Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
أي: عظيمٌ (١) وجودي إِيَّها كافرة. وقال ابن الأنباري(٢): ﴿وَلَا عَرْشُّ عَظِيمٌ﴾ وقْفٌ
حسن، ولا يجوز أن يقِفَ على ((عرش)) ويبتدئ ((عَظِيمٌ وَجَدْتُها)) إلَّا على من فتح؛
لأنَّ عظيماً نعتٌ للعرش (٣) فلو كان متعلِّقاً بوَجَدْتُها لقُلتَ: عظيمةً وجدتُها، وهذا
مُحالٌ من كلِّ وجه. وقد حدَّثني أبو بكر محمد بن الحسين بن شَهْرَيار، قال: حدَّثنا
أبو عبد الله الحسين بن الأسود العِجليُّ، عن بعض أهل العلم أنه قال: الوقف على
(عرش)) والابتداء ((عظيم)) على معنى: عظيمٌ عبادَتُهم الشمسَ والقمر. قال: وقد
سمعت مَنْ يُؤيِّدُ هذا المذهب، ويَحتَجُّ بأنَّ عرشَها أحقَرُ وأدَقُّ شأناً من أن يصِفَه اللـه
بالعظيم. قال ابن الأنباري: والاختيارُ عندي ما ذكَرْتُه أوَّلاً؛ لأنَّه ليس على إضمارِ
عبادةِ الشمسِ والقمرِ دليلٌ. وغيرُ مُنكَرٍ أن يصِفَ الهدهدُ عرشَها بالعظيم إذ رآه مُتناهي
الطول والعرض؛ وجَرْيُه على إعراب ((عرش)) دليلٌ على أنَّه نَعْتُه.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: ما لهم فيه من الكفر. ﴿فَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾
أي: عن طريق التوحيد. وبيَّن بهذا أنَّ ما ليسَ بسبيل التوحيد فليسَ بسبيلٍ ينتفع به
على التحقيق. ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الله وتوحيده.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم
وحمزة: ((أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) بتشديد ((ألَّ))(٤)؛ قال ابن الأنباري(٥): ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾
غيرُ تامّ لمن شدَّد ((أَلَّا))؛ لأنَّ المعنى: وزيَّنَ لهم الشيطانُ ألَّا يسجدوا. قال النَّخَّاس:
هي ((أن)) دخلَتْ عليها ((لا)) و((أن)) في موضع نصب؛ قال الأخفش: بـ ((زين)) أي:
وزيَّنَ لهم لئِلَّا يسجدوا لله. وقال الكسائي: بـ ((فَصدَّهم)) أي: فصَدَّهم ألَّا يسجدوا.
(١) كلمة ((عظيم)) ليست في (م)، وأثبتت من باقي النسخ.
(٢) في إيضاح الوقف والابتداء ٨١٥/٢-٨١٦ .
(٣) في (م): لعرش. والمثبت من باقي النسخ.
(٤) السبعة ص ٤٨٠، والتيسير ص١٦٨ .
(٥) في إيضاح الوقف والابتداء ٨١٦/٢ .

١٤٢
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
وهو في الوجهين مفعولٌ له. وقال اليزيدي وعلي بن سليمان: ((أن)) بدل من ((أعمالهم))
في موضع نصب. وقال أبو عمرو: و((أن)) في موضع خَفْضٍ على البدل من السبيل(١).
وقيل: العامل فيها ((لا يَهْتَدُونَ)) أي: فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، أي: لا
يعلمون أنَّ ذلك واجبٌ عليهم. وعلى هذا القول ((لا)) زائدة(٢)، كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا
تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: ما منعكَ أنْ تسجُدَ، وعلى هذه القراءة فليس بموضع
سجدة؛ لأن ذلك خبر عنهم بترك السجود، إما بالتزيين، أو بالصدّ، أو بمنع
الاهتداء
وقرأ الزهري والكسائي وغيرهما: ((أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ))(٤) بمعنى: ألا يا هؤلاء
اسجدوا؛ لأن ((يا)» ينادى بها الأسماء دون الأفعال. وأنشد سیبویه:
والصَّالحين على سِمْعَانَ من جَارٍ
يا لعنةُ اللهِ والأقوامِ كلِّهِمِ.
قال سيبويه: ((يا)) لغير اللعنة؛ لأنَّه لو كان للَّعنةِ لنَصَبَها؛ لأنَّه كان يصير مُنادَى
مُضافاً، ولكن تقديره: يا هؤلاء، لعنةُ اللهِ والأقوام على سِمْعان(٥). وحكى بعضُهم
سماعاً عن العرب: ألا يا ارحموا ألا يا اصدقُوا. يريدون: ألا يا قومُ ارحموا
اصدُقوا، فعلى هذه القراءة ((اسْجُدُوا)) في موضع جزم بالأمر، والوقف على ((أَلَا يَا))،
(١) في إعراب القرآن ٢٠٦/٣ بنحوه دون قوله: ((وهو في الوجهين مفعول له)) وهو في المحرر الوجيز
٢٥٦/٤. وقول الأخفش في معاني القرآن له ٦٤٩/٢ .
(٢) البيان ٢٢١/٢، والكشاف ١٤٥/٣ .
(٣) هذا معنى قول الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٩٠.
(٤) قراءة الكسائي في السبعة ص ٤٨٠، والتيسير ص١٦٧ . وذكر النحاس هذه القراءة في معاني القرآن
١٢٦/٥، وإعراب القرآن ٢٠٦/٣ عن الكسائي والزهري وابن عباس وأبي جعفر وأبي عبد الرحمن
السلمي والحسن وحميد الأعرج وطلحة. وزاد عليه ابن الجوزي في زاد المسير ١٦٦/٦ : عن قتادة
وأبي العالية والأعمش وابن أبي عبلة.
(٥) معاني القرآن للنحاس ١٢٦/٥، وإعراب القرآن ٢٠٦/٣، وتأويل مشكل القرآن ص ١٧٢. وينظر
الكتاب لسيبويه ٢١٩/٢-٢٢٠.

