Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة النمل: الآية ٣٥
الدَّارَ قُطْنيُّ: تفرَّدَ به ابن بَحير (١) عن أبيه عن مالك، ولم يكن بالرَّضيِّ، ولا يصِحُّ عن
مالكٍ ولا عن الزُّهري. وعن ابن شهاب قال: بلغنا أن رسول اللـه 8# قال: («تَهادوا
بينكم فإنَّ الهديةَ تُذهِبُ السَّخِيمة)). قال ابن وَهْب: سألتُ يونس عن السَّخيمة ما
هي؟ فقال: الغِلُّ. وهذا الحديثُ وصلَه الوقَّاصي عثمان عن الزُّهري وهو ضعيف.
وعلى الجملة: فقد ثبتَ أنَّ النبيَّ # كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة. ومن فضل
الهدية مع اتباع السُّنَّةِ أنَّها تزيلُ حزازاتِ النفوس، وتُكسِبُ المُهدي والمُهدَى إليه
رَّةً(٢) في اللقاء والجلوس. ولقد أحسَنَ مَنْ قال:
تُوَلِّدُ في قلوبهمُ الوِصالا
هدايا الناسِ بعضِهمُ لبعضٍ
وتُكسِبُهمْ إذا حضروا جَمالا(٣)
وتزرعُ في الضمير هَوَّى ووُدّاً
آخر :
(٤)
أحظى من الابن عند الوالدِ الحَدِب
إنَّ الهدايا لها حَظّ إذا وَرَدتْ
الخامسة: رُويَ عن النبيِّ# أنه قال: ((جُلساؤكم شُركاؤكم في الهدية)» واختُلِفَ
في معناه، فقيل: هو محمولٌ على ظاهره. وقيل: يُشاركهم على وجه الكرم
والمروءة، فإن لم يفعل فلا يُجبَرُ عليه(٥). وقال أبو يوسف: ذلك في الفواكه ونحوها.
وقال بعضهم: هم شركاؤه في السرور لا في الهدية. والخبر محمولٌ في أمثال
أصحاب الصُّفَّة والخوانق والرِّباطات؛ أمَّا إذا كان فقيهاً من الفقهاء اختصَّ بها فلا
شركةً فيها لأصحابه، فإنْ أشرَكَهم فذلك کرمٌ وجودٌ منه.
السادسة: قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ﴾ أي: منتظرة(٦) ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال قتادة:
(١) في (م): بجير.
(٢) هكذا في النسخ، ولم يتضح لنا معناها، ولعلها: رغبة.
(٣) قائلهما دعبل الخزاعي، وهما في ديوانه ص ١٢٠.
(٤) المسألة كلها في التمهيد ١٧/٢١ - ١٩ سوى قوله: ومن فضل الهدية .... في اللقاء والجلوس.
(٥) من بداية المسألة إلى هنا من التمهيد ١٢٤/٢١، وقال ابن عبد البر عن الحديث: إسناده فيه لين.
(٦) معجم البيان ١٩/ ٢٢٠ .

١٦٢
سورة النمل: الآيات ٣٥ - ٤٠
يَرحمها الله أن كانت لَعاقلةً في إسلامها وشركها؛ قد علمت أنَّ الهديةَ تقع موقعاً من
الناس(١). وسقطتِ الألفُ في ((بِم)) للفرق بين ((ما)) الخبرية. وقد يجوز إثباتُها(٢)؛
قال:
كخنزيرٍ تمرَّغْ فِي رَمادِ(٣).
على ما قامَ يشتمني لئيمٌ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِدُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَئِنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّاً ءَاتَنَّكُمْ
أُرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَتَأْنِيَنَّهُم بِحُدٍ لَّا قِبَلَ لَمُ بِهَا وَنُخْرَِهُم
بَّ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ ()
مِنْهَا أَزِلَةُ وَهُمْ صَغِرُونَ (٣٦) قَالَ بَّا الْمَلَوْأ ◌َيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْضِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ
قَالَ عِفْرِيِتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَاْ ءَاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكٌ وَإِّ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ
٣٨
٣٩
قَالَ الَّذِى ◌ِنْدَهُ عٌِّ مِّنَ الْكِنَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ
مُسْتَقِرًّا عِندَمُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ لِّبْلُوَنِيِّ ءَأَشْكُرُ أَنْ أَكْفُرٌ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَلَمَا جَآءَ مُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِدُونَنِ بِمَالٍ﴾ أي: جاء الرسولُ سليمانَ
بالهدية (٤). قال: ((أَتُمِدُّونَني بِمالٍ)). قرأ حمزة ويعقوب والأعمش: بنونٍ واحدةٍ مشدّدةٍ
وياءٍ ثابتةٍ بعدها(٥). الباقون بنونين، وهو اختيارُ أبي عبيد؛ لأنَّها في كلِّ المصاحف
بنونين(٦). وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ: ((أتُمِدُّونٍ)) بنونٍ واحدةٍ مُخفَّفةٍ
بعدها ياءٌ في اللفظ (٧). قال ابن الأنباري: فهذه القراءة يجب فيها إثباتُ الياء عند
(١) النكت والعيون ٢٠٩/٤.
(٢) إعراب القرآن ٣/ ٢١٠ - ٢١١. ومذهب جواز إثباتها مذهب الفراء في معاني القرآن له ٢٩٢/٢.
(٣) قائله حسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص١٩٩ .
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٩٣/٢ .
(٥) قراءة حمزة في السبعة ص ٢٨٤، والتيسير ص١٧٠، وقراءة يعقوب في النشر ٣٤٠/٢.
(٦) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٢٦٧ .
(٧) الشاذة ص١٠٩، وزاد المسير ٦/ ١٧٢ .

١٦٣
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٠
الوقف؛ ليصِحَّ لها موافقةُ هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فُخفِّفَ
التشديدُ من ذا الموضع كما خُفَّفَ من: أشهدُ أنْكَ عالِمٌ، وأصله: أنْكَ عالم. وعلى
هذا المعنى بنى الذي قرأ: ((يُشَاقُونِ فِيهِم))(١)، ((أَتُحَاجُونِ فِي الله))(٢). وقد قالتٍ
العرب: الرجالُ يضربونٍ ويقصدونٍ، وأصله: يضربونِّي ويقصدونِّي؛ لأنَّه إدغامُ
يضربونني ويقصدونني؛ قال الشاعر:
والحَشَا والبُغَامُ (٣) والعينانِ
تَرْهبينٍ والجِيدُ مِنكِ لِلَيْلَى
والأصلُ ترهبيني فخُفِّفَ. ومعنى (أُتْمِدُّونَنِي)): أتزيدونني مالاً إلى ما تشاهدونه
من أموالي.
قوله تعالى: ﴿فَمَآ ءَاتَئِنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّاَ ءَاتَنْكُمْ﴾ أي: فما أعطاني من الإسلام
والملك والنبوّة خيرٌ مما أعطاكم، فلا أفرَحُ بالمال(٤). و((آتَانٍ)) وقعت في كلِّ المصاحف
بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص: ((آتَانِيَ اللهُ)) بياءٍ مفتوحة، فإذا وقفوا حذفوا.
وأما يعقوب فإنه يُثبِتُها في الوقف ويحذِفُ في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون بغير
ياء في الحالين(٥). ﴿بَّ أَنْتُم بِهَدِ يَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ﴾ لأنكم أهلُ مفاخرةٍ ومُكاثرةٍ في الدنيا (٦).
قوله تعالى: ﴿أَتَجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد: ارجع
إليهم بهديتهم (٧). ﴿فَلَأْنِنَّهُمْ بِحُدٍ لََّ قِبَلَ لَمُ بِهَا﴾ لامُ قسَم، والنونُ لها لازمة. قال
النَّخَاس(٨): وسمعتُ أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لامُ توكيد، وكذا كان عنده أنَّ
(١) سلف ٣١٥/١٢.
(٢) سلف ٨/ ٤٤٣ .
(٣) هو صوت الناقة. اللسان (بغم).
(٤) تفسير البغوي ٤١٩/٣ .
(٥) السبعة ص ٤٨٢، والتيسير ص ٧٠ وقراءة يعقوب في النشر ٣٤٠/٢.
(٦) تفسير البغوي ٤١٩/٣ .
(٧) المصدر السابق.
(٨) في إعراب القرآن ٢١١/٣ .

