Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة المؤمنون: الآية ٣٦
وهيهاتٌ لك، بالرفع والتنوين، وبها قرأ أبو حَيْوَة الشامي؛ ذكره الثعلبي أيضاً (١).
وهيهاتاً لك، بالنصب والتنوين(٢)، قال الأحوص(٣):
تذكَّرت أياماً مَضَيْن من الصِّبا وهيهات هيهاتاً إليكَ رُجُوعُها
واللغة السابعة: أَيْهات أَيْهات(٤)، وأنشد الفرّاء:
فأيْهاتَ أَيْهاتَ العقِيقُ ومَن به
وأيهاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُواصِلُه(٥)
قال المهدويُّ: وقرأ عيسى الهَمْداني: هيهات هيهات، بالإسكان(٦).
قال ابن الأنباري: ومِن العرب مَن يقول: أَيْهان، بالنون، ومنهم مَن يقول:
أَيْها، بلا نون. وأنشد الفرّاء:
ومِن دُونِيَ الأعيان والقِنْع کلُّه
وكُثْمانُ أيْهَا ما أَشتَّ وَأَبْعَدَا(٧)
فهذه عشر لغات.
فمن قال: هيهاتَ، بفتح التاء، جعله مثلَ: أين وكيف(٨). وقيل: لأنهما أداتان
(١) القراءات الشاذة ص ٩٧، والمحتسب ٢ / ٩٠ .
(٢) نسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٣/٤ لخالد بن إياس، وأبو حيان في البحر المحيط ٤٠٤/٦
لهارون عن أبي جعفر.
(٣) في ديوانه ص١٣١ .
(٤) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٨ نقلاً عن ابن الأنباري.
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٣٥/٢، والبيت لجرير، وهو في ديوانه ص ٩٦٥ ، وجاء فيهما: وصلٌ، بدل:
خِلٌّ. وجاء في الديوان: تواصله، بدل: نواصله.
(٦) المحتسب ٢/ ٩٠، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٧ لخارجة بن مصعب.
(٧) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، والصحاح (أيه)، والأمكنة والمياه والجبال
للزَّمخشري ص١٨٧، وفيها: الأعيار، بدل: الأعيان. وفي تهذيب اللغة ٦/ ٤٨٥: الأعراض، بدل:
الأعيان. والأعيان والقِنْع وكُتْمان: أسماء مواضع، ينظر معجم البلدان ١/ ٢٢٣، ٤٠٨/٤، ٤٣٦ .
(٨) تفسير البغوي ٣٠٨/٣ .

٤٢
سورة المؤمنون: الآية ٣٦
مرَّبتان مثلُ: خمسةَ عشَر، وبَعْلَبَكّ، ورامَ هُرْمُز(١)، وتقف على الثاني بالهاء، كما
تقول: خمس عَشْره، وسبع عَشْره. وقال الفرّاء: نصبُها كنصب ثُمَّتَ ورُبَّتَ(٢). ويجوز
أن يكون الفتح إتباعاً للألف والفتحة التي قبلها(٣).
ومَن كسره جعله مثلَ أمسٍ وهؤلاءٍ(٤)، قال:
وهيهاتٍ هيهاتٍ إليكَ رجوعُها(٥)
قال الكسائي: ومَن كسر التاء وقف عليها بالهاء(٦)، فيقول: هيهاه. ومَن نصبها
وقف بالتاء، وإن شاء بالهاء. ومَن ضمَّها فعلى مثلِ منذُ وقظُ وحيثُ(٧). ومَن قرأ
(هيهات)) بالتنوين، فهو جمعٌ ذهب به إلى التنكير (٨)، كأنه قال: بُعْداً بُعْداً. وقيل:
خُفِض ونُوِّن تشبيهاً بالأصوات بقولهم: غاقٍ وطاقٍ(٩).
وقال الأخفش: يجوز في ((هيهات)) أن تكون جماعةً، فتكون التاء التي فيها
تاءَ الجميع(١٠) التي للتأنيث. ومَن قرأ ((هيهاتٍ)) جاز أن يكون أَخلصها اسماً مُعرَباً
فيه معنى البُعْد، ولم يجعله اسماً للفعل فيبنيَه(١١). وقيل: شُبِّه التاء بتاء الجمع،
(١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٣٥/٢، وتفسير الطبري ٤٣/١٧.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٣٦/٢.
(٣) ينظر الدر المصون ٣٤٠/٨ .
(٤) تفسير البغوي ٣٠٨/٣.
(٥) سلف قريباً من قول الأحوص بلفظ: وهيهات هيهاتاً ..
(٦) في تفسير البغوي ٣٠٨/٣: ويروى عن الكسائي الوقف عليها بالهاء. وينظر جامع البيان لأبي عمرو
الداني ١/ ٤١٧ - ٤١٨ .
(٧) ذكر توجيه قراءة الضم البغوي في تفسيره ٣٠٨/٣.
(٨) في (د): الكثير، وفي (خ) و(ز) و(ظ): التكثير، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في المحتسب ٩١/٢
والكلام منه.
(٩) أورد هذا القول الأزهري في تهذيب اللغة ٦/ ٤٨٥ .
(١٠) في (ز) و(ظ): الجمع.
(١١) ذكر هذا الوجه ابن جني في المحتسب ٩١/٢.