١٤٣
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
ثم تبتدئ فتقول: ((اسْجُدُوا))(١). قال الكسائي [عن عيسى الهَمْداني قال: (٢)]: ما
كنتُ أسمَعُ الأشياخ يقرؤونها إلَّ بالتخفيف على نيَّة الأمر. وفي قراءة عبد الله:
((هلَّا(٣) تَسْجُدُونَ لِلَّهِ) بالتاء والنون. وفي قراءة أبيٍّ: ((أَلَا تَسْجُدُونَ لِلَّهِ)) فهاتان
القراءتان حُجَّةٌ لمن خَقَّف (٤). الزَّجَّاج: وقراءةُ التخفيف تقتضي وجوبَ السجود دون
التشديد(٥). واختار أبو حاتم وأبو عبيد(٦) قراءة التَّشديد. وقال: التخفيف وجهٌ حسنٌ
إلَّا أنَّ فيه انقطاعَ الخبر من أمر سبأ، ثم رجع بَعْدُ إلى ذِكْرِهم، والقراءةُ بالتشديد خبرٌ
يتبعُ بعضُه بعضاً لا انقطاعَ في وسطه(٧). ونحوه قال النحاس؛ قال: قراءةُ التَّخفيفِ
بعيدة؛ لأنَّ الكلامَ يكون معترِضاً، وقراءةُ التشديدِ يكون الكلامُ بها مُتَّسقاً، وأيضاً
فإنَّ السَّواد على غير هذه القراءة؛ لأنَّه قد حُذِفَ منها ألِفان، وإنَّما يُختصَرُ مثلُ هذا
بحَذْفِ ألفٍ واحدةٍ نحو: يا عيسى بن مريم (٨). ابن الأنباري: وسقطت ألِفُ
(اسجدوا)) كما تسقطُ مع هؤلاءِ إذا ظهر، ولمَّا سقطت ألفُ ((يا)) واتَّصلت بها ألفُ
((اسْجُدُوا)) سقطت، فَعُدَّ سقوطُها دِلالةً على الاختصارِ وإيثاراً لِما يَخِفُّ وتَقِلُّ ألفاظُه.
وقال الجوهري في آخر كتابه (٩): قال بعضهم: إن ((يا)) في هذا الموضع إنَّما هو
للتنبيهِ، كأنَّه قال: ألا اسجدوا للهِ، فلمَّا أَدخَلَ عليه ((يا)) للتنبيه سقطتِ الألفُ التي
(١) تفسير البغوي ٤١٥/٣ بنحوه.
(٢) ما بين حاصرتين ليس في النسخ، وأُثبتَ من معاني القرآن للفراء ٢٩٠/٢ .
(٣) في (ظ): ((هل))، وفي (م): ((ألا هل))، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لما في معاني القرآن
للفراء ٢٩٠/٢، وإيضاح الوقف والابتداء ١٧٤/١، والكشاف ١٤٥/٣.
(٤) من قوله: قال الكسائي ... إلى هذا الموضع من معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٩٠. قلنا: وكلا القراءتين
شاذَّتان لا حُجّة فيهما.
(٥) معاني القرآن للزجاج ١١٥/٤ .
(٦) المثبت من (ظ)، وفي بقية النسخ: أبو عبيدة.
(٧) نقله عنه ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ١/ ١٧٣ -١٧٤.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٧/٣.
(٩) الصحاح (يا).

١٤٤
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
في ((اسْجُدُوا))؛ لأنَّها ألِفُ وَضْلٍ، وذهبتِ الألفُ التي في ((يا)) لاجتماع الساكنين؛
لأنَّها والسين ساكنتان. قال ذو الرُّمَّة(١) :
ولا زَالَ مُنْهَلًا بَجْرعَائِكِ القَظْرُ
أَلَا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيٍّ على البِلَى
وقال الجُرجانيُّ: هو كلامٌ معترِضٌ من الهُدهُدِ أو سليمانَ أو من الله(٢). أي: لا
ليسجدوا، كقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْحُونَ أَيَّامَ الَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]
قيل: إنه أمرٌ، أي: ليغفِروا. وتنتظم على هذا كتابةُ المصحف، أي: ليس هاهنا نداء.
قال ابن عطية(٣): قيل هو من كلام الهدهد إلى قوله: ((العظيم)) وهو قول ابن زيد وابن
إسحاق، ويُعترَضُ بأنَّه غيرُ مخاطَبٍ فكيف يتكلم في معنى شرع؟! ويحتمِلُ أن یکون
من قول سليمان لمَّا أخبره الهدهد عن القوم. ويَحتمِلُ أن يكون من قول(٤) الله
تعالى، فهو اعتراضٌ بين الكلامين، وهو الثابتُ مع التأمُّلِ، وقراءةُ التشديد في ((ألَّا))
تُعطي أنَّ الكلامَ للهدهد، وقراءة التخفيف تمنعه، والتخفيفُ يقتضي الأمرَ بالسجودِ
لله عزَّ وجلَّ للأمرِ على ما بيَّنَّاه. وقال الزَّمخشري(٥): فإن قلتَ: أسَجدةُ التلاوةِ
واجبةٌ في القراءتين جميعاً أم في إحداهما؟ قلتُ: هي واجبةٌ فيهما جميعاً؛ لأنَّ
مواضِعَ السجدة إمَّا أمرٌ بها، أو مدحٌ لمن أتى بها، أو ذٌّ لمن تركها، وإحدى
القراءتين أمرٌ بالسجود والأخرى ذَمِّ للتارك.
قلتُ: وقد أخبرَ اللهُ عن الكفَّار بأنهم لا يسجدون كما في ((الانشقاق))، وسجدَ
النبيُّ # فيها، كما ثبت في البخاريِّ وغيره(٦)، فكذلك ((النمل)). والله أعلم.
الزمخشري(٧): وما ذكّرهُ الزَّجَّاجُ من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغيرُ
(١) في ديوانه ٥٥٩/١ .
(٢) وذكر هذا الكلام الطبرسي في مجمع البيان ٢١٥/١٩.
(٣) في المحرر الوجيز ٤/ ٢٥٦ .
(٤) كلمة ((قول)) من (م) والمحرر الوجيز.
(٥) في الكشاف ٣/ ١٤٥ .
(٦) صحيح البخاري (٧٦٦) من حديث أبي هريرة . وأخرجه أحمد (٧١٤٠)، ومسلم (٥٧٨).
(٧) في الكشاف ٣/ ١٤٥ .

١٤٥
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
مَرجوعٍ إليه.
﴿الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ خَبْءُ السماء: قَطْرُها، وخَبْءُ الأرض: كنوزُها ونباتها.
وقال قتادة: الخَبْءُ: السِّرُّ. النخَّاس: وهذا أولى. أي: ما غاب في السماوات
والأرض، ويدلُّ عليه ﴿مَا يُخْفُونُ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾(١). وقرأ عكرمة ومالك بن دينار:
((الخَبَ)) بفتح الباء من غير همز(٢). قال المهدوي: وهو التخفيف القياسي، وذُكِرَ مَنْ
يترُكُ الهمزَ في الوقف. وقال النَّخَّاس(٣): وحكى أبو حاتم أنَّ عكرمةَ قرأ: ((الَّذي
يُخْرِجُ الخَبَا)) بألف غير مهموزة (٤)، وزعمَ أنَّ هذا لا يجوز في العربية، واعتلَّ بأنَّه إن
خفَّفَ الهمزةَ ألقى حركتَها على الباء وحذفها(٥) فقال: ((الْخَبّ في السَّماواتِ
والأرْضِ)) وأنَّه إنْ حوَّلَ الهمزةَ قال: الْخَبْيَ بإسكان الباء وبعدها ياء. قال النَّحَّاس:
وسمعتُ علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: كان أبو حاتم دونَ
أصحابِهِ في النَّخْوِ ولم يلحَقْ بهم، إلّا أنَّه إذا خرجَ من بلدهِ لم يُلْقَ أعلمَ منه. وحكى
سيبويه عن العرب أنها تُبدِلُ من الهمزة ألِفاً إذا كان قبلَها ساكنٌ وكانت مفتوحة،
وتُبدِلُ منها واواً إذا كان قبلَها ساكنٌ وكانت مضمومة، وتُبدِلُ منها ياءً إذا كان قبلها
ساكنٌ وكانت مكسورة، فتقول: هذا الْوَثْوُ(٦)، وعجبتُ من الوَثْي، ورأيتُ الْوَثا،
وهذا من وَثِئَتْ يدُه، وكذلك هذا الْخَبْوُ، وعجبتُ من الْخَبْي، ورأيت الخَبَا؛ وإنَّما
فُعِلَ هذا لأنَّ الهمزةَ خفيفةٌ، فأُبدِلَ منها هذه الحروف. وحكى سيبويه عن قومٍ من بني
تميم وبني أسد أنهم يقولون: هذا الخبؤُ، يضمُّون الساكنَ إذا كانت الهمزةُ مضمومةً،
(١) معاني القرآن للنحاس ١٢٧/٥ .
(٢) الشاذة ص١٠٩ عن عيسى: وهو ابن عمر الهمداني، والمحرر الوجيز ٢٥٦/٤ عن أبي بن كعب.
(٣) في إعراب القرآن ٢٠٧/٣-٢٠٨ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٥٦/٤، وذكرها ابن خالويه في الشاذة ص١٠٩ عن مالك بن دينار، وسترد قريباً من
قراءة ابن مسعود.
(٥) كلمة ((وحذفها)) ليست في (م).
(٦) والوثءُ: الضرب حتى يَرْهَصَ الجلدُ اللحمُ ويصل الضربُ إلى العظم من غير أن ينكسر. اللسان (وثأ).