١٦٤
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٠
اللاماتِ كلَّها ثلاثٌ لا غير؛ لام توكيد، ولام أمر، ولام خفض، وهذا قول الحُذَّاقِ
من النَّحْوِّين؛ لأنهم يردُّون الشيء إلى أصله، وهذا لا يتهيّأ إلا لمن درب في العربية.
ومعنى ﴿لَّا قِبَلَ لَهُ بِهَا﴾ أي: لا طاقةَ لهم عليها. ﴿وَلَنُغْرِحَّهُ مِنْهَا﴾ أي: من أرضهم
﴿أَِلَّةُ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ وقيل: ((مِنْهَا)) أي: من قرية سبأ(١).
وقد سبق ذكر القرية في قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةٌ أَفْسَدُوهَا﴾. ﴿أَذِلَّةٌ﴾ قد
سُلِيوا مُلكُهم وعِزَّهم. ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ أي: مُهانون أذلَّاءُ - من الصَّغَرِ: وهو الذلُّ -
إن لم يُسلِموا، فرجعَ إليها رسولُها فأخبرها، فقالت: قد عرفتُ أنَّه ليس بملِكٍ ولا
طاقةَ لنا بقتال نبيٍّ من أنبياء الله. ثم أمرَتْ بعرشِها فُجِعلَ في سبعة أبياتٍ بعضُها في
جوف بعض، في آخر قصرٍ من سبعة قصور، وغلَّقتِ الأبواب، وجعلتِ الحرسَ
عليه، وتوجَّهت إليه في اثني عشر ألف قَيْلٍ من ملوك اليمن، تحت كل قَيْلٍ مئة ألف.
قال ابن عباس: وكان سليمانُ مَهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه،
فنظر ذات يومٍ رَهَجاً (٢) قريباً منه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: بِلقيسُ يا نبيَّ الله(٣). فقال
سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره: للجِنِّ - ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ﴾
وقال عبد الله بن شداد: كانت بلقيسُ على فرسَخِ من سليمان لمَّا قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِىِ
بِعَرْشِهَا﴾(٤) وكانت خلَّفَتْ عرشَها بسباً، ووَّلت به حَفَظة. وقيل: إنَّها لمَّا بعثت
بالهدية بعثت رسُلَها في جندها لِتُغافِصَ(٥) سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهَّبَ
سليمانُ لها إن كان طالِبَ مُلْكِ، فلمَّا علم ذلك قال: ﴿أَتُكُمْ بَأْتِ بِعرفها﴾. قال ابن
عباس: كان أمرُه بالإتيان بالعرش قبل أن يكتُبَ الكتابَ إليها، ولم يكتُبْ إليها حتى
جاءه العرش.
(١) تفسير البغوي ٣١٩/٤.
(٢) الرهج: الغبار. اللسان (رهج).
(٣) تفسير البغوي ٤١٩/٣، ومجمع البيان ٢٢٥/١٩ بنحوه.
(٤) تفسير مجاهد ٤٧٠/٢ .
(٥) أي: أخذه على غرة. اللسان (غفص).

١٦٥
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٠
وقال ابن عطية: وظاهر الآيات أنَّ هذه المقالةَ من سليمان عليه السلام بعد
مجيء هديَّتها وردِّه إيَّاها، وبَعْثِه الهدهدَ بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأوِّلين.
واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها، فقال قتادة: ذُكِرَ له بعِظَم وجَوْدة، فأراد أخْذَه
قبل أن يعصِمَها وقومَها الإسلامُ ويحميَ أموالَهم؛ والإسلامُ على هذا: الدِّين. وهو
قول ابن جُريج. وقال ابن زيد: استدعاه ليُرِيَها القدرةَ التي هي من عند الله، ويجعلَه
دليلاً على نبؤَّتِه؛ لأخذه من بيوتها(١) دون جيشٍ ولا حرب، و((مسلِمِينَ)) على هذا
التأويل بمعنى مستسلمين. وهو قول ابن عباس(٢). وقال ابن زيد أيضاً: أراد أن يختبر
عقلَها؛ ولهذا قال: ﴿نَكْرُواْ لَمَا عَرْشَهَا نَظُرْ أَنْهَدِىَ﴾(٣). وقيل: خافتِ الجِنُّ أن يتزوَّجَ
بها سليمانُ عليه السلام فيولَدُ له منها ولد(٤)، فلا يزالون في السُّخرة والخِدمة لنسلٍ
سليمان، فقالت لسليمان: في عقلِها خلل. فأراد أن يمتحِنَها بعرشها(٥). وقيل: أراد
أن يختبر صِدْقَ الهدهدِ في قوله: ﴿وَلَمَا عَرْشُّ عَظِيمٌ﴾. قاله الطبري(٦). وعن قتادة:
أحبَّ أن يراه لمَّا وصفَه الهدهد. والقول الأوَّلُ عليه أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿قَبْلَ
أَنْ يَأْتُونِ سُئِلِينَ﴾، ولأنَّها لو أسلمت لحظَرَ عليه مالُها فلا يُؤتى به إلَّا بإذنها(٧). رُويَ
أنه كان من فضةٍ وذهب مُرصَّعاً بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة
أبياتٍ عليه سبعة أغلاق(٨).
قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِتٌ مِّنَ لَلِنِ﴾ كذا قرأ الجمهور، وقرأ أبو رجاء وعيسى
(١) في (ظ): ثقافها.
(٢) المحرر الوجيز ٢٥٩/٤ - ٢٦٠.
(٣) مجمع البيان ٢٢٥/١٩ .
(٤) كلمة ((ولد)) من (م).
(٥) الوسيط ٣٧٨/٣ .
(٦) المحرر الوجيز ٢٦٠/٤، وهو في تفسير الطبري ١٨/ ٦٢.
(٧) تفسير الطبري ١٨/ ٦٢ - ٦٤ .
(٨) المحرر الوجيز ٢٦٠/٤ .

