Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة النور: الآية ١
وقرأ أبو عمرو: ((وفَرّضناها)) بالتشديد(١)؛ أي: قطّعناها في الإنزال، نَجْماً
نَجْماً، والفرض: القطع، ومنه: فُرْضة القوس، وفرائض الميراث، وفرض النفقة.
وعنه أيضاً: ((فرّضناها)): فضَّلناها وبيَّنَّاها(٢).
وقيل: هو على التكثير؛ لكثرة ما فيها من الفرائض(٣).
والسورة في اللغة: اسم للمنزلة الشَّريفة؛ ولذلك سُمّيت السورة من القرآن سورةً.
قال النابغة (٤):
ألم تَرَ أنَّ الله أعطاكَ سورةٌ ترى كلَّ مَلْكِ دونها يَتَذبذَبُ
وقد مضى في مقدّمة الكتاب القول فيها(٥).
وقرئ: ((سورةٌ)) بالرفع على أنها مبتدأ، وخبرها: ((أنزلناها)). قاله أبو عبيدة(٦)
والأخفش. وقال الزجاج والفرّاء والمُبَرّد: ((سورةٌ)) بالرفع، لأنها خبر الابتداء؛ لأنها
نكرة، ولا يبتدأ بالنكرة في كلِّ موضع، أي: هذه سورة(٧). ويحتمل أن يكون قوله
(سورة)) ابتداء، وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حدّ النكرة المحضة، فحسن الابتداء
لذلك، ويكون الخبر في قوله ((الزّانِيَةُ والزّانِي))(٨).
وقرئ: ((سورةً)) بالنصب، على تقدير: أنزلنا سورة أنزلناها (٩). وقال الشاعر:
(١) وهي قراءة ابن كثير أيضاً. السبعة ص٤٥٢، والتيسير ص١٦١.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤٩٣/٤، والكشف عن وجوه القراءات ١٣٣/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٧/٣ .
(٤) في الأصول: زهير، وهو خطأ، وقد سلف على الصواب ١٠٦/١.
(٥) ١٠٦/١ فما بعدها.
(٦) في مجاز القرآن ٦٣/٢.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٢٧/٤، ومعاني القرآن للفراء ٢٤٣/٢.
(٨) المحرر الوجيز ١٦٠/٤.
(٩) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب ٩٩/٢ .

١٠٢
سورة النور: الآيتان ١ - ٢
وَخْدِي وأخشى الرياحَ والمطرا(١)
والذئبَ أخشاه إن مررتُ به
أو تكون منصوبة بإضمار فعل؛ أي: اتل سورة. وقال الفرّاء: هي حال من الهاء
والألف، والحال من المكني يجوز أن يتقدمَ عليه(٢).
قوله تعالى: ﴿الَّنَةُ وَلَِّ فَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَدَّةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأَفَةٌ فِ
◌ِنِ اَللَّهِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِينَ
فيه اثنتان وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالزَّنِ﴾ كان الزّنَى في اللغة معروفاً قبل الشرع، مثل
اسم السرقة والقتل، وهو اسمٌ لوطءِ الرجلِ امرأةً في فرجها من غير نكاح ولا شبهة
نكاح، بمطاوعتها(٣). وإن شئت قلت: هو إدخال فرج في فرج مشتهَى طبعاً محرّمٍ
شرعاً(٤)، فإذا كان ذلك وجب الحدُّ. وقد مضى الكلام في حدّ الزنى وحقيقته وما
للعلماء في ذلك(٥).
وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى، اللَّتين في سورة النساء باتفاق(٦).
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِتَةَ لْدَةٍ﴾ هذا حدّ الزاني الحرّ البالغ البِكر، وكذلك
الزانية البِكر البالغة الحرّة، وثبت بالسُّنّة تغريب عام، على الخلاف في ذلك(٧).
(١) نسبه سيبويه في الكتاب ٨٩/١ الربيع بن ضبع الفزاري، وسلف ٩/ ١٩١.
(٢) المحرر الوجيز ١٦٠/٤.
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤/ ٢٨٧ .
(٤) تفسير الرازي ١٣١/٢٣.
(٥) ١٣٦/٧ وما بعدها.
(٦) المحرر الوجيز ١٦١/٤، والحق أن العلماء لم يختلفوا أن آيتي الحبس والإيذاء قد نُسختا، وإنما
الخلاف في الناسخ الذي نسخهما، أهو سورة النور أم حديث؟ أم أن سورة النور هي بيان وتفصيل
لهما؟ انظر ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس ١٦٢/٢، والإيضاح لناسخ القرآن لمكي ص٣٥٩، والنسخ
في القرآن لمصطفى زيد ١٣٩/١.
(٧) سلف ٦/ ١٤٠، و١٤٤.

١٠٣
سورة النور: الآية ٢
وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ
فَعَلَتِهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُعْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا في الأَمَة، ثم العبدُ
في معناها. وأما المُخْصَن من الأحرار فعليه الرّجْم دون الجلد. ومن العلماء من
يقول: يجلد مئة ثم يُرْجَم(١). وقد مضى هذا كلُّه ممهَّداً في ((النساء))(٢) فأغنى عن
إعادته، والحمد لله.
الثالثة: قرأ جمهور الناس(٣): ((الزَّانِيَةُ والزّانِي)) بالرفع.
وقرأ عيسى بن عمر الثَّقَفِيّ: ((الزانيةَ)) بالنصب(٤)، وهو أوجهُ عند سيبويه(٥)؛ لأنه
عنده كقولك: زيداً اضرب. ووجه الرفع عنده: خبر ابتداء، تقديره: فيما يتلى عليكم
الزانيةُ والزاني. وأجمع الناس على الرفع وإن كان القياس عند سيبويه النصب. وأما
الفرّاء والمبرّد والزجّاج(٦) فإنَّ الرفعَ عندهم هو الأوجه، والخبر في قوله:
«فاجلدوا)»؛ لأنَّ المعنى: الزانية والزاني مجلودان بحكم الله. وهو قول جيد، وهو
قول أكثر النحاة، وإن شئتَ قدّرتَ الخبر: ينبغي أن يُجلدا. وقرأ ابن مسعود:
((والزَّان)» بغير ياء(٧).
الرابعة: ذكر الله سبحانه وتعالى الذَّكَرَ والأنثى، والزَّاني كان يكفي منها، فقيل:
ذكرهما للتأكيد، كما قال تعالى: ﴿وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظنَّ ظانٌّ أنَّ الرجلَ لما كان هو الواطئَ والمرأةُ
(١) بداية المجتهد ٢٧٣/٤، ٢٧٦ - ٢٧٧، والاستذكار ٤٨/٢٤ - ٤٩، وينظر التمهيد ٧٩/٩.
(٢) ٦/ ٢٣٧ وما بعدها.
(٣) في (م): الجمهور.
(٤) المحرر الوجيز ١٦٠/٤، والقراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب ١٠٠/٢.
(٥) الكتاب ١٤٢/١ - ١٤٣.
(٦) معاني القرآن للفراء ٣٠٦/١، والكامل ٨٢٢/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢٧/٤، ونقله المصنف
عنهم بواسطة المحرر الوجيز ١٦٠/٤ - ١٦١ والكلام منه.
(٧) المحرر الوجيز ١٦٠/٤ - ١٦١، وقراءة ابن مسعود في القراءات الشاذة ص ١٠٠.