١٤٦
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
ويُشبِتون الهمزة ويكسرون الساكن إذا كانت الهمزةُ مكسورةً، ويفتحون الساكن إذا
كانت الهمزةُ مفتوحةً. وحكى سيبويه أيضاً أنهم يكسرون وإن كانت الهمزةُ مضمومةً،
إلّا أنَّ هذا عن بني تميم، فيقولون: الرِّدِيءُ، وزعمَ أنَّهم لم يضُمُّوا الدَّالَ لأنّهم
كرِهوا ضمةً ما قبلها كسرة؛ لأنَّه ليس في الكلام فِعُلٌ. وهذه كلُّها لغاتٌ داخلةٌ على
اللغة التي قرأ بها الجماعة.
وفي قراءة عبد الله ((الَّذي يُخْرِجُ الْخَبَا مِنَ السَّماواتِ)) و((من)) و ((في)) يتعاقبان؛
تقول العرب: لأستخرجنَّ العِلمَ فيكم يريدُ منكم. قاله الفرَّاء(١). ﴿وَيَعْلَمُ مَا يُخْفُونَ
وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ قراءة العامة فيهما بياء الغائب(٢)، وهذه القراءةُ تعطي أنَّ الآيةَ من كلام
الهدهد(٣)، وأنَّ الله تعالى خصَّه من المعرفة بتوحيدِه ووجوبِ السجود له، وإنکارٍ
سجودهم للشمس، وإضافتِه للشيطان، وتزيينِه لهم، ما خَصَّ به غيره من الطيور
وسائر الحيوان؛ من المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقولُ الراجحةُ تهتدي لها. وقرأ
الجَحْدرِيُّ وعيسى بن عمر وحفص والكسائي: ((تُخْفُونَ)) و((تُعْلِنُونَ» بالتاء على
الخطاب، وهذه القراءة(٤) تعطي أن الآية من خطاب الله عز وجل لأمة محمد ﴿(٥).
﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ قرأ ابن مُحَيصِن: ((العظِيمُ)) رفعاً (٦) نعتاً لله.
الباقون: بالخفض نعتاً للعرش. وخُصَّ بالذِّكرِ لأنه أعظمُ المخلوقات، وما عداه في
ضمنِه وقبضتِه(٧).
(١) في معاني القرآن له ٢٩١/٢. وقراءة عبد الله بن مسعود في الشاذة ص١٠٩، وذكرها المصنف قريباً
عن عكر مة.
(٢) كلمة ((الغائب)) من (م).
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٧/٤ .
(٤) قراءة حفص والكسائي في السبعة ص ٤٨١، وفي التيسير ص١٦٨ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٥٧/٤.
(٦) الشاذة ص١٠٩، وزاد المسير ١٦٦/٦ ونسبها أيضاً إلى الضحاك.
(٧) المحرر الوجيز ٢٥٦/٤.

١٤٧
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿سَنَظُرُ﴾ من النظر الذي هو التأمُّلُ والتصفُّح(١).
﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِينَ﴾ في مقالتِك(٢). و(كنت)) بمعنى أنت. وقال: ﴿سَنَظُرُ
أَصَدَقْتَ﴾ ولم يقل: سننظر في أمرك؛ لأنَّ الهدهدَ لمَّا صرَّحَ بفخر العلم في قوله:
﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ صرَّحَ له سليمان بقوله: ﴿سننظر أصدقت أم كذبت﴾ فكان
ذلك كُفؤاَ(٣) لما قالَه.
الخامسة عشرة: في قوله: ((أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) دليلٌ على أنَّ الإمام
يجب عليه أن يقبلَ عذرَ رعيَّته، ويدرأَ العقوبةَ عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن
أعذارهم(٤)؛ لأنَّ سليمان لم يُعاقبِ الهُدهدَ حين اعتذر إليه، وإنَّما صارَ صدقُ
الهدهدِ عذراً؛ لأنَّه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حُبِّبَ إليه
الجهاد. وفي الصحيح: ((ليس أحدٌ أحبَّ إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك أنزلَ
الكتابَ وأرسلَ الرُّسلَ(٥). وقد قبِلَ عمرُ عذرَ النُّعمان بنَ عديٍّ ولم يُعاقِبْه(٦). ولكن
للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلَّق به حكمٌ من أحكام الشريعة، كما فعل سليمان؛ فإنه
لمَّا قال الهدهد: ﴿إِنِّ وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَوْمٍ وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾ لم
يستفِزَّه الطمع، ولا استجَرَّه حُبُّ الزيادة في الملك إلى أن يعرض له حتى قال:
﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فغاظَه حينئذٍ ما سمع، وطلبَ الانتهاءَ
إلى ما أخبر، وتحصيلَ علم ما غابَ عنه من ذلك، فقال: ﴿سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
اَلْكَذِبِينَ﴾ (٧)، ونحوٌ منه ما رواه الصحيح عن المِسْور بن مَخْرَمة، حين استشارَ عمرُ
(١) الكشاف ١٤٥/٣ .
(٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٩٤ .
(٣) في (م): كفاء. وفي بقية النسخ: حقاً. والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٤٧ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٤٧/٣ .
(٥) صحيح البخاري (٧٤١٦)، وصحيح مسلم (٤١٩٩) بنحوه من حديث المغيرة بن شعبة﴾. وهو في
مسند أحمد (١٨١٦٨).
(٦) وقد سلفت قصته ٩٠/١٦ - ٩١.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٤٦/٣.

١٤٨
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
الناسَ في إملاصِ المرأة - وهي التي يُضرَبُ بطنُها فتلقي جنينَها - فقال المغيرةُ بنُ
شعبة: شهدتُ النبيَّ﴾ قضى فيه بغرُّةٍ عبدٍ أو أمة. قال: فقال عمر: ايتني بمَنْ يشهدُ
معك. قال: فشهِدَ له محمد بن مسلمة(١). وفي روايةٍ فقال: لا تبرَخْ حتى تأتيَ
بالمخرَجِ من ذلك. فخرجتُ فوجدتُ محمد بن مسلمة، فجئتُ به فشَهِدَ (٢). ونحوه
حديثُ أبي موسى في الاستئذان(٣)، وغيرُه.
السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَذْهَب ◌ِّكِتَنِ هَذَا فَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ قال الزَّجَّاج: فيها
خمسةُ أوجه: ((فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ)) بإثبات الياء في اللفظ. وبحذف الياء وإثبات الكسرة دالَّةً
عليها ((فَأَلْقِهِ إِلَيْهِم). وبضَمِّ الهاء وإثبات الواو على الأصل ((فَأَلْقِهُ إِلَيْهِمْ)). وبحذف
الواو وإثبات الضمَّة ((فَأَلْقِهُ إِلَيْهِمْ)). واللغة الخامسة قرأ بها حمزة بإسكان الهاء «فَأَلْقِهْ
إِلَيْهِمْ)). قال النَّخَّاس: وهذا عند النَّحْوِيِّين لا يجوزُ إلَّا على حيلةٍ بعيدةٍ تكون: يُقدَّر
الوقف. وسمعتُ علي بن سليمان يقول: لا تلتفِتْ إلى هذه اللغة(٤)، ولو جازَ أن
يصِلَ وهو ينوي الوقف لجاز أن يحذِفَ الإعرابَ من الأسماء(٥). وقال: ((إليهِم)) على
لفظ الجمع، ولم يقُلْ: إليها؛ لأنَّه قال: ﴿وَجَدَثُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّيْسِ﴾ فكأنه
قال: فألقِه إلى الذين هذا دينهم؛ اهتماماً منه بأمر الدِّين، واشتغالاً به عن غيره، وبنى
الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك(٦).
(١) صحيح مسلم (١٦٨٣). وأخرجه أحمد (١٨٢١٣).
(٢) صحيح البخاري (٦٣١٧).
(٣) سلف ١٥ / ١٩٠.
(٤) في (م): العلة.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٨/٣-٢٠٩، وكلام الزجاج في معاني القرآن له ١١٦/٤. والقراءة الأولى
والثانية والخامسة من القراءات السبعة المشهورة، فالقراءة الأولى قرأ بها ابن كثير والكسائي وابن عامر
في رواية هشام عنه، ونافع في رواية ورش عنه. والقراءة الثانية قرأ بها ابن عامر في رواية ابن ذكوان
عنه، ونافع في رواية قالون عنه. والقراءة الخامسة قرأ بها حمزة وعاصم وأبو عمرو. وأما القراءتان
الثالثة والرابعة فهما شاذتان، وذكر ابن خالويه القراءة الثالثة في الشاذة ص ١٠٩ عن مسلم بن جندب.
(٦) الكشاف ١٤٦/٣ .

١٤٩
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨
ورُويَ في قصص هذه الآية أنَّ الهدهدَ وصل فألفى دون هذه الملكة حُجب
جدران فعمدَ إلى كُوَّةٍ كانت بِلْقِيسُ صنَعْتها لتدخل منها الشمسُ عند طلوعها لمعنى
عبادتها إيَّاها، فدخَلَ منها ورمى الكتاب على بِلْقيسَ وهي - فيما يُروى - نائمة، فلمَّا
انتبهَتْ وجَدَتْه فراعَها، وظنَّتْ أنَّه قد دخل عليها أحد، ثم قامَتْ فوجدَتْ حالها كما
عهِدَتْ، فنظرَتْ إلى الكُوَّةِ تَهمُّماً بأمر الشمس، فرأَتِ الهدهدَ فعلِمَتْ(١). وقال وهب
وابن زيد: كانت لها كُوَّةٌ مستقبلةً مطلع الشمس، فإذا طلعت سجدت، فسدَّها الهدهدُ
بجناحه، فارتفعتِ الشمسُ ولم تعلم، فلما استبطأتِ الشمسَ قامتْ تنظرُ، فرمى
الصحيفةَ إليها، فلما رأتِ الخاتمَ ارتعدَتْ وخضعَتْ؛ لأنَّ مُلك سليمان عليه السلام
كان في خاتمه، فقرأَتْه، فجمعتِ الملأَّ من قومها فخاطَبتْهم بما يأتي بعد(٢). وقال
مقاتل: حملَ الهدهدُ الكتابَ بمنقارِه، وطار حتى وقف على رأس المرأة وحولها
الجنود والعساكر، فرفرف ساعةً والناس ينظرون إليه، فرفعتِ المرأةُ رأسَها فألقى
الکتاب في حجرها(٣).
السابعة عشرة: في هذه الآية دليلٌ على إرسالِ الكتبِ إلى المشركين وتبليغِهم
الدعوة، ودعائِهم إلى الإسلام. وقد كتبَ النبيُّ :﴿ إلى كسرى وقيصرَ وإلى كلِّ جبَّار
كما تقدَّم في ((آل عمران»(٤):
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أمْرُه بالتولِّي حُسْنُ أدبٍ ليتنخَّى حسْبَ
ما يتأذَّبُ به مع الملوك. بمعنى: وكُنْ قريباً حتى ترى مراجعتَهم. قاله وهب بن منبِّه.
وقال ابن زيد: أمْرُه بالتولّي بمعنى الرجوع إليه، أي: ألقِهِ وارجِعْ. قال: وقوله
﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ في معنى التقديم على قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾ واتِّساقُ رتبةِ الكلامِ
(١) المحرر الوجيز ٢٥٧/٤ - ٢٥٨ عن وهب بن منبه.
(٢) تفسير البغوي ٤١٦/٣ .
(٣) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٩٤، وزاد المسير ١٦٧/٦ - ١٦٨.
(٤) ٥/ ١٦١ .

١٥٠
سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٣١
أظهر؛ أي: ألقِهِ ثم تولَّ، وفي خلال ذلك فانظر(١) أي: انتظر. وقيل: فاعلم،
كقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] أي: اعلم ماذا يرجعون، أي:
يُجيبون وماذا يردُّون من القول. وقيل: ﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يتراجعون بينهم من الكلام.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ إِنَّ أُلْفِىَ إِلَّ كِنَبُ كَرِمُ ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٥ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ
فیه ست مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَتْ بِكَتُهَا الْمَلَوُا﴾ في الكلامِ حَذْفٌ، والمعنى: فذهبَ
فألقاه إليهم، فسمعها وهي تقول: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلُؤْأ﴾(٢). ثم وصفتِ الكتابَ بالكريم إمَّا
لأنَّه من عند عظيم في نفسِها ونفوسِهم، فعّمته إجلالاً لسليمان عليه السلام. وهذا
قول ابن زيد. وإمَّا أنها أشارت إلى أنَّه مطبوعٌ عليه بالخاتم، فكرامةُ الكتابِ خَتْمُه،
ورُوِيَ ذلك عن رسول الله ﴾(٣). وقيل: لأنَّه بدأ فيه بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وقد
قال : ((كلُّ كلام لا يُبدَأُ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجْذَم))(٤). وقيل: لأنَّه
بدأَ فيه بنفسِه، ولا يفعلُ ذلكَ إلا الجُلَّة. وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد الملك
ابن مروان يبايعه: مِنْ عبد الله لعبد الملك بن مروان أميرٍ المؤمنين، إنِّي أُقِرُّ لكَ
(١) المحرر الوجيز ٢٥٧/٤.
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٢٨/٥.
(٣) سيرد لفظه قريباً.
(٤) المحرر الوجيز ٢٥٨/٤ . والحديث أخرجه أحمد (٨٧١٢)، وأبو داود (٤٨٤٠)، والنسائي في عمل
اليوم والليلة (٤٩٤)، وابن ماجه (١٨٩٤)، وابن حبان (١) وغيرهم من طريق قرة بن عبد الرحمن، عن
الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﴾ بلفظ: ((بحمد الله)»، وفي رواية أبي داود: ((أجزم))، ورواية
أحمد: ((أبتر)) أو ((أقطع))، ورواية الباقين .: ((أقطع)). وقرة بن عبد الرحمن ضعيف.
وأخرجه النسائي (٤٩٥) و(٤٩٦) و(٤٩٧) من طرق عن الزهري عن النبي # مرسلاً، بلفظ: ((بذكر
الله)). ورجّح الدارقطني في سننه ٤٢٧/١ وفي العلل ٨/ ٣٠ هذه الرواية المرسلة على الموصولة. قلنا:
ومراسيل الزهري غير معتبرة عند جمهور أهل العلم.
وللحديث طرق أخرى معلولة تنظر في مسند أحمد.