٤٣
سورة المؤمنون: الآيتان ٣٦ - ٣٧
كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨].
قال الفرّاء: وكأني أستحب الوقف على التاء؛ لأن من العرب مَن يخفض التاء
على كل حال، فكأنها مثلُ: عرفاتٍ وَمَلَكُوت وما أشبه ذلك(١). وكان مجاهد وعيسى
ابنُ عمر وأبو عمرو بنُ العلاء والكسائي وابن كثير يقفون عليها ((هيهاه)) بالهاء(٢). وقد
رُوي عن أبي عمروٍ أيضاً أنه كان يقف على ((هيهات)) بالتاء(٣)، وعليه بقيةُ القُرَّاء لأنها
حرف(٤).
قال ابن الأنباري(٥): مَن جعلهما حرفاً واحداً لا يُفرِد أحدَهما من الآخر؛ وقف
على الثاني بالهاء ولم يقف على الأوَّل؛ فيقول: هيهات هيهاه، كما يقول: خمس
عَشْره، على ما تقدم. ومَن نوى إفراد أحدهما من الآخر، وقف فيهما جميعاً بالهاء
والتاء؛ لأن أصل الهاء تاء.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَ الذُّنْيَا نَمُوتُ وَتَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
٣٧
قوله تعالى: ﴿إِنّ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا﴾ ((هي)) كناية عن الدنيا، أي: ما الحياة
الدنيا(٦) إلا ما نحن فيه، لا الحياةُ الآخرة التي تَعِدُنا بعد البعث.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يقال: كيف قالوا: نموت ونحيا، وهم لا يُقِرُّون بالبعث؟ ففي
هذا أجوبة؛ منها: أن يكون المعنى: نكون مَوَاتاً، أي: نُطَفاً، ثم نحيا في الدنيا.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت؛ كما قال:
﴿وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى﴾ [آل عمران: ٤٣]. وقيل: ((نموت)) يعني الآباء، ((ونحيا)) يعني
الأولاد(٧). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت.
(١) معاني القرآن للفراء ٢٣٥/٢ - ٢٣٦.
(٢) التيسير ص ٦٠ .
(٣) إيضاح الوقف والابتداء ٢٩٨/١ .
(٤) ينظر التيسير ص ٦٠.
(٥) في إيضاح الوقف والابتداء ٢٩٨/١ .
(٦) لفظ: الدنيا، من (ظ)، والكلام في الوسيط ٢٩٠/٣.
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨ .

٤٤
سورة المؤمنون: الآيات ٣٨ - ٤٤
فَأَخَذَتْهُمُ
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
قَالَ رَبٍ أَنْصُرْنِ بِمَا كَذَّبُونِ (٣) قَالَ عَمَّا قَلِلٍ لَّيْصْبِحُنَّ نَكِمِينَ (@)
الضَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ مُشَءُ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظََّلِمِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ﴾ يَعنُون: الرسول(١) ﴿اقْتَى﴾ أي: اختلق ﴿عَلَى
اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ . قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ تقدَّم(٢).
﴿قَالَ عَمَّا قَلِلٍ﴾ أي: عن قليل، و((ما)) زائدة مؤكّدة(٣). ﴿لَّيُصِْحُنَّ نَكِمِينَ﴾ على
كفرهم، واللام لامُ القسم، أي: واللهِ لَيُصبِحُن.
﴿فَخَذَتْهُمُ الْقَيْحَةُ﴾ في التفاسير: صاح بهم جبريلُ عليه السلام صيحةً واحدةً مع
الريح التي أهلكهم الله تعالى بها(٤)، فماتوا عن آخرهم(٥). ﴿فَجَعَلْتَهُمْ ثُنٌَ﴾ أي:
هَلْكَى هامدين، كغُثَاء السَّيل، وهو ما يحمله مِن بالي الشجر من الحشيش والقصب
مما يبِس وتفتَّت(٦). ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: هلاكاً لهم. وقيل: بُعْداً لهم من
رحمة الله(٧)، وهو منصوب على المصدر، ومِثلُه: سَقْياً له ورَغْياً.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوْنَا ءَاخَيِنَ ( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا
، ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرً كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةُ رَسُولُهَا كَذَّبُوهٌ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًَّا
يَسْتَدْخِرُونَ
٤٤
وَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌ فَبَعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿ثُرَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مِن بعد هلاك هؤلاء ﴿قُرُونًا﴾ أي: أُمَماً
(١) زاد المسير ٤٧٣/٥ .
(٢) ص ٣٥ من هذا الجزء.
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٣/٤، ومعاني النحاس ٤٥٨/٤ .
(٤) في (ظ): مع الريح التي أهلكتهم.
(٥) بنحوه في تفسير أبي الليث ٤١٤/٢، والوسيط ٢٩٠/٣، وزاد المسير ٤٧٣/٥ .
(٦) المراجع السابقة، ومعاني القرآن للزجاج ٤/ ١٣.
(٧) تفسير أبي الليث ٤١٤/٢ .

٤٥
سورة المؤمنون: الآيات ٤٢ - ٤٤
﴿وَاخِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل(١). وفي الكلام حذف: فكذَّبوا أنبياءهم
فأهلكناهم(٢).
﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ ((مِن)) صلة، أي: ما تَسبِق أُمَّةٌ الوقتَ المؤقَّتَ لها
ولا تتأخِرُه، مثلُ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا بَسْتَقْدِمُونَ﴾
[الأعراف: ٣٤].
ومعنى ﴿تَّ﴾: تتواتر، ويَتْبَع بعضُهم بعضاً، ترغيباً وترهيباً. قال الأصمعي:
وَاترتُ كتبي عليه: أتبعتُ بعضَها بعضاً، إلا أنَّ بين كل واحد منها وبين الآخَر مُهلة.
وقال غيره: المواتَرة: التتابعُ بغير مُهلة(٣).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((تترّى)) بالتنوين(٤) على أنه مصدر، أدخل فيه التنوين
على فتح الراء، كقولك: حَمْداً وشكراً، فالوقف على هذا على الألف المعوَّضةِ من
التنوين. ويجوز أن يكون مُلحقاً بجعفر، فيكون مثلَ أرْطَى وعَلْقَى؛ كما قال:
يَسْتَنُّ في عَلْقَى وفي مُكُورٍ (٥)
فإذا وُقِف على هذا الوجه جازت الإمالة، على أن ينويَ الوقفَ على الألف
الملحقة(٦).
(١) أورده الزمخشري في الكشاف ٣٢/٣.
(٢) ينظر تفسير أبي الليث ٢/ ٤١٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١١٤/٣.
(٤) يعني حالة الوصل، ويقفان عليها بالألف، ولأبي عمرو عند الوقف وجهان: الفتح والإمالة. السبعة
ص٤٤٦ ، والتيسير ١٥٩.
(٥) قائله العجاج، وهو في ديوانه ص٢٣٦ ، وفيه: فَحَطَّ، بدل: يستن. والعَلْقَى: نبت قضبانه دقاق، عَسِر
.. رضُّها، يتخذ منه المكانس. والمُكور: جمع مَكْرَة، وهي نبتة، أو الرُّطّبَة الفاسدة. القاموس المحيط
.(علق) و(مكر).
(٦) قرأ حمزة والكسائي بالإمالة وصلاً ووقفاً، وينظر مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٠٢، والكشف عن وجوه
القراءات ١٢٨/٢ .