١٠٤
سورة النور: الآية ٢
محلٌّ ليست بواطئة؛ فلا يجب عليها حدٌّ؛ فذَكَرها رفعاً لهذا الإشكال الذي أوقع
جماعةٌ من العلماء، منهم الشافعيّ(١)، فقالوا: لا كفارة على المرأة في الوطء في
رمضان؛ لأنَّه قال: جامعتُ أهلي في نهار رمضان؛ فقال له النبيُّ ﴾ («كَفِّر)». فأمره
بالكفَّارة، والمرأةُ ليست بمجامعةٍ ولا واطئةٍ (٢).
الخامسة: قُدّمت ((الزانيةُ)) في هذه الآية؛ من حيث كان في ذلك الزمان زِنَی
النساء فاش، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت راياتٌ، وكنَّ مجاهراتٍ بذلك(٣).
وقيل: لأنَّ الزنى في النساء أَعرُّ(٤)، وهو لأجل الحَبَل أضرّ. وقيل: لأن الشهوة
في المرأة أكثر وعليها أغلب؛ فصدّرها تغليظاً لتَرْدَع شهوتها، وإن كان قد رُكِّب فيها
حياء، لكنها إذا زنت ذهب الحياء كلُّه(٥).
وأيضاً فإن العار بالنساء أَلْحق؛ إذ موضوعهنّ الحجبة(٦) والصيانة، فقُدِّم ذكرهنّ
تغليظاً واهتماماً.
السادسة: الألف واللام في قوله: ((الزانية والزاني)) للجنس، وذلك يعطي أنها
عامة في جميع الزناة.
ومن قال بالجَلد مع الرَّجم، قال: السُّنة جاءت بزيادة حكم؛ فيقام مع الجلد.
وهو قول إسحاق بن راهويه والحسن بن أبي الحسن، وفعلَه عليّ بن أبي طالب ﴾
(١) ينظر الأم ٢/ ٨٥ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٣/٣، والحديث أخرجه أحمد (٦٩٤٤)، والبخاري (١٩٣٦)، ومسلم
(١١١١) عن أبي هريرة ﴾. وأخرجه أحمد (٢٥٠٩٢)، والبخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢) عن
عائشة رضي الله عنها.
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٦١ .
(٤) من عرَّ، يقال: عرَّ فلان قومه، إذا دخل عليهم بشرٍّ يلطخهم به. تهذيب اللغة ١٠١/١.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٤/٣ .
(٦) في (م): الحجب، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٤/ ١٦١،
والكلام منه.

١٠٥
سورة النور: الآية ٢
بِشُرَاحة(١)، وقد مضى في ((النساء)) بيانه(٢).
وقال الجمهور: هي خاصة في البِكْرين، واستدلَّوا على أنها غير عامّة بخروج
العبيد والإماء منها(٣).
السابعة: نصّ الله سبحانه وتعالى [على](٤) ما يجب على الزانِيَيْن إذا شُهد بذلك
عليهما على ما يأتي(٥)، وأجمع العلماء على القول به.
واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد، فقال إسحاق
ابن راهويه: يضرب كلُّ واحد منهما مئة جلدة. وروي ذلك عن عمر وعليّ، وليس
يثبت ذلك عنهما. وقال عطاء وسفيان الثّورِيّ: يؤدّبان. وبه قال مالك وأحمد، على
قدر مذاهبهم في الأدب. قال ابن المنذر(٦): والأكثر ممن رأيناه يرى على من وُجد
على هذه الحال الأدبَ. وقد مضى في ((هود))(٧) اختيارُ ما في هذه المسألة،
والحمد لله وحده.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَجْلِدُوا﴾ دخلت الفاء لأنه موضع أمر، والأمرُ مضارع
للشرط. وقال المَبَرّد: فيه معنى الجزاء، أي: إن زنى زانٍ فافعلوا به كذا، ولهذا
دخلت الفاء، وهكذا ﴿السارقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (٨) [المائدة: ٣٨].
التاسعة: لا خلاف أنَّ المخاطبَ بهذا الأمر الإمامُ ومَنْ نابَ مَنَابَه، وزاد مالك
والشافعيّ السادةَ في العبيد، قال الشافعيّ: في كلِّ جلدٍ وقَظْعٍ، وقال مالك: في
(١) المحرر الوجيز ٤ / ١٦١ .
(٢) ٦ / ١٤٤ .
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٦١.
(٤) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٥) عند تفسير الآية (٤) من هذه السورة.
(٦) في الإشراف ٢/ ٥٥ ، وما قبله منه.
(٧): ٢٣٢/١١.
(٨) الكامل ٢/ ٨٢٢ - ٨٢٣ .