١٥١
سورة النمل: الآيات ٢٩ - ٣١
بالسمع والطاعة ما استطعتُ، وإن بَنيَّ قد أقرُّوا لكَ بذلك(١). وقيل: توهَّمَتْ أنَّه
كتابٌ جاء من السماء؛ إذ كان الموصِّل طيراً. وقيل: ((كَرِيمٌ)): حسن، كقوله: ﴿وَمَقَامٍ
كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] أي: مجلسٍ حسن. وقيل: وصَفَتْه بذلك؛ لِما تضمَّنَ من لينِ
القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عزَّ وجلَّ، وحُسنِ الاستعطاف والاستلطاف
من غير أن يتضمن سَبّاً ولا لَعْناً، ولا ما يُغيِّرُ النفس، ومن غير كلامٍ نازلٍ ولا
مُستغْلَق؛ على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عزَّ وجلَّ؛ ألا ترى إلى قولِ الله عزَّ
وجلَّ لنبيِّه ◌َ#: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقوله
لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وكلُّها وجوه حسان
وهذا أحسنُها.
وقد روي أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أحدٌ قبل سليمان(٢). وفي قراءة
عبد الله: ((وَإِنَّهُ مِنْ سُليمان)) بزيادة واو(٣).
الثانية: الوصف بالكريم في الكتب غاية الوصف؛ ألا ترى قولَه تعالى: ﴿إِنَّهُ
لَقُرْمَانٌ كَرِيمٌ﴾ وأهلُ الزَّمانِ يصفون الكتابَ بالخطير وبالأثير وبالمبرور؛ فإن كان لملِكِ
قالوا: العزيز، وأسقطوا الكريم غفلةً، وهو أفضلُها خَصلةً. فأمَّا الوصفُ بالعزيز فقد
وصف به القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَُّ لَكِنَبُّ عَزِيزٌّ . لَّا يَأْيِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ،﴾ [فصلت: ٤١-٤٢] فهذه عِزَّتُه وليست لأحدٍ إلا له، فاجتنبوها في كتبكم،
واجعلوا بدلَها العالي؛ توفيةً لحَقِّ الولاية، وحياطةً للديانة. قاله القاضي أبو بكر بن
(٤)
العربي
.
الثالثة: كان رسمُ المتقدِّمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم: من فلانٍ إلى فلان،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٤٧/٣ - ١٤٤٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٨/٤، والكشاف ١٤٦/٣، وهي قراءة شاذة. ووقع في (د) و(ز) و(ظ): وفي قراءة
أبي: ((وإنه)) بزيادة واو. والمثبت من (م).
(٤) في أحكام القرآن ١٤٤٨/٣.

١٥٢
سورة النمل: الآيات ٢٩ - ٣١
وبذلك جاءت الآثار. وروى الربيع عن أنس قال: ما كانَ أحدٌ أعظمَ حُرمةً من
النبيِّ ﴾، وكان أصحابُه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم(١). وقال ابن سيرين: قال النبيُّ ﴾.
((إنَّ أهلَ فارس إذا كتبوا بدؤوا بعُظَمائهم فلا يبدأِ الرجلُ إلَّا بنفسِه))(٢). قال أبو الليث
في كتاب ((البستان)) له: ولو بدأَ بالمكتوبِ إليه جاز (٣)؛ لأنَّ الأمةَ قد اجتمعَتْ عليه
وفعلوه لمصلحةٍ رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل؛ فالأحسنُ في زمانِنا هذا أن
يبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه؛ لأنَّ البدايةَ بنفسِه تُعَدُّ منه استخفافاً بالمكتوب إليه،
وتكبُّراً عليه، إلَّا أنْ يكتبَ إلى عبدٍ من عبيدِه، أو غُلامِ من غِلْمانِهِ.
الرابعة: وإذا وردَ على إنسانٍ كتابٌ بالتحية أو نحوِها ينبغي أن يُرُدَّ الجواب؛ لأنَّ
الكتابَ من الغائبِ كالسلامِ من الحاضر. ورُويَ عن ابن عباسٍ أنَّه کان یری رَوَّ
الكتابِ واجباً كما يرى رَدَّ السلام. والله أعلم.
الخامسة: اتَّفقوا على كَتْبٍ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في أوَّل الكتب
والرسائل، وعلى ختْمِها؛ لأنَّ أبعَدُ من الرِّيبة، وعلى هذا جرى الرَّسمُ، وبه جاء
الأثرُ عن عمر بن الخطاب ﴾ أنه قال: أيُّما كتابٍ لم يكن مختوماً فهو أغلَفُ. وفي
الحديث: ((كَرُ الكتابِ خَتْمُه)»(٤). وقال بعض الأدباء هو ابن المُقَفَّع: مَنْ کتبَ إلی
أخيه كتاباً فقدِ استخَفَّ به(٥)؛ لأنَّ الختمَ حَتْمٌّ (٦). وقال أنس: لمَّا أرادَ النبيُّ # أن
(١) وأخرجه الطبراني في الكبير (٦١٠٨) من حديث سلمان ﴾.
(٢) إسناده منقطع؛ محمد بن سيرين تابعي، وقد رواه عن النبي # دون ذكر الصحابي.
(٣) في (م): لجاز.
(٤) من بداية المسألة الثالثة إلى هذا الموضع من بستان العارفين ص٦٣ -٦٤ . والحديث أخرجه الطبراني
في الأوسط (٣٨٨٤) عن ابن عباس ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٩/٨: فيه محمد بن مروان
السدي الصغير، وهو متروك. وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٣٩) وفيه السدي، وفيه الكلبي وهو
متروك أيضاً.
(٥) الكشاف ١٤٦/٣ .
(٦) في (م): ختم.

١٥٣
سورة النمل: الآيات ٢٩ - ٣٤
يكتُبَ إلى العجم فقيل له: إنَّهم لا يقبلون إلَّا كتاباً عليه ختم. فاصطنعَ خاتماً، ونقشَ
على فَصِّه: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكأنِّي أنظرُ إلى وَبِيصِه(١) وبياضِه في
كَفِّه(٢).
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ((وَإِنّهُ))
بالكسر فيهما، أي: وإنَّ الكلام، أو: إن مُبتدأَ الكلام ((بسم الله الرحمن الرحيم)).
وأجازَ الفرَّاءُ ((أَنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَأَنَّهُ)) بفَتِهما جميعاً على أن يكونا في موضع رفع بدلٍ
من الكتاب بمعنى: ألقى إليَّ أنه من سليمان. وأجاز أن يكونا في موضع نصبٍ على
حذف الخافض(٣)، أي: لأنَّه من سليمان ولأنَّه؛ كأنَّها علَّلتْ كَرمه بكونه من سليمان
وتصديرِه بسم الله. وقرأ الأشهب العُقَيليُّ ومحمد بن السَّمَيْفع: ((أَلَّا تَغْلُوا)) بالغين
المعجمة. ورُويّ عن وهب بن مُنبِّه(٤)؛ من غلا يغلو إذا تجاوزَ وتكبَّر(٥). وهي
راجعةٌ إلى معنى قراءة الجماعة ﴿وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: مُنقادين طائعين مؤمنين(٦).
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ بَأَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ أَفْتُونِي فِىَ أَمْرِى مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَقْ حَتَّى تَشْهَدُونِ
قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوٍَّ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَخْرُ إِلَكِ فَأَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣) قَالَتْ إِنَّ
الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَِلَةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَتْ بَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ أَفْتُونِيِ فِىَ أَمْرِى﴾ الملأُ: أشرافُ
(١) الوبيص: البريق. اللسان (وبص).
(٢) أخرجه بنحوه أحمد (١٢٧٣٨)، والبخاري (٥٨٧٢)، ومسلم (٢٠٩٢). وفي الحديث أن النقش كان:
محمد رسول الله.
(٣) إعراب القرآن ٢٠٩/٣، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢٩١/٢.
(٤) المحرر الوجيز ٢٥٨/٤ عن الأشهب العقيلي، والمحتسب ١٣٩/٢، والشاذة عن وهب بن منبه،
وذكرا أنها قراءة ابن عباس.
(٥) إعراب القرآن ٢٠٩/٣ .
(٦) تفسير أبي الليث ٤٩٥/٢، وتفسير البغوي ١١٦/٣، وزاد المسير ١٦٨/٦، والكشاف ١٤٦/٣.