١٦٦
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٠
الثقفي: ((عِفْرِيَةٌ)) ورُويَتْ عن أبي بكر الصديق ﴾(١). وفي الحديث: ((إنَّ الله يُبْغِضُ
العِفْرِيةَ النِّفْرِية))(٢). النِّفرية إتباعٌ لعفرية(٣). قال قتادة: هي الداهية. قال النَّخَّاس: يُقال
للشديد إذا كان معه خُبْثٌ ودهاءٌ: عِفْرٌ وعِفْرِيَةٌ وعِفرِيتٌ وعُفَارِيَةٌ. وقيل: ((عفريت))
أي: رئيس(٤). وقرأت فِرقة: ((قال عِفْرٌ)) بكسر العين. حكاه ابن عطية(٥)؛ قال
النَّخَّاس: من قال: عِفْرِيةٌ جمَعَه على عِفارٍ، ومن قال: عِفريتٌ كان له في الجمع
ثلاثةُ أوجه؛ إن شاء قال: عفاريت، وإن شاء قال: عَفار؛ لأنَّ التَّاءَ زائدة، كما
يُقال: طواغٍ في جمع طاغوت، وإن شاء عوَّضَ من التاء ياءً فقال: عَفارِي(٦).
والعفريت من الشياطين: القويُّ المارد، والتاء زائدة. وقد قالوا: تَعَفْرَتَ الرجلُ. إذا
تخلَّقَ بخُلُقِ الأذاية(٧). وقال وهب بن منبه: اسم هذا العفريت كودن. ذكره
النخَّاس(٨). وقيل: ذكوان. ذكره السُّهيلي(٩). وقال شعيب الجُبَّائي: اسمه دعوان(١٠).
ورُويَ عن ابن عباس أنه صخر الجِنِّي. ومن هذا الاسم قولُ ذي الرُّمَّة:
(١) المحرر الوجيز ٢٦٠/٤، وهذه القراءة في المحتسب عن أبي رجاء وعيسى الثقفي، وفي الشاذة
ص١٠٩ عن أبي رجاء وأبي السمال.
(٢) أخرجه أبو الشيخ في الأمثال (١٣٨) من طريق عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي سعيد
الخدري ے، مرفوعاً.
وأخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (٢٤٨)، والبيهقي في الشعب (٩٩١٠) من طريق
عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن النبي ﴾ مرسلاً.
(٣) إعراب القرآن ٣/ ٢١٢ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٣٢/٥.
(٥) المحرر الوجيز ٢٦٠/٤، وهي قراءة شاذة.
(٦) إعراب القرآن ٢١٢/٣ .
(٧) المحرر الوجيز ٢٦٠/٤.
(٨) في معاني القرآن ١٣٣/٥.
(٩) في التعريف والإعلام ص١٢٨ .
(١٠) أخرج الطبري ٦٦/١٨ - ٦٧، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٣٦٧) عن شعيب الجبائي أن اسم
العفريت: کوزن.

١٦٧
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٠
مُصَوَّبٌ في سوادِ الليل مُنْقَضِبُ(١).
كأنَّه كوكبٌ في إِثْرِ عِفْرِيَةٍ
وأنشد الكسائيُّ :
إذ قالَ شيطانُهُمُ العِفْرِيتُ
ليسَ لكمْ مُلكٌ ولا تثبِيتُ(٢)
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ عِفريتاً من الجِنِّ جعل
يَفْتِكُ(٣) عليَّ البارحةَ ليقطعَ عليَّ الصلاةَ، وإنَّ اللهَ أمكنني منه فَذَعَتُّه))(٤) وذكر
الحديث، وفي البخاري: ((تفَلَّت عليَّ البارحةَ)) مكان ((جعَل يَفْتِكُ))(٥). وفي ((الموطأ»
عن يحيى بن سعيد أنه قال: أُسرِيَ برسول الله ﴾، فرأى عِفريتاً من الجِنِّ يطلبه بشعلةٍ
من نار، كُلَّما التفتَ رسولُ الله ◌ِ﴾ رآه، فقال جبريل: أفلا أُعلِّمكَ كلماتٍ تقولُهنَّ إذا
قُلْتَهنَّ طُفِئتْ شُعلَتُه وخَرَّ لِفِيه؟ فقال رسول اللـه لَ﴾: ((بلى)) فقال: أعوذُ باللهِ الكريمِ
وبكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ التي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٍّ ولا فاجرٌ من شرِّ ما ينزل من السماء،
وشرِّ ما يَعرُجُ فيها، وشرِّ ما ذراً في الأرض، وشرِّ ما يخرجُ منها، ومن فتَنِ الليل
والنهار، ومن طوارقِ الليلِ والنهارِ، إلَّا طارقاً يَطرُقُ بخيرٍ يا رحمن(٦).
قوله تعالى: ﴿أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُومَ مِنْ مَقَامٌِ﴾ يعني: في مجلسه الذي يحكم
(١) المحرر الوجيز ٤/ ٢٦٠، والبيت في ديوان ذي الرمة ١١١/١، وفيه ((مسؤَّم)) بدل ((مصوَّب)). قال
شارحه: ((مسوم)) يريد: الكوكبُ مُعلَّم، ويكون بمعنى: مُخلّى عنه و((منقضب)»: مُنقضٌّ.
(٢) قائله رؤبة بن العجاج، وهو في ديوانه في مجموع أشعار العرب ص٢٦ .
(٣) من الفتك، وأصله: القتل على غفلةٍ وغرَّة. إكمال المعلم ٢/ ١٥٠ .
(٤) أي: خنقتُه، والذَّعتُ والدَّعتُ بالذال والدال: الدفع العنيف، والذعتُ أيضاً: المعك في التراب.
النهاية (ذعتَ).
(٥) صحيح البخاري (١٢١٠)، وصحيح مسلم (٥٤١). وهو في مسند أحمد (٧٩٦٩). بلفظ البخاري.
(٦) الموطأ ٢/ ٩٥٠ - ٩٥١. وإسناده معضل. وقد رُوي موصولاً فيما أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٣)
عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن
طريف، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، عن ابن مسعود ﴾
مرفوعاً. قلنا: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة له مناكير فيما قاله الذهبي في الميزان ١/ ١٥١ .
وللحديث شاهد ضعيف أخرجه أحمد (١٥٤٦٠) من حديث عبد الرحمن بن خنبش ﴾.
:

١٦٨
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٠
فيه (١). ﴿وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىُّ﴾ أي: قويٌّ على حمله، أمينٌ على ما فيه(٢). ابن عباس: أمينٌ
على فرج المرأة. ذكره المهدوي(٣). فقال سليمان: أُريدُ أسرعَ من ذلك. فـ﴿قَالَ الَّذِى
عِنْدَهُ عٌِّ مِّنَ الْكِتَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ لَرْفُكْ﴾ أكثرُ المفسِّرين على أنَّ الذي
عنده علمٌ من الكتاب آصف بن بَرْخيا وهو من بني إسرائيل، وكان صِدِّيقاً يحفظُ اسمَ
الله الأعظم الذي إذا سُئِلَ به أَعْطَى، وإذا دُعيَ به أجاب (٤). وقالت عائشة رضي الله
عنها: قال النبي : ((إنَّ اسمَ اللهِ الأعظَمَ الذي دعا به آصف بن بَرْخيا: يا حيُّ یا
قيُّوم))(٥) قيل: وهو بلسانهم: أهيا شراهيا. وقال الزُّهري: دعاء الذي عنده اسم الله
الأعظم: يا إلهنا وإله كلِّ شيءٍ إلهاً واحداً لا إله إلا أنتَ، ايتني بعرشها. فمثُلَ بين
يديه. وقال مجاهد: دعا فقال: يا إلهنا وإله كلِّ شيء، يا ذا الجلال والإكرام(٦). قال
السُّهَيليُّ(٧): الذي عنده علمٌ من الكتاب هو آصف بن بَرْخيا ابن خالة سليمان، وكان
عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى. وقيل: هو سليمانُ نفسُه. ولا يصِحُّ في
سياق الكلام مثلُ هذا التأويل. قال ابن عطية (٨): وقالت فرقة: هو سليمان عليه
السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لمَّا قال: ﴿أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن
تَقَامٌِ﴾ كأنَّ سليمانَ استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره: ﴿أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكْ﴾ واستَدَلَّ قائلو هذه المقالة بقول سليمان: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ﴾.
(١) المحرر الوجيز ٢٦٠/٤ عن مجاهد وقتادة وابن منِّه، وأخرجه الطبري عنهم ١٨ / ٦٧ - ٦٨.
(٢) النكت والعيون ٢١٢/٤، والمحرر الوجيز ٢٦٠/٤.
(٣) وذكره الماوردي في النكت والعيون ٢١٣/٤، وأخرجه الطبري ٦٨/١٨ .
(٤) عرائس المجالس ص ٣٢٠، وهذا القول في تفسير الرازي ١٩٧/٢٤، ومجمع البيان ٢٢٥/١٩ عن
ابن عباس ﴾. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٣٩٠) من كلام ابن إسحاق.
(٦) مجمع البيان ٢٢٥/١٩، وقول الزهري ومجاهد أخرجهما الطبري ٦٩/١٨ - ٧٠، وابن أبي حاتم في
(٥) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (١٢٦١١) بسياق آخر من حديث أنس بن مالك ــ
ه.
تفسيره (١٦٣٨٢) و(١٦٣٨٣).
(٧) في التعريف والإعلام ص١٢٨ .
(٨) في المحرر الوجيز ٢٦١/٤ .

١٦٩
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٠
قلتُ: ما ذكره ابنُ عطية قاله النخَّاسُ في ((معاني القرآن)) (١) له، وهو قولٌ حسنٌ
إن شاء الله تعالى. قال ابن(٢) بحر: هو مَلَك(٣) بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند
قول العفريت. قال السُّهَيليُّ(٤): وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضَبَّة بن أُدّ، وهذا
لا يصِحُّ البَّة؛ لأنَّ ضَبَّة هو ابن أُدّ بن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مُضر بن
نزار بن مَعَدّ، ومَعدٌّ كان في مدة بَخْتَنَصَّر، وذلك بعد عهد سليمان بدهرٍ طويل، فإذا
لم يكن مَعَدٌّ في عهد سليمان، فكيف ضَبَّةُ بن أُدّ وهو بعده بخمسة آباء؟! وهذا بَيِّنٌ
لمن تأمَّله.
ابن ◌َهِيعة: هو الخَضِر عليه السلام(٥). وقال ابن زيد: الذي عنده علم من الكتاب
رجلٌ صالحٌ كان في جزيرةٍ من جزائر البحر، خرجَ ذلك اليوم ينظرُ مَنْ ساكِنُ
الأرض، وهل يعبدُ اللهَ أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء
بالعرش(٦). وقول سابع: إنَّه رجلٌ من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسمَ الله
الأعظم. ذكره القُشيري(٧). وقال ابنُ أبي بَزَّةَ: الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب
اسمه أسطوم، وكان عابداً في بني إسرائيل. ذكره الغَزنوي(٨). وقال محمد بن
المنكدر: إنما هو سليمان عليه السلام؛ أما إنَّ الناسَ يرَونَ أنَّه كان معه اسمٌ وليس
ذلك كذلك، إنَّما كان رجلٌ من بني إسرائيل عالمٌ آتاه الله عِلْماً وفِقْهاً قال: ﴿أَنْ عَائِكَ
◌ِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرُؤُكْ﴾ قال: هات. قال: أنت نبيُّ الله ابن نبيِّ الله، فإن دعوتَ
(١) ١٣٤/٥ .
(٢) كلمة ((ابن)) ليست في (ز) و(م).
(٣) النكت والعيون ٢١٤/٤ .
(٤) في التعريف والإعلام ص١٢٨ - ١٢٩ .
(٥) كرامات الأولياء للالكائي ص٧٢، والنكت والعيون ٢١٣/٤، والمحرر الوجيز ٢٦١/٤ .
(٦) عرائس المجالس ص٣٢١، وزاد المسير ٦/ ١٧٥ .
(٧) وذكره الطبرسي في مجمع البيان ٢٢٦/١٩ عن مجاهد.
(٨) وأخرجه اللاكائي في كرامات الأولياء (٢٤). وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٣٢١ .

١٧٠
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٠
اللهَ جاءك به، فدعا اللهَ سليمانُ فجاءه اللهُ بالعرش(١). وقول ثامن: إنه جبريلُ عليه
السلام. قاله النَّخَعي ورُويَ عن ابن عباس(٢). وعِلْمُ الكتاب على هذا: عِلْمُه بكتب
اللهِ المُنزَّلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل: علم كتاب سليمان إلى بلقيس(٣). قال
ابن عطية: والذي عليه الجمهور من الناس أنَّه رجلٌ صالحٌ من بني إسرائيل اسمه
آصف بن بَرْخيا؛ روي أنه صلَّى ركعتين، ثم قال لسليمان: يا نبيَّ الله، امدُدْ بصرَكَ.
فمدَّ بصرَه نحو اليمن، فإذا بالعرش، فما ردَّ سليمانُ بصرَه إلَّا وهو عنده(٤). قال
مجاهد: هو إدامةَ النَّظرِ حتى يرتدَّ طَرْفُه خاسئاً حسيراً(٥). وقيل: أرادَ مقدار ما يفتح
عينَه ثم يطرف، وهو كما تقول: افعل كذا في لحظة عين. وهذا أشبه (٦)؛ لأنَّه إن كان
الفعلُ من سليمان فهو معجزة، وإنْ كان من آصف أو من غيرِه من أولياء الله فهي
كرامة، وكرامةُ الوليّ معجزةُ النبيِّ. قال القشيريُّ: وقد أنكرَ كراماتِ الأولياء مَنْ
قال: إنَّ الذي عنده عِلْمٌ من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت: ﴿أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنَ
يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكْ﴾. وعند هؤلاء ما فعل العفريتُ فليس من المعجزات ولا من
الكرامات، فإنَّ الجِنَّ يقدرون على مثل هذا. ولا يقطعُ جوهرٌ في حالٍ واحدةٍ
مكانين، بل يُتَصوَّرُ ذلك بأنْ يَعدِمَ اللهُ الجوهرَ في أقصى الشرق ثم يُعيده في الحالة
الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب. أو يعدِمُ الأماكنَ المتوسطة ثم
يعيدُها. قال القشيري: ورواه ابن(٧) وهب عن مالك. وقد قيل: بل جيء به في الهواء.
(١) عرائس المجالس ص٣٢١، وتفسير البغوي ٣/ ٤٢٠، وزاد المسير ٦/ ١٧٥.
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٣٤/٥، والمحرر الوجيز ٢٦١/٤ .
(٣) مجمع البيان ٢٢٦/١٩ .
(٤) المحرر الوجيز ٤/ ٢٦١ .
(٥) الوسيط ٣٧٨/٣، وتفسير البغوي ٤٢٠/٣، وزاد المسير ١٧٥/٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره
(١٦٣٩٤).
(٦) معاني القرآن للزجاج ١٢١/٤.
(٧) كلمة ((بن)) من (ز) و(ظ).

