Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ فَصَّرتَ فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (١) [آل عمران: ١١٨]. الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ﴾ تمثيلٌ وحُجَّة، أي: كما تحبُّون عَفْو الله عن ذنوبكم، فكذلك اغفروا لمن دونكم، ويُنْظَر إلى هذا المعنى قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَن لا يَرحم لا يُرحم)»(٢). السادسة والعشرون: قال بعض العلماء: هذه أرْجَى آيةٍ في كتاب الله تعالى، مِن حيث لطفُ الله بالقَذَفة العُصاة بهذا اللفظ(٣). وقيل: أرجى آيةٍ في كتاب الله عزَّ وجلَّ قوله تعالى: ﴿وَبَثِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]. وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]، فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشَّر به المؤمنين في تلك. ومِن آيات الرجاء قولُه تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقولُه تعالى: ﴿اَللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]. وقال بعضهم: أرْجَى آيةٍ في كتاب الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]، وذلك أنَّ رسولَ الله﴾ لا يرضى ببقاء أحدٍ من أُمَّته في النار(٤). السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْثُوا﴾ أي: ألَّا يؤتوا، فَحذف ((لا))، كقول القائل : فقلت يمين اللهِ أبْرَحُ قاعداً(٥) (١) المحرر الوجيز ٤/ ١٧٣. (٢) المحرر الوجيز ١٧٣/٤، والحديث أخرجه أحمد (٧١٢١)، والبخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨) عن أبي هريرة ﴾. (٣) المحرر الوجيز ١٧٣/٤، وما سيرد إلى آخر المسألة منه. (٤) أخرجه الخطيب في تلخيص المتشابه ١/ ١٧٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبنحوه أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٤٤٥). (٥) صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه: ولو قطَّعوا رأسي لديك وأوصالي. وسلف ٤٣٣/١١. ١٨٢ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٣ ذكره الزجاج(١). وعلى قول أبي عبيدة لا حاجة إلى إضمار ((لا))(٢). ﴿وَلْيَعْفُواْ﴾ مِن عَفا الرَّبْعُ، أي: دَرَسَ، فهو مَحْوُ الذنب حتى يعفوَ، كما يعفو أثرُ الرَّبع. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿الْمُحْصَنَتِ﴾ تقدّم في ((النساء)»(٣). وأجمع العلماءُ على أنَّ حكمَ المحصنين في القذف كحكم المحصنات قياساً واستدلالاً، وقد بيناه أولَ السورة والحمد لله (٤) واختلف فيمن المرادُ بهذهِ الآية: فقال سعيدُ بن جُبير: هي في رُماة عائشة رضوان الله عليها خاصّةً. وقال قوم: هي في عائشة وسائرِ أزواج النبيّ﴾. قاله ابنُ عباس والضحاك وغيرهما(٥). ولا تنفع التوبةُ، ومن قذفَ غيرَهن من المحصنات، فقد جعلَ الله له توبةً؛ لأنَّه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَلَهُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، فجعل الله لهؤلاء توبةً، ولم يجعل لأولئك توبة. قاله الضحاك(٦). وقيل: هذا الوعيد لمن أصرَّ على القذف ولم يتب. وقيل: نزلت في عائشة، إلا أنه يراد بها كلُّ من اتّصف بهذه الصفةِ (٧). (١) في معاني القرآن ٣٦/٤. (٢) يعني أن قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ أي: لا يقصِّر - كما سلف في المسألة الرابعة والعشرين - فيكون التقدير: ولا يقصِّر أولو الفضل في أن يحسنوا. ينظر تفسير الرازي ٢٣/ ١٨٧. (٣) ١٩٨/٦ فما بعدها. (٤) عند الآية (٤)، المسألة الرابعة. (٥) المحرر الوجيز ١٧٤/٤، وتفسير البغوي ٣٣٤/٣ وأخرج هذه الأقوال الطبري في تفسيره ٢٢٧/١٧-٢٢٨. (٦) الوسيط ٣١٤/٣، وتفسير البغوي ٣٣٤/٣. (٧) تفسير الطبري ١٧/ ٢٢٩ . ١٨٣ سورة النور: الآيتان ٢٣ - ٢٤ وقيل: إنه عامٌّ لجميع الناسِ القَذَفةِ، من ذكرٍ وأنثى، ويكون التقدير: إنَّ الذين يرمون الأنفسَ المحصناتِ، فدخل في هذا المذكرُ والمؤنثُ، واختاره النحاس(١). وقيل: نزلت في مشركي مكةَ؛ لأنَّهم يقولون للمرأةِ إذا هاجرت: إنَّما خرجتْ لتَفْجُر(٢). الثانية: ﴿لُمِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ قال العلماءُ: إن كان المرادُ بهذه الآية المؤمنين من القَذَفة، فالمرادُ باللعنة الإبعادُ وضَرْبُ الحدِّ، واستيحاشُ المؤمنين منهم، وهجرُهم لهم، وزوالُهم عن رتبة العدالة، والبعدُ عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين. وعلى قول من قال: هي خاصةٌ لعائشة، تترتبُ هذه الشدائدُ في جانب عبد الله بن أُبَيّ وأشباهه(٣). وعلى قولٍ من قال: نزلتْ في مشركي مكةً فلا كلام، فإنَّهم مبعدون، ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم، ومَنْ أسلم فالإسلام يَجُبُّ ما قبله. وقال أبو جعفر النحاس(٤): مِن أحسنٍ ما قيل في تأويل هذه الآية: إنَّه عامّ لجميع الناس القَذَفةِ من ذكر وأنثى، ويكون التقدير: إنَّ الذين يرمون الأنفسَ المحصنات، فدخل في هذا المذكَّرُ والمؤنَّثُ، وكذا في ﴿الَّذِينَ يَزْمُونَ﴾ إلا أنه غُلِّب المذكرُ على المؤنث. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْبِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٢٤ قراءةُ العامة بالتاء، واختارَه أبو حاتم، وقَرأَ الأعمشُ، ويحيى، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخَلَف: ((يشهد)» بالياء(٥)، واختاره أبو عبيد؛ لأنَّ الجارَّ والمجرور قد حال بين الاسم والفعل، والمعنى: يوم تشهد ألسنةُ بعضِهم على بعض(٦) بما كانوا (١) في إعراب القرآن ١٣٢/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٧/٤ . (٢) زاد المسير ٢٥/٦، وتفسير الرازي ١٩٣/٢٣. (٣) المحرر الوجيز ١٧٤/٤. (٤) في إعراب القرآن ٣/ ١٣٢. (٥) السبعة ص٤٥٤، والتيسير ص١٦١، والنشر ٣٣١/٢، وقراءة يحيى في معاني القرآن للفراء ٢٤٨/٢. (٦) تفسير الطبري ٢٣٠/١٧، وزاد المسير ٢٦/٦. ١٨٤ سورة النور: الآيتان ٢٤ - ٢٥ يعملون من القذف والبهتان. وقيل: تشهد عليهم ألسنتُهم ذلك اليوم بما تكلموا به. ﴿وَيدِمْ وَرَّجُهُمْ﴾ أي: وتتكلم الجوارح بما عملوا في الدّنيا(١). قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اَللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَبَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ٢٥ أي: حسابهم وجزاؤهم(٢). وقرأ مجاهد: ((يومئذ يُوَفِيهم اللهُ دينَهم الحقُّ)) برفع: ((الحق))(٣) على أنه نعت لله عزَّ وجلَّ. قال أبو عبيد: ولولا كراهةُ خلاف الناس، لكان الوجهُ الرفعَ؛ ليكون نعتاً لله عزَّ وجلَّ، ويكون موافقةً لقراءة أُبَيِّ، وذلك أنَّ جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أُبَيِّ: ((يُوَفِّيهِمُ اللهُ الْحَقُّ دِينَهُمْ)). قال النحاس(٤): وهذا الكلام من أبي عبيد غيرُ مَرْضِيّ؛ لأنَّه احتجَّ بما هو مخالف للسّواد الأعظم، ولا حجةَ أيضاً فيه؛ لأنَّه لو صحَّ هذا أنه في مصحف أُبَيّ كذا، جاز أن تكون القراءةُ: يومئذٍ يوفيهم اللهُ الحقَّ دينَهم، يكون ((دينهم) بدلاً من الحق، وعلى قراءة العامَّة: ((دِينَهُمُ الْحَقَّ) يكون (الحقّ)) نعتاً لدينهم، والمعنى حسن؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ ذكر المسيئينَ، وأعلمَ أنَّه يُجازيهم بالحقِّ، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَهَلْ تُجَزِيّ إِلَّ الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] لأنَّ مجازاةَ الله عزَّ وجلَّ للكافر والمسيء بالحقِّ والعدلِ، ومجازاته للمحسنِ بالإحسان والفضل. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ الْمُّبِينُ﴾: اسمان من أسمائه سبحانه. وقد ذكرناهما في غير موضعٍ، وخاصّةً في ((الكتاب الأسنى))(٥). (١) الوسيط ٣١٤/٣. (٢) زاد المسير ٢٦/٦ . (٣) القراءات الشاذة ص١٠١، والمحتسب ١٠٧/٢. (٤) في إعراب القرآن ١٣٢/٣، وما قبله منه، وقراءة أبي في القراءات الشاذة ص١٠١، والمحتسب ١٠٧/٢. (٥) ص١٤٤، ١٤٩. ١٨٥ سورة النور: الآية ٢٦ قوله تعالى: ﴿الْخَبِيْئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِشَتِّ وَالَّيِّبَتُ لِلَّيِِّينَ وَالَِّبُونَ لِلَّيِّبَنِّ أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مَِّا يَقُولُونٌّ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْنٌ كَرِيمٌ ﴾﴾ قال ابن زيد: المعنى: الخبيثاتُ من النِّساء للخبيثين من الرِّجال، وكذا ((الخبيثون للخبيثات)) وكذا: ((الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات))(١). وقال مجاهد، وابنُ جُبير، وعطاء، وأكثر المفسرين: المعنى: الكلماتُ الخبيثاتُ من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيئات من القول، وكذا الكلماتُ الطيباتُ من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. قال النحاسُ في كتاب ((معاني القرآن))(٢): وهذا أحسنُ ما قيل في هذه الآية، ودلَّ على صحة هذا القول: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَُّونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: عائشة وصفوان مبرؤون(٣) مما يقول الخبيثون والخبيثات. وقيل: إنَّ هذه الآيةَ مبنيةٌ على قوله: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ﴾ الآية [النور: ٣](٤)؛ فالخبيئاتُ الزَّواني، والطيباتُ العفائفُ، وكذا الطيبون والطيبات. واختار هذا القول النحاسُ أيضاً (٥)، وهو معنى قول ابن زيد (٦). ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني به الجنسَ. وقيل: عائشة وصفوان، فجمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، والمراد: أخوان. قاله الفراء(٧). (١) النكت والعيون ٤/ ٨٤ . (٢) ٥١٦/٤ وما قبله منه، وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٧/٤، والنكت والعيون ٨٥/٤. وأخرج الأقوال الطبري في تفسيره ٢٣٣/١٧ - ٢٣٧، وقول مجاهد أيضاً في تفسيره ٤٣٩/٢ . (٣) كلمة: مبرؤون، من (ظ)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس ٥١٦/٤ . (٤) المحرر الوجيز ٤/ ١٧٥ . (٥) في إعراب القرآن له ١٣٣/٣، ومعاني القرآن أيضاً ٤/ ٥١٤ . (٦) المحرر الوجيز ٤ / ١٧٤ . (٧) في معاني القرآن له ٢٤٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة معاني القرآن للنحاس ٥١٦/٤، وينظر تفسير الطبري ٢٣٨/١٧ . ١٨٦ سورة النور: الآيتان ٢٦ - ٢٧ و﴿مُبَّعُونَ﴾ يعني منزّهين مما رُمُوا به. قال بعضُ أهل التحقيق: إنَّ يوسفَ عليه السلام لما رُمي بالفاحشة، برّأه الله على لسان صبيٍّ في المهد، وإنَّ مريمَ لما رُميتْ بالفاحشة، برأها اللهُ على لسان ابنها عيسى صلواتُ الله عليه، وإنَّ عائشةَ لما رُميتْ بالفاحشة، برّأها الله تعالى بالقرآن، فما رضي لها ببراءة صبيٍّ ولا نبيٍّ حتى برّأها الله بكلامه من القذف والبهتان(١). وروي عن عليّ بن زيد بن جُدعان، عن جدّته، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لقد