٤٦
سورة المؤمنون: الآيات ٤٢ - ٤٤
وقرأ ورشٌ بين اللفظتين(١)؛ مثل: سَكْرَى وَغَضْبَى، وهو اسم جمع؛ مثلُ: شَتَّى
وأَشْری(٢).
وأصله: وَتْرى، من المواترة والتواتر، فقلبت الواو تاء، مثلَ: التقوى والُّكلان
وتُجاه، ونحوِها (٣). وقيل: هو الوتر، وهو الفرد(٤)، فالمعنى: أرسلناهم فَرْداً فرداً.
النحاس(٥): وعلى هذا يجوز: ((تِتْرا))؛ بكسر التاء الأولى، وموضعُها نَصْب على
المصدر؛ لأن معنى ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا﴾: [ثم] واتّرنا. ويجوز أن يكون في موضع الحال،
أي : متواترین.
ومعنى ﴿فَأَبْغَنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أي: بالهلاك ﴿وَحَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌ﴾ جمعُ أُخْدوثة،
وهي ما يُتحدَّث به، كأعاجيب جمع أُعجوبة، وهي ما يُتعجّب منه(٦). قال الأخفش:
إنما يقال هذا في الشَّرّ: ((جعلناهم أحاديث))، ولا يقال في الخير، كما يقال: صار
فلان حديثاً(٧)، أي: عِبرة ومَثَلاً، كما قال في آية أخرى: ﴿فَجَعَلْتَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْتَهُمْ
كُلَّ مُعَزَقٍّ﴾ [سبأ: ١٩].
قلت: وقد يقال: فلانٌ حديثٌ حَسَن، إذا كان مقيَّداً بذکر ذلك؛ ومنه قول ابن
دُرید :
وإنما المرءُ حديثٌ بعده فكن حديثاً حسناً لمن وَعَى (٨)
(١) جامع البيان لأبي عمرو الداني ٣٠٣/٢، والكشف لمكي ١٢٩/٢.
(٢) ينظر تفسير البغوي ٣٠٩/٣. قال السمين الحلبي في الدر المصون ٣٤٥/٨ - بعد أن ذكر هذا الكلام -:
وفيه نظر، إذ المشهور أن أسرى وشتَّى جمعا تكسير، لا اسما جمع.
(٣) تفسير البغوي ٣٠٩/٣، وينظر مشكل إعراب القرآن ٥٠٣/٢، والكشف عن وجوه القراءات ١٢٩/٢.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٥٩/٤ .
(٥) في إعراب القرآن ١١٤/٣ وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٦) الكشاف ٣٣/٣، وتفسير الرازي ١٠٠/٢٣.
(٧) أورد قول الأخفش البغوي في تفسيره ٣٠٩/٣ .
(٨) أورده ابن عبد ربه في العقد الفريد ٢٣٢/١، وابن عبد البر في بهجة المجالس ٧٩٤/٢ .

٤٧
سورة المؤمنون: الآيات ٤٥ - ٥٠
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِثَايَتِنَا وَسُلْطَانِ تُبِينٌ ﴾ إِلَى
فَقَالُواْ أَنْوَمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا
٤٦
فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ
لَنَا عَبِدُونَ (٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِنَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِثَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ تُبِينٌ﴾ تقدَّم(١). ومعنى
﴿عَالِينَ﴾: متكَبِّرين قاهرين لغيرهم بالظلم(٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي
اُلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤].
﴿فَقَالُواْ أَنْيِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ الآية، تقدَّم أيضاً (٣). ومعنى ﴿مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ أي:
بالغرق في البحر.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ لَعَلَّهُمْ يَنَدُونَ
٤٩
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ يعني التوراة(٤)، وخصَّ موسى بالذكر؛
لأن التوراة أُنزلت عليه في الظُّور وهارونُ خليفةٌ في قومه. ولو قال: ((آتيناهما))(٥)
جاز، كما قال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْقُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
قوله تعالى: ﴿وَحَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَُّرْ ءَايَةٌ وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
٥٠
قوله تعالى: ﴿وَحَلْنَا أَبْنَ مَرْتَ وَأُمَّهُ مَايَةٌ﴾ تقدَّم في ((الأنبياء)) القولُ فيه (٦).
﴿وَوَيْنَهُمَآَ إِلَى رَبْوَقٍ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ الرَّبوة: المكانُ المرتفع من الأرض، وقد
تقدَّم في ((البقرة))(٧). والمراد بها هاهنا في قول أبي هريرة: فلسطينُ. وعنه أيضاً:
(١) ٢٠٣/١١ - ٢٠٤ .
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٣١٠.
(٣) ١١٤/١٢ .
(٤) تفسير أبي الليث ٤١٥/٢، والوسيط ٢٩١/٣، والمحرر الوجيز ١٤٥/٤.
(٥) قبلها في (م): ولقد.
(٦) ١٤/ ٣٨١ - ٣٨٣.
(٧) ٣٣٥/٤ - ٣٣٦.

٤٨
سورة المؤمنون: الآية ٥٠
الرَّملة(١)، ورُويَ عن النبيَِّ﴾(٢). وقال ابن عباس وابن المسيِّب وابنُ سَلَام:
دمشق(٣). وقال كعب وقتادة: بيت المقدس. قال كعب: وهي أقرب الأرض إلى
السماء بثمانية عَشَر مِيلاً(٤). قال:
فكنتُ هَمِيداً تحت رَمْسٍ بِرَبْوَةٍ تَعاوَرُني ريحٌ جنوبٌ وَشَمْألُ(٥)
وقال ابن زيد: مصر (٦). وروى سالمٌ الأفطسُ عن سعيد بن جُبير ﴿وَءَوَيْنَهُمَا إِلَى
رَبْوَقِ﴾ قال: النَّشز من الأرض(٧).
﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ أي: مُستويةٍ يُستقرُّ عليها(٨). وقيل: ذات ثمار، ولأجل الثمار
يَستقِرُّ فيها الساكنون(٩).
(١) أورد قوله الأول الواحدي في الوسيط ٢٩١/٣، والثاني أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٥/٤
وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٤٦/٢، والطبري ١٧/ ٥٣ .
(٢) أخرجه الطبري ٥٣/١٧ - ٥٤، والطبراني في الأوسط (٦٦٩١) من حديث مُرَّة البهزي ﴾. وقال
الهيثمي في المجمع ٧/ ٧٢ : فيه من لم أعرفهم.
(٣) أورد قول ابن عباس النحاس في معاني القرآن ٤٦١/٤، والواحدي في الوسيط ٢٩١/٣، وأخرج
قول سعيد بن المسيب عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٥، والطبري ٤٥/١٧ . وأورد قول ابن سلام البغوي
في تفسيره ٣/ ٣١٠، وابن الجوزي في زاد المسير ٥/ ٤٧٦ .
(٤) المحرر الوجيز ١٤٥/٤، والوسيط ٢٩١/٣ ، وأخرج قول كعب وقتادة عبد الرزاق في تفسيره
٤٥/٢ - ٤٦، والطبري ١٧/ ٥٥ .
(٥) أورده الماوردي في النكت والعيون ٥٦/٤، وابن ميمون في منتهى الطلب ٣٥٠/٨ ونسباه لا مرئ
القيس السكوني، ووقع في منتهى الطلب: وإضتُ هميداً، بدل: فكنت هميداً. وقوله: هميداً، الهميد
هو الموت. والرَّمس: القبر. وتعاورني، من قولهم: تعاورت الرياح رسمَ الدار حتى عفته، أي:
تواظبت عليه، وقيل: أي: تداولته، فمرة تهب جنوباً ومرة شمالاً. لسان العرب (همد) و(رمس)
و(عور).
(٦) أورده الماوردي في النكت والعيون ٥٦/٤، والبغوي في تفسيره ٣/ ٣١٠، وابن عطية في المحرر
الوجيز ٤/ ١٤٥ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٧٦/٥ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤٦٢/٤، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٠٩/١، وبنحوه الطبري ..
١٧ / ٥٧ .
(٨) الوسيط ٢٩١/٣، وتفسير البغوي ٣/ ٣١٠، وزاد المسير ٤٧٥/٥.
(٩) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٨/١٧ عن قتادة.