١٥٤
سورة النمل: الآيات ٣٢ - ٣٤
القوم(١). وقد مضى في سورة ((البقرة))(٢) القولُ فيه. قال ابن عباس: كان معها ألفُ
قَيْل. وقيل: اثنا عشرَ ألفِ قَيْل مع كل قَيْلٍ مئة ألف(٣). والقَيْلُ: الملِكُ دون الملِكِ
الأعظم (٤). فأخذت في حُسنِ الأدبِ مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلَمتْهم أنَّ
ذلك مُطَّرِدٌ عندها في كلِّ أمرٍ يَعرِضُ، بقولها: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْ حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾
فكيفَ في هذه النازلة الكبرى. فراجَعَها الملأُ بما يُقِرُّ عينَها، من إعلامهم إِيَّها بالقوّة
والبأس، ثم سلَّموا الأمرَ إلى نظَرِها؛ وهذه محاورةٌ حسنةٌ من الجميع(٥). قال قتادة:
ذُكِرَ لنا أنَّه كان لها ثلاثُ مئة وثلاثةَ عشر رجلاً هم أهلُ مشورَتِها، كلُّ رجلٍ منهم
على عشرة آلاف(٦).
الثانية: في هذه الآية دليلٌ على صِحَّةِ المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيِّه ◌ِ﴾:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَثْنِ﴾ في ((آل عمران)) [الآية: ١٥٩] إمَّا استعانةً بالآراء، وإمَّا مُداراةً
للأولياء. وقد مدحّ اللهُ تعالى الفُضَلاءَ بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى يَتِهُمْ﴾ (٧) [الشورى: ٣٨].
والمشاورةُ من الأمر القديم وخاصَّةً في الحرب، فهذه بلقيس امرأةٌ جاهليةٌ كانت تعبد
الشمس ﴿قَالَتْ بَأَيُّهَا الْعَلَؤُّأْ أَفْتُونِيِ فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ فَاِعَةً أَقْ حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ لتختبِرَ عَزْمَهم
على مقاومة عدوّهم، وحَزْمَهم فيما يُقيمُ أمرَهم، وإمضاءَهم على الطاعةِ لها، بعلمها
بأنَّهم إن لم يبذُلوا أنفُسَهم وأموالهم ودماءَهم دونها لم يكن لها طاقةٌ بمقاومة عدوِّها،
وإن لم يجتمع أمرُهم وحزمُهم وجِدُّهم كان ذلك عوناً لعدوّهم عليهم، وإن لم تختِرْ
(١) الوسيط ٣٧٧/٣، وزاد المسير ١٦٨/٦.
(٢) ٢٢٨/٤.
(٣) تفسير البغوي ٤١٦/٣. وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٥١/١٨ . والقول الثاني أخرجه الطبري
٥٠/١٨ - ٥١، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٣٢٠) عن مجاهد. قال الألوسي في روح المعاني
١٩٨/١٩: ولعمري إن أرض اليمن لتكاد تضيق عن العدد الذي تضمَّنه الخبر.
(٤) الصحاح (قول).
(٥) المحرر الوجيز ٢٥٨/٤ .
(٦) تفسير البغوي ٤١٦/٣ .
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٤٨/٣.

١٥٥
سورة النمل: الآيات ٣٢ - ٣٤
ما عندهم، وتعلَمْ قَدْرَ عزمِهم لم تكن على بصيرةٍ من أمرِهم، وربما كان في
استبدادِها برأيها وَهْنٌ في طاعتها، ودخيلةٌ في تقديرِ أمرِهم، وكان في مشاورتهم
وأخذِ رأيهم عونٌ على ما تريده من قوَّةِ شوكَتِهم، وشِدَّةِ مُدافعتهم؛ ألا ترى إلى قولهم
في جوابهم: ﴿نَحْنُ أُوْلُواْ فُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: كان من قُوَّةِ أحدِهم أنه
يَركُضُ فرسَه حتى إذا احتدَّ ضَمَّ فَخِذَيه فحبسه بِقُوَّته.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَلْأَخْرُ إِلَكِ فَأَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ سلَّموا الأمرَ إلى نظرِها - مع
ما أظهروا لها من القوَّةِ والبأسِ والشِّدَّة - فلمَّا فعلوا ذلك أخبرَتْ عند ذلِكَ بفِعْلٍ
الملوكِ بالقُرى التي يتغلَّبون عليها. وفي هذا الكلام خَوفٌ على قومِها، وحيطةٌ
لهم(١)، واستعظامٌ لأمر سليمان عليه السلام. ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ قيل: هو من قول
بلقيس تأكيداً للمعنى الذي أرادَتْه. وقال ابن عباس: هو من قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ مُعَرِّفاً
لمحمدٍ ﴾ وأمَّتِه بذلِكَ ومُخبِراً به(٢). وقال وهب: لمَّا قرأَتْ عليهم الكتابَ لم تعرفٍ
اسمَ الله، فقالت: ما هذا؟! فقال بعضُ القوم: ما نظُنُّ هذا إلَّ عفريتاً عظيماً من
الجِنِّ يقتدِرُ به هذا الملِكُ على ما يُريده. فسكَّتوه. وقال آخر(٣): أراهُمْ ثلاثةً من
العفاريت. فسكَّتوه، فقال شابٌّ قد عَلِمَ: يا سيّدةَ الملوك، إنَّ سليمانَ مَلِكٌ قد أعطاه
مَلِكُ السماء مُلْكاً عظيماً، فهو لا يتكلّم بكلمةٍ إلَّ بدأ فيها بتسمية إلهه، واللهُ اسمُ
مَليكِ السماء، والرَّحمنُ الرحيمُ نعوتُه. فعندها قالت: ﴿أَفْتُونِ فِىَ أَمْرِى﴾ فقالوا: ﴿نَحْنُ
أُوْلُواْ قُوَّقِ﴾ في القتال ﴿وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾(٤) في الحربِ واللقاء ﴿وَالْأَُّ إِلَكِ﴾ ردُّوا
أمرَهم إليها لمَّا جرَّبوا على رأيها من البركة ﴿فَأَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فـ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُوَ إِذَا
دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ ﴾ أهانوا شُرِفاءَها لتستقيمَ لهم الأمور،
(١) كلمة ((لهم)) ليست في (م)، وأثبتت من باقي النسخ.
(٢) المحرر الوجيز ٢٥٨/٤ .
(٣) المثبت من (ظ)، وفي بقية النسخ: الآخر.
(٤) قبلها في (م) كلمة: قوة.

