Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة الفرقان: الآيات ١٧ - ١٩ وهُودُ(١). وقيل: ((بُورًا)): عُمياً عن الحق. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾ أي: يقول اللهُ تعالى عند تبرّي المعبودين: ((فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ» أي: في قولكم إنهم آلهة (٢). ﴿فَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ يعني الآلهة صرفَ العذابِ عنكم ولا نصرَكم. وقيل: فما يستطيعُ هؤلاء الكفارُ لمَّا كذَّبهم المعبودون ﴿صَرْفًا﴾ للعذاب ﴿وَلَا نَصْرَأْ﴾ من الله(٣). وقال ابن زيد: المعنى فقد كذَّبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفارُ بما جاء به محمدٌ؛ وعلى هذا فمعنى ((بِمَا تَقُولُونَ»: بما تقولون من الحقِّ(٤). وقال أبو عبيد: المعنى: فيما تقولون(٥)، فما يَستطيعون لكم صرفاً عن الحقِّ الذي هداكم الله إليه، ولا نصراً لأنفسهم مما يَنزل بهم من العذاب بتكذيبهم إيّاكم. وقراءةُ العامة: ((بِمَا تَقُولُونَ)) بالتاء على الخطاب. وقد بَيِّنًا معناه. وحكى الفراءُ أنه يقرأ: ((فَقَدْ كَذَبُوكُمْ)» مخفَّفاً، «بِمَا يَقَولُونَ)». وكذا قرَأ مجاهد والبَزِّيُّ بالياءٍ(٦)، ويكون معنى ((يَقُولُونَ)): بقولهم. وقرَأ أبو حَيْوَة: ((بِمَا يَقُولُونَ)) بياء ((فَمَا تَسْتَطِيعُونَ)) بتاء على الخطاب لمتخِذي الشركاء(٧). ومن قرأ بالياء فالمعنى: فما يستطيع الشركاء. ﴿وَمَنْ يَظْلِمِ مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس: من يُشرك منكم ثم مات عليه(٨) ﴿تُذِقْهُ﴾ (١) معاني القرآن للنحاس ١٤/٥، والكشاف ٨٦/٣. وفي (ز) و(ظ) عائد وعود. (٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٦١ . (٣) الكلام بنحوه في الوسيط ٣٣٧/٣. (٤) تفسير الطبري ١٧/ ٤٢٠، وأخرجه أيضاً عن ابن زيد ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٣ (١٥٠٤٠). (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٥٥/٣. (٦) ذكر كلام الفراء النحاس في معاني القرآن ١٥/٥. وقال ابن الجزري في النشر ٣٣٤/٢: نص عليها ابن مجاهد عن البزي سماعاً من قنبل. (٧) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٤/٤ قراءة أبي حيوة. وقرأ حفص: تستطيعون، بالتاء، والباقون بالياء. السبعة ص ٤٦٣، والتيسير ص ١٦٣ . (٨) أخرج نحوه عبد الرزاق ٢/ ٧٢، والطبري في تفسيره ٤٢٢/١٧-٤٢٣ عن الحسن. ٣٨٢ سورة الفرقان: الآية ٢٠ أي: في الآخرة. ﴿عَذَابًا كَبِيرًا﴾ أي شديداً؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَنَعْلُنَّ عُوا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] أي: شديداً. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِنَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُوْنَ الطَّعَامَ وَيَهْثُونَ فِ اَلْأَسْوَاقُ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونُّ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٥) فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ نزلت جواباً للمشركين حيثُ قالوا: ((مَالٍ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ))(١). وقال ابن عباس: لمَّا عيَّر المشركون رسولَ الله # بالفاقة وقالوا: ((مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ)) الآية؛ حَزِن النبيُّ:﴿ لذلك، فَنَزَّلت تعزيةً له، فقال جبريل عليه السلام: السلام عليك يا رسولَ الله! الله ربُّك يقرئك السَّلامَ ويقول لك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُوْنَ اَلَّعَامَ وَيَمْثُونَ فِ اَلْأَسْوَاقُ﴾ أي: يَبتغون المعاشَ(٢) في الدنيا. الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ إذا دخلت اللام؛ لم يكن في (إن) إلا الكسر، ولو لم تكن اللامُ ما جاز أيضاً إلا الكسر؛ لأنها مستأنفة. هذا قولُ جميع النحويين. قال النحاس(٣): إلا أنَّ عليَّ بن سليمان حكى لنا عن محمد بن يزيد قال: يجوز في ((إنَّ) هذه الفتحُ وإن كان بعدها اللام، وأَحسِبه وَهْماً منه. قال أبو إسحاق الزجاجُ(٤): وفي الكلام حذفٌ، والمعنى: وما أرسلنا قبلك رسلاً إلا إنهم (١) الوجيز للواحدي ٩٥/٢ . (٢) في (ز) و(م) المعايش، والمثبت من (د) و(ظ) وأسباب النزول للواحدي ص٣٤٥ وقد أخرجه عنه مطولاً، وسلف بعضه ص٣٧٢-٣٧٣ من هذا الجزء . (٣) في إعراب القرآن ١٥٥/٣- ١٥٦، وما قبله منه. (٤) الكلام بنحوه في معاني القرآن له ٦٢/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن. ٣٨٣ سورة الفرقان: الآية ٢٠ ليأكلون الطعامَ، ثم حذف رسلاً؛ لأن في قوله: ((مِنَ الْمُرْسَلِينَ)) ما يدلُّ عليه. فالموصوف محذوفٌ عند الزجاج، ولا يجوز عنده حذفُ الموصول وتبقيةُ الصلة كما قال الفراء. قال الفراء(١): والمحذوف ((مَن))، والمعنى: إلا مَنْ إنهم لَيَأْكلون الطعامَ، وشبَّهه بقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَرِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أي: ما منكم إلا مَن هو وارِدُها. وهذا قول الكسائيِّ أيضاً. وتقول العرب: ما بعثتُ إليك مِن الناس إلا مَن إنه لَيطيعك(٢). فقولك: إنه لَيطيعك صلةُ ((مَن)). قال الزجاج(٣): هذا خطأٌ، لأن مَن موصولةٌ، فلا يجوز حذفها. وقال أهل المعاني: المعنى: وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل: إنهم ليأكلون؛ دليله قوله تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]. وقال ابن الأنباريّ(٤): كسرت ((إنَّهُم)) بعد ((إلا)) للاستئناف بإضمار واو، أي: إلا وإنهم. وذهبت فرقةٌ إلى أن قوله: ((لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ)) كنايةٌ عن الحدث(٥). قلت: وهذا بليغٌ في معناه، ومثله: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُقُهُ صِدِيقَةٌ كَانَا بَأْكُلَانِ الطَّعَامُ﴾ [المائدة: ٧٥]. ﴿وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقُ﴾ قرَأ الجمهورُ: ((يَمْشُونَ)) بفتح الياء وسكون الميم وتخفيفِ الشين. وقرَأ عليٍّ وابنُ عوف وابنُ مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة، بمعنى يُدْعَون إلى المشي ويُحملون عليه. وقرَأ أبوعبد الرحمن السُّلَميُّ (١) في معاني القرآن له ٢٦٤/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٥٦/٣، والرازي في تفسيره ٢٤/ ٦٥ . (٢) في (د) و(ظ) ليعطيك (في الموضعين). (٣) في معاني القرآن له ٦٢/٤، ونقله عنه المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٥٦/٣. (٤) ذكره عن ابن الأنباري ابنُ الجوزي في زاد المسير ٦ / ٨٠ ، والرازي في تفسيره ٢٤/ ٦٥، وما قبله فيه بنحوه . (٥) المحرر الوجيز ٢٠٥/٤ . ٣٨٤ سورة الفرقان: الآية ٢٠ بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشدّدة، وهي بمعنى يَمْشُونَ؛ قال الشاعر: قلائصَ منها صعبةٌ ورَكُوبُ(٢) أُمَشِّي بأعطان المياه وأَبتغي(١) وقال كعب بن زهير: ولا تُمَشِّي بوادِيهِ الأَراجيلُ(٣) منه تظلُّ سِباعُ الجَوِّ ضامِزة بمعنی تَمْشي. الثالثة: هذه الآيةُ أصلٌ في تناول الأسباب وطلبِ المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع، لكنَّا نذَكُر هنا مِن ذلك ما يكفي، فنقول: قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جَرَى: إن الأنبياء عليهم الصلاة السلام إنما بُعثوا ليَسُنوا الأسبابَ للضعفاء. فقلت مجيباً له: هذا قولٌ لا يصدُر إلا من الجهال والأغبياء، والرَّعَاع السفهاء، أومن طاعنٍ في الكتاب والسنة العلياء، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب والاحتراف، فقال وقولهُ الحقُّ: ﴿وَعَلََّنَهُ صَنْعَةَ لَبُسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. وقال: ﴿وَمَآ أَزْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ اٌلْأَسْوَاقْ﴾ قال العلماء: أي يتَّجِرون ويحترفون. وقال عليه الصلاة والسلام: ((جُعِل رزقي تحت ظل رُمْحي)) (٤). (١) في (م) ومَشَّى بأعطان المباءة وابتغَى، ووقع في النسخ الخطية: وأتقي، بدل: وأبتغي، والمثبت من المصدرين الآتيين. (٢) المحرر الوجيز ٢٠٥/٤ ، ونسبه أبو علي القالي في الأمالي ٢٨/١ للعلاء بن حذيفة الغَنَوي. قوله: قلائص: هو جمع قَلُوص، وهي من الإبل: الشابَّة، أو الباقية على السير، أو أول ما يُركب من إناثها إلى أن تُثني، ثم هي ناقة، أو الناقة الطويلة القوائم . القاموس (قلص). (٣) ديوان كعب ص ٩٠ وروايته فيه: منه تظل حمير الوحش ضامزة، وهو في السيرة النبوية ٢/ ٥١٢ وفيه: نافرة، بدل: ضامزة . والضامز في اللغة: الساكت لا يتكلم، والبعير إذا لم يجتر وأغلق فمه فقد ضمز. تهذيب اللغة ٤٨٩/١١. وقوله الأراجيل: الجماعات من الرجال. الجو: موضع. الإملاء المختصر ١٣٨/٣، يصف كعبٌ أسداً بأن السباع والأسود والرِّجال تخافه من هيبته، ولا تمشي بالوادي الذي يوجد فيه. (٤) سلف ١٠/ ١٦٠. ٣٨٥ سورة الفرقان: الآية ٢٠ وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَّأْ﴾ [الأنفال: ٦٩] . وكان الصحابةُ ﴾ يَتجرون ويحترفون، وفي أموالهم يَعملون، ومَن خالفهم من الكفار يقاتلون؛ أَتُراهم ضعفاءَ! بل هم كانوا واللهِ الأقوياءَ، وبهم الخَلَف الصالحُ اقتدى، وطريقهم فيه الهدى والاهتداء. قال: إنما تناولوها لأنهم أئمةُ الاقتداء، فتناولوها مباشرة في حقِّ الضعفاء، فأما في حقِّ أنفسهم فلا؛ وبيان ذلك أصحابُ الصُّفَّة. قلت: لو كان ذلك لوجب عليهم وعلى الرسول معهم البيانُ؛ كما ثبت في القرآن: ﴿وَأَنْزَنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية. وهذا من البينات والهدى. وأما أصحاب الصُّفَّة فإنهم كانوا ضيفَ الإسلام عند ضِيق الحال، فكان عليه الصلاة والسلام إذا أَتَتَه صَدقةٌ خصَّهم بها، وإذا أتته هديةٌ أكلها معهم، وكانوا مع هذا يَحتطِبون ويَسُوقون الماءَ إلى أبيات رسولِ الله﴾. كذا وصفهم البخاريُّ(١) وغيرُه. ثم لمَّ افتح اللهُ عليهم البلادَ ومهَّد لهم المهاد تأمَّروا، وبالأسباب أُمِروا. ثم إن هذا القول يدلُّ على ضعفِ النبيِّ ﴾ وأصحابهِ؛ لأنهم أُيِّدوا بالملائكة وتُبُتوا بهم، فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة وتأييدهم(٢) إذ ذلك سببٌ من أسباب النصر؛ نعوذُ بالله من قولٍ وإطلاقٍ يَؤول إلى هذا، بل القولُ بالأسباب والوسائط سنةُ اللهِ وسنةُ رسولِهِ ﴾، وهو الحقُّ المبين، والطريقُ المستقيم الذي انعقد عليه إجماعُ المسلمين؛ وإلا كان يكون قولُه الحق: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةِ وَمِنْ رِّبَاطِ اٌلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية؛ مقصوراً على الضعفاء، وجميعُ الخطابات كذلك. وفي التنزيل حيث خاطب موسى الكلِيمَ: ﴿أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ﴾ [الشعراء: ٦٣] وقد كان قادراً على