٤٩
سورة المؤمنون: الآيتان ٥٠ - ٥١
﴿وَمَعِينٍ﴾: ماء جارٍ ظاهر للعيون. يقال: مَعِين ومُعُن، كما يقال: رغيف
ورُغُف؛ قاله علي بن سليمان(١). وقال الزجَّاج: هو الماء الجاري في العيون(٢).
فالميم على هذا زائدةٌ كزيادتها في مَبِيْع، وكذلك الميم زائدةٌ في قول مَن قال: إنه
الماء الذي يُرى بالعين. وقيل: إنه فعيل بمعنى مفعول. قال عليُّ بنُ سليمان: يقال:
مَعَنِ الماء: إذا جرى [وكثر]، فهو مَعين ومَمْعون(٣). ابن الأعرابي: مَعَن الماء يَمْعَن
مُعوناً: إذا جرى وسَهُلَ، وأَمعَن أيضاً وأمعنتُه، ومياه مُعْنَان(٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الَّبِيَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ
فیه ثلاث مسائل:
الأولى: في(٥) الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((أيُّها الناس،
إنَّ الله طيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طيباً، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:
﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجلَ يُطيلُ السَّفر،
أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديه إلى السماء يا ربِّ يا ربِّ، ومَطْعَمُه حرام، ومَشْربُه حرام،
ومَلْبسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك!))(٦).
الثانية: قال بعض العلماء: والخطاب في هذه الآية للنبيِّ #، وأنه أقامه مقام
-
(١) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٦٤ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٥/٤، ونقله المصنف بواسطة النحاس في معاني القرآن ٤/ ٤٦٤ .
(٣) في (م): معيون، ولم تجوَّد اللفظة في (د)، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ) وهو الموافق لما في معاني
القرآن للنحاس ٤٦٤/٤ والكلام وما بین حاصرتین منه.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٦٥/٤، وتهذيب اللغة ١٦/٣، وفي القاموس: المُعْنان» بالضم: مجاري
الماء في الوادي.
(٥) في (م) و(د) و(خ): روحه، وسقط من (ز)، والمثبت من (ظ).
(٦) صحيح مسلم (١٠١٥)، وسلف ٢١/٣ .

٥٠
سورة المؤمنون: الآية ٥١
الرسل، كما قال: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، يعني: نُعيمَ بنَّ
مسعود(١).
وقال الزجَّاج: هذه مخاطبة للنبيِّ ﴾، ودلَّ الجمع على أن الرسل كلَّهم كذا
أُمِروا، أي: كُلُوا من الحلال(٢).
وقال الطبريُّ: الخطاب لعيسى عليه السلام، رُويَ أنه كان يأكل من غَزْل أُمِّه (٣).
والمشهور عنه أنه كان يأكل من بَقْل البَرِّيَّة(٤). ووَجْهُ خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره
لمحمد # تشريفاً له.
وقيل: إن هذه المَقالةَ خُوطِب بها كلُّ نبيٍّ؛ لأن هذه طريقتُهم التي ينبغي لهم
الكونُ عليها، فيكون المعنى: وقلنا: يا أيُّها الرسل كُلوا من الطيبات؛ كما تقول
لتاجر: يا تجارُ، ينبغي أن تَجتنبوا الرِّبا، فأنت تخاطبه بالمعنى. وقد اقترن بذلك أنَّ
هذه المقالةَ تصلُح لجميع صنفه، فلم يُخاطَبوا قطُ مجتمعين صلوات الله عليهم
أجمعين، وإنما خُوطِب كلُّ واحد في عصره(٥). قال الفرَّاء: هو كما تقول للرجل
الواحد: كُفُّوا عنا أذاكم(٦).
الثالثة: سؤَّى الله تعالى بين النبيِّين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال
وتجنُّب الحرام، ثم شَمَلَ الكلَّ في الوعيد الذي تضمَّنه قوله تعالى: ﴿إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ
(١) المحرر الوجيز ١٤٦/٤.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٥/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٤/ ٤٦٥.
(٣) تفسير الطبري ٥٩/١٧، ونسبه لعمرو بن شرحبيل، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر
الوجيز ١٤٦/٤، وسلف ١٦١/١٠ .
(٤) أخرج ابن المبارك في الزهد (٥٦٢) من رواية أبي صالح عن أبي هريرة، قال: كان عيسى ابن مريم
يقول لأصحابه : ... كلوا من بقل البرّية.
وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٩٣/١٣ عن أبي صالح يرفعه إلى عيسى بن مريم، بمثله.
(٥) المحرر الوجيز ١٤٦/٤ .
(٦) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٣٧ .
:

٥١
سورة المؤمنون: الآيات ٥١ - ٥٤
عَلِيمٌ﴾. صلَّى الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم؛ فما ظنُّ كلِّ الناس
بأنفسهم؟! (١).
وقد مضى القول في الطيبات والرِّزق في غير موضع(٢)، والحمد لله.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ((يمد يديه)) دليلٌ على مشروعية مدِّ اليدين عند
الدعاء إلى السماء، وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه، والحمد لله(٣).
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((فأنَّى يستجاب لذلك!)) على جهة الاستبعاد، أي:
إنه ليس أهلاً لإجابة دعائه، لكنْ يجوز أن يستجيب الله له تفضُّلاً ولُطفاً وكرماً (٤).
فَتَقَطَّعُوْاْ أَمْرَهُمْ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَكُمْ أُمَّةٌ وَجِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ (٥)
بَيْنَهُمْ زُبُرْ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٨ فَذَرْهُمْ فِي غَْرَتِهِمْ حَى حِينٍ
@
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِة أُمَّتَكُرْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ المعنى: هذا الذي تقدَّم ذكره
هو دينُكم ومِلَّتُكم، فالتزموه(٥). والأُمَّة هنا: الدِّين؛ وقد تقدَّم مَحامله(٦)، ومنه قوله
تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىَّ أُمَِّ﴾ [الزخرف: ٢٣]، أي: على دين. وقال النابغة:
حلفتُ فلم أترك لنفسكَ رِيبةً وهل يَأْثَمَنْ ذو أُمَّةٍ وهو طائعُ(٧)
الثانية: قُرِئ: ((وإِنَّ هذه)) بكسر ((إنَّ) على القطع، وبفتحها وتشديد النون(٨). قال
(١) المحرر الوجيز ١٤٦/٤.
(٢) ٢٧٢/١، ٢٠٧/٩ - ٢٠٨.
(٣) ٢٤٥/٩ - ٢٤٧ .
(٤) المفهم ٣/ ٦٠ .
(٥) في (خ) و(ظ): فالزموه.
(٦) ٢/ ٣٩٧، والأنبياء، الآية (٩٢).
(٧) سلف ٢٦٠/٥ .
(٨) قرأ بكسر همزة ((إن)) وتشديدها عاصم وحمزة والكسائي، وبفتحها وتشديدها نافع وأبو عمرو، وقرأ ابن
عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون. السبعة ص٤٤٦، والتيسير ص١٥٩ .

٥٢
سورة المؤمنون: الآيات ٥٢ - ٥٤
الخليل: هي في موضع نصب لمَّا زال الخافض(١)، أي: أنا عالم بأنَّ هذا دينُكم
الذي أمرتكم أن تؤمنوا به.
وقال الفرّاء(٢): ((أنّ)) متعلِّقة بفعل مضمر، تقديره: واعلموا أنَّ هذه أمتُكم.
وهي عند سبيويه متعلّقة بقوله: ﴿فَأَتَّقُونِ﴾، والتقدير: فاتقونٍ؛ لأنَّ أمتكم واحدة.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، أي: لأن
المساجد لله، فلا تدعوا معه غيرَه، وكقوله: ﴿لِإِيلَفِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١]، أي:
فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلاف قريش(٣).
الثالثة: وهذه الآية تقوِّي أن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] إنما
هو مخاطبةٌ لجميعهم، وأنه بتقدير حضورهم، وإذا قَدَّرت ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ مخاطبةً
لمحمد ﴿ قَلَق اتصال هذه الآية واتصال قوله: ((فتقطّعوا)). أمَّا أنّ قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ
فَنَّقُونِ﴾ وإن كان قيل للأنبياء، فأممُهم داخلون فيه بالمعنى(٤)؛ فيحسُن بعد ذلك
اتصال ﴿فَتَقَطَّعُواْ﴾. أي: افترقوا، يعني الأمم، أي: جَعلوا دينهم أدياناً بعد ما أُمِروا
بالاجتماع(٥). ثم ذكر تعالى أنَّ كلَّ منهم مُعجَب برأيه وضلالته، وهذا غاية
الضَّلال(٦).
الرابعة: هذه الآية تنظر إلى قوله: ((ألا إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب افترقوا
على ثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمةَ سَتفترِق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في
النار، وواحدةٌ في الجنة، وهي الجماعة)) الحديث. خرَّجه أبو داود(٧)، ورواه
(١) المحرر الوجيز ١٤٦/٤، وينظر الكتاب ١٢٦/٣ - ١٢٧.
(٢) في معاني القرآن له ٢٣٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٦/٤.
(٣) الكتاب ١٢٧/٣، وينظر الحجة ٢٩٧/٥، والمحرر الوجيز ١٤٦/٤.
(٤) في (ظ): وإن لم يقل للأنبياء، فإنهم داخلون فيه بالمعنى، والمثبت من (خ) و(م) وهو الموافق لما في
المحرر الوجيز ١٤٦/٤ والكلام منه.
(٥) ينظر تفسير أبي الليث ٤١٥/٢ .
(٦) المحرر الوجيز ١٤٦/٤ - ١٤٧.
(٧) في سننه (٤٥٩٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﴾، وسلف ٢٢٣/٢ .

٥٣
سورة المؤمنون: الآيات ٥٢ - ٥٤
الترمذي(١)، وزاد: قالوا: ومَن هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي))
خرّجه من حديث عبد الله بن عمرو.
وهذا يبيِّن أن الافتراق المُحذَّرَ منه في الآية والحديث، إنما هو في أصول الدين
وقواعده؛ لأنه قد أَطلق عليها مِلَلاً، وأخبر أن التمسُّك بشيء من تلك الملل مُوجِبٌ
لدخول النار، ومِثلُ هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يُوجِب تعديد الملل ولا عذابَ
النار؛ قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨].
قوله تعالى: ﴿زژا﴾ يعني ◌ُتُباً وضعوها، وضلالاتٍ ألَّفوها؛ قاله ابن زید.
وقيل: إنهم فرَّقوا الكتب، فاتَّبعت فرقةٌ الصُّحُفَ، وفرقةٌ التوراةَ، وفرقةٌ الزبورَ، وفرقة
الإنجيلَ، ثم حَرَّف الكلُّ وبدَّل؛ قاله قتادة(٢). وقيل: أَخَذ كلُّ فريق منهم كتاباً آمنَ به
وگَفَر بما سواه.
و((زُبُراً)) بضم الباء، قراءةُ نافع، جمع زبور (٣). والأعمشُ وأبو عمرو بخلافٍ
عنه: (زُيَراً)) بفتح الباء (٤)، أي: قِطَعاً كقطع الحديد؛ كقوله تعالى: ﴿مَاتُوِ زُبُرَ
الحَدِيدٌ﴾ [الكهف: ٩٦].
﴿كُلُّ حِزْيٍ﴾ أي: فريق ومِلَّة ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي: بما(٥) عندهم من الدِّين
﴿فَرِحُونَ﴾ أي: مُعجَبون به. وهذه الآية مثالٌ لقريش، خاطَبَ محمداً ﴾ في
شأنهم، متصلاً بقوله ﴿فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ﴾ أي: فَذَرْ هؤلاء الذين هم بمنزلة مَن
(١) برقم (٢٦٤١) وسلف ٢٤٢/٥، وقد أكد العلماء على صحة حديث الافتراق بمجموع رواياته وطرقه
وشواهده.
(٢) المحرر الوجيز ١٤٧/٤، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٤٣١، وأخرجه الطبري ٦٢/٢٧ مختصراً.
(٣) وهي قراءة بقية السبعة أيضاً.
(٤) كذا نسب المصنف هذه القراءة لأبي عمرو، تبعاً لابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٧/٤، ونسبها
الطبري ٦٣/١٧ إلى عامة قرأة الشام، ونسبها أبو عمرو الداني في جامع البيان ٣٠٣/٢ إلى ابن عامر
الشامي، لكن بخلاف بين أصحاب هشام راوي ابن عامر. فلعل النسبة إلى أبي عمرو وهم، وصوابه:
ابن عامر، والله أعلم.
(٥) لفظ: بما، من (ظ).