١٠٦
سورة النور: الآية ٢
الجلد دون القطع (١).
وقيل: الخطاب للمسلمين؛ لأنَّ إقامةَ مراسم الدِّين واجبةٌ على المسلمين، ثم
الإمام ينوبُ عنهم؛ إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود(٢).
العاشرة: أجمع العلماء على أنَّ الجلد بالسَّوْط يجب، والسَّوْط الذي يجب أن
يجلد به: يكون سوطاً بين سَوْطين، لا شديداً ولا ليِّناً. وروى مالك، عن زيد بن أسلم،
أنَّ رجلاً اعترف على نفسه بالزِّنى على عهد رسول الله ﴾، فدعا له رسولُ الله ﴾
بسَوْط، فأُتيَ بسَوْط مكسورٍ، فقال: ((فوق هذا»، فأُتي بسَوْط جديد لم تقطع ثمرتُه،
فقال: ((دون هذا))، فأُتي بسَوْط قد رُكِّب به ولَانَ، فَأَمرَ به رسولُ اللـه :﴾ فجُلِد.
الحديث(٣). قال أبو عمر: هكذا رَوى هذا الحديث مرسلاً جميعُ رواة الموطّأ، ولا
أعلمه يستندُ بهذا اللفظ من وجهٍ من الوجوه، وقد روى مَعْمر، عن يحيى بن أبي
كثير، عن النبيّ ◌َ# مثلُه سواء(٤).
وقد تقدّم في ((المائدة)) ضَرْب عمر قُدامةً(٥) في الخمر بسوط تامٌّ. يريد: وَسَطاً.
الحادية عشرة: اختلف العلماء في تجريد المجلود في الزنى، فقال مالك وأبو
حنيفة وغيرُهما: يُجرّد، ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يَقِيها الضربَ. وقال
الأوزاعِيُّ: الإمامُ مخيَّر، إنْ شاء جَرّد وإنْ شاء ترك. وقال الشَّعْبيُّ والنَّخَعِيُّ:
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٤/٣.
(٢) ينظر تفسير أبي الليث ٤٢٧/٢، وتفسير الرازي ١٤٤/٢٣ - ١٤٥.
(٣) الموطأ ٨٢٥/٢ عن زيد بن أسلم مرسلاً، وأخرجه البيهقي من طريقه ٣٢٦/٨ ونقل عن الشافعي قوله:
هذا حديث منقطع ليس مما يثبت به، هو نفسه حجة، وقد رأيت من أهل العلم عندنا من يعرفه ويقول
به، فنحن نقول به. اهـ . وقوله: سوط مكسور: أي: ليّن ضعيف، وسوط لم تقطع ثمرته، أي: طرفه
الذي يكون في أسفله. النهاية (كسر)، (ثمر).
(٤) التمهيد ٣٢١/٥ - ٣٢٢، وأخرج خبر معمر عبد الرزاق (١٣٥١٥).
(٥) في النسخ: الجارود، وهو سبق قلم، والتصويب مما تقدم في سورة المائدة ٨/ ١٧٤ ، من قصة
الجارود مع عمر بن الخطاب في جلد قدامة بن مظعون.

١٠٧
سورة النور: الآية ٢
لا يُجرّد، ولكن يُترك عليه قميصٌ(١). قال ابن مسعود: لا يحلُّ في هذه الأُمّة تجريدٌ
ولا مدٌّ. وبه قال الثورِيّ(٢).
الثانية عشرة: اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء:
فقال مالك: الرجل والمرأة في الحدود كلّها سواء، لا يقام واحد منهما، ولا
يجزي عنده إلا في الظهر(٣).
وأصحاب الرأي والشافعي يرونَ أن يُجلدَ الرجلُ وهو واقف، وهو قول عليّ بن
أبي طالب ﴾(٤).
وقال اللَّيْث وأبو حنيفة والشافعيّ: الضرب في الحدود كلُّها وفي التعزير،
مجرّداً قائماً غير ممدود، إلا حدّ القذف، فإنه يضرب وعليه ثيابه. وحكاه المهدويّ
في ((التحصيل)) عن مالك. وينزع عنه المَحْشُو والفَرْو. وقال الشافعي: إن كان مدّه
صلاحاً مُدَّ(٥).
الثالثة عشرة: واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود:
فقال مالك: الحدود كلُّها لا تضرب إلا في الظهر، وكذلك التعزير. وقال
الشافعيّ وأصحابه: يُتَّقَى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء، وروي عن عليّ (٦).
وأشار ابن عمر بالضرب إلى رِجْلَيْ أَمَةٍ جَلَدَها في الزِّنى. قال ابن عطية(٧):
(١) الإشراف لابن المنذر ٢٣/٢ - ٢٤.
(٢) الإشراف ٢٥/٢، وأخرج قول ابن مسعود عبد الرزاق (١٣٥٢٢)، والطبراني في الكبير ٣٤٠/٩
(٩٦٩٠)، والبيهقي ٣٢٦/٨.
(٣) التمهيد ٣٣٥/٥ و٣٣٦ .
(٤) الإشراف ٢٤/٢، والمحرر الوجيز ١٦١/٤.
(٥) التمهيد ٣٣٦/٥ .
(٦) التمهيد ٣٣٤/٥ - ٣٣٥.
(٧) في المحرر الوجيز ١٦١/٤ وما قبله منه.

١٠٨
سورة النور: الآية ٢
والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمَقاتل.
واختلفوا في ضرب الرأس؛ فقال الجمهور: يُتّقَى الرأس. وقال أبو يوسف:
يضرب الرأس. وروي عن عمر وابنه قالا: لا يضرب الرأس(١). وضرب عمر ﴾
صّبِيغاً في رأسه وكان تعزيراً لا حدًّا (٢). ومن حجة مالك ما أدرك عليه الناس(٣)،
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((البينةَ؛ وإلا حَدٍّ في ظهرك)) وسيأتي (٤).
الرابعة عشرة: الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلماً؛ لا يَجرح ولا يَبْضَع(٥).
ولا يُخرج الضاربُ يدَه من تحت إبطه، وبه قال الجمهور، وهو قول عليّ وابن
مسعود رضي الله عنهما (٦). وأُتَيَ عمر ﴾ برجل في حدٍّ، فأتى بسوط بين سوطين
وقال للضارب: اضرب ولا يُرى إبطك، وأعط كلَّ عضو حقَّه(٧). وأُتيَ ﴾ بشارب
فقال: لأبعثنَّك إلى رجلٍ لا تأخذه فيك هَوَادٌ؛ فبعثه إلى مطيع بن الأسود
العدويّ(٨)، فقال: إذا أصبحتَ الغدَ، فاضربه الحدَّ، فجاء عمرُ ﴾ وهو يضربه ضرباً
شديداً، فقال: قتلتَ الرجلَ! كم ضربته؟ قال: ستين. قال: أَقِصَّ عنه بعشرين(٩).
قال أبو عبيد(١٠): ((أَقِصَّ عنه بعشرين)) يقول: اجعل شدّة هذا الضربِ الذي ضربتَه
(١) في النسخ: يضرب الرأس، والمثبت من التمهيد ٣٣٥/٥ والكلام منه.
(٢) سلف ٥/ ٢٣ - ٢٤.
(٣) التمهيد ٣٣٦/٥.
(٤) ص١٣٩ من هذا الجزء، والحديث أخرجه البخاري (٢٦٧١) عن ابن عباس.
(٥) الإشراف ٢/ ٢٧ .
(٦) الإشراف ٢/ ٢٥ دون ذكر ابن مسعود، وأخرج قول ابن مسعود عبد الرزاق (١٣٥١٩)، والطبراني في
الكبير ١٠٩/٩ (٨٥٧٢)، والبيهقي ٣٢٦/٨.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥١٦)، وابن أبي شيبة ٤٨/١٠، والبيهقي ٣٢٦/٨.
(٨) أسلم يوم الفتح، ومات في خلافة عثمان بالمدينة. الإصابة ٩/ ٢١٧ .
(٩) أخرجه البيهقي ٣١٧/٨ .
(١٠) في (م) و(د) و(ز): أبو عبيدة، والمثبت من (خ) و(ظ)، والكلام في غريب الحديث لأبي عبيد
٣٠٦/٣ - ٣٠٧، ونقله المصنف عنه بواسطة البيهقي ٣١٧/٨ - ٣١٨.

