ بديل بن ميسرة: (لَيُنُوءُ)) بالياء، أي: لينوءُ الواحدُ منها أو المذكور، فحُمِلَ على المعنى(٨). وقال أبو عبيدة: قلتُ لرؤبة بن العجَّاج في قوله: (١) قائله ذو الرمة، وهو في ديوانه ٢/ ٦٢٤. قاله شارحه: فلأياً: أي: بعد بُطءٍ قيامها. وتُبهر: تعيا. (٢) معاني القرآن للنحاس ١٩٩/٥. وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١١٠. (٣) في النكت والعيون وأساس البلاغة واللسان: ((خضف)) بدلاً من ((وقف)). وخضف أي: ضرط. (٤) في معاني القرآن له ٣١٠/٢ . (٥) في معاني القرآن له ١٩٩/٥ . (٦) إعراب القرآن ٢٤٢/٣ - ٢٤٣. (٧) النكت والعيون ٢٦٦/٤ . (٨) المحتسب ١٥٣/٢، والمحرر الوجيز ٢٩٩/٤، وهي قراءة شاذة. ٣١٧ سورة القصص: الآيتان ٧٦ - ٧٧ فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ كَأنّه في الجِلدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ إن كنتَ أردتَ الخطوط فقُل: كأنَّها، وإن كنتَ أردتَ السَّوادَ والبَلَقَ فقل: كأنهما. فقال: أردتُ كلَّ ذلك(١). واختُلِفَ في العصبة: وهي الجماعة التي يتعصَّبُ بعضُهم لبعض على أحد عشر قولاً: الأوّل - ثلاثةُ رجال. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: من الثلاثة إلى العشرة(٢). وقال مجاهد: العصبة هنا ما بين العشرين إلى خمسة عشر. وعنه أيضاً: ما بين العشرة إلى الخمسة عشر. وعنه أيضاً: من عشرة إلى خمسة. ذكر الأوَّل الثعلبي، والثاني القُشيري والماوردي(٣)، والثالث المهدوي. وقال أبو صالح والحكم بن عُتَيبة وقتادة والضحاك: أربعون رجلاً(٤). السُّدِّي: ما بين العشرة إلى الأربعين. وقاله قتادة أيضاً (٥). وقال عكرمة: منهم من يقول: أربعون، ومنهم من يقول: سبعون. وهو قول أبي صالح: إنَّ العُصبةَ سبعون رجلاً. ذكره الماوردي(٦). والأوَّل ذكره عنه الثعلبي. وقيل: ستون رجلاً(٧). وقال سعيد بن جُبير: ستّ أو سبع. وقال عبد الرحمن بن زيد: ما بين الثلاثة والتسعة، وهو النفر. وقال الكلبي: عشرة؛ لقول إخوة يوسف: ﴿وَفَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] وقاله مقاتل(٨). وقال خيثمة: وجدتُ في الإنجيل أنَّ مفاتيح خزائن قارونَ وقْرَ ستين بغلاً غرَّاء مُحجَّلة، وأنها لَتنوء بها من ثِقَلِها، ما يزيد مفتح (١) الكشاف ١/ ٢٨٧ . والبيت في ديوان رؤبة في مجموعة أشعار العرب ص ١٠٤. (٢) أخرجهما الطبري ٣١٦/١٨، والقول الثاني في تفسير البغوي ٤٥٤/٣، وزاد المسير ٢٤٠/٦. (٣) في النكت والعيون ٢٦٦/٤، وأخرجه الطبري ٣١٦/١٨، وابن أبي حاتم (١٧٠٩٥). (٤) النكت والعيون ٢٦٦/٤، وأخرجه الطبري ٣١٥/١٨ أبي صالح والضحاك، وابن أبي حاتم (١٧٠٩٢) عن الحكم. (٥) أخرجه الطبري ٣١٥/١٨ عن قتادة، وابن أبي حاتم (١٧٠٩٤) عن السدي. (٦) في النكت والعيون ٢٦٦/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم (١٧٠٩١). (٧) تفسير الطبري ٣١٥/١٨ . (٨) النكت والعيون ٢٦٦/٤، وقول سعيد أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٠٩٧)، وقول ابن زيد أخرجه أيضاً ابن أبي حاتم (١٧٠٩٦). ٣١٨ سورة القصص: الآيتان ٧٦ - ٧٧ منها على إصبع، لكلِّ مفتحٍ منها كنزُ مال، لو قُسِمَ ذلك الكنزُ على أهل البصرة لكفاهم. قال مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل. وقيل: من جلود البقر لتخِفَّ عليه، وكانت تُحمل معه إذا ركب على سبعين بغلاً فيما ذكره القشيري. وقيل: على أربعين بغلاً. وهو قول الضحَّاك. وعنه أيضاً: إنَّ مفاتِحَه أوعيتُه. وكذا قال أبو صالح: إنَّ المراد بالمفاتح الخزائن. فالله أعلم(١). ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ أي: المؤمنون من بني إسرائيل. قاله السُّدِّي. وقال يحيى بن سلَّام: القوم هنا موسى (٢). وقال الفرَّاء(٣). وهو جمعٌ أُرِيدَ به واحد، كقوله: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما هو نُعيم ابن مسعود على ما تقدَّم(٤). ﴿لَا تَفْرَعْ﴾ أي: لا تأشَرْ ولا تبطَرُ(٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ اَلْفَرِحِينَ﴾ أي: الْبَطِرِين. قاله مجاهد والسُّدِّي. قال الشاعر: ولا ضارعٌ في صرفهِ المُتقلُّبِ(٦) ولستُ بِمِفْراحٍ إذا الدهرُ سَرَّنِي وقال الزجَّاج (٧): المعنى: لا تفرَحْ بالمال فإنَّ الفَرحَ بالمال لا يؤدِّي حقَّه. وقال مبشر(٨) بن عبد الله: لا تفرَحْ: لا تُفسِدْ. قال الشاعر: إذا أنتَ لم تبرَحْ تؤدِّي أمانةٌ وتحملُ أخرى أفرحَتْكَ الودائعُ(٩) أي: أفسدتك. وقال أبو عمرو: أفرَحه الدَّين أثقلَه. وأنشده: إذا أنت ... البيت. (١) المحرر