٥٤
سورة المؤمنون: الآيات ٥٢ - ٥٦
تقدَّم (١)، ولا يَضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكلِّ شيء وقت.
والغَمْرة في اللغة: ما يَغْمُرك ويَعلُوك؛ وأصله السَّتر(٢)، ومنه الغَمْر: الحِقْد؛
لأنه يغطّي القلب، والغَمْر: الماء الكثير؛ لأنه يغطّي الأرض، وغَمْرُ الرِّداء: الذي
يشمل الناس بالعطاء، قال :
غَمْرُ الرِّداء إذا تبسَّم ضاحكاً غَلِقتْ لضَحْكته رِقَابُ المالِ (٣)
المراد هنا: الخَيْرة والغَفْلة والضلالة. ودخل فلانٌ في غِمار الناس، أي: في
(٤)
زَحْمتهم (٤).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال مجاهد: حتى الموت(٥)، فهو تهديد لا توقيت؛
كما يقال: سيأتي لك يوم(٦).
قوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِيِنٌّ
تُسَارِعُ لَمْ فِى الْخَيْرَتِّ بَلَ
لَّا يَشْعُرُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُِّذُهُر ◌ِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِينَ﴾ ((ما)) بمعنى الذي(٧)، أي:
أيحسبون يا محمدُ أنَّ الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم؟ إنما
هو استدراجٌ وإملاء، وليس إسراعاً في الخيرات(٨).
وفي خبر ((أنّ)) ثلاثةُ أقوال:
(١) المحرر الوجيز ١٤٧/٤.
(٢) قبلها في (ظ): من.
(٣) سلف ١٢/ ٢٨٧ .
(٤) الصحاح (غمر).
(٥) أورده الماوردي في النكت والعيون ٥٨/٤ ولم ينسبه.
(٦) النكت والعيون ٥٨/٤ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١١٧/٢ .
(٨) معاني القرآن للفراء ٢٣٨/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٦/٤، والوسيط ٢٩٢/٣.

٥٥
سورة المؤمنون: الآيتان ٥٥ - ٥٦
منها أنه محذوف.
وقال الزجَّاج(١): المعنى نسارع لهم به في الخيرات، وحُذِفت ((به)). وقال هشامٌ
الضريرُ (٢) قولاً دقيقاً، قال: إن ((ما)) هي الخيرات، فصار المعنى: نسارع لهم فيه،
ثم أَظهر فقال: ((في الخيرات)). ولا حذفَ فيه على هذا التقدير(٣).
ومذهبُ الكسائي أنَّ ((أنَّما)) حرفٌ واحد، فلا يحتاج إلى تقدير حذف(٤)، ويجوز
الوقف على قوله: ((وبنين))، ومَن قال: ((أنما)) حرفان، فلابدَّ من ضمير يرجع من
الخبر إلى اسم ((أنّ)): ولم يَتِمَّ الوقف على ((وبنين))(٥).
وقال السِّجستاني(٦): لا يَحْسُن الوقف على ((وبنين))؛ لأن ((يحسبون)) يحتاج إلى
مفعولين، فتمامُ المفعولين: ((في الخيرات)). قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن ((أنّ)
كافيةٌ من اسم ((أنَّ) وخبرِها، ولا يجوز أن يُؤتى بعد ((أنَّ) بمفعول ثان(٧).
وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ وعبد الرحمن بن أبي بكرة: ((يُسارِع)) بالياءِ(٨)،
(١) في معاني القرآن له ١٦/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١١٧/٣ وما قبله
ـنه.
(٢) هو أبو عبد الله هشام بن معاوية الضرير، النحوي الكوفي، صاحب الكسائي، المتوفى سنة ٢٠٩ هـ
إنباه الرواة ٣/ ٣٦٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١١٧/٣، وتعقب هشاماً بقوله: وهذا قول بعيد. اهـ وينظر مشكل إعراب
القرآن لمكي ٥٠٤/٢ وعبارته: وقال هشام تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر الضمير، وهو ((الخيرات))
و((ما)) التي هي اسم ((أن)) هي للخيرات.
(٤) في (ظ): حرف.
(٥) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ٢/ ٧٩١ - ٧٩٢ .
(٦) هو أبو حاتم سهل بن محمد، وتحرف في (م) إلى السختياني.
(٧) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ٧٩٢/٢، وفيه: كافية من اسم ((يحسبون)) وخبرها. (وقد جاء في
النسخة (ظ): كافية باسمها).
(٨) القراءات الشاذة ص٩٨، والمحتسب ٩٤/٢، والمحرر الوجيز ١٤٧/٤، وأخرج القراءة عن عبد
الرحمن بن أبي بكرة الطبريُّ في تفسيره ٦٥/١٧ - ٦٦ ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة - نفيع بن الحارث -
البصري تابعي، كان أول مولود في الإسلام بالبصرة، توفي سنة ٩٦هـ. تهذيب التهذيب.