١٠٩
سورة النور: الآية ٢
قصاصاً بالعشرين التي بقيت؛ ولا تضربه العشرينَ، وفي هذا الحديث من الفقه أن
ضربَ الشارب ضربٌ خفيف.
وقد اختلف العلماء في أشدِّ الحدود ضرباً، وهي:
الخامسة عشرة: فقال مالك وأصحابه والليث بن سعد: الضرب في الحدود كلِّها
سواء، ضربٌ غير مُبَرِّح، ضربٌ بين ضربين(١). وهو قول الشافعيّ ﴾(٢). وقال أبو
حنيفة وأصحابه: التعزير أشدُّ الضرب، وضربُ الزنى أشدُّ من الضرب في الخمر،
وضربُ الشارب أشدُّ من ضرب القذف. وقال الثَّوْرِيّ: ضربُ الزنى أشدُّ من ضرب
القذف، وضرب القذف أشدُّ من ضرب الخمر. احتجَّ مالك بورود التوقيف على عدد
الجلدات، ولم يَرِد في شيءٍ منها تخفيفٌ ولا تثقيلٌ عمن يجب التسليم له. احتجَّ أبو
حنيفة بفعل عمر؛ فإنه ضرب في التعزير ضرباً أشدّ منه في الزنى. احتج الثورِيّ بأن
الزنى لما كان أكثر عدداً في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغَ في النكاية.
وكذلك الخمر؛ لأنه لم يثبت فيه الحدُّ إلا بالاجتهاد، وسبيل مسائل الاجتهاد لا
تقوى قوّة مسائل التوقيف(٣).
السادسة عشرة: الحدُّ الذي أوجب الله في الزنى والخمر والقذف وغير ذلك؛
ينبغي أن يُقام بين أيدي الحُكّام، ولا يُقيمه إلا فضلاءُ الناس وخيارُهم، يختارهم
الإمامُ لذلك، وكذلك كانت الصحابةُ تفعلُ كلَّما وقع لهم شيءٌ من ذلك، ﴾. وسبب
ذلك: أنه قيامٌ بقاعدةٍ شرعيةٍ وقُرْبةٍ تعبُّديّة، تجبُ المحافظة على فعلها وقَدْرها
ومحلِّها وحالها، بحيث لا يُتعدّى شيءٌ من شروطها ولا أحكامها؛ فإنَّ دمَ المسلم
وحرمتَه عظيمةٌ، فيجب مراعاته بكل ما أمكن(٤). رُويَ في(٥) الصحيح عن حُضين بن
(١) التمهيد:٣٢٧/٥.
(٢) الإشراف: ٢٣/٢ .
(٣) التمهيد ٣٢٧/٥ - ٣٣١، والاستذكار ٩١/٢٤ - ٩٢.
(٤) المفهم ١٣٤/٥ - ١٣٥ .
(٥) لفظة ((في)) من (د).

١١٠
سورة النور: الآية ٢
المنذر أبي ساسان(١) قال: شهدتُ عثمانَ بن عفان أُتِي بالوليد قد صلَّى الصبحَ
ركعتين، ثم قال: أَزيدُكم؟ فَشهِد عليه رجلان - أحدهما حُمرانُ - أنَّه شربَ الخمرَ،
وشهد آخرُ أنَّه رآه يتقيَّأُ؛ فقال عثمانُ: إنه لم يتقيَّأ حتى شربَها، فقال: يا عليّ، ثُمْ
فاجلِذْهُ. فقال عليّ: قم يا حسنُ فاجلدْه، فقال الحسن: وَلِّ حارَّها من تَوَلَّى قارَّها.
فكأنه وَجَد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر، قُمْ فاجلِذْه. فجَلَده وعليٍّ يَعُدُّ.
الحديث(٢). وقد تقدَّم في المائدة (٣)، فانظر قولَ عثمان للإمام عليّ: قم فاجلده.
السابعة عشرة: نصَّ الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت
التوقيفُ في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جمع(٤) الصحابة - على ما تقدم في
المائدة(٥) - فلا يجوز أن يُتعدَّى الحدُّ في ذلك كلِّه.
قال ابن العربيّ(٦): وهذا ما لم يتتابع الناسُ في الشرِّ، ولا احْلَوْلت لهم
المعاصي، حتى يتخذوها ضَرَاوة(٧)، ويعطفون عليها بالهَوَادة، فلا يتناهَوْا عن منكرٍ
فعلوه؛ فحينئذٍ تتعيّن الشدّةُ، ويزاد الحدُّ لأجل زيادة الذنب. وقد أُتيّ عمر بسكران في
رمضان، فضربه مئة: ثمانين حدّ الخمر، وعشرين لهتك حرمة الشهر(٨)، فهكذا يجبُ
(١) الرقّاشي البصري، كان صاحب راية عليّ يوم صفين مات سنة ٩٧هـ، قال العجلي والنسائي: ثقة.
تهذيب التهذيب ٤٤٨/١ .
(٢) صحيح مسلم (١٧٠٧) (٣٨)، وهو في مسند أحمد (١٢٣٠). وقوله: ((ولِّ حارَّها من تولَّى قارّها)) هذا
مثل من أمثال العرب، قال الأصمعي: معناه: ولِّ شدَّتَها من تولّى هنيئتها، والقارُّ: البارد؛ أي: ولِّ
شدة إقامة الحدّ من تولى إمرة المسلمين وتناول حلاوة ذلك. قاله في المفهم ١٣٥/٥، وينظر
((المستقصى في أمثال العرب)) للزمخشري ٣٨١/٢ .
(٣) لم يتقدم في المائدة ولا غيرها.
(٤) في (م) و(د) و(ز) و(ظ): جميع، والمثبت من (خ).
(٥) ٨/ ١٧٤ .
(٦) في أحكام القرآن له ١٣١٥/٣، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٧) أي: عادة. تهذيب اللغة ١٢/ ٥٦ .
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٣/١٠ .