أُعطيتُ تسعاً ما أُعطيتهن امرأةٌ: لقد نزلَ جبريلُ عليه السلام بصورتي في راحته حين أَمرَ رسول اللـه # أنْ يتزوَّجني، ولقد تزوَّجني بِكْراً، وما تزوَّج ◌ِكْراً غيري، ولقد تُوُفّيَ ﴾ وإنَّ رأسَه لفي حِجْري، ولقد قُبرَ في بيتي، ولقد حقَّتِ الملائكةُ بيتي، وإنْ كان الوحيُّ لينزلُ عليه وهو في أهله فيتفرقون(٢) عنه، وإن كان لَينزلُ عليه وأنا معه في لحافِه فما يُبِينُني عن جسده، وإني لابنةُ خليفتِهِ وصديقِه، ولقد نَزَل عُذْرِي من السماء، ولقد خُلقتُ طيّبةً وعند طيِّبٍ، ولقد وُعدتُ مغفرةً ورزقاً كريماً؛ تَعْني قولَه تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجنة(٣). قوله تعالى: ﴿يَيُّهَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوُنَا غَّرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَأْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فيه سبع عشرة مسألة: (١) الكشاف ٣/ ٥٧ . (٢) في (م): فينصرفون، وفي (د) فيفرقون، والمثبت من (ز) و(ظ) و(ف). (٣) الوسيط ٣١٤/٣ - ٣١٥، وأخرجه أبو يعلى (٤٦٢٦)، من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن جدته، عن عائشة. وإسناده ضعيف جداً، علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وجدته مجهولة. وقال الهيثمي في المجمع ٢٤١/٩ : في الصحيح وغيره بعضه، وفي إسناد أبي يعلى من لم أعرفهم. وأورده البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٢٤٨/٧ وزاد نسبته للحميدي ولابن أبي عمر. وقد أخرج البخاري (٣٨٩٥) ومسلم (٢٤٣٨) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله#: ((أُريتُك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سَرَقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك ... وأخرج البخاري (٤٤٤٧) ومسلم (٢٤٤٣) عن عائشة قولها: لما كان يومي قبضه الله بين سخري ونحْري. ١٨٧ سورة النور: الآية ٢٧ الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا﴾ لما خصَّص الله سبحانه ابنَ آدم الذي كرَّمه وفضَّله بالمنازل وسترهم فيها عن الأبصار، وملَّكهم الاستمتاعَ بها على الانفراد، وحَجَر على الخلق أن يطّلعوا على ما فيها من خارج، أو يَلِجُوها من غير إذنٍ أربابها(١)، أذَّبهم بما يرجع إلى الستر عليهم؛ لئلا يطّلع أحدٌ منهم على عَوْرة. وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﴾ قال: ((مَنِ اطّلعَ في بيتٍ قومٍ بغير(٢) إذنهم، حلَّ لهم أن يفقؤوا عينَه))(٣). وقد اختلف في تأويله؛ فقال بعضُ العلماء: ليس هذا على ظاهره، فإن فقأ فعليه الضمانُ، والخبرُ منسوخٌ (٤)، وكان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ﴾ [النحل: ١٢٦]. : ويحتمل أن يكونَ خَرَج على وجه الوعيدِ، لا على وجه الحَتْم، والخبرُ إذا كان مخالفاً لكتاب الله تعالى، لا يجوز العملُ به، وقد كان النبيُّ # يتكلّم بالكلام في الظاهر وهو يريد شيئاً آخر، كما جاء في الخبر: أنَّ عباس بن مِرْداس لمَّا مَدَحه قال لبلال: ((قُمْ فاقطع لسانَه))(٥) وإنَّما أراد بذلك أن يدفعَ إليه شيئاً، ولم يُرِدْ به القطعَ في الحقيقة. وكذلك هذا يحتمل أن يكون ذكر فَقْء العين، والمراد أن يُعمل به عملٌ؛ حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيرِه. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٦/٣. (٢) في (م) و(د) و(ز): من غير، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق لما في صحيح مسلم. (٣) صحيح مسلم (٢١٥٨)، وأخرجه بنحوه أحمد (٨٩٩٧)، والبخاري (٦٩٠٢). (٤) لم نقف على من ذكر أن الخبر منسوخ، ومن قال: عليه الضمان؛ تأول الحديث بما سيرد. ينظر فتح الباري ٢٤٤/١٢ - ٢٤٥، وأحكام القرآن للجصاص ٣١٣/٣ - ٣١٤، والمعلم للمازري ٢٤٩/٢ ، وإكمال المعلم ٤٧٢/٥، والمفهم ٣٤/٥ . (٥) سلف ٢٦٣/١٠. ١٨٨ سورة النور: الآية ٢٧ وقال بعضهم: لا ضمانَ عليه ولا قصاص، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لحديث أنس، على ما يأتي(١). الثانية: سببُ نزول هذه الآيةِ ما رواه الطبريُّ وغيرُه: عن عَدِيّ بن ثابت، أنَّ امرأةٌ من الأنصار قالت: يا رسول الله، إنّ أكونُ في بيتي على حالٍ لا أحِبُّ أن يراني عليها أحدٌ، لا والد ولا ولد، فيأتي الأبُ فيدخل عليَّ، وإنَّه لا يزال يدخل عليَّ رجلٌ من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت الآية(٢). فقال أبو بكر : يا رسولَ الله، أفرأيت الخانات والمساكن في طرقٍ الشام ليس فيها ساكن؛ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيِّرَ مَسْكُونَةٍ﴾(٣). الثالثة: مدّ الله سبحانه وتعالى التحريمَ في دخول بيتٍ ليس هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس(٤)، وهو الاستئذان، قال ابنُ وهب: قال مالك: الاستئناس فيما نرى والله أعلم: الاستئذان، وكذا في قراءة أُبَيّ وابنٍ عباس وسعيدٍ بن جُبير: ((حَتَّى تَسْتَأذِنُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا))(٥). وقيل: إنَّ معنى ((تستأنسوا)): تستعلموا، أي: تستعلموا مَنْ في البيت. قال مجاهد: بالتنحنح، أو بأي وجهٍ أمكن، ويتأنّى قدرَ ما يَعلم أنّه قد شُعِر به، ويدخل إثْر ذلك. وقال معناه الطبري، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُهْدًا﴾ [النساء: ٦] أي: علمتم(٦). وقال الشاعر(٧): (١) عند تفسير الآية (٢٨) من هذه السورة، المسألة الثانية. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٤٢/١٧ - ٢٤٣، والواحدي في أسباب النزول ص٣٣٧ . (٣) أسباب النزول للواحدي ص٣٣٧ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٦/٣. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٧/٣، والتمهيد ١٩٢/٣، ١٩٦، والاستذكار ١٥٩/٢٧ - ١٦٠، ولم یذکر قراءة سعيد بن جبير. (٦) المحرر الوجيز ١٧٥/٤. وتفسير الطبري ٢٤٣/١٧، وتفسير مجاهد ٤٣٩/٢. (٧) هو الحارث بن حِلِّزة، كما في شرح المعلقات للنحاس ٥٧/٢، والمعاني الكبير ٣٤٣/١، = ١٨٩ سورة النور: الآية ٢٧ آنَستْ نَبْأةً وأفزعها القُنّـ ـاصُ عصراً وقددنا الإمساءُ قلت: وفي ((سنن ابن ماجه)): حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبدُ الرحيم بن سليمان، عن واصل بن السائب، عن أبي سَوْرة، عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئذان؟ قال: ((يتكلم الرجلُ بتسبيحةٍ وتكبيرةٍ وتحميدةٍ، ويَتَنحنَحِ، ويُؤْذِن أهل البيت(١)). قلت: وهذا نصٌّ في أنَّ الاستئناسَ غيرُ الاستئذان، كما قال مجاهد ومن وافقه. الرابعة: وروي عن ابن عباس - وبعض الناس يقول: عن سعيد بن جُبير -: ((حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا)) خطأ أو وَهَم من الكاتب، إنَّما هو: ((حتى تستأذنوا)). وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيرِه(٢)؛ فإنَّ مصاحفَ الإسلام كلَّها قد ثبت فيها ﴿حَّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾، وصحَّ الإجماع فيها من لَدُن مدَّة عثمان، فهي التي لا يجوزُ خلافُها، وإطلاقُ الخطأ والوَهَم على الكاتبِ في لفظٍ أجمع الصحابةُ عليه قولٌ لا يصح عن ابن عباس (٣)، وقد قال عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. = والحيوان ٣٨٩/٤. قال النحاس: آنست: أحست، النبأة: الصوت الخفي، القنّاص: الصيادون، والعصر: العشي. (١) سنن ابن ماجه (٣٧٠٧). قال في مصباح الزجاجة ٤/ ١١٠: هذا إسناد ضعيف؛ أبو سورة هذا، قال البخاري: منكر الحديث، يروي عن أبي أيوب مناكير لا يتابع عليها. وفيه أيضاً واصل بن السائب؛ قال البخاري في التاريخ الكبير ١٧٣/٨: منكر الحديث. (٢) المحرر الوجيز ١٧٦/٤، وأخرج أثر ابن عباس الطبري في تفسيره ٢٣٩/١٧، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٨٠٢) من طريقين عن أبي بشر جعفر بن إياس أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه الطبري ١٧/ ٢٤٠، والبيهقي في الشعب (٨٨٠٣) من طريق شعبة، عن جعفر أبي بشر، عن سعيد بن جبير. وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٠): وهذا غريب جداً عن ابن عباس. وقال أبو حيان في البحر المحيط ٤٤٥/٦ : ومن روى عن ابن عباس أن قوله: تستأنسوا خطأ أو وهم من الكاتب فهو طاعن في الإسلام؛ ملحدفي الدين، وابن عباس بريء من هذا القول. (٣) المحرر الوجيز ١٧٦/٤ . ١٩٠ سورة النور: الآية ٢٧ وقد روي عن ابن عباس: أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، والمعنى: حتى تسلِّموا على أهلها وتستأنسوا. حكاه أبو حاتم(١). قال ابنُ عطية(٢): ومما يَنْفِي هذا القولَ عن ابن عباس وغيره أنَّ ((تستأنسوا)) متمكنة في المعنى، بيِّنَةُ الوجه في كلام العرب. وقد قال عمر للنبيّ ﴾: أستأنسُ يا رسول الله؟ وعمرُ واقفٌ على باب الغرفة. الحديث المشهور(٣). وذلك يقتضي أنه طلبَ الأنس به ﴾، فكيف يخطّئُ ابنُ عباس أصحابَ الرسول في مثل هذا. قلت: قد ذكرنا من حديث أبي أيوب أنَّ الاستئناسَ إنَّما يكون قبل السلام، وتكون الآية على بابها لا تقديم فيها ولا تأخير، وأنه إذا دخل سلّم. والله أعلم. الخامسة: السُّنَّةُ في الاستئذان ثلاثُ مرات لا يُزاد عليها. قال ابن وهب: قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحبُّ أن يزيدَ أحدٌ عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأساً أن يزيدَ إذا استيقن أنه لم يسمع(٤). وصورةُ الاستئذان أن يقولَ الرجل: السلام عليكم أأدخل؟ فإن أُذِن له دخل، وإن أُمر(٥) بالرجوع انصرف، وإن سكت عنه استأذن ثلاثاً، ثمَّ ينصرف من بعد الثلاث. وإنَّما قلنا: إنَّ السنّةَ الاستئذانُ ثلاث مرات لا يزاد عليها؛ لحديث أبي موسى الأشعريّ، الذي استعمله مع عمر بن الخطاب، وشهد به لأبي موسى أبو سعيد الخُدريُّ، ثم أُبيّ بن كعب، وهو حديثٌ مشهور أخرجه الصحيح (٦)، وهو نصّ (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٤٥/٢، وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٤١/١٧ . (٢) في المحرر الوجيز ١٧٦/٤ . (٣) أخرجه البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩) (٣٤) مطولاً من حديث ابن عباس. (٤) التمهيد ١٩٢/٣، والاستذكار ١٥٩/٢٧. (٥) في (د) و(ز) و(ظ) أمره، وفي (ف) أمر له، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٧٦/٤ والكلام منه. (٦) صحيح البخاري (٦٢٤٥)، وصحيح مسلم (٢١٥٣)، وهو في مسند أحمد (١٩٦١١)، والكلام في المحرر الوجيز ١٧٦/٤ . ١٩١ سورة النور: الآية ٢٧ صريح؛ فإن فيه: فقال - يعني عمر -: ما مَنَعك أنْ تأتيَنا؟ فقلت: أتيتُ فسلَّمتُ على بابِكَ ثلاثَ مراتٍ فلم تردّ عليَّ، فرجعتُ، وقد قال رسولُ الله﴾: ((إذا استأذنَ أحدُكم ثلاثاً فلم يُؤذّن له فَلْيرجع)». وأما ما ذكرناه من صورة الاستئذان، فلِما (١) رواه أبو داود، عن رِبْعِيّ قال: حدّثنا رجلٌ من بني عامر، استأذن على النبيِّ # وهو في بيتٍ، فقال: أَلجُ(٢)؟ فقال النبيُّ# لخادمه: ((اخرُجْ إلى هذا فعلِّمْهُ الاستئذانَ؛ فقل(٣) له: قُل: السلامُ عليكم، أَأدخل)) فسمعه الرجلُ، فقال: السلام عليكم، أَأدخلُ؟ فأَذِنَ له النبيُّ﴾ فدخل (٤). وذكره الطبري، وقال: فقال رسول اللـه # لأَمةٍ له يقال لها: روضة: ((قولي لهذا يقول: السلامُ عليكم، أأدخلُ؟)) الحديث(٥). وروي أنَّ ابنَ عمر آذته الرَّمضاءُ يوماً، فأتى فُسْطاطاً لامرأةٍ من قريش، فقال: السلام عليكم أَأَدخلُ؟ فقال المرأةُ: ادخل بسلام، فأعاد فأعادتْ، فقال لها: قولي: ادخُلْ، فقالت ذلك، فَدَخل. فتوقّف لما قالت: بسلام؛ لاحتمال اللفظِ أن تريدَ بسلامك لا بشخصك(٦). (١) في (م): فما. (٢) في (٥) و(ظ): أألج. (٣) في (م) و(د) و(ز) و(ف): فقال، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في سنن أبي داود. (٤) سنن أبي داود (٥١٧٧). وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١٠٠٧٥)، وأحمد (٢٣١٢٧) من طريق منصور، عن ربعي بن حِراش، عن رجل من بني عامر. وهذا إسناد منقطع، ربعي لم يسمعه من الرجل العامري، فقد أخرجه أبو داود (٥١٧٨) من طريق منصور، عن ربعي، قال: حُدِّثتُ أن رجلاً من بني عامر ... ، وكذلك أخرجه من طريق منصور، عن ربعي، ولم يقل عن رجل من بني عامر. وله شاهد من حديث كلدة بن حنبل، سيرد في المسألة الثالثة عشرة. ومن حديث ابن عمر سيرد قريباً. (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٤١/١٧ - ٢٤٢ من طريق ابن سيرين وعمر بن سعيد الثقفي: أن رجلاً استأذن ... ، فذكره، وهو خبر منقطع، ابن سيرين وعمرو بن سعيد تابعيان، لم يدركا عهد النبوة. (٦) المحرر الوجيز ١٧٦/٤، وأخرج الأثر الطبري في تفسيره ٢٤١/١٧ وإسناده منقطع. والرمضاء: الأرض الشديدة الحرارة، والفسطاط: بيت يتخذ من الشعر. القاموس (رمض)، والمعجم الوسيط (قسط). ١٩٢ سورة النور: الآية ٢٧ السادسة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما خُصّ الاستئذان بثلاث؛ لأنَّ الغالبَ من الكلام إذا كُرِّر ثلاثاً سُمع وفُهم؛ ولذلك كان النبيُّ # إذا تكلّم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى يُفهم عنه، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثاً(١). وإذا كان الغالبُ هذا؛ فإذا لم يُؤذن له بعد ثلاثٍ، ظهر أنَّ ربَّ المنزل لا يريدُ الإذنَ، أو لعلَّه يمنعه من الجواب عنه عذرٌ لا يُمكنُه قطعُه؛ فينبغي للمستأذن أن ينصرفَ؛ لأنَّ الزيادةَ على ذلك قد تُقلق ربَّ المنزل، وربَّما يضره الإلحاحُ حتى ينقطع عما كان مشغولاً به، كما قال النبيّ ﴾ لأبي أيوب حين استأذن عليه، فخرج مستعجلاً فقال: ((لعلَّنا أعجلناك ... )) الحديث(٢). وروى عُقيل عن ابن شهاب قال: أما سنة التسليمات الثلاث فإنَّ رسولَ الله ﴾ أتى سعد بن عُبادة فقال: ((السَّلام عليكم)) فلم يردّوا، ثم قال رسولُ الله 8#: ((السلام عليكم)) فلم يردّوا، فانصرف رسولُ اللـه ﴾، فلما فَقَد سعدٌ تسليمَه، عرف أنه قد انصرف؛ فخرج سعدٌ في أثره حتى أدركه، فقال: وعليك السَّلام يا رسولَ الله، إنَّما أردنا أنْ نستكثرَ من تسليمك، وقدْ ۔ واللهِ - سمعنا، فانصرف رسولُ الله ﴾ مع سعد حتی دخل بيته(٣). قال ابنُ شهاب: فإنَّما أخِذ التسليم ثلاثاً من قِبَل ذلك، رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ قال: سمعت يحيى بن أبي كثيرٍ يقول: حدثني محمدُ بن عبد الرحمن بنٍ أسعد بن زرارة [عن قيس بن سعد] قال: زارنا رسولُ الله # في منزلنا، فقال: (١) المفهم ٤٧٤/٥ ، والحديث أخرجه أحمد (١٣٢٢١)، والبخاري (٩٤) عن أنس (٢) المفهم ٤٧٤/٥ - ٤٧٥، وهذه القصة لم نقف عليها منسوبة لأبي أيوب، وقد أخرج أحمد (١١١٦٢) والبخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٥) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله # مرَّ على رجلٍ من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر، فقال له: ((لعلنا أعجلناك)). وهذا الرجل الأنصاري سماه مسلم في رواية أخرى (٣٤٣): عِثْبان. وينظر فتح الباري ٢٨٤/١ . (٣) أخرج قصة سعد بن عبادة أحمد (١٥٤٧٦)، وأبو داود (٥١٨٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٨٣). ولم نقف على قول الزُّمري. ١٩٣ سورة النور: الآية ٢٧ ((السلام عليكم ورحمة الله)) قال: فردَّ سعدٌ ردًّا خفيًّا، قال قيس: فقلتُ: أَلا تأذنُ لرسولِ الله﴾؟ فقال: ذَرْه يُكثرْ علينا من السلام ... الحديث. أخرجه أبو داود(١) وليس فيه ((قال ابنُ شهاب: فإنَّما أخذ التسليم ثلاثاً من قِبَل ذلك)). قال أبو داود(٢): ورواه عمر بن عبد الواحد وابن سماعة عن الأوزاعيّ مرسلاً، لم يذكرا قيس بن سعد. السابعة: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ الاستئذانَ تَرَكَ العملَ به الناسُ. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وذلك لاتخاذ الناس الأبوابَ وقَرْعها، والله أعلم(٣). روى أبو داود عن عبد الله بن بُسر قال: كان رسولُ الله﴿ إذا أتى بابَ قومٍ، لم يستقبل البابَ من تلقاءِ وجههِ، ولكنْ من رُكنه الأيمن أو الأيسر، فيقول: ((السَّلامُ عليكم السَّلامُ عليكم)) وذلك أنَّ الدُّورَ لم يكن عليها يومئذٍ ستورٌ(٤). الثامنة: فإن كان البابُ مردوداً، فله أن يقفَ حيثُ شاء منه ويستأذن(٥)، وإن شاء دقَّ الباب؛ لما رواه أبو موسى الأشعري، أنَّ رسولَ اللـه# كان في حائطٍ بالمدينة على قُفِّ البئر مدلٍ (٦) رجليه في البئر، فدقَّ البابَ أبو بكر، فقال له رسولُ الله ◌ِ﴾: ((إِيذن له وبشِّرْه بالجنةِ))(٧). هكذا رواه عبدُ الرحمن بن أبي الزناد، وتابعه صالح بن (١) في سننه (٥١٨٥)، وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٠٨٤) وأحمد (١٥٤٧٦) وما بين حاصرتين منهما. (٢) في سننه عقب الحديث السالف. (٣) التمهيد ٢٠٣/٣، وخبر ابن عباس أخرجه أبو داود (٥١٩٢) من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٨/ ٦٦ : قال بعضهم: هذا لا يصح عن ابن عباس. (٤) سنن أبي داود (٥١٨٦). وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٦٢/٨: في إسناده بقية، وفيه مقال. اهـ وهو متابع بإسماعيل بن عياش كما عند أحمد (١٧٦٩٢)، وعثمان بن سعيد بن كثير ويحيى بن سعيد العطار كما عند البيهقي في شعب الإيمان (٨٨٢٢) و(٨٨٢٣). (٥) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب ٢٣٨/١ . (٦) في (م): فمد. (٧) أخرجه أحمد (١٩٦٥٣)، والبخاري (٧٠٩٧)، ومسلم (٢٤٠٣) مطولاً، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ٢٣٩/١. واللفظ له، قوله: قُّ البئر: هو الدَّكّة التي تُجعل حولها، وأصل القفّ: ما غلظ من الأرض وارتفع. النهاية (قفف). ١٩٤ سورة النور: الآية ٢٧ كَيْسان ويونس بن يزيد، فرووه جميعاً عن أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن ابن نافع، عن أبي موسى. وخالفهم محمدُ بن عمرو الليثي، فرواه عن أبي الزِّناد، عن أبي سلمة، عن نافع بن عبد الحارث، عن النبيِّ # كذلك، وإسناد الأوّل أصح، والله أعلم (١). التاسعة: وصفةُ الدَّقِّ أن يكون خفيفاً بحيث يسمع، ولا يَعنُف في ذلك؛ فقد روى أنسُ بن مالكِ﴾ قال: كانت أبوابُ النبيِّ# تُقرع بالأظافير. ذكره أبو بكر أحمدُ بن علي بن ثابت الخطيب في ((جامعه))(٢). العاشرة: روى الصحيحان وغيرُهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: استأذنتُ على النبيِّ ﴾، فقال: ((مَنْ هذا»؟ فقلتُ: أنا، فقال النبيُّ ﴾: ((أنا أنا))! كأنَّه کره ذلك(٣). قال علماؤنا: إنَّما كره النبيُّ# ذلك؛ لأنَّ قولَه: أنا، لا يحصل بها تعريف (٤)، وإنَّما الحكمُ في ذلك أنْ يذكرَ اسمَه، كما فعل عمر بنُ الخطاب ﴾ وأبو موسى؛ لأنَّ في ذِكْر الاسم إسقاطَ كُلْفة السؤال والجواب(٥). ثبت عن عمرَ بنِ الخطاب، أنَّه أتى النبيَّ # وهو في مَشْرُبة له، فقال: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله، السَّلامُ علیکم، أَيدخلُ عمر؟(٦) وفي ((صحيح مسلم))(٧) أنَّ أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: السَّلامُ عليكم، هذا أبو موسى، السَّلامُ عليكم، هذا الأشعري ... الحديث. (١) الجامع لأخلاق الراوي ٢٣٨/١ - ٢٤٠ . (٢) الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٤٠، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد (١٠٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٨٢١). (٣) صحيح البخاري (٦٢٥٠)، وصحيح مسلم (٢١٥٥)، وهو في مسند أحمد (١٤٤٣٩). (٤) معالم السنن ١٥٤/٤، والمفهم ٤٧٨/٥ . (٥) المفهم ٤٧٨/٥ . (٦) أخرجه أحمد (٢٧٥٦)، وأبو داود (٥٢٠١)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٨٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٧) (٢١٥٤) وسلف في المسألة الخامسة. ١٩٥ سورة النور: الآية ٢٧ الحادية عشرة: ذكر الخطيب في ((جامعه))(١) عن عليّ بن عاصم الواسطيّ، قال: قدمتُ البصرةَ، فأتيتُ منزلَ شُعبة، فدققتُ عليه البابَ، فقال: مَنْ هذا؟ قلتُ: أنا، فقال: يا هذا، ما لي صدیقٌ یقال له: أنا، ثم خرج إليَّ، فقال: حدثني محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: أتيتُ النبيَّ# في حاجةٍ لي فضربتُ(٢) عليه البابَ فقال: (مَنْ هذا))؟ فقلتُ: أنا، فقال: ((أنا أنا))! كأنّ رسولَ الله# كره قولي هذا، أو قولَه هذا. وذَكَر عن عمر بن شَبَّة، حدّثنا محمد بن سلام، عن أبيه، قال: دققتُ على عمرو بن عُبيد(٣) الباب فقال لي: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: لا يعلم الغيب إلا الله. قال الخطيب: سمعت عليَّ بن المُحَسِّن القاضي(٤)، يحكى عن بعض الشيوخ، أنه كان إذا دُقَّ بابُه فقال: مَنْ ذا؟ فقال الذي على الباب: أنا، يقول الشيخ: أنا، هَم دَقّ(٥). الثانية عشرة: ثم لكلِّ قومٍ في الاستئذان عُرْفُهم في العبارة (٦)، كما رواه أبو بكر الخطيب(٧) مُسنداً عن أبي عبد الملك مولى أُمِّ مسكين بنتِ عاصم بن عمر بن الخطاب قال: أرسلتني مَؤلاتي إلى أبي هريرة، فجاء معي، فلما قامَ بالبابِ، قال: (١) ١/ ٢٤٢ - ٢٤٤ . (٢) في (م) فطرقت، وفي (د) و(ز) فصرخت، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في الجامع لأخلاق الراوي. (٣) هو أبو عثمان البصري، كبير المعتزلة، توفي سنة ١٤٤ هـ السير ١٠٤/٦ - ١٠٥. (٤) هو أبو القاسم التنوخي البصري، البغدادي، كان يتشيع ويذهب إلى الاعتزال، مات سنة ٤٤٧ هـ السير ٠٦٥٠/١٧ (٥) كذا في النسخ غير (ظ)، والجامع لأخلاق الراوي ٢٤٤/١، ووقع في (ظ): لم يفتح، بدل قوله: يقول الشيخ أنا هم دق. (٦) المحرر الوجيز ١٧٦/٤ . (٧) في الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٤٧ من طريق البخاري في الأدب المفرد (١١٠٠). وأبو عبد الملك: مجهول. التقريب. ١٩٦ سورة النور: الآية ٢٧ أَنْدِرايم؟