فَلْق البحر دون ضرب عصا. وكذلك مريم عليها السلام: ﴿وَهُزِىّ (١) في صحيحه برقم (٦٤٥٢)، وسلف ١٦٠/١٠ . (٢) في (د) و(ظ) و(ف): تثبيتهم . ٣٨٦ سورة الفرقان: الآية ٢٠ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]، وقد كان قادراً على سقوط الرُّطَب دون هَزٍّ ولا تعب؛ ومع هذا كلِّه فلا ننكر أن يكون رجل يُلطّفُ به ويُعان، أو تجاب دعوتُه، أو يُكرم بكرامةٍ في خاصة نفسِه أو لأجل غيرِهِ، ولا تهدُّ لذلك القواعدُ الكلية والأمورُ الجُملية. هيهات هيهات! لا يقال فقد قال الله تعالى: ﴿وَفِ التَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] فإنَّا نقول: صَدَق اللهُ العظيمُ، وصدَق رسولُه الكريم، وإن الرزقَ هنا المطرُ بإجماع أهل التأويل؛ بدليل؛ قوله تعالى: ﴿وَيُنَّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] وقال: ﴿وَنَّْنَا مِنَ السَّمَلِ مَآءٍ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ الَْصِيدِ﴾ [ق: ٩]، ولم يشاهَد ينزِّل من السماء على الخلق أطباقَ الخبز ولا جِفانَ اللحم، بل الأسبابُ أصلٌ في وجود ذلك؛ وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((اطلبوا الرزق في خبايا الأرض))(١)، أي: بالحرث والحفْرِ والغرس. وقد يسمى الشيء بما يَؤول إليه، فسمي(٢) المطرُ رزقاً؛ لأنه عنه يكون الرزقُ، وذلك مشهورٌ في كلام العرب. وقال عليه الصلاة والسلام: ((لأن يَأخذَ أحدُكم حَبْلَه، فَيَخْتَطِبَ على ظهرِهِ؛ خيرٌ له من أن يسأل أحداً أعطاه أو مَنَعَه))(٣)، وهذا فيما خرَج بغير(٤) تعبٍ من الحشيش والحطب. ولو قُدِّر رَجُلٌ بالجبال منقطعاً عن الناس لَمَا كان(٥) له بُدٌّ من الخروج إلى ما تُخرجه الآكامُ وظهورُ الأعلام حتى يتناول من ذلك ما يَعيش به، وهو معنى قولهِ عليه الصلاة والسلام: ((لو أنَّكُمُ كُنتم تَوَّلون على اللهِ حقَّ توكُّله، لَرزقتم كما تُرزق الطيرُ، تغدو خِماصاً وتروح بطاناً)(٦). فغدوُّها ورَواحها سببٌ؛ فالعَجَبُ العجب ممن يدَّعي التجريدَ والتوكل على (١) ضعيف، وسلف ٣٢٢/٤ من حديث عائشة رضي الله عنها . (٢) في (م) وسمي . (٣) سلف ٣٤٦/١ من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) في (د) و(م) من غير. (٥) في النسخ الخطية: لكان والمثبت من (م). (٦) سلف ٧/ ٢٩٧ و ١٥٨/١٠- ١٥٩. ٣٨٧ سورة الفرقان: الآية ٢٠ التحقيق، ويقعدُ على ثَنِيَّاتِ الطريق، ويَدَعُ الطريقَ المستقيم، والمنهجَ الواضحَ القويم. ثبَت في البخاريِّ(١) عن ابن عباسٍ قال: كان أهلُ اليمن يَحجُّون ولا يَتزوَّدون، ويقولون: نحن المتوكّلون، فإذا قدموا [مكة] سألوا الناسَ؛ فأنزل اللهُ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾. ولم يُنقل عن النبيِّ ﴾ وأصحابِهِ - رضوان الله عليهم - أنَّهم خرَجوا إلى أسفارهم بغير زَادٍ، وكانوا المتوكّلین حَقًّا. والتوكل: اعتمادُ القلب على الرَّبِّ في أن يَلمَّ شعَثَه ويَجمعَ عليه أرَبَه؛ ثم يتناول الأسبابَ بمجرد الأمر، وهذا هو الحقُّ. سأل رجلٌ الإمام أحمد بن حنبل فقال: إني أريد الحجَّ على قدم التوكل. فقال: اخرج وحدَك، فقال: لا، إلاَّ مع الناس. فقال له: أنت إذن مثَّكلٌ على أجربتهم(٢). وقد أتينا على هذا في كتاب ((قمع الحرص بالزهد والقناعة، وردُّ ذلِّ السؤال(٣) بالكسب والصناعة)) (٤). الرابعة: خَرَّج مسلمٌ عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِ :﴿ قال: ((أحبُّ البلادِ إلى اللهِ مساجدُها، وأبغضُ البلاد إلى اللهِ أسواقها))(٥). وخرَّج البزَّار(٦) عن سلمان الفارسيِّ قال: قال رسول الله﴾: ((لا تكوننَّ - إن استطعتَ - أولَ مَن يَدخل السُّوقَ، ولا آخِرَ من يَخرجُ منها، فإنَّها معركةُ الشيطان، وبها (١) في صحيحه (١٥٢٣) وما بين معقوفتين منه، وسلف٣٢٨/٣. (٢) ذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص١٤١ و٢٧٤-٢٧٥، وسلف ٣٢٩/٣. وقوله: أجربتهم - الجراب: المزود أو الوعاء، ويجمع أيضاً على جُرُب، القاموس ((جرب)). (٣) في (د) الناس . (٤) في (د) و(ظ) و(ف) بالكتب والشفاعة وفي (ز) بالكسب والشفاعة. وجاء في ذيل كشف الظنون ٢٤١/٤ بالكف والشفاعة ، وقال: إن القرطبي: رتبه على أربعين باباً في التفسير والحديث . (٥) صحيح مسلم برقم (٦٧١). (٦) في مسنده (٢٥٤١)، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٤٥١). ٣٨٨ سورة الفرقان: الآية ٢٠ يَنصبُ رايته)). أخرجه أبوبكر البَرْقانيُّ مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ - من رواية عاصم - عن أبي عثمان النهديِّ، عن سلمان قال: قال رسولُ الله ﴾: ((لا تكن أولَ مَن يدخلَ السُّوقَ ولا آخرَ مَن يَخرج منها، فبها باضَ الشيطانُ وفَرَّخ))(١). ففي هذه الأحاديث ما يدلُّ على كراهة دخول الأسواق، ولا سيما في هذه الأزمان التي يُخالط فيها الرجال النسوان(٢). وهكذا قال علماؤنا لماً كثُرَ الباطلُ في الأسواق وظهرت فيها المناكرُ: كُره دخولُها لأرباب الفضلِ والمقتدَى بهم في الدِّين؛ تنزيهاً لهم عن البقاع التي يُعصى اللهُ فيها(٣). فحقّ على من ابتلاه اللهُ بالسُّوق أن يخطر بباله أنه قد دخَل محلَّ الشيطان ومحلَّ جنودِه، وأنه إن أقام هناك هَلك، ومن كانَت هذه حالُه اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرَّز من سُوء عاقبته وبَليته (٤). الخامسة: تشبيه النبيِّ # السوقَ بالمعركة تشبيهٌ حسن، وذلك أنَّ المعركةَ موضعُ القتال، سمي بذلك لتعارك الأبطال فيه، ومُصارعةٍ بعضهم بعضاً. فشبَّه السوقَ وفعلَ الشيطانِ بها ونيلَه منهم - بما(٥) يَحملهم [عليه] من المكر والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة، والكذب والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات وغيرِ ذلك - بمعركة الحرب، ومن(٦) يصرع فيها. السادسة: قال ابنُ العربيّ(٧): أما أكلُ الطعام فضرورةُ الخلق، لا عارَ ولا دَرَكَ فيه(٨)، وأما الأسواقُ فسمعت مشيخةَ أهل العلم يقولون: لا يَدخل إلا سوقَ الكتب (١) ٣٠١/١٣: : (٢) جاءت العبارة في (ظ) : .. تخالَط فيها الرجال والنسوان. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٠٢ . (٤) المفهم ٣٥٩/٦ . (٥) في (م): مما والمثبت من (د) و(ظ) و(ف) والمفهم ٣٥٨/٦-٣٥٩، والكلام وما بين حاصرتين منه . (٦) في (ظ) : فيمن . (٧) في أحكام القرآن ١٤٠٣/٣ . (٨) أي: لا تبعةً فیه. ٣٨٩ سورة الفرقان: الآية ٢٠ والسلاح. وعندي أنه يَدخل كلَّ سوقٍ للحاجة إليه ولا يأكل فيها؛ لأن ذلك إسقاطٌ للمروءة، وهدمٌ للحشمة؛ ومِن الأحاديث الموضوعةِ: ((الأكل في السوق دناءة))(١). قلت: ما ذَكَرته مشيخةُ أهل العلم فنِعَّما هو، فإنّ ذلك خالٍ عن النظر إلى النّسوان ومخالطتهِنّ، إذ ليس ذلك(٢) من حاجتهنّ. وأما غيرهما من الأسواق فمشحونة منهنّ، وقلَّةُ الحياءِ قد غلبت عليهنّ، حتى ترى المرأةَ في القيساريات(٣) وغيرهن قاعدةً متبرجة بزينَتِها، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا، نعوذُ بالله من سخطه. السابعة: خرَّج أبو داود الطيالسيُّ في مسنده(٤): حدَّثنا حماد بن زيد قال: حدّثنا عمرو بن دينار - قهرمان(٥) آل الزبير - عن سالم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: ((من دخل سوقاً من هذه الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حيُّ لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير، كتب الله له ألفَ ألفِ حسنة، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيئةٍ، وبنى له قصراً في الجنة)). خرَّجه الترمذيُّ أيضاً وزاد بعد ((ومحا عنه ألفَ ألفِ سيئةٍ)): ((ورفع له ألفَ ألفٍ درجة)). في رواية (٦): ((وبنى له بيتاً في الجنة)). وقال: هذا حديثٌ غريب(٧). قال (١) أخرجه عبد بن حميد (١٤٤٤)، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢١٥٠، والخطيب البغدادي في تاريخه ١٦٣/٣ و٢٨٣/٧، وابن الجوزي في الموضوعات ٢٣٥/٢ من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أيضاً الطبراني في المعجم الكبير ٢٤٩/٨ (٧٩٧٧)، وابن عدي في الكامل ١٦٧٠/٥ ، والعقيلي في الضعفاء ١٩٢/٣، وابن الجوزي في الموضوعات ٢٣٦/٢ من حديث أبي أمامة ﴾. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﴾، وقال العقيلي: ولا يثبت في هذا الحديث شيء عن النبي %. (٢) في (م) بذلك. (٣) جمع قيسارية، وهي الخان الكبير الذي يشغله التجار والمسافرون، وقد يشتمل على سوق مسقوفة .. معجم المصطلحات والألقاب التاريخية: ٣٥٧ . (٤) ص٤ . (٥) هو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل، بلغة الفرس . النهاية (قهرم). (٦) عبارة: في رواية، من (د) و(ظ). (٧) سنن الترمذي (٣٤٢٨) و(٣٤٢٩)، قال الترمذي: وعمرو بن دينار هذا هو شيخ بصري ، وقد تكلم فيه بعض أصحاب الحديث من غير هذا الوجه . ٣٩٠ سورة الفرقان: الآية ٢٠ ابن العربيّ(١): وهذا إذا لم يقصد في البقعة سواه(٢) ليعمرها بالطاعة إذ عُمرت بالمعصية وليحلِّيَّها بالذِّكر إذ عُطلت بالغفلة، وليعلِّم الجَهَلةَ ويذكِّرَ الناسين. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَحَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ أَتَصْبِرُونَ﴾ أي: إن الدنيا دارُ بلاء وامتحان، فأَرَاد سبحانه أن يَجْعَل بعضَ العبيد فتنةً لبعضٍ على العموم في جميع الناس مؤمنٍ وكافر، فالصحيحُ فتنةٌ للمريض، والغنيُّ فتنةٌ للفقير، والفقير الصابر فتنة للغنيٌّ(٣). ومعنى هذا أن كلَّ واحدٍ مختبَرٌ بصاحبه، فالغنىُّ ممتحَن بالفقير، عليهِ أن يواسِيَه ولا يسخرَ منه. والفقيرُ ممتحَن بالغنيّ، عليه ألا يحسدَه ولا يأخذَ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبرَ كلُّ واحدٍ منهما على الحقِّ؛ كما قال الضحاك في معنى ((أَتَصْبِرُونَ)) أي: على الحق(٤). وأصحابُ البلايا يقولون: لِمَ لم نُعَافَ؟ والأعمى يقول: لِمَ لمْ أُجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كلِّ آفةٍ (٥). والرسولُ المخصوصُ بكرامة النبوّة فتنةٌ لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحّام العدل(٦). ألا ترى إلى قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. فالفتنةُ أن يَحسُدَ المبتلَى المعافى، ويَحقِر المعافَى المبتلى. والصبرُ أن يَحِس كلاهما نفسَه، هذا عن البَطَر، وذاك عن الضَّجَر. ((أَتَصْبِرُونَ)) محذوف الجواب، يعني أم لا تَصبرون. فيقتضي جوابًا كما قاله (١) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٠٣ . (٢) أي سوى الله سبحانه وتعالى. (٣) المحرر الوجيز ٢٠٥/٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٥٦/٣. (٥) أخرج نحواً من هذا الكلام الطبري في تفسيره ١٧/ ٤٢٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٥ (١٥٠٤٧)، والبيهقي في الشعب (١٠٠٧٢) عن الحسن . (٦) المحرر الوجيز ٢٠٥/٤ . ٣٩١ سورة الفرقان: الآية ٢٠ المزَنيُّ وقد أخرَجته الفاقةُ، فرأى خَصِيًّا في مراكب ومناكب، فَخَطَرَ بباله شيءٌ فسمِع مَن يقرأ الآية: ﴿أَتَصْبِرُونُ﴾ فقال: بلى ربَّنا! نصبِرُ ونَحتَسِب(١) .. وقد تلا ابنُ القاسم صاحبُ مالك هذه الآيةَ حين رأى أشهبَ بن عبد العزيز في مملكته عابراً عليه، ثم أجاب نفسه بقوله: سَنَصْبِرِ(٢). وعن أبي الدرداء أنه سمِع النبيَّ # يقول: ((ويلٌ للعالم من الجاهل، وويلٌ للجاهل من العالم، وويلٌ للمالك من المملوك، وويلٌ للمملوك من المالك، وويلٌ للشديد من الضعيف، وويلٌ للضعيف من الشديد، وويلٌ للسلطان من الرَّعيَّةِ، وويلٌ للرَّعيَّة من السلطان، وبعضُهم لبعضٍ فتنةٌ، وهو قوله: ﴿وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِعْضٍ فِتْنَةً أَنَصِّرُونُ﴾)) أسندَه الثعلبيُّ تغمَّده الله برحمته(٣). وقال مقاتل: نزلت في أبي جهلٍ بن هشام، والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، وعقبة بن أبي مُعَيط، وعُثْبة بن ربيعة، والنضرِ بن الحارثِ حين رَأَوا أبا ذرٍّ وعبدَ الله ابن مسعود، وعماراً وبلالاً وصُهَيباً وعامرَ بن فُهَيرة، وسالماً مولى أبي حُذَيفة ومِهْجَعَاً مولى عمر بن الخطاب وجبراً مولى الحضْرَمي، وذويهم، فقالوا على سبيل الاستهزاء: أَنْسلمُ فنكونَ مثل هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين: ﴿أَتَصْبِرُونٌ﴾ على ما تَرَون من هذه الحال الشديدةِ والفقر(٤)، فالتوقيف بـ((أَتَصْبِرونَ» خاصٌ للمؤمنين المحقِّين من أمة محمدٍ ﴾. كأنه جعل إمهالَ الكفار والتوسعةَ عليهم فتنةً للمؤمنين، أي: اختباراً لهم(٥). ولمَّا صَبَر المسلمون أنزل اللهُ فيهم: ﴿إِنِّ (١) ذكر الخطَّابيُّ في كتاب العزلة ص١٠٥-١٠٦ نحو هذه القصة عن المزني، وفيها أن ابن عبد الحكم أقبل في موكبه، فبهره ما رأى .. فتلا قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَنَصْبِرُونُّ﴾ ... (٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٥/٤ دون قوله: في مملكته عابراً عليه. (٣) أخرجه البزار (٣٤٤٢ كشف)، وأبو يعلى في مسنده (٤٠٠٩)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٥٥ من رواية الأعمش عن أنس﴾. والأعمش لم يرو عن الصحابة، ينظر جامع التحصيل ص٢٢٨-٢٢٩ . (٤) تفسير البغوي ٣/ ٣٦٥، وذكر سبب النزول أيضاً الماوردي في النكت والعيون ١٣٨/٤، والزمخشري في الكشاف ٨٧/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٢٠٥/٤ . ٣٩٢ سورة الفرقان: الآيات ٢٠ - ٢٢ جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [المؤمنون: ١١١]. التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي: بكلِّ امرئٍ وبمن يَصبر أو يَجزع (١)، وبمن يؤمن ومن لا يؤمن، وبمن أدَّى ما عليه من الحقِّ ومن لا يُؤدِّي(٢). وقيل: ((أَتَصْبِرُونَ)) أي: اصبروا(٣). مثل: ﴿فَهَلْ أَنْثُم ◌ُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا، فهو أمرٌ للنبيِّ # بالصبر. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَبِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَحْجُورًا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ يريدُ: لا يخافون البعثَ(٤) ولقاءَ الله، أي: لا يؤمنون بذلك. قال : وخَالَفَها في بيت نُوبٍ عَوامِلٍ(٥) إذا لَسَعَته النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا وقيل: (لَا يَرْجُونَ)): لا يُيَالون. قال: على أيِّ جَنْبٍ كان في اللهِ مَصْرَعي(٦) لَعمركَ ما أرجو إذا كنتُ مُسْلِماً ابن شجرة: لا یأملون؛ قال: شفاعةً جدِّه يومَ الحسابِ(٧). أَترجو أُمَّةٌ قتلتْ حُسَيناً (١) تفسير البغوي ٣/ ٣٦٥. (٢) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ١٧/ ٤٢٥ . (٣) تفسير أبي الليث ٤٥٦/٣ . (٤) الوجيز للواحدي ٢/ ٩٥ . (٥) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وسلف ٤٣٣/٣ . (٦) قائله خبيب بن عدي ه، وهو في السيرة النبوية ١٧٦/٣ وسلف بنحوه ٣٤٤/١٣. (٧) البيت أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٢٣/٣ (٢٨٧٣)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق = ٣٩٣ سورة الفرقان: الآيتان ٢١ - ٢٢ ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ﴾ أي: هلَّا أُنزِل. ﴿عَلَيْنَا الْمَلَتَئِكَةُ﴾ فيخبروا أن محمداً صادقٌ. ﴿أَوْ تَرَى رَبَّنَا﴾ عِياناً فيخبرنا برسالته(١). نظيرُه قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٠-٩٢]. قال اللهُ تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوًّا كَبِيرً﴾ حيثُ سَألوا اللهَ الشَّططَ؛ لأنَّ الملائكةَ لا تُرى إلا عندَ الموت، أو عند نزول العذاب، واللهُ تعالى لا تُدركه الأبصارُ، وهو يدرك الأبصارَ، فلا عينٌ تراه. وقال مقاتل: ((عُتُوًّا)) علوًّا في الأرض. والعتوُّ: أشدُّ الكفر وأَفحش الظلم(٢). وإذا(٣) لم يكتفوا بالمعجزات وهذا القرآن، فكيف يكتفون بالملائكة؟ وهم لا يميزون بينهم وبين الشياطين، ولا بدَّ لهم من معجزة يُقيمها من يَدَّعي أنه مَلَكٌ، وليس للقوم طلبُ معجزةٍ بعد أن شاهدوا معجزةً، وأن ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ يريد أن الملائكة لا يراها أحدٌ إلا عند الموت(٤): فتبشر المؤمنين بالجنة، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تَخرج أنفسهم. ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرً تَحْجُورًا﴾ يُريد تقول الملائكة: حراماً محرَّماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إلهَ إلا اللهُ، وأقام شرائعَها، عن ابن عباس وغيرِه(٥). وقيل: إن ذلك يوم القيامة، قاله مجاهد (٦) وعطية العوفيُّ. قال عطية: إذا كان = ٢٤٣/١٤، والمزي في تهذيب الكمال ١٩٤/٢-١٩٥، وفي إسناده ابن لهيعة عن أبي قبيل وابن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه، وأبو قبيل صدوق يَهم. كما في تقريب التهذيب. وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب على هامش الإصابة ١١٨/٣ قائلاً: وهذا البيت زعموا قديماً ولا يدرى قائله، وذكره برهان الدين الوطواط في غرر الخصائص ص٣٣٨، والهيثمي في المجمع ١٩٩/٩ وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. والأبيات الثلاثة في النكت والعيون ١٣٩/٤ . (١) الوجيز للواحدي ٢/ ٩٥ . (٢) تفسير البغوي ٣/ ٣٦٥. (٣) في (ظ) و(ف) وإذ . (٤) النكت والعيون ٤/ ١٤٠ . (٥) ذكره عنه الواحدي في الوسيط ٣٣٨/٣، والبغوي في تفسيره ٣٦٥/٣. (٦) تفسيره ٤٤٩/٢ . ٣٩٤ سورة الفرقان: الآيتان ٢١ - ٢٢ يوم القيامة تلقى المؤمن بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكافرُ تمناه، فلم يره من الملائكة(١). وانتصب ((يَوْمَ يَرَوْنَ)) بتقدير: لا بشرى للمجرمين يومَ يَرون الملائكة. ((يومَئذٍ)) تأكيدٌ لـ ((يَوْمَ يَرَوْنَ))(٢). قال النحاس(٣): لا يجوز أن يكون ((يَوْمَ يَرَوْنَ)) منصوباً بـ (بُشْرَى)) لأنَّ ما في خبر (٤) النفي لا يَعمل فيما قبله، ولكن فيه تقدير أن يكون المعنى: يُمنعون البشارة يومَ يرون الملائكة؛ ودلَّ على هذا الحذف ما بعده. ويجوز أن يكون التقدير: لا بشرى تكون ((يومَ يرون الملائكة)) و((يَوْمَئِذٍ)» مؤكدٌ. ويجوز أن يكون المعنى: اذكر يومَ يرون الملائكة، ثم ابتدأ فقال: ((لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا)) أي: وتقول الملائكة: حَرَاماً محرَّماً أن تكون لهم البشرى إلا للمؤمنين. قال الشاعر: أَلَا أَصْبَحَتْ أسماءُ حِجْراً مُحَرَّماً وأَضْبَحْتُ من أَدْنَى حُمُوَّتها حَمَا أراد: أَلَا أصبحت أسماءُ حراماً محرَّماً (٥). حِجْرٌ حرامٌ أَلَا تِلْكَ الدَّهارِيسُ(٦) وقال آخر: حَتَّت إلى النَّخْلَةِ القُضوی فقلتُ لها (١) النكت والعيون ١٤٠/٤. (٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٦٣ . (٣) في إعراب القرآن ١٥٦/٣ . (٤) في (د) و(م) حيز ... والمثبت من (ز) و(ظ) و(ف) وإعراب القرآن . (٥) الوقف والابتداء لابن الأنباري ٢/ ٨٠٣-٨٠٤، وقائل البيت عبد الله بن عجلان كما في الشعر والشعراء لابن قتيبة ٧١٦/٢، وعيون الأخبار ١٣١/٤، والأغاني للأصبهاني ٢٤٢/٢٢ بلفظ: ألا إن هنداً أصبحت منك محرماً ... ، وذكر البيت ابن منظور في اللسان (حمو) دون نسبة . (٦) البيت للمتلمس بن جرير، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٧٣/٢، والمبرد في الفاضل ص٧٨ ، والطبري في تفسيره ٤٢٧/١٧، والماوردي في النكت والعيون ١٤١/٤- ١٤٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٦/٤، وابن الشجري في المختارات ٣٢/١، واللسان (دهرس)، ولفظه عند المبرد وابن الشجري: بسل .. بدل حجر، وقوله: الدهاريس، أي: الدواهي. ٣٩٥ سورة الفرقان: الآيتان ٢١ - ٢٢ ورويَ عن الحسن أنه قال: ((وَيَقُولُونَ حِجْراً)) وقفٌ من قول المجرمين، فقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ((مَحْجُورًا)) عليهم أن يُعاذوا أو يُجاروا؛ فحجَر اللهُ ذلك عليهم يومَ القيامة. والأول قولُ ابن عباس. وبه قال الفرَّاء؛ قاله ابن الأنباريّ(١). وقرأ الحسن وأبورجاء: (حُجْرًا)) بضم الحاء، والناسُ على كسرها(٢). وقيل: إنَّ ذلك من قول الكفار؛ قالوه لأنفسهم؛ قاله قتادة فيما ذكر ء(٣) الماوردي • وقيل: هو من قول الكفار للملائكة (٤) وهي كلمةُ استعاذة، وكانت معروفةً في الجاهلية؛ فكان إذا لقيَ الرجلُ مَن يَخافُه قال: حجراً محجوراً، أي: حراماً عليك التعرُّضُ لي(٥). وانتصابه على معنى: حَجَرتُ عليك؛ أو حجَر اللـهُ عليك؛ كما تقول: سُقْياً ورعياً (٦). أي إن المجرمين إذا رأوا الملائكةَ يُلقونهم في النار قالوا: نَعُوذُ بالله منكم؛ ذكره القشيريُّ، وحكى معناه المهدويُّ عن مجاهد(٧). وقيل: ((حِجْرًا)) من قول المجرمين. ((مَحْجُورًا)) من قول الملائكة، أي: قالوا للملائكة: نعوذُ باللهِ منكم أن تَتعرَّضوا لنا. فتقول الملائكة: ((محَجُورًا)) أن تُعاذوا من شرِّ هذا اليوم؛ قاله الحسن(٨). (١) في بيان الوقف والابتداء ٨٠٤/٢، وبنحوه في المكتفى للداني ص٤١٦ . (٢) المحرر الوجيز ٢٠٦/٤، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠٤ عن الحسن والضحاك. (٣) في النكت والعيون ١٤١/٤. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٢٩/١٧-٤٣٠ عن ابن جُريج . (٥) أخرجه بنحوه عبد الرزاق ٦٧/٢، والطبري في تفسيره ٤٢٨/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٧٨/٨ (١٥٠٦٤) عن الحسن وقتادة. (٦) ينظر الكتاب ٣٢٥/١، والكشاف ٨٨/٣. (٧) ذكره البغوي في تفسيره ٣٦٥/٣ بنحوه. (٨) المحرر الوجيز ٢٠٦/٤، وتفسير الرازي ٧١/٢٤ . ٣٩٦ سورة الفرقان: الآيتان ٢٣ - ٢٤ قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنْشُورًا (٣٣) أَصْحَبُ (٢٤) اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾ هذا تنبيهٌ على عِظم قَدرِ يوم القيامة، أي: قَصَّدنا في ذلك إلى ما كان يَعمله المجرمون من عملٍ بِرِّ عند أنفسهم. يقال: قَدِم فلانٌ إلى أمر كذا، أي: قصده. وقال مجاهد: (قَدِمْنَا)) أي: عَمدنا (١). وقال الراجز: وقَدِم الخوارجُ الضُّلَالُ إلى عِباد ربِّهم فقالوا إن دماءكم لنَا حَلالُ(٢) وقيل: هو قُدوم الملائكة(٣)، أَخبر به عن نفسه تعالى فاعلُه. ﴿فَجَعَلْنَهُ هَبَآَ مَنُورًا﴾ أي: لا يُنتَفَعُ به، أي: أَبطلناه بالكفر. وليس ((هَبَاءً))من ذوات الهمز وإنما هُمِزت لالتقاء الساكنين. والتصغير: هُبَيّ في موضع الرفع، ومن النحويين مَن يقول: هُبيّ في موضع الرفع؛ حكاه النحاسُ(٤). وواحده هباءة والجمع أهباء. قال الحارث بن حِلِّزة يصف [ناقةً]: حِ مَنِيناً كأنه أهبـاءُ(٥) فَتَرى خلْفَها من الرَّجع والوَقْـ وروى الحارث عن عليٍّ قال: الهباء المنثورُ: شعاعُ الشمس الذي يدخل من الكُوَّة(٦). (١) تفسير مجاهد ٤٤٩/٢، وأخرجه عنه الطبري في تفسيره ٤٣١/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٧٨/٨ (١٥٠٦٥). (٢) الرجز في مجاز القرآن ٧٤/٢، وتفسير الطبري ٤٣٠/١٧، والنكت والعيون ١٤١/٤، والمحرر الوجيز ٢٠٦/٤، ومجمع البيان للطبرسي ١٠٠/١٩ دون نسبة. (٣) المحرر الوجيز ٢٠٦/٤ . (٤) في إعراب القرآن ٣/ ١٥٧. (٥) شرح المعلقات العشر للنحاس ص٥٧، وقال في شرحه: ((الرَّجع)): رجع قوائمها. ((الوقع)): وقع خفافها. ((المنين)): الغبار الضعيف كأنه الذي ذهبت مُنَّتُهُ، أي: قوته. (٦) ذكره عنه أبو الليث السمر قندي ٣/ ٤٥٧، وابن الجوزي في زاد المسير ٨٣/٦، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٦٧٩/٨ (١٥٠٧١) ٣٩٧ سورة الفرقان: الآيتان ٢٣ -٢٤ وقال الأزهريُ(١): الهَباءُ: ما يَخرج من الكُوَّة في ضوء الشمس؛ شبيهٌ بالغبار. تأويله: إنَّ الله تعالى أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور. فأما الهباءُ المنبثُ فهوما تُثيره الخيلُ بسنابكها من الغبار. والمنبثّ: المتفرِّق. وقال ابن عرفة: الهبوّة والهبَاء: التراب الدقيق. الجوهريُّ(٢): ويقال له إذا ارتفع هبَا يَهْبُو هُبُوّاً، وأهبيته أنا. والهَبْوة: الغَبَرة. قال رؤبة: تَبْدُو لنا أعلَامُه بعدَ الغَرَقْ. في قِطَع الآلِ وَهَبْوَاتِ الدُّقَقْ(٣) وموضعٌ هابي التراب، أي: كأن ترابه مثل الهباءِ في الرِّقَّة. وقيل: إنه ما ذَرَته الرياحُ من يابس أوراق الشجر؛ قاله قتادة وابن عباس. وقال ابن عباس أيضاً: إنه الماء المُهراق. وقيل: إنه الرَّماد؛ قاله عبيدُ بن يعلى (٤). قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ تقدم القول فيه عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرُّ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُذْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: ١٥]. قال النحاس(٥): والكوفيون يُجيزون: ((العسل أحلى من الخل)) وهذا قولٌ مردودٌ؛ لأن معنى «فلان خيرٌ من فلان)) أنه أكثر خيراً منه، ولا حلاوةً في الخَلِّ. ولا يجوز أن يقول(٦): النصرانيُّ خيرٌ من اليهودي؛ لأنه لا خيرَ فيهما فيكون أحدهما أزيدَ في الخير [من الآخر). ولكن يقال: اليهوديُّ شرٌ من النصراني؛ فعلى هذا كلامُ العرب. (١) في تهذيب اللغة. ٦/ ٤٥٤-٤٥٥ بنحوه . (٢) في الصحاح (هبو). (٣) ديوان رؤبة ص ١٠٤ والدُّقق: جمع دُقَّة، وهو التراب الليِّن الذي كُسَحَتْه الريح من الأرض. الصحاح (دقق). : . (٤) النكت والعيون ١٤١/٤، وأخرج قول قتادة وابن عباس الطبري في تفسيره ٤٣٣/١٧. : (٥) في إعراب القرآن ١٥٤/٣، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٦) في (م) والنسخ عدا (د) يقال. والمثبت من (د) وإعراب القرآن. ٣٩٨ سورة الفرقان: الآيتان ٢٣ - ٢٤ و((مُسْتَقَرًّا)) نصب على الظرف إذا قدِّر على غير باب ((أفعل منك)) والمعنى: لهم خير في مستقر. وإذا كان من باب ((أفعل منك)) فانتصابه على البيان؛ قاله النحاس(١) والمهدويُّ. قال قتادة: ((وَأَحْسَنُ مَقِيلاً)»: منزلاً ومأوَى(٢). وقيل: هو على ما تعرفه العربُ من مقيلٍ نصفِ النهار(٣). ومنه الحديثُ المرفوع: (إنَّ الله تبارك وتعالى يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف يوم، فَيَقِيلُ أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار)) ذكره المهدوِيُّ(٤). وقال ابن مسعود: لا يَنتصف النهارُ يومَ القيامة من نهارِ الدنيا حتى يَقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، ثم قرأ: ((ثم إن مقِيلهم لإلى الجحيم)) كذا هي في قراءة ابنِ مسعود(٥). وقال ابن عباس: الحساب من ذلك اليوم في أوله، فلا يَنتصف النهارُ من يوم القيامة حتى يَقيل أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار(٦). ومنه ما روي: ((قِيلوا فإنَّ الشياطين لا تَقِيل))(٧) وذكر قاسم بن أصبغ، من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسولُ الله ﴾: ((في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)) (١) في إعراب القرآن ١٥٧/٣. (٢) أخرجه عنه ابن أبي حاتم ٢٦٨١/٨ (١٥٠٨٤). (٣) زاد المسير ٦/ ٨٤ . (٤) وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣١٤)، والطبري في تفسيره ٤٣٤/١٧، وأبو نعيم في الحلية ٢٣٢/٤ عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي قوله، ولفظه كانوا يرون أنه يُفرغ من حساب الناس ... (٥) أخرجه عنه في الزهد (١٣١٣)، والطبري في تفسيره ١٧/ ٤٣٥، وابن أبي حاتم ٢٦٨٠/٨ (١٥٠٧٩)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٠٢ . (٦) ذكره أبو الليث السمر قندي ٤٥٨/٣، والواحدي في الوسيط ٣٣٨/٣، وأخرجه عنه بنحوه الطبري في تفسيره ٤٣٥/١٧. (٧) أخرجه الأصبهاني في أخبار أصبهان١/ ٣٥٣، والطبراني في الأوسط (٢٨) من حديث أنس ﴾ وذكره ابن حبان في المجروحين ١٦٨/٢ في ترجمة عباد بن منصور الناجي، والهيثمي في المجمع ١١٢/٨، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه كثير بن مروان وهو كذاب. ٣٩٩ سورة الفرقان: الآيات ٢٣ - ٢٦ فقلت: ما أطول هذا اليوم. فقال النبيُّ﴾: ((والذي نفسي بيده إنه لَّيُخَفَّفُ عن المؤمن حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةِ المكتوبة يُصلِّيها في الدنيا))(١). اُلْمُلْكُ يَوْمَیِدٍ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَِ وَزِلَ الْكَبِكُةُ تَنزِيلًا اَلْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا (﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَِ﴾ أي: واذكر يومَ تشقَّق السماء بالغمام. وقرأه عاصم والأعمش ويحيى وحمزة والكسائيُّ وأبو عمرو: ((تَشَفَّقُ))(٢) بتخفيف الشين، وأصله تتشقَّق بتائين، فحذفوا الأولى تخفيفاً، واختاره أبوعبيد. الباقون: (تَشَّقَّقُ)) بتشديد الشين على الإدغام، واختاره أبو حاتم. وكذلك في ((ق)(٣). (بِالْغَمّام)) أي: عن الغمام. والباءُ و((عن)) يتعاقبان، كما تقول: رميت بالقوس، (٤) وعن القوس . وروي أن السماء تتشقق عن سحاب أبيض رقيقٍ مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تِيهِهم، فتنشق السماءُ عنه؛ وهو الذي قال تعالى: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُكَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾(٥) [البقرة: ٢١٠]. ﴿َزْلَ الْمُلَكَةُ﴾ مِن السماوات، ويأتي الربُّ جلَّ وعزَّ في الثمانية الذين يحملون العرشَ لفصل القضاء، على ما يَجوز أن يُحملَ عليه إتيانُه؛ لا على ما تُحمل عليه صفاتُ المخلوقين من الحركة والانتقال(٦). وقال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا، فيَنزل (١) أخرجه الإمام أحمد (١١٧١٧)، قال الهيثمي في المجمع ٣٣٧/١٠: رواه أحمد وأبو يعلى وإسناده حسن على ضعف في راويه. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٤٤٨/١١: وسنده حسن . (٢) قراءة عاصم وحمزة والكسائي وأبي عمرو في السبعة ص٤٦٤، والتيسير ص١٦٣، وقراءة الأعمش، في معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٦٧. وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٥٧/٣. (٣) في قوله: ﴿يَوْمَ تَشَفَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاءَاً﴾ الآية ٤٤. (٤) تفسير البغوي ٣٦٦/٣، وبنحوه في تفسير الطبري ٤٣٦/١٧ . (٥) الكشاف ٨٩/٣، وأخرجه الطبري في تفسير ٤٣٧/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٨٢/٨ (١٥٠٨٨) عن مجاهد . (٦) صفة الإتيان ثابتة لله عز وجل على الوجه الذي يليق به، من غير تشبيه ولا تأويل ولا تحريف. ٤٠٠ سورة الفرقان: الآيتان ٢٥ - ٢٦ أهلُها وهم أكثرُ ممن في الأرض من الجنّ والإنس، ثم تنشق السماء الثانية، فيَنزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء الدنيا، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعةُ، ثم ينزل الكّروبِيُّون وحملةُ العرش(١)؛ وهو معنى قوله: ﴿وَزِلَ الْكَبِكَةُ تَغْزِيلًا﴾ أي: من السماء إلى الأرض لحسابِ الثَّقَلين. وقيل: إن السماء تَنشقُّ بالغمام الذي بينها وبين الناس؛ فبتشقق الغمام تتشقق السماءُ(٢)؛ فإذا انشقت السماءُ انتَقَض تركيبُها وطُويت، ونزلت الملائكةُ إلى مكانٍ . سواها. وقرأ ابنُ كثير: ((وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ)) بالنصب من الإنزال. الباقون: ((وَنُزِّلَ المَلَائِكَةُ)» بالرفع(٣). دليلهُ: ((تَنْزِيلاً)). ولو كان على الأول لقال: إنزالاً. وقد قيل: إن نَزَّل وأنزل بمعنى، فجاء ((تَنْزِيلًا)) على ((نَزَّل)). وقد قرَأ عبدُ الوهّاب عن أبي عمرو: ((وَنُزِلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا)»(٤). وقرأ ابنُ مسعود: ((وَأَنْزَلَ الْمَلائِكَةَ)). وأبيّ بن كعب: ((وَنُزَّلَتِ الْمَلائِكَةُ)). وعنه: ((وَتَنَزَّلِت الْمَلاَئِكَةُ))(٥). قوله تعالى: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِّ﴾ ((المُلْكُ)) مبتدأ، و((الْحَقُّ)) صفة له. و(لِلرَّحْمَنِ)) الخبر(٦)؛ لأن المُلك الذي يَزول ويَنقطع ليس بمُلْكٍ، فبطلت يومئذٍ أملاكُ المالكين وانقطعت دعاويهم، وزال كلُّ مَلِك ومُلكه، وبقي المُلْكُ الحقُّ للهِ (١) تفسير مجاهد ٢/ ٤٥٠-٤٥١، وأخرجه الطبري في تفسيره ٤٣٨/١٧، وابن أبي حاتم ٣٦٨٢/٨ (١٥٠٨٩)، والحاكم في المستدرك ٥٦٩/٤، بنحوه. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: مداره على علي بن زيد بن جُدعان وفيه ضعف، وفي سياقه غالباً نكارة شديدة. (٢) في (د) و(ف): فيتشقق الغمام بتشقق السماء . (٣) السبعة ص ٤٦٤، والتيسير ص١٦٤. (٤) المحتسب ١٢١/٢، والمحرر الوجيز ٢٠٧/٤ . قال ابن جني: هذا غير معروف؛ لأن ((نَزَلَ)) لا يتعدى إلى مفعول به. انتهى كلامه، والقراءة المشهورة عن أبي عمرو كقراءة الجماعة. (٥) القراءات الشاذة ص ١٠٤ . (٦) البيان لابن الأنباري ٢٠٤/٢ . ...