١١١
سورة النور: الآية ٢
أن تُركّب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحُرُمات. وقد لعب رجلٌ بصبيٍّ،
فضربه الوالي ثلاث مئة سوطٍ. فلم يغيّر [ذلك] مالكٌ حین بَلَغه، فکیف لو رأی زماننا
هذا، بهتك الحرمات والاشتهار بالمعاصي(١)، والتظاهر بالمناكر(٢)، وبيع الحدود،
واستيفاء العبيد لها في منصب القُضاة، لمات كَمَداً ولم يُجالس أحداً؛ وحسبنا الله
ونعم الوكيل.
قلت: ولهذا المعنى - والله أعلم - زِيدَ في حدِّ الخمر حتى انتهى إلى ثمانين.
وروى الدّارَتُظْنِيّ: حدّثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، حدّثنا يعقوبُ بن إبراهيم
الدّوْرَقِيّ، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا أسامة بن زيد، عن الزُّهريّ، قال: أخبرني
عبد الرحمنُ بن أزهر، قال: رأيتُ رسولَ الله : # يومَ حُنين وهو يتخلَّل الناسَ يسألُ
عن منزل خالد بن الوليد، فأُتيَ بسكران، قال: فقال رسول الله ﴿ لمن عنده، فضربوه
بما في أيديهم. قال: وحَثَا رسولُ اللـه :# عليه التراب. قال: ثم أُتيّ أبو بكر ﴾
بسكران، قال: فتوخّى الذي كان مِن ضربهم يومئذ، فضرب أربعين(٣).
قال الزُّهريّ: ثم أخبرني حُميد بن عبد الرحمن، عن ابن وَبْرَة الكلبي قال:
ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن
(٤)
أرسلنى خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته
(١) في (م) و(ف): الاستهتار بالمعاصي، وفي (ظ): الأستار بالمعاصي. والمثبت من (د) و(ز).
(٢) في النسخ الخطية: بالمنكر، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي.
(٣) سنن الدار قطني (٣٣٢٠)، وأخرجه أحمد (١٦٨٠٩)، وأبو داود (٤٤٨٧)، والنسائي في الكبرى
(٥٢٦٢) من طريق أسامة بن زيد عن الزهري، به. وهذا إسناد منقطع، الزهري لم يسمع من
عبد الرحمن بن أزهر فيما ذكر الرازي في المراسيل ص ١٩٠ عن الإمام أحمد، بينهما عبد الله بن
عبد الرحمن بن الأزهر، كما أخرجه أبو داود (٤٤٨٨)، والنسائي في الكبرى (٥٢٦٤)، والدار قطني
(٣٣٢٤) وقال النسائي: وهذا أولى بالصواب. اهـ وعبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر مجهول الحال،
انفرد بالرواية عنه الزهري، ولم یؤثر توثيقه عن غیر ابن حبان.
وأخرجه بإسناد حسن النسائي في الكبرى (٥٢٦٥)، والحاكم ٣٧٤/٤ من طريق محمد بن عمرو بن
علقمة الليثي، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن أزهر، به مختصراً. وصححه الحاكم.
(٤) في (٢) و(خ): قال فأتيته. ولم ترد هذه الزيادة عند الدارقطني.

١١٢
سورة النور: الآية ٢
عوف وعليّ وطلحة والزُّبير، وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إنَّ خالد بن
الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إنَّ الناس قد انهمكوا في الخمر،
وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك، فسَلْهم. فقال عليّ: نُراه إذا سكِر
هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وعلى المفتري ثمانون. قال: فقال عمر: أَبلِغْ صاحبَك ما
قال. قال: فجلَدَ خالدٌ ثمانين، و[جلد] عمرُ ثمانين. قال: وكان عمر إذا أُتَيَ بالرجل.
الضعيف الذي كانت منه الزَّلَّةُ، ضرَبَه أربعين. قال: وجلد عثمان أيضاً ثمانين
وأربعين(١).
ومن هذا المعنى قوله ﴾: ((لو تأخّر الهلالُ لزدتكم)). كالمُنَكِّل لهم حين أبَوْا أن
ينتهوا، في رواية: (لو مُدّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يَدَع المتعمِّقون تعمُّقَهم)»(٢).
وروى حامد بن يحيى، عن سفيان، عن مِسْعَر، عن عطاء بن أبي مَرْوان، أن
عليًّا ضرب النجاشيَّ في الخمر مئة جلدة. ذكره أبو عمر(٣)، ولم يذكر سبباً.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اَللَّهِ﴾ أي: لا تمتنعوا عن
إقامة الحدود شفقةً على المحدود، ولا تُخفِّفوا الضربَ من غير إيجاع. هذا قول
جماعة أهل التفسير (٤).
وقال الشَّعْبيّ والنَّخَعِيّ وسعيد بن جُبير: ((لا تأخذكم بِهِما رأفةٌ)) قالوا: في
الضرب والجَلْد(٥). وقال أبو هريرة: «إقامة حدّ بأرضٍ، خيرٌ لأهلها من مطر
(١) سنن الدار قطني (٣٣٢١).
(٢) سلف ٢١٠/٣.
(٣) في التمهيد ٣١٧/٥، وأخرجه عبد الرزاق (١٣٥٥٦)، والبيهقي ٣٢١/٨ من طريق سفيان، عن عطاء.
ابن أبي مروان، عن أبيه، أن علياً ضرب النجاشي الحارثي الشاعر، شرب الخمر في رمضان، فضربه
ثمانين، ثم حبسه، فأخرجه من الغد، فضربه عشرين، ثم قال له: إنما جلدتك هذه العشرين لجرأتك
على الله، وإفطارك في رمضان.
(٤) النكت والعيون ٧٢/٤، وزاد المسير ٧/٦.
(٥) أخرج قولهم الطبري في تفسيره، ١٧/ ١٤١ - ١٤٢ .