١٥٦
سورة النمل: الآيات ٣٢ - ٣٥
فصدقَ اللهُ قولَها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
وقال ابن الأنباري(١): ﴿وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَِلَّةٌ﴾ هذا وقفٌ تامٌّ. فقال الله
عزَّ وجلَّ تحقيقاً لقولها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وشبيهٌ به في سورة ((الأعراف)) [١٠٩-١١٠]:
(قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْم فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ تمَّ
الكلام، فقال فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. وقال ابن شجرة(٢): هو قول بلقيس،
فالوقف ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: وكذلك يفعل سليمانُ إذا دخلَ بلادنا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِّ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾ هذا من حُسنِ نظَرِها وتدبيرِها،
أي: إنِّي أُجرِّبُ هذا الرجل بهدية، وأُعطيه فيها نفائسَ الأموال(٣)، وأُغرِبُ عليه
بأمور المملكة، فإن كان ملكاً دُنياويًّا أرضاه المالُ وعمِلْنا معه بحسب ذلك، وإن كان
نبيًّا لم يُرضِهِ المالُ ولازَمَنا في أمر الدِّين، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتَّبِعَه على دينه،
فبعثَتْ إليه بهديةٍ عظيمةٍ أكثرَ الناسُ في تفصيلها (٤)، فقال سعيد بن جُبير عن ابن
عباس: أرسلَتْ إليه بلَبِنةٍ من ذهب، فرأتِ الرسلُ الحيطان من ذهبٍ فصَغُّر عندهم ما
جاؤوا به(٥). وقال مجاهد: أرسلَتْ إليه بمئتي غلامٍ ومئتي جارية(٦). ورُوي عن ابن
عباس: باثنتي عشرةَ وصيفةً مُذَكَّرين قد ألبسَتْهُم زيَّ الغِلمان، واثني عشر غلاماً
مُؤَنَّثين قد ألبسَتْهُم زيَّ النِّساء، وعلى يد الوصائف أطباقُ مِسْكِ وعنبر، وباثنتي عشرةً
(١) في إيضاح الوقف والابتداء ٨١٧/٢.
(٢) فيما نقل عنه الماوردي في النكت والعيون ٢٠٦/٤ .
(٣) قبلها في (م): من.
(٤) المحرر الوجيز ٢٥٩/٤ .
(٥) إعراب القرآن ٢١٠/٣.
(٦) عرائس المجالس ص ٣١٧، والوسيط ٣٧٧/٣ .

١٥٧
سورة النمل: الآية ٣٥
نَجيبةٍ تحمِلُ لَبِنَ الذَّهب، وبخرزتين إحداهما غيرُ مثقوبة، والأخرى مثقوبةٌ ثَقْباً
مِغْوَجًا، ويقدحٍ لا شيء فيه، وبعصًا كان يتوارثها ملوكُ حِمْيَر، وأنفذَتِ الهديةً مع
جماعةٍ من قومها. وقيل: كان الرسولُ واحداً، ولكن كان في صحبتِه أتباعٌ وخدم.
وقيل: أرسلت رجُلاً من أشرافِ قومِها يُقال له: المنذر بن عمرو، وضمَّتْ إليه رجالاً
ذَوي رأيٍ وعقل، والهدية مئةُ وصيفٍ ومئةُ وصيفة، قد خُولِفَ بينهم في اللباس،
وقالت للغلمان: إذا كلَّمَكم سليمانُ فكلِّموه بكلامٍ فيه تأنيثٌ يُشبِهُ كلامَ النساء،
وقالت للجواري: كلِّمْنَه بكلامٍ فيه غِلَظُ يشبه كلام الرجال، فيُقال: إنَّ الهُدهدَ جاء
وأخبر سليمان بذلك كلِّه. وقيل: إنَّ اللهَ أخبرَ سليمانَ بذلك، فأمرَ سليمانُ عليه
السلام أن يبسط من موضعه إلى تسع فراسخ بِلَبنات الذهب والفضة، ثم قال: أيُّ
الدوابِّ رأيتُم أحسنُ في البرِّ والبحر؟ قالوا: يا نبيَّ الله، رأينا في بحرِ كذا دوابَّ
مُنقَّطةً مختلفةً ألوانُها، لها أجنحةٌ وأعرافٌ ونواصي. فأمَرَ بها فجاءت فشُدَّت على
يمين الميدان وعلى يساره، وعلى لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفاتها، ثم
قال للجنِّ: عليَّ بأولادكم. فأقامهم - أحسنَ ما يكون من الشباب - عن يمين الميدان
ويساره. ثم قعد سليمان عليه السلام على كرسيِّه في مجلسه، ووضعَ له أربعةَ آلاف
كرسيٍّ من ذهبٍ عن يمينه ومثلَها عن يساره، وأجلّسَ عليها الأنبياءَ والعلماء، وأمرَ
الشياطينَ والجِنَّ والإنسَ أن يَصطَفُّوا صفوفاً فراسِخَ، وأمرَ السِّباعَ والوحوشَ والهوامَّ
والطيرَ فاصطَفُّوا فراسخَ عن يمينه وشماله، فلما دنا القومُ من الميدان ونظروا إلى
مُلك سليمان، ورأوا الدوابَّ التي لم ترَ أعينُهم أحسنَ منها تَروثُ على لَبِناتِ الذهبِ
والفضة، تقاصرت إليهم أنفسُهم، ورَموا ما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات:
إنَّ سليمانَ لما أمرهم بفرش الميدان بَبِناتِ الذهبِ والفضة أمرَهم أن يتركوا على
طريقهم موضعاً على قَدْرٍ موضعٍ بساطٍ من الأرض غيرَ مفروش، فلمَّا مَرُّوا به خافوا
أن يُنَّهموا، بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلمَّا رأَوا الشياطينَ رأَوا منظراً
هائلاً فظيعاً ففزعوا وخافوا، فقالت لهم الشياطين: جُوزُوا لا بأسَ عليكم. فكانوا

١٥٨
سورة النمل: الآية ٣٥
يمرُّون على كُرْدُوسٍ كُرْدُوسٍ من الجِنِّ والإنسِ والبهائمِ والطيرِ والسِّباعِ والوحوشِ
حتى وقفوا بين يدَي سليمان، فنظر إليهم سليمانُ نظراً حسناً بوجهٍ طَلْقٍ - وقد(١) كانت
قالت لرسولها: إنْ نظرَ إليك نظَرَ مُغْضَبٍ فاعلَمْ أَنَّه مَلِكٌ فلا يهولنَّك منظرُه فأنا أعَزّ
منه، وإنْ رأيتَ الرجلَ بَشّاً لطيفاً فاعلم أنه نبيٌّ مرسلٌ، فتفهَّمْ قولَه ورُدَّ الجواب -
فأخبر الهدهدُ سليمانَ بذلك على ما تقدَّم. وكانت عمدت إلى حُقَّةٍ من ذهبٍ فجعلت
فيها دُرَّةً يتيمةً غيرَ مثقوبة، وخرزةً مُعْوَجَّة الثّقْبِ، وكتبت كتاباً مع رسولها تقول فيه:
إنْ كنتَ نبيّاً فميِّزْ بين الوُصفاءِ والوصائف، وأخبِرْ بما في الحُقَّة، وعَرِّفني رأسَ العصا
من أسفلها، وأَنْقُبِ الدُّرَّةَ ثَقْباً مستوياً، وأدخِلْ خيطَ الخرزة، واملأٍ القدحَ ماءً من
ندّى ليس من الأرض ولا من السماء، فلمَّا وصلَ الرسولُ ووقف بين يدي سليمانَ
أعطاهُ كتابَ الملِكة فنظر فيه، وقال: أين الحُقَّة؟ فأتى بها فحرَّكها، فأخبره جبريل بما
فيها، ثم أخبرهم سليمان، فقال له الرسول: صدقْتَ، فائقُبِ الُّرَّة، وأدخلِ الخيط
في الخَرَزة. فسأل سليمانُ الجِنَّ والإنسَ عن تَقْبها فعجزوا، فقال للشياطين: ما الرأيُ
فيها؟ فقالوا: تُرسلُ إلى الأَرَضة، فجاءتِ الأَرضةُ فأخذت شعرةً في فيها حتى
خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتُكِ؟ قالت: تصيرُ رزقي في
الشجرة. فقال لها: لكِ ذلك. ثم قال سليمان: مَنْ لهذه الخَرَزة يسلُكها الخيط؟
فقالت دودةٌ بيضاء: أنا لها يا نبيَّ اللـه. فأخذتِ الدودةُ الخيطَ في فيها ودخلتِ الثَّقْبَ
حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتُكِ؟ قالت: تجعل رزقي
في الفواكه. قال: ذلكَ لكِ. ثم ميَّز بين الغلمان والجواري(٢). قال السُّدِّيُّ: أمرَهم
بالوضوء، فجعلَ الرجلُ يَحدُرُ الماءَ على اليدِ والرجلِ حَذْراً، وجعل الجواري يَصْبُيْنَ
من اليد اليسرى على اليد اليمنى، ومن اليمنى على اليسرى، فميَّزَ بينهم بهذا. وقيل:
كانتِ الجاريةُ تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها، ثم تحمِلُه على الأخرى، ثم
(١) كلمة ((قد)) ليست في (م)، وأثبتت من باقي النسخ.
(٢) كلمة (والجواري)) من (م) ومن المصادر.

