Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة النمل: الآيات ٤٥ -٤٧ قوله تعالى: ﴿قَالَ يَدَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ﴾ قال مجاهد: بالعذاب قبل الرحمة (١)؛ المعنى: لِمَ تؤخّرون الإيمانَ الذي يجلب إليكم الثواب، وتُقدِّمون الكفرَ الذي يُوجبُ العقاب، فكان الكفار يقولون لفرط الإنكار: ايتنا بالعذاب. وقيل: أي: لِمَ تفعلون ما تستحِقُّون به العقاب، لا أنَّهم التمسوا تعجيل العذاب. ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ أي: هلَّا تتوبون إلى الله من الشرك (٢). ﴿لَعَلَّكُمْ تُحَمُونَ﴾ لكي تُرحموا. وقد تقدم(٣). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَِّزْنَا بِكَ وَيِمَن مَعَلَكَ﴾ أي: تشاءمنا(٤). والشُّؤْمِ النَّحس. ولا شيءَ أضَرُّ بالرأي ولا أفسدَ للتدبير من اعتقاد الطَّيّرة، ومن ظنَّ أنَّ خُوارَ بقرةٍ أو نَعيقَ غرابٍ يردُّ قضاءً، أو يدفعُ مقدوراً، فقد جهل. وقال الشاعر: فاغْذِرِ الدَّهْرَ لا تَشُبْهُ بِلَومٍ طِيرةُ الذَّهرِ (٥) لا تَرُدُّ قضاءً والمنايا ينزِلْنَ في كلِّ يومٍ أيُّ يومٍ تَخصُّهُ بسعودٍ ونحوسٌ تجري لقومٍ فقومٍ ليس يومٌ إلَّا وفيه سعودٌ وقد كانتِ العربُ أكثرَ الناس ◌ِيرةً، وكانت إذا(٦) أرادت سفراً نفرت طائراً، فإذا طار يَمنةً سارت وتيمَّنتْ، وإن طارَ شمالاً رجعت وتشاءمت، فنهى النبيُّ# عن ذلك وقال: ((أَقِرُّوا الطيرَ على وُكْناتِها))(٧) على ما تقدَّم بيانُه في ((المائدة))(٨). (١) المصادر السابقة. (٢) الوسيط ٣/ ٣٨٠، وزاد المسير ٦/ ١٨٠. (٣) ٣٤٢/١ و٣١٢/٥. (٤) معاني القرآن للنحاس ١٤٠/٥ عن مجاهد (٥) في أدب الدنيا والدين: الناس. (٦) في أدب الدنيا والدين: وقد كانت الفرس أكثر الناس طيرة، وكانت العرب إذا. (٧) أدب الدنيا والدين ص ٢٨٧ - ٢٨٨. والحديث سلف ٣٠٦/٩ بلفظ: ((أقروا الطير على وكناتها)). والوَكْنُ: مأوى الطير في غير عش. اللسان (وكن). (٨) ٢٩٠/٧ -٢٩١. ١٨٢ سورة النمل: الآيات ٤٥ - ٤٩ ﴿قَالَ طَبِرُكُمْ عِندَ اللهِ﴾ أي: مصائبكم (١). ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ﴾ أي: تُمتحنون. وقيل: تُعذَّبون بذنوبكم(٢). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، ٤٨١ ٤٩ وَإِنَّا لَصَدِفُونَ 6 قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ﴾ أي: في مدينة صالح وهي الحِجر(٣) ﴿نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: تسعة رجالٍ من أبناء أشرافهم(٤). قال الضخَّاك: كان هؤلاء التسعةُ عظماءً أهل المدينة، وكانوا يفسدون في الأرض ويأمرون بالفساد، فجلسوا عند صخرةٍ عظيمةٍ فقلَبَها اللهُ تعالى عليهم(٥). وقال عطاء بن أبي رباح: بلغني أنَّهم كانوا يُقرِضون الدنانير والدراهم(٦). وذلك من الفساد في الأرض. وقاله سعيد بن المسيِّب. وقيل: فسادُهم أنَّهم يتبعون عوراتِ الناس ولا يسترون عليهم(٧). وقيل غيرُ هذا. واللازمُ من الآية ما قاله الضخَّاك وغيره أنهم كانوا من أوجَهِ القوم وأقناهم وأغناهم، وكانوا أهلَ كفرٍ ومعاصٍ جمَّةٍ، وجملةُ أمرِهم أنهم يفسدون ولا يصلحون. والرَّهطُ اسمٌ للجماعة، فكأنَّهم كانوا رؤساءً يتبَعُ كلَّ واحدٍ منهم رهطً. والجمع أَرْهُط وأَراهِط. قال: وضعتْ أَراهِطَ فاستراحوا(٨) يا بؤسَ للحرب التي (١) النكت والعيون ٢١٨/٤. وأخرجه الطبري ٨٨/١٨ عن ابن عباس ﴾. (٢) الكشاف ٣/ ١٥١ . (٣) تفسير أبي الليث ٤٩٩/٢ . (٤) تفسير البغوي ٤٢٣/٣ . (٥) إعراب القرآن ٣/ ٢١٤. (٦) معاني القرآن للنحاس ١٤١/٥، والمحرر الوجيز ٢٦٣/٤. (٧) النكت والعيون ٤/ ٢٢٠ . (٨) تهذيب اللغة ١٧٦/٦. والبيت قائله سعد بن مالك بن ضبيعة، وهو في معجم الشعراء ص١٤، وشرح ديوان الحماسة ٢/ ٥٠٠ . ١٨٣ سورة النمل: الآيتان ٤٨ - ٤٩ وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قُدار عاقرِ الناقة. ذكره ابن عطية(١). قلتُ: واختُلِفَ في أسمائهم، فقال الغزنوي: وأسماؤهم: قُدَار بن سالف ومِصْدَع وأسلم ودهمى ودهيم ودعمى ودعيم وقتال وصداق. ابن إسحاق: رأسهم قُدار بن سالف ومِصْدَع بن مِهْرَع، فاتبعهم سبعة، هم: بلع بن ميلع ودعير بن غنم وذؤاب بن مهرج وأربعة لم تُعرَفْ أسماؤهم. وذكر الزمخشري (٢) أسماءَهم عن وهب ابن منبِّه: الهذيل بن عبد رب، غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير ابن كردبة، عاصم بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صفي، قُدار بن سالف، وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عُتاةً قوم صالح وكانوا من أبناء أشرافهم. السُّهيلي(٣): ذكر النقَّاش التسعةَ الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وسمَّاهم بأسمائهم، وذلك لا ينضبط برواية، غيرَ أني أذكُره على وجه الاجتهاد والتخمين، ولکِنْ نذكره على ما وجدناه في كتاب محمد بن حبيب، وهم: مِصْدَع بن دهر ۔ ویقال: دهم - وقُدار بن سالف، وهریم وصواب وریاب وداب ودعمی وهرمی ورعين بن عمير. قلت: وقد ذكر الماوردي(٤) أسماءهم عن ابن عباس فقال: هم دعمى ودعيم وهرمى وهريم وداب وصواب ورياب ومِسْطَح وقُدار، وكانوا بأرض الحجر وهي أرض الشام . قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّنَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ يجوز أن يكون («تَقَاسَمُوا» فِعلاً مستقبلاً وهو أمر، أي: قال بعضهم لبعض: احلفوا. ويجوز أن يكون ماضياً في معنى الحال، كأنَّه قال: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل قراءة عبد الله: ((يُفْسِدُون في الأَرضِ ولا يُصْلِحون. تَقاسَموا بالله)) وليس فيها ((قالوا))(٥). ﴿لَنُبِيِّنَنَّمُ وَأَهْلَهُ ثُوَّ (١) في المحرر الوجيز ٢٦٣/٤ . (٢) في الكشاف ١٥١/٣ - ١٥٢ . (٣) في التعريف والإعلام ص١٢٩ . (٤) في النكت والعيون ٢١٩/٤ . (٥) المحرر الوجيز ٢٦٣/٤ نقله عن الطبري، وهو في تفسيره ٩٠/٨٨ -٩١ بنحوه. وقراءة عبد الله = ١٨٤ سورة النمل: الآيات ٤٨ - ٥٣ لَتَقُولَنَّ لِوَلِهِ﴾ قراءة العامَّة بالنون فيهما، واختاره أبو حاتم. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء فيهما، وضمِّ التَّاءِ واللَّام على الخطاب(١) أي: أنهم تخاطبوا بذلك. واختاره أبو عبيد. وقرأ مجاهد وحُميد بالياءِ فيهما، وضمِّ الياءِ واللَّام على الخبر(٢). والبَياتُ: مُباغتةُ العدوِّ ليلاً (٣). ومعنى ﴿لَوَلِّهِ﴾ أي: لرهط صالح الذي له ولاية الدم. ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي: ما حضرنا، ولا ندري مَنْ قتلَه وقتَلَ أهله. ﴿وَإِنَّا لَصَدِّقُونَ﴾ في إنكارنا لقتله (٤). والمُهْلَك بمعنى الإهلاك، ويجوز أن يكون الموضع(٥). وقرأ عاصم(٦) والسُّلميُّ بفتح الميم واللام، أي: الهلاك؛ يُقال: ضربَ يضرِبُ مَضْرَباً أي: ضرباً. وقرأ المُفضَّل وحفص(٧) بفتح الميم وجَرِّ اللام، فيكونُ اسمَ المكان(٨)، كالمجلس لموضع الجلوس، ويجوز أن يكون مصدراً، كقوله تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُگم﴾ أي: رجوعکم. فَانظُرْ قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ مكرُهم ما رُوي أنَّ هؤلاءٍ = هذه شاذة. (١) السبعة ص ٤٨٣، والتيسير ص١٦٨. (٢) زاد المسير ٦/ ١٨١ - ١٨٢ ونقلها أيضاً عن أبي رجاء، وهي قراءة شاذة. (٣) الكشاف ٣/ ١٥٢ . (٤) النكت والعيون ٤/ ٢٢٠. (٥) إعراب القرآن ٢١٥/٣ . (٦) في رواية أبي بكرٍ عنه كما في السبعة ص ٤٨٣، والتيسير ص١٤٤ . ووقع في النسخ: وقرأ حفص. وهو خطأ؛ لأنَّ حفصاً يقرأ بفتح الميم وكسر اللام كما سيأتي. (٧) في النسخ: وأبو بكر. والتصويب من السبعة ص ٤٨٣ ، والتيسير ص١٤٤. (٨) الوسيط ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١، وزاد المسير ١٨٢/٦. ١٨٥ سورة النمل: الآيات ٥٠ - ٥٣ التِّسعةَ لمَّا كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة، وقد أخبرهم صالحٌ بمجيء العذاب، اتَّفقوا وتحالفوا على أن يأتوا دارَ صالح ليلاً ويقتلوه وأهلَه المختَصِّين به؛ قالوا: فإن كان كاذباً في وعيده أوقَعْنا به ما يستحِقُّ، وإن كان صادقاً كنّا عجِلْناه قبلنا، وشَفَينا نفوسَنا. قاله مجاهد وغيره(١). قال ابن عباس: أرسلَ اللهُ تعالى الملائكةَ تلك الليلة، فامتلأت بهم دارُ صالح، فأتى التسعةُ دارَ صالحٍ شاهرینَ سيوفَهم، فقتَلتْهم الملائكةُ رَضْخاً بالحجارة، فَيَرَونَ الحجارةَ ولا يَرَونَ مَنْ يرميها (٢). وقال قتادة: خرجوا مُسرِعين إلى صالح، فسلَّطَ عليهم ملَكٌ بيده صخرةٌ فقتلَهم(٣). وقال السُّدِّي: نزلوا على جرفٍ من الأرض، فانهار بهم فأهلكهم اللهُ تحتَه. وقيل: اختفوا في غارٍ قريبٍ من دار صالح، فانحدرت عليهم صخرةٌ شدَخَتْهم جميعاً، فهذا ما كان من مكرهم (٤). ومكرُ اللهِ مجازاتُهم على ذلك. ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَمِينَ﴾ أي: بالصيحة التي أهلكَتْهم(٥). وقد قيل: إنَّ هلاكَ الكلِّ كان بصيحة جبريل(٦). والأظهر أن التسعةً هلكوا بعذابٍ مُفرَد، ثم هلكَ الباقون بالصيحة والدمدمة. وكان الأعمشُ والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وحمزة والكسائي يقرؤون: ((أَنَّا)) بالفتح. وقال ابن الأنباري(٧): فعلى هذا المذهب لا يحسُنُ الوقفُ على ((عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ)) لأنَّ ((أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ)) خبرُ كان. ويجوز أن تجعلَها في موضع رفعٍ على الإتباع للعاقبة. ويجوز أن (١) المحرر الوجيز ٢٦٤/٤ من غير نسبة. (٢) تفسير البغوي ٤٢٤/٣ . (٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٣، والطبري ٩٤/١٨ بنحوه (٤) المحرر الوجيز ٤/ ٢٦٤ . (٥) تفسير البغوي ٤٢٤/٣ . (٦) الوسيط ٣٨١/٣. (٧) في إيضاح الوقف والابتداء ٨١٨/٢ - ٨١٩، وما قبله منه دون نسبة القراءة إلى الحسن. وقد نُسَبت إليه وإلى البقية دون نسبتها إلى الأعمش في إعراب القرآن ٢١٥/٣، والمحرر الوجيز ٢٦٤/٤. وقراءة عاصم وحمزة والكسائي في السبعة ص٤٨٤، والتيسير ص١٦٨. ١٨٦ سورة النمل: الآيات ٥٠ - ٥٣ تجعلها في موضع نصبٍ من قول الفرَّاء، وخفضٍ من قول الكسائي على معنى: بأنَّا دمَّرْناهم. ويجوز أن تجعلَها في موضع نصبٍ على الإتباع لموضع ((كَيْفَ)) فمِنْ هذه المذاهب لا يحسُنُ الوقفُ على ((مَكْرِهِمْ)). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ((إِنَّا دَمَّرْنَاهُمْ)) بكسر الألف على الاستئناف(١)، فعلى هذا المذهب يحسُنُ الوقفُ على ((مَکْرِهِمْ)). قال النخَّاس(٢): ويجوز أن تنصِبَ ((عَاقِبَةُ)) على خبر ((كان)) ويكون ((إِنَّا)) في موضع رفع عل أنَّها اسمُ ((كان)). ويجوز أن تكون في موضع رفعٍ على إضمارٍ مبتدإِ تبييناً للعاقبة، والتقدير: هي إنَّا دمَّرْناهم؛ قال أبو حاتم: وفي حرف أُبَيِّ: ((أَنْ دَمَّرْنَاهُمْ)) تصديقاً لفتحها(٣). قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُواْ﴾ قراءةُ العامَّةِ بالنَّصبِ على الحال عند الفرَّاء والنخَّاس (٤)، أي: خاليةً عن أهلها خراباً ليس بها ساكن(٥). وقال الكسائي وأبو عبيدة: ((خَاوِيَةً)) نصبٌ على القطع، مجازه: فتلكَ بيوتُهم الخاوية، فلما قُطِعَ منها الألف واللام نُصِبَ على الحال، كقوله: ﴿وَلَهُ الْذِيْنُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]. وقرأ عيسى بن عمر ونصر بن عاصم والجَحدري: بالرفع(٦) على أنَّها خبرٌ عن (تِلْكَ)) و(بُيُوتُهُمْ)) بدلٌ من ((تِلْكَ))، ويجوز أن تكون ((بُيُوتُهُمْ)) عطفَ بيان و((خَاوِيَةٌ)) خبراً عن ((تِلْكَ))، ويجوز أن يكون رفعُ ((خَاوِيَةٌ)) على أنها خبرُ ابتداءٍ محذوف، أي: هي خاوية، أو بدلٌ من ((بُيُوتُهُمْ))؛ لأنَّ النَّكِرةَ تُبدَلُ من المعرفة (٧). ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ (١) السبعة ص ٤٨٤، والتيسير ص١٦٨ . (٢) في إعراب القرآن ٢١٦/٣. (٣) قراءة أُبي في المحرر الوجيز ٢٦٤/٤، وهي قراءة شاذة. (٤) في إعراب القرآن ٢١٦/٣ . (٥) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٠٠ بنحوه. (٦) الكشاف ١٥٣/٣ عن عيسى بن عمر، وهي قراءة شاذة. (٧) إعراب القرآن ٢١٦/٣، والبيان ٢٢٥/٢ . ١٨٧ سورة النمل: الآيات ٥٠ - ٥٨ لَآيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بصالح ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ الله ويخافون عذابه. قيل: آمنَ بصالح قَدْرُ أربعةِ آلاف رجل (١)، والباقون خرجَ بأبدانهم - في قول مقاتلٍ وغيره - خُرَاجٌ مثلُ الحِمِّص، وكان في اليوم الأوَّل أحمرَ، ثم صار من الغدِ أصفرَ، ثم صار في الثالث أسودَ، وكان عَقْرُ الناقةِ يومَ الأربعاء، وهلاكُهم يومَ الأحد(٢). قال مقاتل: فقعت تلك الخراجات، وصاح جبريلُ بهم خلال ذلك صيحةً فخمدوا، وكان ذلك ضَحوةً. وخرجٌ صالحٌ بمن آمن معه إلى حَضْرَمَوت، فلمَّا دخلَها مات صالحٌ؛ فسُمِّيتْ حَضْرَمَوت(٣). قال الضخَّاك: ثم بنى الأربعةُ الآلاف مدينةً يقال لها: حاضورا، على ما تقدَّم بيانُه في قصة أصحاب الرسِّ. قوله تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ٥٤ أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِعُوَأْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَمُ قَذَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِيِنَ ( وَأَمْطَرْنَا يَنَظَهَّرُونَ (@) عَلَيْهِم مَّطَرَاً فَسَآءَ مَعَُّرُ الْمُنْذَرِينَ قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾﴾ أي: وأرسلنا لوطاً، أو: اذكُرْ لوطاً(٤). ﴿إذ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾﴾ وهم أهل سدوم. وقال لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ﴾ الفِعْلَةَ القبيحةَ الشنيعة(٥). ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشة، وذلك أعظمُ لذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضاً وأنتم تنظرون إليه(٦). وكانوا لا يستترون عُتَوَّا منهم وتمرُّداً(٧) (١) مجمع البيان ٢٣٥/٢٠ . (٢) عرائس المجالس ص ٧٢ بنحوه. (٣) من قوله: وخرج صالح ... إلى هذا الموضع من مجمع البيان ٢٣٥/١٩. (٤) معاني القرآن للنحاس ١٤٢/٥، وإعراب القرآن ٢١٦/٣. (٥) تفسير البغوي ٤٢٤/٣ . (٦) معاني القرآن للنحاس ١٤٢/٥. (٧) تفسير البغوي ٤٢٤/٣ . ١٨٨ سورة النمل: الآيات ٥٠ - ٦١ ﴿أَبِّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةٌ مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ أعادَ ذِكْرَها لفرط قُبحِها وشنعتِها. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تَجْهَلُونَ﴾ إمَّا أمر التحريم أو العقوبة. واختيار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة الثانية من ((أَئِنَّكُمْ)) فأمَّا الخطُ فالسبيل فيه أن يُكتبَ بألِفَين على الوجوه كلِّها؛ لأنَّها همزةٌ مُبتدَأةٌ دخلت عليها ألفُ الاستفهام(١). قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِعُوَاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَطَهَّرُونَ﴾ أي: عن أدبار الرجال. يقولون ذلك استهزاءً منهم. قاله مجاهد. وقال قتادة: عابوهم واللهِ بغير عيبٍ بأنَّهم يتطهَّرون من أعمال السوء(٢). ﴿فَأَنْجَيِّنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَذَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِنَ﴾ وقرأ عاصم(٣): ((قَدَرْنا)) مخففاً، والمعنى واحد (٤). يقال: قد قَدَرتُ الشيءَ قَدْراً وقَدَراً وقدَّرتُه. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّاً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: من أُنذِرَ فلم يقبل الإنذار. وقد مضى بيان هذا في ((الأعراف))(٥) و((هود))(٦). قوله تعالى: ﴿قُلِ لْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىُّ ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿﴿ أَمَّنْ خَلَقَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْبَتْنَا ◌ِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُنْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَاْ أَوَِهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًاْ أَوِلَهٌ مَعَ اَللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ قوله تعالى: ﴿قُلِ لْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىُّ﴾ قال الفرَّاء: قال أهل (١) إعراب القرآن ٢١٦/٣. (٢) معاني القرآن للنحاس ١٤٣/٥. (٣) في رواية أبي بكر عنه كما في السبعة ص ٤٨٤، والتيسير ص١٣٦ . (٤) زاد المسير ١٨٣/٦. (٥) ٢٧٩/٩ - ٢٨٠. (٦) ١٨٥/١١ - ١٩٠ . ١٨٩ سورة النمل: الآيات ٥٩ - ٦١ المعاني: قيل للوط: ((قُلِ الْحَمْدُ للهِ)) على هلاكهم. وخالف جماعةٌ من العلماء الفرَّاءَ في هذا وقالوا: هو مخاطبةٌ لنبينا محمدٍ ﴾، أي: قُلْ: الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية. قال النخَّاس: وهذا أولى؛ لأنَّ القرآنَ مُنزّلٌ على النبي ﴾، وكل ما فيه فهو مخاطبٌ به عليه الصلاة والسلام إلَّا ما لم يصِحَّ معناه إلَّا لغيره(١). وقيل: المعنى: أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لََْمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَيُّ﴾ يعني أمته عليه السلام؛ قال الكلبي: اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته(٢). وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحابُ محمدٍ ﴾(٣). وقيل: أمرَ رسولَ الله ﴾ أنْ يتلوَ هذه الآياتِ الناطقةَ بالبراهين على وحدانيَّتِه وقدرتِه على كلِّ شيءٍ وحكمتِهِ، وأن يستفتحَ بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطّفَين من عباده. وفيه تعليمٌ حسن، وتوقيفٌ على أدبٍ جميل، وبعثٌ على التيمُّنِ بالذِّكرين والتبرُّكِ بهما، والاستظهارُ بمكانهما على قبول ما يُلقى إلى السامعين، وإصغائِهم إليه، وإنزالِه من قلوبهم المنزلةَ التي يبغيها المستمع. ولقد توارثَ العلماءُ والخطباءُ والوُغَاظُ كابراً عن كابرٍ هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله﴿ أمامَ كلِّ علمٍ مُفاد، وقبل كلِّ عِظَةٍ، وفي مُفتَتحِ كلِّ خطبة، وتبِعَهم المترسِّلون فأجْرَوا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن (٤). قوله تعالى: ﴿اَلَِّينَ أَصْطَفَىُّ﴾ اختار، أي: لرسالته(٥)، وهم الأنبياء عليهم السلام؛ دليله قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦) [الصافات: ١٨١]. (١) إعراب القرآن ٢١٧/٣. وقول الفراء في معاني الفرآن له ٢٩٧/٢. (٢) الوسيط ٣٨٢/٣. (٣) معاني القرآن للنحاس ١٤٣/٥ عن سفيان والسدي. وتفسير البغوي ٤٢٥/٣ عن ابن عباس. وزاد المسير ٦/ ١٨٥ عن ابن عباس والسدي. (٤) الكشاف ٣/ ١٥٤ . (٥) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٠١ . (٦) تفسير البغوي ٤٢٥/٣ . ١٩٠ سورة النمل: الآيات ٥٩ - ٦١ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ وأجازَ أبو حاتم ((أَللهُ خَيْرٌ)) بهمزتين. النخَّاس: ولا نعلم أحداً تابعَه على ذلك؛ لأنَّ هذه المَدَّةَ إنَّما جيء بها فرقاً بين الاستفهام والخبر، وهذه ألفُ التوقيف، و(خَيْرٌ)) هاهنا ليس بمعنى: أفضل منك، وإنَّما هو مِثلُ قولِ الشاعر: فَشَرُّكما لخيرِكما الفِداءُ(١) أتهجوهُ ولستَ له بِكُفٍ فالمعنى: فالذي فيه الشرُّ منكما للذي فيه الخير الفداءُ. ولا يجوز أن يكون بمعنى من؛ لأنَّكَ إذا قلت: فلانٌ شرٌّ من فلان، ففي كلِّ واحدٍ منهما شرّ(٢). وقيل: المعنى: الخيرِ في هذا أم في هذا الذي تشركونه في العبادة؟! وحكى سيبويه: السعادةُ أحبُّ إليك أم الشقاء؛ وهو يعلم أنَّ السعادةَ أحبُّ إليه. وقيل: هو على بابه من التفضيل، والمعنى: آللهُ خيرٌ أم ما تشركون، أي: أَثَوابُه خيرٌ أم عقابُ ما تشركون(٣). وقيل: قال لهم ذلك؛ لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ في عبادة الأصنام خيراً، فخاطبهم الله عزَّ وجلَّ على اعتقادهم (٤). وقيل: اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه الخبر(٥). وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب: ((يُشْرِكُونَ)) بياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب(٦)، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. فكان النبيُّ ﴾ إذ قرأ هذه الآية يقول: ((بلِ اللهُ خيرٌ وأبقى وأَجلُّ وأكرَمُ))(٧). قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال أبو حاتم: تقديره: آلهتكم خيرٌ أم (١) قائله حسان بن ثابت، وقد سلف ٣٤٩/١ . (٢) إعراب القرآن ٢١٧/٣ . (٣) معاني القرآن للنحاس ١٤٣/٥ - ١٤٤ بنحوه. (٤) مشكل إعراب القرآن ٥٣٨/١ بنحوه. (٥) تفسير أبي الليث ٥٠١/٢ . (٦) السبعة ص٣٢٤، والتيسير ص١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢. (٧) تفسير أبي الليث ٥٠١/٢، والكشاف ١٥٤/٣. وأخرجه البيهقي في الشعب (٢٠٨٢) من طريق جابر ابن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر - وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عن أبيه علي ابن الحسين مرفوعاً. إسناده منقطع. وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف عند الأكثرین، وقد اتهمه بعضهم بالكذب. ميزان الاعتدال ٣٧٩/١ - ٣٨٠. ١٩١ سورة النمل: الآيات ٥٩ - ٦١ من خلقَ السماوات والأرض. وقد تقدَّم. ومعناه: قَدَرَ على خلقِهِنَّ. وقيل: المعنى: أعبادةُ ما تعبدون من أوثانكم خيرٌ أم عبادةُ مَنْ خِلَقَ السماوات والأرض؟