١١٣
سورة النور: الآية ٢
أربعين ليلة)). ثم قرأ هذه الآية (١).
والرأفة: أرقُّ الرحمة (٢). وقرئ: ((رأَفةٌ)) بفتح الألف على وزن فَعَلة(٣)، وقُرئ:
((رآفة)) على وزن فَعالة(٤)، ثلاث لغات، وهي كلُّها مصادر، أشهرها الأولى، من
رَؤُفَ: إذا رَقَّ ورَحِم(٥).
ويقال: رأفة ورآفة، مثل كَأُبة وكآبة، وقد رَأَقْتُ به ورؤُفْت به، والرؤوف من
صفات الله تعالى: العطوفُ الرحيم (٦).
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فِي بِنِ اللَّهِ﴾ أي: في حُكم الله، كما قال تعالى:
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] أي: في حكمه. وقيل: ((في دِينٍ
اللهِ)) أي: في طاعة الله وشرعه فيما أمركم به من إقامة الحدود. ثم قرّرهم على معنى
التثبيت والحضّ بقوله تعالى: ﴿إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وهذا كما تقول لرجل تحضّه:
إن كنت رجلاً فافعل كذا؛ أي: هذه أفعال الرجال(٧).
الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: لا يشهد
التعذيبَ إلا من لا يستحقّ التأديب(٨).
قال مجاهد: رَجُلٌ فما فوقه إلى ألف (٩). وقال ابن زيد: لابدّ من حضور أربعة
(١) أخرجه النسائي في المجتبى ٧٦/٨، وفي الكبرى (٧٣٥١). وأخرجه أيضاً ٧٥/٨ و(٧٣٥٠) عنه
مرفوعاً، وصوّب الموقوف منه.
(٢) الفائق ٤١٦/١ .
(٣) وهي قراءة ابن كثير. السبعة ص ٤٥٢، والتيسير ص ١٦١.
(٤) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠٠ لابن جريج.
(٥) المحرر الوجيز ٤ / ١٦١ .
(٦) تهذيب اللغة ٢٣٨/١٥ .
(٧) المحرر الوجيز ١٦٢/٤، وينظر تفسير الطبري ١٧ /١٤٤.
(٨) النكت والعيون ٤/ ٧٢.
(٩) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٠٥)، والطبري في تفسيره ١٤٦/١٧.

١١٤
سورة النور: الآية ٢
قياساً على الشهادة على الزنى، وأن هذا باب منه، وهو قول مالك والليث والشافعيّ.
وقال عكرمة وعطاء: لابدّ من اثنين، وهذا مشهور قول مالك، فرآها موضع شهادة.
وقال الزهريّ: ثلاثة؛ لأنه أقلّ الجمع(١). الحسن: واحد فصاعداً(٢)، وعنه:
عشرة(٣). الربيع: ما زاد على الثلاثة.
وحجة مجاهد قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]
وقولُه: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] ونزلت في تقاتل رجلين،
فكذلك قوله تعالى: ((ولْيَشْهَدْ عذابَهما طائِفةٌ مِن المؤمِنِين))، والواحد يسمى:
((طائفة))، إلى الألف(٤). وقاله ابن عباس وإبراهيم(٥).
وأمر أبو بَرْزَة الأسلميُّ بجاريةٍ له قد زَنَتْ وولَدَت، فألقى عليها ثوباً، وأمر ابنَه
أن يضربَها خمسين ضربةً، غير مُبَرِّح ولا خفيفٍ لكن مؤلم، ودعا جماعة ثم تلا:
﴿ وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٦).
الحادية والعشرون: اختلف في المراد بحضور الجماعة، هل المقصد(٧) بها
الإغلاظ على الزُّناة والتوبيخُ بحضرة الناس(٨)، وأن ذلك يَرْدَع المحدود، ومن شَهِده
(١) المحرر الوجيز ١٦٢/٤، والنكت والعيون ٧٢/٤، وأخرج الأقوال الطبري في تفسيره ١٤٧/١٧-١٤٨.
(٢) النكت والعيون ٤/ ٧٢ .
(٣) زاد المسير ٨/٦، وتفسير الرازي ١٤٩/٢٣، والكشاف ٤٨/٣.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٩٧/٤، والمحرر الوجيز ١٦٢/٤ .
(٥) زاد المسير ٨/٦، وذكر قول ابن عباس النحاس في معاني القرآن ٤٩٦/٤، وابن عطية في المحرر
الوجيز ١٦٢/٤، وقول إبراهيم ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١٣١٥/٣، وأخرجه الطبري في
تفسيره ١٤٦/١٧ .
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤٨/١٧، وابن أبي حاتم ٢٥٢٠/٨ (١٤١٠٨).
(٧) في (م) و(د): المقصود، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز والكلام
منه.
(٨) المحرر الوجيز ٤/ ١٦٢.

١١٥
سورة النور: الآية ٢
وحضره يتّعظ به ويزدجر لأجله، ويَشِيع حديثُه فيَعْتبر به مَن بعده(١)، أو الدعاء لهما
بالتوبة والرحمة؟ قولان للعلماء.
الثانية والعشرون: روي عن حُذيفةَ ﴾، أنَّ النبيّ # قال: ((يا معشر (٢) الناس،
اتقوا الزنى، فإنَّ فيه ستَّ خصال: ثلاثاً في الدنيا، وثلاثاً في الآخرة، فأما اللواتي
في الدنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما اللواتي في الآخرة:
فيوجب السخط، وسوء الحساب، والخلود في النار))(٣).
وعن أنس، أنَّ رسولَ الله # قال: ((إنَّ أعمالَ أمتي تُعرضُ عليَّ في كلِّ جمعة
مرتين، فاشتد غضبُ الله على الزُّناة))(٤).
وعن النبيّ﴾ قال: ((إذا كان ليلةُ النصف من شعبان، اطّلع الله على أمتي، فغَفَر
لكلِّ مؤمنٍ لا يشرك بالله شيئاً، إلا خمسةً: ساحراً، أو كاهناً، أو عامًّا لوالديه، أو
مدمِنَ خمر، أو مصِرًّا على الزّنى))(٥).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٥/٣.
(٢) في (د) و(ز) و(م): معاشر، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢٣١٨/٦، وأبو نعيم في الحلية ١١١/٤، والبيهقي في شعب الإيمان
(٥٤٧٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (١٥٥٧). وفي إسناده مسلمة بن علي الخشني، وهو متروك،
وقال ابن عدي: غير محفوظ وهو منكر، وقال أبو نعيم: تفرد به مسلمة، وهو ضعيف الحديث، وقال
البيهقي: إسناده ضعيف، مسلمة متروك. وقال ابن حبان في ((المجروحين)) ٩٨/١: لا أصل له عن
رسول الله ﴾.
وقد روي من حديث ابن عباس - كما عند ابن عدي ١٧٦٥/٥ -، وابن الجوزي في الموضوعات
(١٥٥٤)، وحديث أنس كما عند الخطيب في تاريخه ١٢/ ٤٩٣، وابن الجوزي في الموضوعات
(١٥٥٩)، قال ابن الجوزي: ليس فيها شيء يصح عن رسول الله ﴾.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٧٩/٦ . وفي إسناده محمد بن مصطفى له أوهام، وبقية بن الوليد يدلس،
وهو ضعيف. وقد أخرج مسلم في صحيحه (٢٥٦٥) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((تعرض الأعمال
في كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله عزَّ وجلَّ في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً، إلا امرأً
کانت بینه وبین أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا».
(٥) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن ماجه (١٣٩٠) من حديث أبي موسى مرفوعاً: ((إن الله ليطلع في
ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)). وفي إسناده ضعف.