١٥٩
سورة النمل: الآية ٣٥
تضرِبُ به على الوجه، والغلام كان يأخذ الماء من الآنية يضرب به في الوجه،
والجاريةُ تصُبُّ على بطن ساعدها، والغلامُ على ظهر الساعد، والجاريةُ تصُبُّ الماءَ
صبًّا، والغلام يحدُرُ على يديه؛ فميَّزَ بينهم بهذا(١). وروى يعلى بن مسلم عن سعيد بن
جُبير قال: أرسلت بلقيس بمئتي وصيفةٍ ووصيفٍ، وقالت: إنْ كان نبيًّا فسيعلم الذكورُ
من الإناث. فأمرهم فتوضَّؤوا، فمَنْ توضَّأَ منهم فبدأ بمِرْفَقِه قبل كفِّه قال: هو من
الإناث، ومَنْ بدأَ بكفّه قبل مِرْفَقِه قال: هو من الذُّكور(٢). ثم أرسل العصا إلى الهواء
فقال: أيُّ الرأسين سبقَ إلى الأرض فهو أصلُها، وأمر بالخيل فأُجْرِيتْ حتى عَرِقَتْ
ومُلِأَّ القدحُ من عَرَقِها(٣)، ثم ردَّ سليمان الهدية(٤)، فرُوي أنَّه لمَّا صرف الهدية إليها
وأخبرها رسولُها بما شهد؛ قالت لقومها: هذا أمر من السماء.
الثانية: كان النبيُّ# يقبل الهديةَ ويُئيب(٥) عليها ولا يقبل الصدقة، وكذلك كان
سليمان عليه السلام وسائرُ الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وإنَّما جَعلَتْ بِلقيسُ
قبولَ الهدية أو ردَّها علامةً على ما في نفسها، على ما ذكرناه من كونٍ سليمانَ ملِكاً
أو نبيًّا؛ لأنه قال لها في كتابه: ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَّ وَأَنُونِ سْلِمِينَ﴾ وهذا لا تُقبلُ فيه فدية،
ولا يُؤخذُ عنه هدية، وليس هذا من الباب الذي تَقرَّر في الشريعة عن قبول الهدية
بسبيل، وإنَّما هي رِشوةٌ وبيعُ الحقِّ بالباطل، وهي الرِّشوة التي لا تحِلُّ. وأما الهديةُ
المُطلَقةُ للتحبُّبِ والتواصل فإنَّها جائزةٌ من كلِّ أحدٍ وعلى كلِّ حال، وهذا ما لم يكن
من مشرك.
(١) عرائس المجالس ص٣١٨ - ٣١٩، وتفسير البغوي ٤١٧/٣ - ٤١٩. قال ابن كثير عند تفسير هذه
الآية: والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، والظاهر أن سليمان لم ينظر إلى ما
٠٠٠
جاؤوا به بالكلية ولا اعتنى به، بل أعرض عنه.
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٣١/٥.
(٣) النكت والعيون ٤/ ٢١٠ ، ومجمع البيان ١٩/ ٢٢٢.
(٤) عرائس المجالس ص٣١٩، وتفسير البغوي ٤١٩/٣ .
(٥) في (م): ويثبت.

١٦٠
سورة النمل: الآية ٣٥
الثالثة: فإن كانت من مشركٍ ففي الحديث: ((نُهِيتُ عن زَبْدِ المشركين)) يعني
رِفِدَهم وعطاياهم(١) . ورُويَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قبلها كما في حديث مالك
عن ثور بن زيد الدِّليّ(٢) وغيره(٣)، فقال جماعةٌ من العلماء بالنسخ فيهما، وقال
آخرون: ليس فيها ناسخٌ ولا منسوخ، والمعنى فيها: أنه كان لا يقبل هديةً من يطمع
بالظهورِ عليه وأخذٍ بلده ودخوله في الإسلام(٤). وبهذه الصفة كانت حالةُ سليمان عليه
السلام، فعَنْ مثل هذا نهى أن تُقْبَلَ هديَّتُه حملاً على الكفّ عنه، وهذا أحسنُ تأويلٍ
للعلماء في هذا؛ فإنَّه جمعَ بين الأحاديث. وقيل غير هذا.
الرابعة: الهدية مندوبٌ إليها، وهي مما تُورِثُ المودةَ وتُذهِبُ العداوة؛ روى
مالكٌ عن عطاء بن عبد الله الخُراساني قال: قال رسول الله ﴾: ((تَصافحوا يذهب
الغِلُّ، وتَهادوا تحابُّوا وتذهَبِ الشَّحناء)»(٥). وروى معاوية بن الحكم قال: سمعتُ
رسولَ الله # يقول: ((تَهادوا فإنَّه يُضعِّفُ الوُدَّ، ويَذهَبُ بغوائلِ الصَّدر)). وقال
(١) من بداية المسألة الثانية إلى هذا الموضع من أحكام القرآن لابن العربي ١٤٤٩/٣ . والحديث بهذا
اللفظ أخرجه أبو داود (٣٠٥٧)، والترمذي (١٥٧٧) من حديث عياض بن حمار ﴾. وقال: حديث
حسن صحيح. وهو في مسند أحمد (١٧٤٨٢) بلفظ: ((إنا لا نقبل زبد المشركين)).
(٢) موطأ مالك ٤٥٩/٢ عن ثور بن زيد الديلي، عن أبي الغيت سالم مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة
قال: خرجنا مع رسول الله # عام خيبر ... فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله صلى لله عليه وسلم غلاماً
أسود يقال له: مِذْعَم ... الحديث. وقد أخرجه بنحوه البخاري (٤٢٣٤)، ومسلم (١١٥). وينظر
الاستذكار ١٤/ ٢٠١ .
(٣) أخرج أحمد (١٣١٤٨)، والبخاري (٢٦١٥ - ٢٦١٦)، ومسلم (٢٤٦٩) من حديث أنس بن مالك ﴾،
أن أكيدر دومة الجندل أهدى للنبي # جُبَّةً من سندس.
(٤) التمهيد ١٢/٢، والاستذكار ٢٠٢/١٤ .
(٥) الموطأ ٩٠٨/٢. وإسناده مرسل، ولكن قوله: ((تهادوا تحابُّوا)) له شاهد من حديث أبي هريرة ﴾
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٤)، وأبو يعلى (٦١٤٨). وقوله: ((وتذهب الشحناء)) له شاهد من
حديث أبي هريرة - أيضاً - أخرجه أحمد (٩٢٥٠)، والترمذي (٢١٣٠) بلفظ: ((تهادوا فإن الهدية تذهب
وغرّ - أو: وَخْر - الصدر)).