١٧١
سورة النمل: الآيات ٣٦ - ٤٣
قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة (١). وقال مالك:
كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام (٢). وفي التفاسير: انخرقَ بعرش بلقيس
مكانُه الذي هو فيه، ثم نبعَ بين يدَي سليمان(٣)؛ قال عبد الله بن شدَّاد: وظهر العرشُ
من نفقٍ تحت الأرض(٤). فالله أعلم أيُّ ذلك كان.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ﴾ أي: ثابتاً عنده. ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلٍ رَبِ﴾
أي: هذا النصر والتمكين من فضل ربي(٥). ﴿لِّلُوَنِ﴾ قال الأخفش: المعنى: لينظر
﴿وَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُّ﴾. وقال غيره: معنى (لِيَبْلُوَني)) ليتعبَّدني، وهو مَجاز(٦). والأصل في
الابتلاء: الاختبار، أي: ليختبرني أأشكرُ نعمتَه أم أكفرُها ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ﴾ أي: لا يرجع نَفْعُ ذلك إلَّا إلى نفسه، حيث استوجبَ بشُكرِهِ تمامَ النعمةِ
ودوامَها والمزيدَ منها. والشكرُ قيدُ النعمةِ الموجودة، وبه تُنالُ النعمةُ المفقودة(٧).
﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّ غَنِىٌّ﴾ أي: عن الشكر ﴿كَرِيمُ﴾ في التفضُّل(٨).
٤١
قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكْرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَظُرْ أَنْنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ
فَلَّا جَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَنَّهُ هُؤَّ وَأُوِنَا أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنّا مُسْلِينَ
٤٢
وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللهِّ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَفِرِينَ
(٤٣)
قوله تعالى: ﴿قَالَ تَّكْرُواْ لَهَا عَرْشَهَا﴾ أي: غيِّروه. قيل: جعل أعلاه أسفله، وأسفله
(١) المحرر الوجيز ٢٦٠/٤.
(٢) النكت والعيون ٢١٤/٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٣٨٦) و(١٦٤٠٣).
(٣) الوسيط ٣/ ٣٧٨ عن ابن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٣٨٩).
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٣٦/٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٣٩١).
(٥) الوسيط ٣٧٨/٣.
(٦) إعراب القرآن ٢١٢/٣. وكلام الأخفش في معاني القرآن ٢/ ٦٥٠.
(٧) تفسير البغوي ٣/ ٤٢٠ .
(٨) النكت والعيون ٢١٤/٤ .
أ

١٧٢
سورة النمل: الآيات ٤١ - ٤٣
أعلاه. وقيل: غُيِّر بزيادةٍ أو نقصان(١). قال الفرَّاء وغيره: إنَّما أمر بتنكيره لأنَّ
الشياطين قالوا له: إنَّ في عقلِها شيئاً فأراد أن يمتحنها(٢). وقيل: خافتِ الجِنُّ أن
يتزوَّج بها سليمان فيولَد له منها ولدٌ، فيبقون مسخَّرين لآل سليمان أبداً، فقالوا
السليمان: إنَّها ضعيفةُ العقل، ورِجلُها كرجل الحمار. فقال: ﴿يَكْرُواْ لَّا عَرْشَهَا﴾
لنعرف عقلها(٣). وكان لسليمان ناصحٌ من الجِنِّ، فقال: كيف لي أن أرى قدميها من
غير أن أسألَها كشفَها؟ فقال: أنا أجعلُ في هذا القصر ماءً، وأجعلُ فوق الماء
زجاجاً، تظنُّ أنه ماءً فترفع ثوبها فترى قدميها، فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى
عنه.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَتْ﴾ يريد بلقيس، ﴿قِيلَ﴾ لها ﴿أَمَكَذَا عَرْشُكِّ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَّ﴾
شبّهته به لأنها خلَّفته تحت الأغلاق، فلم تُقِرَّ بذلك ولم تُنكِرْ، فعَلِمَ سليمانُ كمالَ
عقلها. قال عكرمة: كانت حكيمةً فقالت: ﴿كَنَُّ هُؤْ﴾. وقال مقاتل: عرَفَتْه ولكن
شَبَّهَتْ عليهم كما شَبَّهوا عليها، ولو قيل لها: أهذا عرشك لقالت: نعم هو (٤). وقاله
الحسين(٥) بن الفضل أيضاً (٦). وقيل: أراد سليمان أن يُظهرَ لها أنَّ الجنَّ مُسَخّرون
له، وكذلك الشياطين لتعرفَ أنها نبوَّةٌ وتؤمن به. وقد قيل: هذا في مقابلة تعميتها
الأمرَ في باب الغلمان والجواري.
﴿وَأُوِيَنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا﴾ قيل: هو من قول بلقيس، أي: أوتينا العلمَ بصحة نبؤَّة
سليمانَ من قبل هذه الآية في العرش ﴿وَكُنَّا مُسْلِينَ﴾ مُنقادينَ لأمره. وقيل: هو من قول
(١) معاني القرآن للنحاس ١٣٦/٥.
(٢) إعراب القرآن ٢١٢/٣. وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢٩٤/٢.
(٣) عرائس المجالس ص٣٢١ عن وهب بن منبه ومحمد بن كعب.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٢١ .
(٥) المثبت من (ظ)، وفي بقية النسخ: الحسن.
(٦) عرائس المجالس ص٣٢٢ .
أ

سورة النمل: الآيات ٤١ - ٤٣
١٧٣
سليمان، أي: أوتينا العلم بقدرة اللهِ على ما يشاء من قَبْلِ هذه المرأة(١). وقيل:
﴿وَأَوِّنَا الْعِلْمَ﴾ بإسلامها ومجيئها طائعةً من قَبْلِ مجيئها (٢). وقيل: هو من كلام قوم
سليمان(٣). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الوقف على ((مِنْ دُونِ اللهِ)) حسنٌ،
والمعنى: منعَها من أن تعبِّدَ اللهَ ما كانت تعبدُ من الشمس والقمر، فـ (ما)) في موضع
رفع (٤). النخَّاس(٥): المعنى: أي: صدَّها عبادتُها من دون الله وعبادتُها إيّاها عن أن
تعلمَ ما عَلِمناه عن أن تُسلم (٦). ويجوز أن تكون ((ما)) في موضع نصب، ويكون
التقدير: وصدَّها سليمانُ عمَّا كانت تعبد من دون الله، أي: حالَ بينها وبينَه. ويجوز
أن يكون المعنى: وصدَّها الله، أي: منعَها اللهُ عن عبادتها غيرَه، فَحُذِفَتْ ((عن))
وتعدَّى الفعل. نظيره ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي: من قومه. وأنشد
سیبویه :
ونُبِّئْتُ عبدَ الله بالجوِّ أصبحتْ كِراماً مواليها لئيماً صَميمُها(٧)
وزعم أنَّ المعنى عنده نُبِّئْتُ عن عبد الله. ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْرٍ كَفِرِينَ﴾ قرأ سعيد بن
جبير: ((أنها)) بفتح الهمزة(٨)، وهي في موضع نصبٍ بمعنى: لأنَّها. ويجوز أن يكون
بدلاً من (ما)» فيكون في موضع رفعٍ إن كانت ((ما)) فاعلةَ الصَّدِّ. والكسرُ على
الاستئناف.
(١) في (م): المرة.
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٢١، وزاد المسير ١٧٨/٦.
(٣) النكت والعيون ٢١٥/٤ .
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٩٥/٢ .
(٥) في إعراب القرآن ٢١٢/٣ - ٢١٣.
(٦) عبارة: ((عن أن تسلم)) من (م) وإعراب القرآن.
(٧) الكتاب ٣٩/١ ونسبه للفرزدق. وصميم الشيء: خالصه. الصحاح (صمم).
(٨) وهي في الشاذة ص١١٠ .
:

١٧٤
سورة النمل: الآية ٤٤
قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَّا أَدْخُلِ الضَّرْحِّ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُبِجَّةٌ وَكَتَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ
إِنَّهُ صَرٌْ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيِرِّ قَالَتْ رَبِّ إِنِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَّا أَدْخُلِ الصَّرْحٌ﴾ التقدير عند سيبويه: ادخلي إلى الصَّرح،
فحذَفَ إلى وعدَّى الفعل. وأبو العباس يُغلِّطه في هذا؛ قال: لأنَّ دخلَ يدلُّ على
مدخول(١) . وكان الصَّرحُ صحناً من زجاج تحتَه ماءٌ وفيه الحيتان(٢)، عمله لِيُرِيَها
مُلكاً أعظمَ من مُلكِها. قاله مجاهد(٣). وقال قتادة: كان من قوارير خلفه ماء ﴿حَسِبَتْهُ
لُجَّةَ﴾ أي: ماء(٤). وقيل: الصرح القصر. عن أبي عبيدة (٥). كما قال:
تَحسِب أعلامَهنَّ الصُّروحَا(٦)
وقيل: الصَّرْحِ: الصَّحْن، كما يُقال: هذه صَرحةُ الدَّارِ وقاعتُها، بمعنَى. وحكى
أبو عبيد(٧) في الغريب المُصنَّف أنَّ الصَّرحَ: كلُّ بناءٍ عالٍ مرتفع من الأرض، وأنَّ
الممرَّدَ: الطويلُ. النخَّاس: أصلُ هذا أنَّه يُقال لكلِّ بناءٍ عُمِلَ عملاً واحداً: صرح؛
من قولهم: لبنٌ صريح إذا لم يَشُبه ماء، ومن قولهم: صَرَّحَ بالأمر، ومنه: عربيٍّ
صريح (٨). وقيل: عَمِلَه ليختبرَ قولَ الجِنِّ فيها: إنَّ أمَّه من الجن، ورِجِلَها رِجلُ حمار.
قاله وهب بن مُنبِّه (٩). فلمَّا رأتِ اللُّجَّةَ فزِعَتْ وظنَّتْ أنَّه قصدَ بها الغرق، وتعجَّبتْ من
(١) إعراب القرآن ٢١٣/٣.
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٢٢ .
(٣) ذكره ابن الجوزي ١٧٨/٦ عن وهب بن منبه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٢، والطبري ٨٣/١٨ .
(٥) في مجاز القرآن ٢/ ٩٥ .
(٦) عجز لبيت، صدره: على طُرُقٍ كنحورِ الظِّباء. وقائله أبو ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين
١٣٦/١.
(٧) في(م): أبو عبيدة.
(٨) من قوله: وقال قتادة ... إلى هذا الموضع من معاني القرآن للنحاس ١٣٨/٥ - ١٣٩.
(٩) عرائس المجالس ص٣٢١ .

١٧٥
سورة النمل: الآية ٤٤
كونِ كرسيِّه على الماء، ورأَتْ ما هالَها، ولم يكن لها بُدٌّ من امتثال الأمر. ﴿وَكَثَفَتْ عَن
سَافَيْهَا﴾ فإذا هي أحسنُ الناسِ ساقاً، سليمةٌ ممَّا قالتِ الجِنّ، غيرَ أنَّها كانت كثيرةَ
الشَّعر، فلمَّا بلغت هذا الحدَّ، قال لها سليمان بعد أن صرفَ بصرَه عنها: ﴿إِنَُّ صَرٌْ
ثُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرٌ﴾ والممرد: المحكوكُ المملَّس، ومنه الأمرد(١). وتمرَّدَ الرجلُ إذا
أبطأَ خروجُ لحيتِه بعد إدراكه. قاله الفراء. ومنه الشجرة المرداءُ التي لا ورقَ عليها.
ورملةٌ مرداءُ إذا كانت لا تُنْبِتُ. والممرد أيضاً: المُطوَّل، ومنه قيل للحصن: مارد(٢).
أبو صالح: طويلٌ على هيئة النخلة(٣). ابن شجرة: واسعٌ في طوله وعرضه. قال:
غدَوتُ صباحاً باكراً فوجدتُهمْ قُبِيلَ الضُّحى في السَّابريِّ(٤) المُمرَِّ (٥)
أي: الدروع الواسعة. وعند ذلك استسلمتْ بِلْقيسُ وأذعنت وأسلمت وأقرَّتْ
على نفسها بالظلم، على ما يأتي.
ولمَّا رأى سليمانُ عليه السلام قدمَيها قال لِناصحِه من الشياطين: كيف لي أن
أقلَع هذا الشَّعرَ من غير مضرَّةٍ بالجسد؟ فدلَّه على عمل النُّورَة، فكانتِ النُّورَةُ
والحمَّاماتُ من يومئذٍ(٦). فيُروى أنَّ سليمان تزوَّجها عند ذلك وأسكنَها الشام. قاله
الضحاك. وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقَّاش: تزوَّجها وردّها إلى ملكها
باليمن، وكان يأتيها على الريح كلَّ شهرٍ مرة؛ فولدت له غلاماً سمَّاه داود ماتَ في
زمانه(٧). وفي بعض الأخبار أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ قال: ((كانت بِلْقيسُ من أحسنِ نساء العالمين
ساقين، وهي من أزواج سليمان عليه السلام في الجنة)) فقالت عائشة: هي أحسَنُ
(١) المحرر الوجيز ٢٦٢/٤ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٣٩/٥.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٤٤٤) بلفظ: الممرد الطويل.
(٤) أي: الرقيق من الثياب. اللسان (سبر).
(٥) النكت والعيون ٢١٧/٤ .
(٦) الوسيط ٣٧٩/٣.
(٧) المحرر الوجيز ٢٦٢/٤.