١١٦
سورة النور: الآية ٣
قوله تعالى: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزََِّةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ
مُشْرِلَقْ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِينَ ﴾﴾
فیه سبع مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أوجهٍ من التأويل:
الأوّل: أن يكون مقصدُ الآية تشنيعَ الزنى وتبشيعَ أمرِهِ، وأنه محرّمٌ على
المؤمنين. واتصال هذا المعنى بما قبلُ حسن بليغ، ويريد بقوله: ((لا يَنْكِح)) أي: لا
يطأ؛ فيكون النكاح بمعنى الجماع. وردد القصةَ مبالغةً وأخذاً من كلا الطرفين، ثم
زاد تقسيمَ المُشْركةِ والمُشْرك من حيث إنَّ (١) الشرك أعمُّ في المعاصي من الزنى؛
فالمعنى: الزَّاني لا يطأُ في وقت زناه إلا زانيةً من المسلمين، أو مَنْ هي أخسُ(٢)
منها من المشركات. وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أنَّ النكاحَ في هذه الآية:
الوطء(٣). وأنكر ذلك الزجّاج(٤)، وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا
بمعنى التزويج. وليس كما قال؛ وفي القرآن: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقد
بيّنه النبيُّ # أنه بمعنى الوطء، وقد تقدّم في ((البقرة)»(٥). وذكر الطبريّ(٦) ما يَنْحُو إلى
هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة، ولكن غير مخلّص ولا مكمّل.
وحكاه الخطابيّ (٧) عن ابن عباس، وأن معناه: الوطء، أي: لا يكون زِنّى إلا
بزانية، ويفيد أنه زنّى في الجهتين، فهذا قول.
(١) لفظ: إن. زيادة من (ظ).
(٢) في (م) و(د) و(خ) أحسن، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٦٢/٤
والكلام منه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٥١/٢ .
(٤) في معاني القرآن ٢٩/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز.
(٥) ٩٠/٤.
(٦) في تفسيره ١٥٨/١٧، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٦٢/٤.
(٧) لم نقف عليه، وينظر معالم السنن ١٨١/٣.

١١٧
سورة النور: الآية ٣
الثاني: ما رواه أبو داود والتّرمذِيّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن
مَرْثد بن أبي مرثد كان يحمل الأُسارى بمكة، وكان بمكةَ بَغِيّ يقال لها: عَناق،
وكانت صديقته، قال: فجئتُ النبيَّ ﴾، فقلت: يا رسول الله، أَنكِح عَناق؟ قال:
فسكتَ عني؛ فنزلت ﴿وَلََِّةُ لَا يَنِكِعُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرٌِ﴾ فدعاني فقرأها عليَّ، وقال:
((لا تَنكِحْها))(١). لفظ أبي داود، وحديث الترمذي أكمل.
قال الخطابيّ(٢): هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة، فأما الزانية المسلمة فإنّ
العقدَ علیها لا یفسخ.
الثالث: أنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضاً، استأذن رسولَ الله # في
نكاح امرأةٍ يقال لها: أمّ مَهْزُول، وكانت من بغايا الزَّانيات، وشرطت أن تنفق عليه؛
فأنزل الله تعالى هذه الآية. قاله [عبد الله بن] عمرو بن العاصي ومجاهد(٣).
الرابع: أنها نزلت في أهل الصُّفّة، وكانوا قوماً من المهاجرين، ولم يكن لهم في
المدينة مساكن ولا عشائر، فنزلوا صُفَّة المسجد، وكانوا أربع مئة رجلٍ يلتمسون
الرزقَ بالنهار، ویأوون إلى الصُّفّة بالليل، وكان بالمدينة بغايا مُتَعالِنات بالفجور،
مخاصِيب بالكُسْوة والطعام، فهمَّ أهلُ الصُّفَّة أن يتزوّجوهنّ، فيأووا إلى مساكنهنّ
ويأكلوا من طعامهنّ وكسوتهنّ، فنزلت هذه الآية؛ صيانةً لهم عن ذلك. قاله ابن أبي
صالح(٤).
(١) سنن أبي داود (٢٠٥١)، وسنن الترمذي (٣١٧٧)، وسلف ٤٥٤/٣.
(٢) في معالم السنن ١٨١/٣ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٦/٣، والخبر أيضاً في النكت والعيون ٧٣/٤ ، وأسباب النزول
للواحدي ص٣٢٧ ، وما بين حاصرتين من مصادر التخريج. وأثر عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد
(٦٤٨٠) و(٧٠٩٩)، والنسائي في الكبرى (١١٢٩٥) والواحدي في أسباب النزول ٣٢٧ -٣٢٨، وأما
أثر مجاهد فأخرجه الطبري في تفسيره ١٧/ ١٥٢.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٧/٣، والنكت والعيون ٧٣/٤ ، وقد نسباه لأبي صالح.

١١٨
سورة النور: الآية ٣
الخامس: ذكره الزجاج(١) وغيره(٢) عن الحسن، وذلك أنه قال: المراد الزاني
المحدودُ والزانيةُ المحدودة، قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزانٍ محدودٍ أن
يتزوّجَ إلا محدودة. وقال إبراهيم النَّخَعِيّ نحوه(٣). وفي ((مصنَّف أبي داود)) عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((لا يَنْكِحُ الزَّاني المجلوهُ(٤) إلا مثلَه))(٥). ورويَ أنَّ
محدوداً تزوّج غيرَ محدودة، ففرّق عليٍّ ﴾ بينهما(٦).
قال ابن العربي(٧): وهذا معنّى لا يصح نظراً، كما لم يثبت نقلاً، وهل يصحُّ أن
يُوقفَ نكاحُ من حُدَّ من الرجال على نكاح من حُدّ من النساء، فبأيّ أثرٍ يكون ذلك،
وعلى أيِّ أصلٍ يُقاس من الشريعة!
قلت: وحكى هذا القول الكِيا (٨) عن بعض أصحاب الشافعي المتأخرين، وأنَّ
الزاني إذا تزوَّج غيرَ زانيةٍ، فُرّق بينهما لظاهر الآية. قال الكِيَا: وإنْ هو عَمِلَ بالظاهر؛
فيلزمه عليه أن يجوّز للزاني التزوّجَ بالمشركة، ويجوّز للزَّانية أن تزوّج نفسَها من
مشركٍ، وهذا في غاية البُعْد، وهو خروج عن الإسلام بالكلِّية، وربما قال هؤلاء: إنَّ
الآية منسوخةٌ في المشركة(٩) خاصّةً، دون الزانية.
السادس: أنها منسوخة، روى مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب
(١) في معاني القرآن للزجاج ٤/ ٣٠ ونقله عنه المصنف بواسطة المحرر الوجيز ٤/ ١٦٣ .
(٢) الماوردي في النكت والعيون ٧٣/٤ .
(٣) لم نقف عليه.
(٤) في النسخ عدا (خ): المحدود، والمثبت من (خ) ومصادر التخريج.
(٥) سنن أبي داود (٥٠٥٢)، وهو في مسند أحمد (٨٣٠٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٥٤٨).
(٦) المحرر الوجيز ١٦٣/٤. وأخرج ابن أبي شيبة ٢٧٣/٤ عن ابن سابط أن علياً أُتي بمحدود ... وابن
سابط - وهو عبد الرحمن - كثير الإرسال، ولم يثبت سماعه من الصحابة.
(٧) في أحكام القرآن ١٣١٨/٣.
(٨) في أحكام القرآن له ٢٩٦/٤ - ٢٩٧ .
(٩) في النسخ: المشرك، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري.