الوجيز ٢٩٨/٤ . (٢) النكت والعيون ٤/ ٢٦٧ . (٣) في معاني القرآن ٢/ ٣١١، ونقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٢٤٣/٣. (٤) ٥ / ٤٢٢ . (٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٤ . (٦) النكت والعيون ٢٦٧/٤، وقائل البيت هدية بن خشرم، وهو في الكامل ١٤٥٥/٣، ومجاز القرآن ١١١/٢. (٧) في معاني القرآن ٤/ ١٥٥، ونقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٢٤٣/٣. (٨) في (د) و(ز): فهيد، وفي (ظ) غير واضحة، والمثبت من (م). (٩) قائله بهيس العذري كما في تاج العروس (فرح). ٣١٩ سورة القصص: الآيتان ٧٦ - ٧٧ وأفرحَه: سرَّه، فهو مشترك. قال الزجَّاج: والفَرِحين والفارحين سواء. وفرَّق بينهما الفرَّاء فقال: معنى الفرحين: الذين هم في حال فرح، والفارحين: الذين يفرحون في المستقبل. وزعم أنَّ مثله طَمِعٌ وطامِعٌ ومَيِّتٌ ومائت. ويدلُّ على خلاف ما قالَ قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ولم يقُلْ: مائت(١). وقال مجاهد أيضاً: معنى ((لا تَفْرَحْ)): لا تَبْغ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: الباغين. وقال ابن بحر: لا تبخَلْ إنَّ الله لا يُحِبُّ الباخلين(٢). قوله تعالى: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ﴾ أي: اطلُبْ فيما أعطاك الله من الدنيا الدارَ الآخرةَ وهي الجنة(٣)، فإن من حَقِّ المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبُّر والبغي. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ اختُلِفَ فيه؛ فقال ابن عباس والجمهور: لا تُضيِّعْ عمركَ في ألَّا تعملَ عملاً صالحاً في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يُعمَلُ لها، فنصيب الإنسان عمرُه وعملُه الصالح فيها. فالكلام على هذا التأويل شِدّةٌ في الموعظة. وقال الحسن وقتادة: معناه: لا تُضيِّعْ حِّكَ من دنياك في تمتُّعِكَ بالحلال وطلبِكَ إِيَّاه، ونظرِكَ لعاقبة دنياك. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه. وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشيةً النبوَّةِ من الشدَّة. قاله ابن عطية(٤). قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمرو(٥) في قوله: احرُثْ لدنياكَ كأنَّكَ (١) إعراب القرآن ٢٤٣/٣، وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٥٥/٤، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣١١/٢. (٢) النكت والعيون ٤ / ٢٦٧ . (٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٤ . (٤) في المحرر الوجيز ٢٩٩/٤ . (٥) في (د) و(ز): أبو عمرو، وفي (ظ) و(م): ابن عمر، والمثبت من المصادر. ٣٢٠ سورة القصص: الآيتان ٧٦ - ٧٧ تعيشُ أبداً، واعمَلْ لآخرتك كأنك تموتُ غداً (١). وعن الحسن: قدِّم الفضل، وامسِكْ ما يبلُغْ. وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرَف. وقيل: أرادَ بنصيبه الكف، فهذا وعظٌ متصل، كأنهم قالوا: لا تنسَ أنك تتركُ جميع مالِكَ إلا نصيبَكَ هذا الذي هو الكفن. ونحو هذا قول الشاعر: رداءانٍ تُلْوَى فيهما وحَنُوطُ (٢) نَصيبُكَ مما تجمع الدهرَ كلَّهُ وقال آخر: فيها النعيمُ وفيها راحةُ البدَنِ وهي القناعةُ لا تبغي بها بدَلاً هل راحَ منها بغيرِ القُطنِ والكفَنِ انظُرْ لمن ملَكَ الدنيا بأجمَعِها قال ابن العربي(٣): وأبدع ما فيه عندي قولُ قتادة: ولا تنسَ نصيبَكَ الحلال، فهو نصیبُكَ من الدنیا، ویا ما أحسن هذا! ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ أي: أطِعِ اللهَ واعبُدْه كما أنعَمَ عليك. ومنه الحديث: ما الإحسان؟ قال: ((أن تعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تراه))(٤) وقيل: هو أمرٌ بصلة المساكين(٥). قال ابن العربي: فيه أقوالٌ كثيرةٌ جِماعُها استعمال نِعم الله في طاعة الله. وقال مالك: هو (٦) الأكل والشرب من غير سرف. قال ابن العربي: أرى مالكاً أرادَ الرَّدَ على الغالين في العبادة والتقشف؛ فإنَّ النبيَّ # كان يحِبُّ الحلواء، ويشرب العسل، ويستعمل الشِّواء، ويشربُ الماءَ البارد(٧). وقد مضى هذا المعنى في غير (١) أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) (١٠٩٣)، وابن قتيبة في غريب الحديث ١/ ٨١ و ٢/ ١٢٢ . (٢) المحرر الوجيز ٢٩٩/٤ . (٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٧٠. (٤) سلف ٢/ ١٣١ . (٥) المحرر الوجيز ٣٠٠/٤ . (٦) كلمة هو ليست في (م)، وهي من باقي النسخ. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٧١/٣.