(١) قالت: أندَرُون. وترجم عليه: باب الاستئذان بالفارسية(٢). وذَكَر عن أحمد بن صالح قال: كان الدَّرَاوَرْدِيُّ من أهلِ أصبهان نزل المدينةَ، فكان يقول للرجلِ إذا أراد أن يدخلَ: أندَرون، فلقبَّه أهلُ المدينة الدراوردي(٣). الثالثة عشرة: روى أبو داود عن كَلَدةَ بن حنبل، أنَّ صفوان بن أُمَيّة بعثَه إلى رسول الله# بلَبنٍ وجَدَاية وضَغَابِيس، والنبيُّ ﴾ بأعلى مكةَ، فدخلتُ ولم أُسلِّم، فقال: ((ارْجِعْ فقُل: السَّلام عليكم)) وذلك بعد ما أسلم صفوان بن أمية (٤). وروى أبو الزُّبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ قال: ((من لم يبدأُ بالسلام، فلا تَأْذُنُوا له)»(٥) . وذَكَر ابنُ جُريج، أخبرني عطاء قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: إذا قال الرجلُ: أَأدخلُ؟ ولم يُسلِّم فقل: لا. حتى يأتيَ بالمفتاح، فقلتُ: السلام عليكم؟ قال: نعم (٦). وروي أنَّ حذيفة جاءه رجلٌ، فنظر إلى ما في البيت، فقال: السَّلامُ عليكم، أأدخلُ؟ فقال حذيفةُ: أمَّا بعينك فقد دَخَلْتَ، وأما باسْتِكَ فلم تَدْخُل(٧). (١) في (د) و(م): أندر. ولم تجود في باقي النسخ. والمثبت من الجامع. قال أبو عبيد في غريب الحديث ٣٧٩/٤: هذه كلمة فارسية معناها: آدخلُ. وينظر ((النهاية)) (أندرم)، والمفصَّل في الألفاظ الفارسية المعرّبة ص٩٦ . (٢) من قوله (وترجم) إلى هنا ليس في (د) و(ز) و(ظ)، والمثبت من (م) و(ف). (٣) الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٤٧. (٤) سنن أبي داود (٥١٧٦)، وأخرجه أحمد (١٥٤٢٥)، والترمذي (٢٧١٠)، والنسائي في الكبرى (٦٧٠٢). والجداية: من أولاد الظباء ما بلغ ستة أشهر أو سبعة، والضغابيس: واحدها ضُغبوس، وهي صغار القِّاء. النهاية (جدا) (ضغبس). (٥) أخرجه أبو يعلى (١٨٠٩)، والخطيب في جامعه ٢٤١/١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢/٨: رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه. (٦) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٦٧) ومن طريقه الخطيب في جامعه ٢٤١/١. (٧) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٩٠). ١٩٧ سورة النور: الآية ٢٧ الرابعة عشرة: ومما يدخلُ في هذا الباب ما رواه أبو داود(١) عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﴿ قال: ((رسولُ الرَّجلِ إلى الرَّجلِ إِذْنُه)). أي: إذا أرسل إليه فقد أذن له في الدُّخول، يبينه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إذا دُعِيَ أحدُكم [إلى طعامٍ] فجاء مع الرسول، فإنَّ ذلك له إذنٌ)). أخرجه أبو داود أيضاً عن أبي هريرة(٢). الخامسة عشرة: فإن وقعت العينُ على العينِ، فالسلام قد تعيَّنَ، ولا تُعدُّ رؤيتُه إذناً لكَ في دخولك عليه، فإذا قضيتَ حقَّ السلام - لأنَّك الواردُ عليه - تقول: آدخلُ؟ فإنْ أذنَ لك وإلا رجعتَ(٣). السادسة عشرة: هذه الأحكام كلُّها إنَّما هي في بيتٍ ليس لك، فأما بيتُك الذي تسكُنُه، فإن كان فيه أهلُك، فلا إذن عليها(٤)، إلا أنك تُسلِّم إذا دخلتَ. قال قتادة: إذا دخلتَ بيتَك فسلِّم على أهلك(٥)؛ فهم أحقُّ من سلَّمتَ عليهم. فإن كان فيه معك أمُّك أو أختُك، فقالوا: تَنَحنَح واضْرِبْ برجلك حتى يَنْتَبِها لدخولك؛ لأنَّ الأهلَ لا حِشْمة بينَك وبينها. وأما الأم والأُخت فقد يكونا على حالةٍ لا تُحبُّ أن تَرَاهما فيها. قال ابن القاسم: قال مالك: ويستأذن الرجلُ على أُمِّه وأخته إذا أراد أن يدخل عليهما. وقد روى عطاء بن يسار، أنَّ رجلاً قال للنبيِّ #: أستأذنُ على أُمِّي؟ قال: ((نعم))، قال: إنِّي أَخدمها؟ قال: ((اسْتأذِنْ عليها)) فعاوده ثلاثاً، قال: ((أَتحبُّ أن تراها عُرْيانة))؟ قال: لا؛ قال: ((فاستأذِنْ عليها)). ذكره الطبري(٦). (١) في سننه (٥١٨٩). (٢) في سننه (٥١٩٠) وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً أحمد (١٠٨٩٤) وعلَّقه البخاري قبل الحديث (٦٢٤٦). وقال أبو داود: قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئاً. اهـ وتعقبه الحافظ في الفتح ٣١/١١ بقوله: قد ثبت سماعه منه في الحديث الذي سيأتي في البخاري في كتاب التوحيد (٧٥٥٤). (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٩/٣. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٩/٣. (٥) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ٦/ ٨٧ من قول قتادة. وأخرجه الترمذي في سننه (٢٦٩٨) مرفوعاً عن أنس ﴾ وقال: حديث حسن غريب. اهـ وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. (٦) في تفسيره ١٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥، ونقله المصنف عنه بواسطة أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٩/٣، = ١٩٨ سورة النور: الآيتان ٢٧ - ٢٨ السابعة عشرة: فإن دخل بيتَ نفسِه وليس فيه أحد، فقال علماؤنا: يقول: السلام علينا، من ربِّنا التحياتُ الطيباتُ المباركاتُ، لله السلامُ. رواه ابنُ وهب عن النبيّ ﴾، وسندُه ضعيف(١). وقال قتادة: إذا دخلتَ بيتاً ليس فيه أحد، فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنَّه يؤمر بذلك. قال: وذكر لنا أنَّ الملائكة تردّ عليهم (٢). قال ابن العربي(٣): والصحيحُ تركُ السلام والاستئذان، والله أعلم. قلت: قول قتادة حَسَن. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزَكَ لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيٌ فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِن ◌َّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا﴾ الضمير في ﴿تَجِدُواْ فِيهَا﴾ للبيوت التي هي بيوت الغير. وحكى الطبريُّ عن مجاهدٍ أنه قال: معنى قوله ﴿فَإِنِ أَرْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا﴾ أي: لم يكن لكم فيها متاع(٤). وضعّف الطبريُّ هذا التأويل، وكذلك هو في غاية الضعف، وكأنَّ مجاهداً رأى أنَّ البيوتَ غيرَ المسكونة إنَّما تُدْخَل دونَ إذن إذا كان للدَّاخل فيها متاع. ورأى لفظة ((المتاع)) متاع البيت، الذي هو البُسُط والثياب، وهذا كلُّه ضعيف(٥). = والكلام الذي قبله منه، وأخرجه مالك في الموطأ ٩٦٣/٢، وأبو داود في المراسيل (٤٨٨)، والبيهقي ٩٧/٧. قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٢٩/١٦: وهذا الحديث لا أعلم يستند من وجهٍ صحيح بهذا اللفظ، وهو مرسل صحيح مجتمع على صحة معناه. (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٥٠، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٨٨٣٤) وقال: لا أعرفه إلا من حدیث یزید بن عياض، وليس بالقوي. (٢) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ٦/ ٨٧ . (٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٣٥٠. (٤) تفسير الطبري ٢٤٧/١٧، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٧٦/٤ والكلام وما قبله وما بعده منه. وخبر مجاهد في تفسيره ٢/ ٤٤٠ . (٥) المحرر الوجيز ١٧٦/٤ . ١٩٩ سورة النور: الآية ٢٨ والصحيح أنَّ هذه الآيةَ مرتبطةٌ بما قبلها والأحاديثِ، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا، فإن أُذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا؛ كما فعل عليه الصلاة والسلام مع سعدٍ، وأبو موسى مع عمر رضي الله عنهما. فإنْ لم تجدوا فيها أحداً يأذَنُ لكم، فلا تدخلوها حتى تجدوا إذناً (١). وأسند الطبريُّ(٢) عن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبتُ عُمُري كلَّه(٣) هذه الآيةَ فما أدركتها، أن أستأذن على بعض إخواني، فيقولَ لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَزْكَ لَكُـ الثانية: لا بد من الإذن(٤)؛ سواء كان البابُ مغلقاً أو مفتوحاً؛ لأنَّ الشرعَ قد أَغلقَه بالتحريم للدخول حتى يفتحه الإذنُ من ربِّه، بل يجبُ عليه أن يأتي البابَ ويحاول الإذنَ على صفةٍ لا يطَّلعُ منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه، فقد روى علماؤنا عن عمرَ بنِ الخطاب أنه قال: مَنْ مَلأَ عينيه من قاعة بيت، فقد فَسَق (٥). وروی الصحیح عن سهل بن سعد، أنَّ رجلاً اطلع من جُخْرٍ في باب رسولِ الله ◌ِ﴾، ومع رسولِ الله ﴾ مِذْرَى يُرجِّل به رأسَه، فقال له رسولُ اللهِ﴾: ((لو أعلم أنَّك تنظرُ، لطَعَنْتُ به في عينك؛ إنَّما جَعَلَ اللهُ الإذنَ من أجل البصر))(٦). (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٥٠ وحديث عمر سلف ص١٩٤ من هذا الجزء، وحديث سعد سلف أيضاً ص١٩٢ من هذا الجزء. (٢) في تفسيره ٢٤٨/١٧، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٧٦/٤. (٣) قوله: كله، من (م) وتفسير الطبري. (٤) قوله: لا بد من الإذن، من (ظ). (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٥١/٣، وأخرج أثر عمر البخاريُّ في الأدب المفرد (١٠٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٨٢٨)، والقزويني في التدوين ١٥٢/١ من طريق عمار بن سعد النُّجِيبي، عن عمر موقوفاً. وعمار بن سعد لم يدرك عمر بن الخطاب . تهذيب الكمال ٣١٤/٥ . (٦) صحيح البخاري (٦٩٠١)، وصحيح مسلم (٢١٥٦)، وهو في مسند أحمد (٢٢٨٠٢). المدرى، والمدراة: شيء يعمل من حديد أو خشب على شكل سينٍّ من أسنان المشط يسرح به الشَّعَر المتلبد. النهاية (دری)، والمفهم ٤٧٩/٥ . ٢٠٠ سورة النور: الآيتان ٢٨ - ٢٩ وروى عن أنس، أنَّ رسول الـلـه ﴾ قال: «لو أنَّ رجلاً اطَّلع عليكَ بغير إذنٍ فَخَذَفتَه بحصاةٍ، ففقأتَ عينَه، ما كان عليك من جُناح))(١). الثالثة: إذا ثبت أنَّ الإذنَ شرطٌ في دخول المنزل، فإنه يجوز من الصغير والكبير، وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ، يستأذنُ على رسول اللـه : #، وكذلك الصحابةُ مع أبنائهم وغلمانهم ﴾(٢). وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر السورة(٣) إن شاء الله تعالى. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيٌ﴾ توعّدٌ لأهل التَّجسُّس على البيوت وطلب الدخول على غفلةٍ للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل (٤)، ولغيرهم ممن يقع في محظور. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيَّرَ مَسْكُونَةٍ فِيَهَا مَتَحٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ٢٩) فيه مسألتان : الأولى: رُويَ أنَّ بعضَ الناس لما نزلت آيةُ الاستئذان تعمَّق في الأمر، فكان لا يأتي موضعاً خَرِباً ولا مسكوناً إلا سلَّم واستأذَنَ؛ فنزلت هذه الآيةُ، أباح الله تعالى فيها رفع الاستئذان في كلِّ بيتٍ لا يسكنُه أحدٌ؛ لأنَّ العلةَ في الاستئذان إنَّما هي لأجل خوف الكَشْفة على الحُرُمات، فإذا زالت العلةُ زال الحكمُ(٥). (١) لم نقف عليه من حديث أنس، وأخرجه البخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨) (٤٤) وأحمد (٧٣١٣) من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٥١/٣. (٣) عند تفسير الآية (٥٨). (٤) في (م) ما لا يحل ولا يجوز، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. ١٧٦/٤ والكلام منه. (٥) المحرر الوجيز ٤ /١٧٧ . : ٠