(١) فهو مردودٌ على ما قبله من المعنى، وفيه معنى التوبيخ لهم، والتنبيه على قدرة الله عزَّ وجلَّ وعَجْزِ آلهتهم. ﴿فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةِ﴾ الحديقةُ: البستان الذي عليه حائط. والبهجةُ: المنظر الحسن(٢). قال الفَّراء(٣): الحديقةُ: البستان المحظر عليه حائط، وإن لم يكن عليه حائظٌ فهو البستان وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة: الحدائق: النخل ﴿ذَاتَ بَهْجَةِ﴾ والبهجةُ: الزِّينةُ والحُسن؛ يبهج به من رآه (٤). ﴿مَّا كَانَ لَكُ أَنْ تُطِبِتُواْ شَجَرَهَأْ﴾ ((ما)» للنفي(٥)، ومعناه الحظرُ والمنعُ من فِعْلِ هذا، أي: ما كان للبشر، ولا يتهيَّأُ لهم، ولا يقعُ تحت قدرتهم أن ينبتوا شجرها؛ إذ هم عَجَزةٌ عن مثلها؛ لأنَّ ذلكَ إخراجُ الشيء من العدم إلى الوجود(٦). قلت: وقد يُستَدَلُّ من هذا على منع تصوير شيء، سواءٌ كان له روح أم لم يكن. وهو قول مجاهد(٧). ويعضِدُه قوله ﴿: «قال الله عزَّ وجلَّ: ومَنْ أظلمُ ممَّن ذهبَ يخلُقُ خلقاً گخلقي، فليخلقوا ذَرَّةً، أو ليخلقوا حبَّةً، أو ليخلقوا شعيرةً)) رواه مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: ((قال الله عزَّ وجلَّ ... )) فذكره(٨). فعَمَّ بالذمِّ والتهديد والتقبيح كلَّ مَنْ تعاطى تصوير شيءٍ ممَّا خلقه اللهُ وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع، وهذا (١) تفسير الطبري ١٠٠/١٨ . (٢) تفسير البغوي ٤٢٥/٣ . (٣) في معاني القرآن ٢/ ٢٩٧. (٤) إعراب القرآن ٣/ ٢١٧، وتفسير البغوي ٤٢٥/٣ . (٥) مجمع البيان ٢٣٩/٢٠ . (٦) المحرر الوجيز ٢٦٤/٤ . (٧) المفهم ٤٣٢/٥ . (٨) صحيح مسلم (٢١١١). وأخرجه أحمد (٧١٦٦)، والبخاري (٧٥٥٩). ١٩٢ سورة النمل: الآيات ٥٩ - ٦١ واضح. وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّ تصويرَ ما ليس فيه روحٌ يجوز هو والاكتساب به(١). وقد قال ابن عباس للذي سأله أن يصنع الصور: إنْ كنتَ لابُدَّ فاعلاً فاصنَعِ الشجرَ وما لا نفسَ له. خرَّجه مسلم أيضاً (٢). والمنعُ أولى - والله أعلم - لِما ذكرنا. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في ((سبأ)»(٣) إن شاء الله تعالى. ثم قال على جهة التوبيخ: ﴿أََِةٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ أي: هل معبودٌ مع الله يُعينُه على ذلك؟(٤) ﴿بَلّ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ بالله غيره(٥). وقيل: ((يَعْدِلُونَ)) عن الحقِّ والقصد، أي: يكفرون(٦). وقيل: (إِلَهٌ)) مرفوعٌ بـ ((مع)) تقديره: أمَعَ اللهِ - وَيلَكم - إِلّ؟ والوقف على ((مَعَ اللهِ)) حسن(٧). قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: مُستقَرًّا. ﴿وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا﴾ أي: وسطها، مثل: ﴿وَفَجَّرْنَا ◌ِخِلَلَهُمَا نَهَ﴾ [الكهف: ٣٣]. ﴿وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِىَ﴾ يعني جبالاً ثوابتَ تُمسكها وتمنعها من الحركة . ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ مانعاً من قدرته؛ لئلا يختلطَ الأُجاجُ بالعذب(٨). وقال ابن عباس: سلطاناً من قدرته، فلا هذا يُغيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يُغيِّرُ هذا. والحَجْزُ: المنع. ﴿أَوِلَهٌ مَعَ الَّهِ﴾ أي: إذا ثبتَ أنه لا يقدِرُ على هذا غيرُهُ فِلِمَ يعبدون ما لا يضرُّ ولا ينفع. ﴿بَلٌ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: كأنهم يجهلون اللهَ فلا يعلمون ما يجِبُ له من الواحدانية. (١) المفهم ٥/ ٤٣٢ . (٢) في صحيحه (٢١١٠). (٣) عند تفسير الآية (١٣). (٤) الوسيط ٣/ ٣٨٢، وتفسير البغوي ٤٢٥/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٢٦٤/٤ . (٦) معاني القرآن للنحاس ١٤٣/٥. (٧) إيضاح الوقف والابتداء ٨١٩/٢ . (٨) الوسيط ٣٨٢/٣، وتفسير البغوي ٤٢٥/٣، وزاد المسير ١٨٦/٦. ١٩٣ سورة النمل: الآيات ٦٢ - ٦٤ قوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ الشُّوْءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ اُلْأَرْضِّ أَئِلَهُ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ ﴿ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ اُلِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِةٌ أَوِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ◌َمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ أَوِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ ٦٤ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ قال ابن عباس: هو ذو الضرورة المجهود. وقال السُّدِّيّ: الذي لا حول له ولا قوَّة. وقال ذو النون: هو الذي قطعَ العلائق عمَّا دون الله. وقال أبو جعفر وأبو عثمان النَّيسابوري: هو المفلس. وقال سهل بن عبد الله: هو الذي إذا رفعَ يديه إلى الله داعياً لم يكن له وسيلةٌ من طاعةٍ قدَّمها. وجاء رجلٌ إلى مالك بن دينار فقال: أنا أسألُكَ بالله أن تدعوَ لي فأنا مضطر. قال: إذاً فاسأله فإنَّه يجيبُ المضطرَّ إذا دعاه؛ قال الشاعر: عليَّ فما ينفَكُ أن يَتفرَّجا وإِنِّي لأدعُو اللهَ والأمرُ ضَيِّقٌ أصابَ لها لمَّا دعا اللهَ مَخْرَجا ورُبَّ أخٍ سُدَّت عليه وُجوهُهُ الثانية: وفي ((مسند أبي داود الطيالسي)) عن أبي بكرةَ قال: قال رسول اللـه ﴾ في دعاء المضطر: ((اللهمَّ رحمتَكَ أرجو فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفَ عينٍ وأصلح لي شأني كلَّه لا إله إلَّ أنت))(١). الثالثة: ضَمِنَ اللهُ تعالى إجابة المضطرِّ إذا دعاه، وأخبرَ بذلك عن نفسه؛ والسببُ في ذلك أنَّ الضرورة إليه باللَّجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عمَّا سواه؛ وللإخلاص عنده سبحانه موقِعٌ وذِمَّة، وُجِدَ من مؤمنٍ أو كافر، طائعٍ أو فاجر، كما قال تعالى: ﴿حَتَّ إِذَا كُنْتُمْ فِ الْقُلْكِ وَجَرَبْنَ بِهِم بِيج ◌َِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَتْهَا رِبِے (١) مسند الطيالسي (٨٦٩). وأخرجه أحمد (٢٠٤٣٠). ١٩٤ سورة النمل: الآيات ٦٢ - ٦٤ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَخَلُّواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمَّ دَعَوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ لَبِنْ أَنْتَنَا مِنْ هَذِهِه لَنَكُونَ مِنَ الشَِّكِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿فَلَّا نَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلْدِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فيجيبُ المضطرَّ لموضع اضطرارِه وإخلاصِه. وفي الحديث: (ثلاثُ دعواتٍ مُستجاباتٍ لاشَكَّ فيهنَّ: دعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةٌ الوالدٍ على ولده)» ذكره صاحب ((الشهاب))، وهو حديث صحيح(١). وفي ((صحيح مسلم)) عن النبيِّ﴾ أنه قال لمعاذ لمَّا وجَّهَه إلى أرض اليمن: ((واتَّقِ دعوةَ المظلومِ فليس بينها وبينَ اللهِ حجاب))(٢) وفي كتاب ((الشهاب)): ((اتَّقوا دعوةَ المظلوم فإنَّها تُحمَلُ على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى: وعِزَّتي وجلالي لأنصُرَنَّكِ ولو بعد حين» وهو صحيحٌ أيضاً(٣). وخرَّجَ الآجُرِّي من حديث أبي ذَرِّ عن النبيِّ ◌َ﴾: (فَإِنِّي لا أرُدُّها ولو كانت من فَم کافر»(٤) فُجيبُ المظلومَ لموضع إخلاصِه بضرورته بمقتضی کرمه، وإجابةً لإخلاصه وإن كان كافراً، وكذلك إن كان فاجراً في دينه؛ ففجورُ الفاجر وكفرُ الكافر لا يعودُ منه نقصٌ ولا وهنٌّ على مملكة سيِّده، فلا يمنعه ما قضى للمضطرِّ من إجابته. وفُسِّرَ إجابةُ دعوة المظلوم بالنُّصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من قهرٍ له، أو اقتصاصٍ منه، أو تسليطٍ ظالم أخرَ عليه يقهره كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ (١) مسند الشهاب (٣١٦) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أحمد (٧٥١٠). (٢) صحيح مسلم (١٩) من حديث ابن عباس ﴾. وأخرجه أحمد (٢٠٧١)، والبخاري (١٤٩٦). (٣) مسند الشهاب (٧٣٣) من حديث خزيمة بن ثابت﴾. وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٨٠٤٣). (٤) لم نقف عليه عند الآجري في الشريعة، وأخرجه ابن حبان (٣٦١)، وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، كذبه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل ١٤٢/٢، وكذبه أبو زرعة كما في الميزان ٧٣/١. وله شاهد ضعيف لا يفرح به عن أنس بن مالك ، وهو في مسند أحمد (١٢٥٤٩). ١٩٥ سورة النمل: الآيات ٦٢ - ٦٤ الظَّالِمِينَ بَعْضَا﴾ [الأنعام: ١٢٩] وأكَّدَ سرعةَ إجابتها بقوله: ((تُحمل على الغمام)) ومعناه والله أعلم: أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُوكِّلُ ملائكته بتلقّي دعوة المظلوم ويحملِها على الغمام، فيعرجوا بها إلى السماء - والسماء قبلةُ الدعاء - ليراها الملائكةُ كلُّهم، فيظهر منه معاونةُ المظلوم، وشفاعةٌ منهم له في إِجابة دعوته، رحمةً له. وفي هذا تحذيرٌ من الظّلمِ جملةً؛ لِما فيه من سخطِ الله ومعصيتِه ومخالفةِ أمره؛ حيث قال على لسان نبيه في (صحيح مسلم)) وغيره: ((يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم مُحرَّماً فلا تظالموا)) الحديث(١). فالمظلوم مضطرٍّ، ويقرب منه المسافر؛ لأنَّه مُنقطعٌ عن الأهل والوطن، مُنفرِدٌ عن الصديق والحميم، لا يسكنُ قلبه إلى مُسعِدٍ ولا مُعينٍ لِغُربته، فتصدُقُ ضرورتُه إلى المولى، فيُخلِصُ إليه في اللَّجاء، وهو المجيبُ للمضطرِّ إذا دعاه، وكذلك دعوةُ الوالدِ على ولده، لا تصدرُ منه مع ما يعلم من حَّته عليه وشفقته، إلَّا عند تکامل عجزه عنه، وصدقٍ ضرورته، وإیاسِه عن پِرِّ ولده، مع وجود أذَّتِهِ، فيُسرِعُ الحقُّ إلى إجابته. قوله تعالى: ﴿وَيَكْثِفُ السُّوَءَ﴾ أي: الضُّرَّ. وقال الكلبي: الجَور(٢). ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَ اُلْأَرْضِ﴾ أي: سُّانَها يُهلِكُ قوماً ويُنشئ آخرين(٣). وفي كتاب النّقَّاش: أي: ويجعل أولادكم خلَفاً منكم. وقال الكلبي: خلَفاً من الكفار ينزلون أرضهم، وطاعة الله بعد كفرهم(٤). ﴿أَوِلَهُ مَّعَ الَهِ﴾ على جهة التوبيخ، كأنه قال: أُمَعَ الله - ويلكم - إلهٌ؟ فـ((إلهٌ) مرفوعٌ بـ ((مع))، ويجوز أن يكونَ مرفوعاً بإضمار أإلهٌ مع الله يفعل ذلك فتعبدوه. والوقف على ((مَعَ اللهِ)) حسن(٥). ﴿قَلِلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ أبو عمرو وهشام (١) صحيح مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر ﴾. وأخرجه أحمد (٢١٣٦٧). (٢) النكت والعيون ٢٢٢/٤ - ٢٢٣ . (٣) تفسير البغوي ٤٢٥/٣ . (٤) النكت والعيون ٤/ ٢٢٣. (٥) إيضاح الوقف والابتداء ٨١٩/٢ . ٠ ١٩٦ سورة النمل: الآيات ٦٢ - ٦٦ ويعقوب: ((يَذَّرُونَ)) بالياء على الخبر، كقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ و﴿تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فأخبرَ فيما قبلها وبعدها، واختاره أبو حاتم. الباقون بالتاء خطاباً لقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلُفَآءَ الْأَرْضِْ﴾(١). قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ أي: يرشدكم الطريق ﴿فِى تُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرُ ﴾ إذا سافرتم إلى البلاد التي تتوجَّهون إليها بالليل والنهار. وقيل: وجعل مفاوز البر التي لا أعلامَ لها، ولُججَ البحار كأنَّها ظلمات؛ لأنه ليس لها علمٌ يُهتدى به. ﴿وَمَن يُرْسِلُ اُلِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾﴾ أي: قُدَّام المطر باتفاق أهل التأويل(٢). ﴿أَِّلَهُ مَعَ اللَّهِ﴾ يفعل ذلك ويُعينه عليه ﴿تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من دونه. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُّا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانوا يُقِرُّون أنه الخالق الرازق، فألزمهم الإعادة، أي: إذا قدِرَ على الابتداء فمن ضرورته القدرة على الإعادة، وهو أهون عليه. ﴿أَوِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾ يخلق ويرزق ويبدئ ويعيد. ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ أي: حُجَّتكم أنَّ لي شريكاً، أو: حُجَّتكم في أنَّه صنعَ أحدٌ شيئاً من هذه الأشياء غير الله ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَتَعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿ بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَهُ مَن فِ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اَللَّهُ﴾. وعن بعضهم: أخفى غيبَه على الخلق، ولم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ، لئلا يأمنَ أحدٌ من عبيده مكرَه. وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا النبيَّ# عن قيام الساعة(٤). و((مَنْ)) في موضع رفع، (١) السبعة ص ٤٨٤، والتيسير ص١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢ - ٣٣٩. (٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٠٢، وتفسير البغوي ٤٢٥/٣ - ٤٢٦. (٣) الوسيط ٣٨٣/٣. (٤) الكشاف ١٥٦/٣ . ١٩٧ سورة النمل: الآيتان ٦٥ - ٦٦ والمعنى: قُلْ: لا يعلَمُ أحدٌ الغيبَ إلَّ الله، فإنه بدَلٌ من ((مَن)). قاله الزجَّاج(١). الفرَّاء(٢): وإنما رفَعَ ما بعد ((إلا)) لأنَّ ما قبلها جحدٌ، كقوله: ما ذهبَ أحدٌ إلَّا أبوك. والمعنى واحد. قال الزجَّاج (٣): ومَنْ نصبَ نصبَ على الاستثناء؛ يعني: في الكلام. قال النخَّاس (٤): وسمعتُه يحتجُّ بهذه الآية على مَنْ صدَّق منجِّماً، وقال: أخافُ أن یکفر بهذه الآية. قلت: وقد مضى هذا في ((الأنعام))(٥) مستوفى. وقالت عائشة: مَنْ زعمَ أنَّ محمداً يعلم ما في غدٍ فقد أعظّمَ على الله الفِرية، والله تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيّبَ إِلَّ اللّهُ﴾ خرَّجه مسلم(٦). ورُويَ أنه دخل على الحجَّاجِ منجِّمْ فاعتقله الحجّاج، ثم أخذ حَصياتٍ فعدَّهُنَّ، ثم قال: كم في يدي من حصاة؟ فحسبَ المنجِّم ثم قال: كذا؛ فأصاب، ثم اعتقلَه فأخذ حَصياتٍ لم يَعدَّهُنَّ فقال: كم في يدي؟ فحسبَ فأخطأ، ثم حسبَ فأخطأ، ثم قال: أيها الأمير، أظنُّك لا تعرِفُ عددَها؟ قال: لا. قال: فإني لا أُصيب. قال: فما الفرق؟ قال: إنَّ ذلك أحصيتَه فخرج عن حدِّ الغيب، وهذا لم تُحصِه فهو غيبٌ، و﴿لَّا يَعْلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيّبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقد مضى هذا في ((آل عمران))(٧) والحمد لله. قوله تعالى: ﴿بَلٍ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِى الْآَخِرَةَ﴾ هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وَثَّاب والأعمش وحمزة والكسائي(٨). وقرأ أبو جعفر وابن (١) فيما نقل عنه النحاس في إعراب القرآن ٢١٨/٣، وهو في معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٢٧ بنحوه. (٢) في معاني القرآن له ٢٩٨/٢ - ٢٩٩. (٣) في معاني القرآن ٤/ ١٢٧ . (٤) في إعراب القرآن ١٨/١٣. (٥) ٨/ ٤٠٠ - ٤٠٧. (٦) في صحيحه (١٧٧)، وقد سلف ٨/ ٤٠١ . (٧) ٥/ ٢٧ . (٨) قراءة عاصم ونافع وحمزة والكسائي في السبعة ص ٤٨٥، والتيسير ص١٦٨ . ١٫٩٨ سورة النمل: الآيتان ٦٥ - ٦٦ كثير وأبو عمرو وحميد: ((بَلْ أَدْرَكَ)) من الإدراك(١). وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش: ((بَلَ ادَّرَكَ)) غير مهموزٍ مشدّداً (٢). وقرأ ابن مُحيصن: ((بَلْ آدْرَكَ))(٣) على الاستفهام. وقرأ ابن عباس: ((بَلَى)) بإثبات الياء ((أَدَّارَكَ)) بهمزة قطع والدال مشدّدة وألف بعدها؛ قال النخَّاس: وإسناده إسنادٌ صحيح، هو من حديث شُعبة يرفعه إلى ابن عباس. وزعم هارون القارئ أنَّ قراءة أبيِّ ((بَلْ تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ))(٤). وحكى الثعلبيُّ أنها في حرف أبيِّ: ((أم تدارك)) والعرب تضعُ (بَلْ) موضع (أم) و(أم) موضع (بل) إذا كان في أوّل الكلام استفهامٌ، كقول الشاعر: فواللهِ لا أدري أسلمى تغوَّلَتْ(٥) أم القولُ أم كلٌّ إليَّ حبيبُ أي: بل كلٌّ (٦). قال النخَّاس (٧): القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد؛ لأنَّ أصل ((ادَّارَكَ)) تدارك؛ أُدغمتِ الدالُ في التاء، وجيء بألف الوصل؛ وفي معناه قولان: أحدهما أنَّ المعنى: بل تكامَلَ علمهم في الآخرة؛ لأنَّهم رأَوا كلَّ ما وُعِدوا به معاينةً، فتكاملَ عِلمُهم به. والقول الآخر: أنَّ المعنى: بل تتابعَ عِلمُهم اليومَ في الآخرة، فقالوا: تكون، وقالوا: لا تكون. القراءة الثانية فيها أيضاً قولان: أحدهما (١) قراءة ابن كثير وأبي عمرو في السبعة ص ٤٨٥، والتيسير ص١٦٨. وقراءة أبي جعفر - وهو من العشرة - في النشر ٣٣٩/٢. قلنا: وما سوى هذه القراءة والتي قبلها فهو من القراءات الشاذة. (٢) بل بغير تشديدٍ هنا؛ لأن قراءة التشديد سيذكرها المصنف قريباً، وهي - بالتخفيف والتشديد - في المحتسب ١٤٢/٢ عن سليمان بن يسار وعطاء بن السائب. (٣) وقع في (م): ((أآدَّرَكَ))، والمثبت من المصادر. وهي في الشاذة ص ١١٠، والمحتسب ١٤٢/٢ وزاد في نسبتها إلى أبي رجاء والحسن وقتادة، والمحرر الوجيز ٢٦٨/٤ وزاد في نسبتها إلى ابن عباس والحسن. (٤) وهي في المحتسب ١٤٢/٢، والشاذة ص ١١٠. (٥) في (م): تقولت، والتصويب من معاني القرآن للفراء ٧٢/١ و٢٩٩/٢، وتفسير الطبري ٤١٣/٢ و١١١/١٨ . تغولت المرأة: تلونت. اللسان (غول). (٦) وحكاه الفراء في معاني القرآن ٢٩٩/٢. وقراءة أبي في الشاذة ص ١١٠، والمحرر الوجيز ٢٦٨/٤. (٧) من قوله: وحكى الثعلبي :... إلى هذا الموضع من (م). ١٩٩ سورة النمل: الآيتان ٦٥ - ٦٦ أنَّ معناه: كمل في الآخرة، وهو مثل الأوّل؛ قال مجاهد: معناه: يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذِّبين. والقول الآخر أنه على معنى الإنكار، وهو مذهب أبي إسحاق، واستدلَّ على صحة هذا القول بأنَّ بعده ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ (١) أي: لم يُدرِْ علمُهم علمَ الآخرة. وقيل: بل ضلَّ وغابَ علمُهم في الآخرة فليس لهم فيها علم. والقراءة الثالثة: ((بَلٍ ادَّرَكَ)) فهي بمعنى ((بَلِ ادَّارَكَ)) وقد يجيء افتعل وتفاعل بمعنى(٢)؛ ولذلك صُخِّح ازدوجوا حين كان بمعنی تزاوجوا. القراءة الرابعة: ليس فیھا إلَّا قولٌ واحدٌ یکون فیه معنى الإنكار، كما تقول: أ أنا قاتلتُكَ؟! فيكون المعنى: لم يدرك، وعليه ترجع قراءةُ ابن عباس؛ قال ابن عباس: ((بَلَى أَدَّارَكَ عِلْمُهُمْ في الآخِرَةِ) أي: لم يُدرِكُ. قال الفرَّاء: وهو قولٌ حسنٌ، كأنَّه وجَّهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث، كقولك لرجلٍ تُكذِّبه: بَلَى لعمري قد أدركتَ السَّلَفَ فأنت تَروي ما لا أروي! وأنت تُكذِّبه(٣). وقراءةٌ سابعة: ((بَلَ اذَّرَكَ)) بفتح اللام؛ عدل إلى الفتحة لخِفَّتِها. وقد حُكي نحوُ ذلك عن قطرب في ﴿قُِّ اَلََّلَ﴾ فإنه عدل إلى الفتح. وكذلك و(بِعَ الثوبَ) ونحوه(٤). وذكر الزمخشري في الكتاب(٥): وقُرئ (بَلْ أَأَذَّرَكَ)) بهمرتين (بَلْ آ أَدَّرَكَ)) بألف بينهما ((بَلَى أَ أَدَّرَكَ)) (أَمْ تَدَارَكَ) ((أَمْ أَذَّرَكَ)) فهذه ثنتا عشرة قراءة، ثم أخذ يُعلِّلُ وجوهَ القراءات وقال: فإنْ قلتَ: فما وجهُ قراءة ((بَلْ أَ أَذَّرَكَ)) على الاستفهام؟ قلتَ: هو استفهامٌ على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ: ((أَمْ أَدَّرَكَ)) و((أَمْ تَدَارَكَ)) لأنها أم التي (١) من بداية تفسير الآية إلى هذا الموضع - سوى ما حكاه الثعلبي وقول مجاهد - من إعراب القرآن ٢١٨/٣ - ٢١٩. (٢) المحرر الوجيز ٢٦٨/٤. وذكرت هذه القراءة في السبعة ص ٤٨٥ عن الأعشى عن أبي بكر عن عاصم. وهي في الشاذة ص١١٠ عن الحسن والأعرج. (٣) معاني القرآن للفراء ٢٩٩/٢. (٤) المحتسب ٢/ ١٤٣ . (٥) الكشاف ١٥٦/٣ - ١٥٧ . ٢٠٠ سورة النمل: الآيات ٦٥ - ٦٨ بمعنى بل والهمزة، وأما من قرأ: ((بَلَى أَ أَذَّرَكَ)) على الاستفهام فمعناه: بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر عِلْمَهم بكونها، وإذا أنكر عِلْمَهم بكونها لم يتحصَّلْ لهم شعورٌ وقتَ كونها؛ لأنَّ العلمَ بوقت الكائن تابعٌ للعلم بكون الكائن. ((في الآخرَةِ» في شأن الآخرة ومعناها. ﴿بَلّ هُمْ فِ شٍَّ مِنْهَا﴾ أي: في الدنيا. ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ أي: بقلوبهم، واحدهم عمو. وقيل: عَم (١)، وأصله عميون؛ حُذِفَتِ الياءُ لالتقاء الساكنين، ولم يَجُزْ تحريكُها لِثِقَلِ الحركةِ فيها(٢). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَءِذَا كُنَّا تُرَيَا وَءَابَآؤُنَا أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٨٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني مشركي مكة (٣). ﴿إِذا كُنَّا تُراباً وآباؤنا أيِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ هكذا يقرأ نافع هنا وفي سورة: ((العنكبوت))(٤). وقرأ أبو عمرو باستفهامين، إلا أنَّه خفّف الهمزة. وقرأ عاصم وحمزة أيضاً باستفهامين إلّا أنهما حقَّقًا الهمزتين، وكلُّ ما ذكرناه في السورتين جميعاً واحد. وقرأ الكسائي وابن عامر ورُويس ويعقوب: ((أَئِذَا)) بهمزتين ((إِنَّنَا)) بنونين على الخبر في هذه السورة، وفي سورة ((العنكبوت)) باستفهامين(٥)؛ قال أبو جعفر النخَّاس(٦): القراءةُ ((إِذاَ كُنَّا تُراباً وآباؤنا آِنَّا لَمُخْرَجُونَ)) موافقةٌ للخطِّ حسنةٌ، وقد عارض فيها أبو حاتم فقال: وهذا معنى كلامه: ((إذَا)) ليس باستفهام و((آيِنًا)) استفهام، وفيه ((إنَّ) فكيف يجوز أن يعمل ما في (١) الوسيط ٣٨٣/٣، وتفسير البغوي ٤٢٦/٣. (٢) إعراب القرآن ٢١٩/٣. (٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٢٧ . (٤) الآية (٢٩). (٥) السبعة ص ٤٨٥ و٤٩٩، والتيسير ص١٦٩ و١٧٣، والنشر ٣٧٣/١ . (٦) في إعراب القرآن ٢١٩/٣ - ٢٢٠، وما قبله منه.