١١٩
سورة النور: الآية ٣
قال: ﴿اَلَِّ لَا يَنْكِعُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَلََِّةُ لَا يَنَكِعُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قال: نَسختْ
هذه الآيةَ التي بعدها: ﴿وَنكِحُوْ اُلْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] - وقاله ابن عمر - وقال:
دخلت الزانية في أيامَى المسلمين(١).
قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء، وأهل الفُتْيا يقولون: إنّ
مَنْ زنى بامرأةٍ، فله أن يتزوَّجها ولغيره أن يتزوّجها، وهو قول ابن عمر، وسالم،
وجابر بن زيد، وعطاء، وطاوس، ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه،
وقال الشافعيّ: القول فيها كما قال سعيد بن المسيّب، إن شاء الله هي منسوخة(٢).
قال ابن عطية: وذِكْر الإشراك في هذه الآية يضعف هذه المناحي(٣).
قال ابن العربيّ(٤): والذي عندي أنَّ النكاح لا يخلو أنْ يُراد به الوطء، كما قال
ابن عباس، أو العقد، فإن أريد به الوطء، فإن معناه: لا يكون زنّى إلا بزانية، وذلك
عبارة عن أنَّ الوطأين من الرجل والمرأة زنّى من الجهتين؛ ويكون تقدير الآية: وطءُ
الزانية لا يقع إلا من زانٍ أو مشركٍ، وهذا يُؤْثَر عن ابن عباس، وهو معنى صحيح.
فإن قيل: فإذا زنى بالغٌ بصبيةٍ، أو عاقلٌ بمجنونةٍ، أو مستيقظُ بنائمةٍ، فإنَّ ذلك من
جهة الرجل زنّى، فهذا زانٍ نَكَح غير زانية، فيخرج المرادُ عن بابه الذي تقدم. قلنا :
هو زنّى من كلِّ جهة، إلا أن أحدهما سقط فيه الحدُّ، والآخر ثبت فيه. وإن أُريد به
العقد كان معناه: أنَّ متزوّجَ الزانيةِ التي قد زَنتْ ودَخَل بها ولم يستبرئها يكون بمنزلة
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٩/٣، وأخرج الخبر من غير طريق مالك: الشافعي في الأم ١٢/٥،
وابن أبي شيبة ٤/ ٢٧١ والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٣٨/٢، والطبري في تفسيره ١٥٩/١٧،
وقول ابن عمر في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٤٣/٢ .
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٣٨/٢ -٥٣٩ . وأخرج قول ابن عمر وسالم وجابر وعطاء وطاوس: ابن
أبي شيبة ٢٤٩/٤ - ٢٥٠، وقول مالك في المدونة ٢٧٨/٢، وقول أبي حنيفة في أحكام القرآن
للجصاص ٢٦٥/٣، وقول الشافعي في الأم ٥/ ١٢.
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٦٣.
(٤) في أحكام القرآن ١٣١٨/٣.

١٢٠
سورة النور: الآية ٣
الزاني، إلا أنه لا حدَّ عليه؛ لاختلاف العلماء في ذلك، وأما إذا عَقَد عليها ولم
يدخل بها حتى يستبرئها، فذلك جائز إجماعاً(١).
وقيل: ليس المراد في الآية أنَّ الزَّاني لا ينكحُ قظُ إلا زانيةً؛ إذ قد يتصوّر أن
يتزوّج غير زانية، ولكن المعنى أنَّ من تزوج بزانيةٍ فهو زانٍ، فكأنه قال: لا ينكح
الزانيةَ إلا زانٍ، فقلَب الكلامَ، وذلك أنه لا ينكح زانية إلا وهو راضٍ بزناها، وإنما
يرضى بذلك إذا كان هو أيضاً يزني(٢).
الثانية: في هذه الآية دليل على أنَّ التزوّج بالزانية صحيح، وإذا زنت زوجةٌ
الرجل، لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج، لم يفسد نكاحه مع زوجته؛ وهذا على أنَّ
الآية منسوخة(٣). وقيل: إنها محكمة. وسيأتي(٤).
الثالثة: رُوي أن رجلاً زنى بامرأة في زمن أبي بكر ﴾، فجلدهما مئة جلدة، ثم
زوّج أحدَهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنةً(٥). وروي مثل ذلك عن عمر، وابن
مسعود، وجابر ﴾(٦).
وقال ابن عباس: أوله سفاحٌ وآخره نكاح(٧). ومَثَلُ ذلك مَثَلُ رجل سَرَق من
حائطٍ ثمره، ثم أتى صاحبَ البستان فاشترى منه ثمره، فما سَرَق حرام؛ وما اشترى
حلال. وبهذا أخذ الشافعيّ وأبو حنيفة، ورأوا أنَّ الماء لا حرمة له(٨).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٨/٣ - ١٣١٩.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٧/٣ -١٣١٨.
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٣٨ - ٥٣٩، والإشراف ١٠٢/٤ .
(٤) في المسألة الخامسة الآتية.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٩/٣، وأخرج أثر أبي بكر عبد الرزاق (١٢٧٩٦)، والبيهقي ٢٢٣/٨.
(٦) أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة ٢٤٨/٤ - ٢٥٠ .
(٧) أخرجه سعيد بن منصور (٨٨٨) و(٨٨٩) (٨٩٠) والدار قطني (٣٦٨١)، والبيهقي ٧/ ١٥٥.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٨/٣، وقول ابن عباس المذكور أخرجه سعيد بن منصور في سننه
(٨٩٤) من قول عكرمة.