٥٦
سورة المؤمنون: الآيات ٥٥ - ٦٠
على أن يكون فاعله ((إمدادُنا)). وهذا يجوز أن(١) يكون على غير حذفٍ، أي(٢):
يُسارع لهم الإمدادُ، ويجوز أن يكون فيه حذف، ويكون المعنى: يُسارعِ اللهُ لهم.
وقُرِئ: ((يُسارَع لهم في الخيرات))، وفيه ثلاثة أوجه: أحدُها على حذف ((به))،
ويجوز أن يكون: يُسارَع الإمدادُ. ويجوز أن يكون ((لهم)) اسمُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه. ذكره
النحاس(٣).
قال المهدويُّ: وقرأ الحُرُّ النَّخوي: ((نُسرع لهم في الخيرات))(٤)، وهو معنى
قراءة الجماعة.
قال الثعلبي: والصواب قراءة العامة؛ لقوله: ((نمدهم)).
﴿بَلِ لَّا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّ ذلك فتنةٌ لهم واستدراج(٥).
وَلَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رِهِمْ
(OV
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْبَةٍ رَبِّهِم ◌ُشْفِقُونَ (
يُؤْمِنُونَ ﴿ وَالَّذِيْنَ هُم بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَسِلَةُ أَنَهُمْ
إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ﴾ لمَّا فَرَغْ من ذِكر الكفرة
وتوغَّدَهم، عقَّب ذلك بذكر المؤمنين المسارِعين في الخيرات، ووعدَهم، وذَكَرهم(٦)
(١) قبلها في (خ) و(ز) و(ظ): على.
(٢) في (خ) و(ز) و(ظ): ويكون المعنى، بدل: أي، والمثبت من (د) و(م) وهو الموافق لما في معاني
القرآن للنحاس ٤٦٨/٤ ومعاني القرآن للزجاج ١٦/٤، والكلام منهما.
(٣) في إعراب القرآن ٣/ ١١٧، وهذه القراءة ذكرها ابن جني في المحتسب ٩٤/٢ ونسبها لعبد الرحمن
ابن أبي بكرة.
(٤) قراءة الحُرِّ في المحتسب ٢/ ٩٤، والمحرر الوجيز ١٤٧/٤، وذكرها ابن خالويه في الشواذ ص٩٨
بالياء (يسرع لهم) ونسبها لبعضهم. والحُرُّ النحوي: هو ابن عبد الرحمن، سمع أبا الأسود الدؤلي،
وعنه طلب القرآن. بغية الوعاة ٤٩٣/١ .
(٥) تفسير أبي الليث ٤١٦/٢ .
(٦) في النسخ عدا (ظ): وذكر ذلك، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٤/ ١٤٧
والكلام منه.

٥٧
سورة المؤمنون: الآيات ٥٧ - ٦٠
بأبلغٍ صفاتهم. و((مُشْفِقُونَ)): خائفون وَجلون مما خوَّفهم الله تعالى.
﴿وَلَّذِيْنَ هُم ◌ِثَيَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَالَّذِيْنَ هُمْ بِرَهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿وَلَِّنَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَسَِةٌ﴾ قال الحسن: يُؤْتُون الإخلاص ويخافون ألّا
يُقبلَ منهم(١). وروى الترمذيُّ عن عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّ﴾ قالت: سألتُ
رسولَ الله عن هذه الآية: ﴿وَلَِّنَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُهُمْ وَسِلَةُ﴾ قالت عائشة: أَهُم
الذين يشربون الخمرَ ويسرقون؟! قال: ((لا يا بنتَ الصدِّيق، ولكنَّهم الذين يصومون
ويُصلُّون ويتصدَّقون وهم يخافون ألَّا يُقبَلَ منهم، أولئك الذين يسارعون في
الخيرات))(٢).
وقال الحسن: لقد أَدركت(٣) أقواماً كانوا من حسناتهم أنْ تُرَدَّ عليهم، أشفقَ
منكم على سيئاتكم أن تُعذَّبوا عليها(٤).
وقرأت عائشةُ رضي الله عنها وابنُ عباس والنَّخَعيُّ: ((والذين يأتون ما أَتَوا))
مقصوراً من الإتيان(٥).
قال الفرَّاء: ولو صحَّت هذه القراءةُ عن عائشةَ، لم تُخالِف قراءةَ الجماعة؛ لأن
الهمز؛ من العرب مَن يَلْزَم فيه الألفَ في كلِّ الحالات إذا كَتَب، فيكتب: سُئل
الرجل، بألف بعد السيِّن، ويستهزئون، بألف بين الزاي والواو، وشيءٌ، بألف بعد
الياء، فغيرُ مستنكر في مذهب هؤلاء أن يُكتب (يؤتُون)) بألف بعد الياء، فيَحتمِل هذا
(١) أخرجه بمعناه ابن المبارك في الزهد (١٥)، والطبري ١٧ / ٦٧، والبيهقي في الشعب (٧٦٣).
(٢) الترمذي برقم (٣١٧٥)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٤١٩٨) وأحمد (٢٥٧٠٥) من طريق سعيد بن
عبد الرحمن الخيواني عن عائشة، به. وعبد الرحمن لم يدرك عائشة كما قاله أبو حاتم ونقله عنه ابنه في
المراسيل ص١٠٩ ، وابن حجر في تهذيب التهذيب (في ترجمة عبد الرحمن).
(٣) في (م): أدر كنا.
(٤) أورده الكيا الطبري في أحكام القرآن ٢٨٦/٣.
(٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٨ لعائشة، وابن جني في المحتسب ٩٥/٢ لعائشة وابن
عباس وقتادة والأعمش.