١٧٦
سورة النمل: الآية ٤٤
ساقينٍ منِّي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (( أنتِ أحسَنُ ساقينٍ منها في الجنة)) ذكره
القُشيري(١). وذكر الثعلبي (٢) عن أبي موسى أنَّ رسولَ اللـه ﴾ قال: ((أوَّلُ منِ اتَّخَذَ
الحمَّاماتِ سليمانُ بن داود، فلمَّا ألصقَ ظهرَه إلى الجدارِ فمسَّه حرُّها قال: أوَّاهٌ من
عذاب الله))(٣). ثم أحبَّها حباً شديداً وأقرَّها على مُلكِها باليمن، وأمرَ الجِنَّ فَبَنوا لها
ثلاثةَ حصونٍ لم يرَ الناسُ مثلَها ارتفاعاً: سَلْحون وبَيْنون وغُمْدان، ثم كان سليمانُ
يزورها في كلِّ شهرٍ مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام.
وحكى الشعبيُّ أنَّ ناساً من حِمْير حفروا مقبرة الملوك، فوجدوا فيها قبراً
معقوداً، فيه امرأةٌ عليها حُلَلٌ منسوجةٌ بالذَّهب، وعند رأسها لوحُ رخامٍ فيه مكتوب:
وأَرْبِعوا في مَقْبَري العِيسا
يا أيُّها الأقوامُ عُوجُوا معا
قد كنتُ أُدعَى الدهرَ بِلْقِيسا
لتعلموا أنِّيَ تلكَ التي
قَوْمِي وقِدْماً كان مأنوسا
شَيَّدْتُ قصرَ الْمُلْكِ في حِمْيرٍ
أُرْغِمُ في اللهِ المَعَاطِيسا
وكنتُ في مُلْكي وتدبيره
قد كان للتوراةِ دِرِّيسا
بَعْلي سليمانُ النبيُّ الذي
تَهُبُّ أحياناً رَوامِيسا
وسُخِّرَ الريحُ له مركباً
قَدَّسهُ الرحمنُ تَقْديسا(٤)
مع ابنٍ داودَ النبيِّ الذي
وقال محمد بن إسحاق ووهب بن مُنبِّه: لم يتزوَّجْها سليمانُ، وإنَّما قال لها:
(١) وذكره أبو الليث في تفسيره ٤٩٨/٢ من غير إسناد.
(٢) في عرائس المجالس ص٣٢٣ .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١٤٠، والعقيلي في الضعفاء ٦٨/١ و٨٤، والطبراني في الأوسط (٤٦٤)،
وابن عدي في الكامل ٢٨٣/١، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٥٦٦) من طريق إبراهيم بن مهدي،
عن عمر بن عبد الرحمن، عن إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي، عن أبي بردة بن أبي موسى
الأشعري، عن أبيه مرفوعاً. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﴾، وإسماعيل أحاديثه
منكرة، وإبراهيم بن مهدي ضعيف.
(٤) النكت والعيون ٢١٧/٤ - ٢١٨.

١٧٧
سورة النمل: الآية ٤٤
اختاري زوجاً. فقالت: مثلي لا يُنكِحُ وقد كان لي من الملك ما كان. فقال: لابُدَّ في
الإسلام من ذلك. فاختارت ذا تُبَّع ملك هَمْدَان، فزوَّجه إيَّاه ورَدَّها إلى اليمن، وأمر
زَوبعةً أميرَ جِنِّ الیمن أن يُطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزَلْ أميراً حتى مات سليمان
عليه السلام(١). وقال قومٌ: لم يَرِدْ فيه خبرٌ صحيحٌ لا في أنه تزوَّجها ولا في أنَّه
زوَّجها. وهي بِلْقيس بنت السرح بن الهداهد بن شراحيل بن أدد بن حدر بن السرح بن
الحارث(٢) بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يَشجُب بن يَعرُب بن قحطان بن عابر بن
شالخ بن أرفشخذ (٣) بن سام بن نوح. وكان جدُّها الهداهد ملكاً عظيمَ الشأن قد وُلِدَ
له أربعون ولداً كلُّهم ملوك، وكان ملِكَ أرضٍ الیمن كلِّها، وكان أبوها السَّرح يقول
لملوك الأطراف: ليس أحدٌ منكم كفؤاً لي، وأبى أن يتزوَّج منهم، فزوَّ جوه امرأةً من
الجِنِّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له بِلْقَمة وهي بِلْقيس، ولم يكن له ولدٌ
غيرها. وقال أبو هريرة: قال النبي #: ((كان أحدُ أبَوي بِلْقِيسَ جِنِّياً))(٤) فمات أبوها،
واختلف عليها قومُها فرقتين، وملَّكوا أمرَهم رجلاً فساءت سيرتُه، حتى فجَرَ بنساء
رعيته، فأدركت بلقيسَ الغَيْرةُ، فعرضت عليه نفسَها فتزوَّجها، فسَقَتْه الخمر حتى
حزَّتْ رأسَه، ونصبَتْه على باب دارها، فملَّكوها. وقال أبو بَكرة: ذُكِرَتْ بِلقيسُ عند
النبيِّ# فقال: ((لا يُفلِحُ قومٌ ولَّوا أمرهم امرأةً»(٥). ويُقال: إنَّ سببَ تزوُّجٍ أبيها من
الجِنِّ أنه كان وزيراً لملكٍ عاتٍ يغتصب نساء الرعية، وكان الوزير غيوراً فلم يتزوَّج،
فصحِبَ مرَّةً في الطريق رجلاً لا يعرفه، فقال: هل لكَ من زوجة؟ فقال: لا أتزوَّجُ
أبداً، فإنَّ مَلِكَ بلدِنا يغتصب النساءَ من أزواجهنَّ. فقال: لئِنْ تزوجتَ ابنتي لا
(١) عرائس المجالس ص٣٢٣.
(٢) في (م): الحرس.
(٣) في (م): أرفخشذ.
(٤) أخرجه الطبري ٨٣/١٨، وابن عدي في الكامل ١٢٠٩/٣، وأبو الشيخ في العظمة (١١١٣). وفي
إسناده سعيد بن بشير، وهو ضعيف. التقريب.
(٥) عرائس المجالس ص٣١٥، والحديث سلف ٢/ ٤٢ .

١٧٨
سورة النمل: الآية ٤٤
يغتصِبُها أبداً. قال: بل يغتصِبُها. قال: إنَّا قومٌ من الجِنِّ لا يقدِرُ علينا. فتزوَّجَ ابنتَه،
فولدت له بِلْقيس، ثم ماتتِ الأمُّ وابتنَتْ بِلْقيسُ قصراً في الصحراء، فتحدَّثَ أبوها
بحديثها غلطاً، فنُميَ للملك خبرُها، فقال له: يا فلان، تكون عندكَ هذه البنت
الجميلة وأنت لا تأتيني بها، وأنت تعلم حُبِّي للنساء؟! ثم أمر بحبسه، فأرسلت
بِلْقيسُ إليه أني بين يديك. فتجهّز للمسير إلى قصرها، فلما همَّ بالدخول بمَنْ معه
أخرجت إليه الجواري من بنات الجنِّ مثلَ صورة الشمس، وقُلْنَ له: ألا تستحي؟!
تقول لكَ سيدتُنا: أتَدخلُ بهؤلاء الرجال معكَ على أهلك؟! فأذِنَ لهم بالانصراف
ودخل وحده، وأغلقت عليه الباب وقتَلتْه بالنِّعال، وقطعت رأسه، ورمت به إلى
عسكره، فَأَمَّرُوها عليهم، فلم تزَلْ كذلك إلى أن بلَّغ الهدهدُ خبرَها سليمانَ عليه
السلام. وذلك أنَّ سليمان لمَّا نزل في بعض منازله قال الهدهد: إنَّ سليمان قد اشتغل
بالنزول، فأَرتَفِعُ نحوَ السماء فَأُبصِر طولَ الدنيا وعرضَها. فأبصرَ الدنيا يمناً وشمالاً ،
فرأى بستاناً لبلقيس فيه هدهد، وكان اسمُ ذلك الهدهد عُفیر، وكان اسمُ هدهد
سليمان يعفور(١)، فقال عُفير اليمن ليعفورِ سليمان: مِنْ أين أقبلتَ؟ وأين تريد؟ قال:
أقبلتُ من الشَّام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام. قال: ومَن سليمان؟ قال:
مَلِكُ الجِنِّ والإنس والشياطين والطير والوحش والريح وكلِّ ما بين السماء والأرض.
فمن أين أنت؟ قال: من هذه البلاد؛ ملكها امرأةٌ يُقال لها: بلقيس، تحتَ يدِها اثنا
عشر ألف قَيْل، تحتَ يدِ كلِّ قَيْلٍ مئةُ ألفِ مقاتلٍ من سوى النساء والذَّراري، فانطلقَ
معه ونظر إلى بِلْقيس ومُلكِها، ورجع إلى سليمانَ وقت العصر، وكان سليمانُ قد فقده
وقتَ الصلاةِ فلم يجِدْه، وكانوا على غير ماء. قال ابن عباس في رواية: وقعت عليه
نفحةٌ من الشمس. فقال لوزير الطير: هذا موضع مَنْ؟ قال: يا نبيَّ الله، هذا موضع
الهدهد. قال: وأينَ ذهب؟ قال: لا أدري أصلحَ اللهُ الملك. فغضب سليمان وقال:
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ الآية. ثم دعا بالعُقَاب سيدِ الطير وأصرَمِها وأشدِّها بأساً
(١) عبارة: ((وكان اسم هدهد سليمان يعفور)) من (ظ) ..

١٧٩
سورة النمل: الآية ٤٤
فقال: ما تريدُ يا نبيَّ الله؟ فقال: عليَّ بالهدهد الساعة. فرفع العقابُ نفسَه دون
السماء حتى لزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد
مقبلاً من نحو(١) اليمن، فانقضَّ نحوَه، وأنشَبَ فيه مِخْلَبه. فقال له الهدهد: أسألُكَ
بالله الذي أقدرَكَ وقوَّاكَ عليَّ إلَّا رحِمْتني. فقال له: الويلُ لك، وثكِلَتْك أمُّك! إنَّ نبيَّ
الله سليمانَ حلَفَ أن يُعذِّكَ أو يذبحَكَ. ثم أتى به فاستقبلَتْه النُّسورُ وسائرُ عساكر
الطير. وقالوا: الويل لك، لقد توعَّدكَ نبيُّ الله. فقال: وما قدري وما أنا؟ أما
استثنى؟ قالوا: بلى، إنه قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ثم دخل على سليمانَ فرفع
رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعاً لسليمان عليه السلام، فقال له سليمان: أين
كنتَ عن خدمتِكَ ومكانِكَ؟ لأُعذّبنَّكَ عذاباً شديداً أو لأذبحنَّكَ. فقال له الهدهد: يا
نبيَّ الله، اذكُرْ وقوفكَ بين يدَيِ الله بمنزلة وقوفي بين يديك. فاقشعَرَّ جِلدُ سليمانَ
وارتعدَ، وعفا عنه. وقال عكرمة: إنَّما صرف اللهُ سليمانَ عن ذبح الهدهد أنه كان
بارًّا بوالديه، ينقل الطعام إليهما فيزقُّهما. ثم قال له سليمان: ما الذي أبطأَ بِكَ؟ فقال
الهدهد ما أخبرَ اللهُ عن بِلْقيسَ وعرشِها وقومِها(٢) حسبما تقدَّم بيانه. قال
الماوردي(٣): والقولُ بأنَّ أمَّ بِلْقيسَ جِنِّيَةٌ مُستنكَرٌ من العقول؛ لِتَبايُنِ الجنسين،
واختلافِ الطَّبْعين، وتفاوت الجِسْمين(٤)؛ لأنَّ الآدميَّ جسمانيٍّ والجِنَّ روحانيٌّ،
وخلقَ اللهُ الآدميَّ من صلصالٍ كالفخَّار، وخلقَ الجانَّ من مارج من نار، ويمتنع (٥)
الامتزاجُ مع هذا التباين، ويستحيل التناسلُ مع هذا الاختلاف.
قلتُ: قد مضى القول في هذا، والعقلُ لا يُحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك،
(١) في (م): نحن.
(٢) من قوله: وذلك أن سليمان لما نزل ... إلى هذا الموضع من عرائس المجالس ص٣١٣ - ٣١٤.
(٣) في النكت والعيون ٢١٦/٤ .
(٤) المثبت من النكت والعيون. وفي (د): وتعارف الجسمين. وفي (ز): وتفارق الجسمين. وفي (ظ):
وتفارق الجنسين. وفي (م): وتفارق الحِسَّين.
(٥) المثبت من النكت والعيون و(ظ). وفي بقية النسخ: ويمنع.

١٨٠
سورة النمل: الآيات ٤٤ - ٤٧
وإذا نظر في أصل الخلق فأصلُه الماء على ما تقدَّم بيانه، ولا بُعْدَ في ذلك، والله
أعلم. وفي التنزيل: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الإسراء: ٦٤] وقد تقدَّم. وقال
تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ على ما يأتي في ((الرحمن)) [الآية: ٥٦].
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِ ظَلَمْتُ نَفْسِىٍ﴾ أي: بالشرك الذي كانت عليه. قاله
ابن شجرة. وقال سفيان: أي: بالظنِّ الذي توهَّمَتْه في سليمان؛ لأنَّها لمَّا أمرت
بدخول الصرح حسِبَتْه لُجَّةً، وأنَّ سليمان يريد تغريقها فيه. فلمَّا بانَ لها أنه صرحٌ مُمرَّدٌ
من قواريرَ علمت أنَّها ظلمت نفسَها بذلك الظن(١). وكُسِرتْ ((إنَّ) مُبتدَأةٌ بعد القول.
ومن العرب مَنْ يفتحُها فيُعمِلُ فيها القول. ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ إذا
سكَّنتَ ((مع)) فهي حرفٌ جاء لمعنى بِلا اختلاف بين النَّخويين، وإذا فتَحْتَها ففيها
قولان: أحدهما: أنه بمعنى الظرف اسمٌ. والآخَر: أنه حرفٌ خافضٌ مبنيٌّ على
الفتح. قاله النخَّاس(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ
فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِلسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ لَوْلًا
قَالُواْ أََّّرْنَا بِكَ وَيِمَن مَعَكَّ قَالَ طَبِرُّكُمْ
تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
عِندَ اللّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوِّم ◌ُفْتَنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَكِحًا أَنِ أَعْبُدُواْ الَّ﴾ تقدَّم معناه(٣).
﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَكَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال مجاهد: أي: مؤمن وكافر. قال: والخصومةُ ما قصّهُ
اللهُ تعالى في قوله: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَدِحًا مُرْسَلٌ مِّن زَيٍِّ﴾ إلى قوله: ﴿ كَفِرُونَ﴾
[الأعراف: ٧٥]. وقيل: تخاصُمُهم أنَّ كلَّ فرقةٍ قالت: نحن على الحقِّ دونكم(٤).
(١) النكت والعيون ٢١٧/٤ .
(٢) في إعراب القرآن ٢١٣/٣ .
(٣) ٢٦٦/٩ - ٢٦٧ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٣٩/٥-١٤٠، والنكت والعيون ٢١٨/٤ . وقول مجاهد أخرجه الطبري ٨٦/١٨ .