٥٨
سورة المؤمنون: الآيات ٥٧ - ٦٠
اللفظُ بالبناء على هذا الخطّ قراءتين: ((يؤتون ما آتوا)) و((يأْتُون ما أَتَوا)).
ويَنفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين:
أحدُهما: والذين يُعطُون ما أَعطَوا من الزكاة والصدقة وقلوبُهم خائفة.
والآخر: والذين يؤتون الملائكة الذين يكتبون الأعمال على العباد(١) ما آتَوا
وقلوبُهم وجِلة، فيحذف(٢) المفعول(٣) في هذا الباب لوضوح معناه، كما حُذِف في
قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فِهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، والمعنى: يَعصِرون
السِّمسِم والعنب؛ فاختُزل المفعول لوضوح تأويله.
ويكونُ الأصل في الحرف (٤) على هجائه الموجود في الإمام: ((يأتون)) بألف
مبدلة من الهمزة، فكُتِبت الألف واواً لتآخي حروف المدِّ واللّين في الخفاء. حكاه ابن
الأنباري.
قال النحاس: المعروف من قراءة ابن عباس: ((والذين يأتون ما أَتَوا))، وهي
القراءة المرويَّةُ عن النبيِّ ﴾ وعن عائشةَ رضي الله عنها، ومعناها: يعملون ما
عملوا؛ كما رُويَ في الحديث(٥).
والوجَلُ: نحوُ الإشفاق والخوف، فالتقيُّ والتائبِ خَوْفُه أَمْرَ العاقبة وما يطَّلع
عليه بعد الموت. وفي قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾ تنبيه على الخاتمة(٦). وفي
((صحيح البخاري)): ((وإنما الأعمال بالخواتيم))(٧). وأما المخلِّط، فينبغي له أن يكون
(١) في (ظ): الذين يكتبون أعمال العباد.
(٢) في (م): فحذف.
(٣) في النسخ عدا (ظ): مفعول. والمثبت من (ظ).
(٤) في (ظ): ويكون الحرف.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٦٩/٤، وسلفت القراءة قريباً.
(٦) المحرر الوجيز ١٤٨/٤ .
(٧) صحيح البخاري (٦٤٩٣)، وسلف ٢٩٦/١.

٥٩
سورة المؤمنون: الآيات ٥٧ - ٦١
تحت خوفٍ من أن يُنفَّذ عليه الوعيد بتخليطه(١).
وقال بعض(٢) أصحاب الخواطر: وَجَلُ العارف مِن طاعته أكثرُ وجلاً(٣) من
وَجَلِه من مخالفته؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تُطلَب بتصحيح الغرض(٤).
ثم﴾ أي: لأنهم - أو من أجل أنهم(٥) - إلى ربهم راجعون.
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَرَتِ وَهُمْ لَا سَِقُونَ
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِى الْخَرَتِ﴾ أي: في عمل الخيرات(٦)، أي: في
الطَّاعات؛ كي ينالوا بذلك أعلى الدَّرجات والغُرُفات.
وقُرِئ: ((يُسْرِعون في الخيرات)) أي: يكونون سِراعاً إليها. و((يُسارِعون)) على
معنى يسابقون مَن سابقهم إليها، فالمفعول محذوفٍ(٧). قال الزَّجَّاج(٨): ((يُسارِعون))
أبلغُ مِن (يُسرِعون)).
﴿وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ﴾ أحسنُ ما قيل فيه: أنهم يَسبِقون إلى أوقاتها، ودلَّ بهذا أن
الصلاة في أوَّل الوقت أفضل - كما تقدَّم في ((البقرة))(٩) - وكلٌّ مَن تقدَّم في شيءٍ
فقد (١٠) سابق إليه، وكلُّ مَن تأخّر عنه فقد سَبقَه وفاتَه، فاللام في ((لها)) على هذا
القول بمعنى ((إلى))، كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَ لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤٥، أي: أوحی إلیھا.
(١) المحرر الوجيز ١٤٨/٤.
(٢) لفظة: بعض، ليست في (م).
(٣) في (ظ): وجل العارف من طاعته كوجله من مخالفته.
(٤) النكت والعيون ٥٩/٤ .
(٥) ما بين معترضتين ليس في (ظ)، والكلام في المحرر الوجيز ١٤٨/٤.
(٦) إعراب القرآن للنحاس، وقوله: أي في عمل الخيرات، ليس في (م).
(٧) المحتسب ٩٦/٢ ، ونسب ابن جني هذه القراءة للحرِّ النحوي.
(٨) في معاني القرآن ١٧/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١١٧/٣.
(٩) ٢/ ٤٥٠ وما بعدها.
(١٠) في (م) و(د) و(ز): فهو، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ١١٧/٣
والكلام منه.

٦٠
سورة المؤمنون: الآيتان ٦١ - ٦٢
وأنشد سيبويه :
وما قصدَتْ من أهلها لِسِوائكا(١)
تَجانَفُ عن جَوِّ اليمامة ناقتي
وعن ابن عباس في معنى ﴿وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ﴾: سبقت لهم من الله السعادةُ(٢)،
فلذلك سارعوا في الخيرات. وقيل: المعنى: وهم من أجل الخيرات سابقون(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ وَلَدَيْنَاَ كِنَبٌ يَنَطِقُ بِاَلِّْ وَهُرْ لَا
يُظْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قد مضى في ((البقرة))(٤)، وأنه ناسخ
لجميع ما ورد في الشَّرع من تكليفٍ ما لا يطاق.
﴿وَلَدَيْنَا كِتَبٌ يَطِقُ بِالْحِّ﴾ أظهرُ ما قيل فيه: أنه أراد كتابَ إحصاء الأعمال الذي
تَرفعه الملائكة(٥)، وأضافه إلى نفسه لأن الملائكة كتبت فيه أعمالَ العباد بأمره، فهو
يَنطِق بالحق. وفي هذا تهديدٌ وتأنيس(٦) من الحَيْف والظلم.
ولفظ النُّطق يجوز في الكتاب، والمراد أن النبيين تَنطِق بما فيه، والله أعلم،
وقيل: عنى اللوحَ المحفوظ، وقد أُثبِتَ فيه كلُّ شيء، فهم لا يُجاوزون ذلك. وقيل:
الإشارة بقوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِنَبٌ﴾ إلى(٧) القرآن، فالله أعلم، وكلٌّ محتمِل، والأوَّل
أظهر (٨).
(١) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٧٠، والبيت في الكتاب ٣٢/١، ٤٠٨، منسوب للأعشى، وسلف
١١٦/٣ وفيه: حجر، بدل: جوًّ.
(٢) أخرجه الطبري ١٧/ ٧٢ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٧٠، والوسيط ٤١٧/٢، وزاد المسير ٤٨٠/٥ .
(٤) ٤٩٨/٤ وما بعدها.
(٥) المحرر الوجيز ١٤٨/٤ .
(٦) في (ظ) و(م): وتأييس، والمثبت من (خ) و(د) و(ز) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٤٨/٤
والكلام منه.
(٧) لفظة: إلى، من (ظ) والمحرر الوجيز ١٤٨/٤ - ١٤٩ والكلام منه.
(٨) ينظر تفسير أبي الليث السمر قندي ٤١٧/٢، والوسيط ٢٩٣/٣، وتفسير البغوي ٣١٢/٣، والمحرر
الوجيز ١٤٨/٤ وزاد المسير ٤٨١/٥ .