Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة المؤمنون: الآيات ١٢ - ١٤
الله تعالى، وقال ابن جُريج: إنما قال: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾؛ لأنه تعالى قد أَذِن لعيسى
عليه السلام أن يَخلُق. واضطرب بعضُهم في ذلك، ولا تُنْفَى اللفظة عن البشر في
معنى الصُّنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم(١).
مسألة: من هذه الآية قال ابن عباس لعمرَ حين سأل مَشْيَخة الصحابة عن ليلة
القدر، فقالوا: الله أعلم، فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال: يا أمير
المؤمنين، إن الله تعالى خلق السماواتِ سبعاً، والأرضِينَ سبعاً، وخلق ابنَ آدم مِن
سبعٍ، وجعل رزقه في سبعٍ، فأراها في ليلة سبع وعشرين. فقال عمر : أَعجزتُم(٢)
أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه، وهذا الحديث بطوله
في ((مسند ابن أبي شيبة))(٣)، فأراد ابنُ عباس بقوله(٤): ((خلق ابن آدم من سبعٍ))
هذه(٥) الآيةَ، وبقوله: ((وجعل رزقَه في سبع)) قوله: ﴿فَبَّنَ فِيهَ حَّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُنَا وَنَخْلَا
وَحَدَابِقَ غُلْبًا وَفَكِهَةً وَبَّ﴾ الآية [عبس: ٢٧-٣١]، السبع منها لابن آدم، والأَبُّ للأنعام.
والقَضْبُ يأكله ابنُ آدم، ويَسْمَن منه النِّساء؛ هذا قول. وقيل: القَضْب: البقول لأنها
تُقْضَبُ، فهي رزق ابن آدم. وقيل: القَصْب والأبُّ للأنعام، والسِّتُّ الباقية لابن آدم،
(١) المحرر الوجيز ١٣٨/٤، وأثر ابن جريج أخرجه الطبري ٢٥/١٧ بنحوه، وينظر الأسنى للمصنف ٣٣٤ .
(٢) في النسخ: أعجزكم، والمثيت من مصادر التخريج.
(٣) كذا نسبه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ١٣٢/٣، وابن حجر في المطالب العالية ٢٢٧/٦ لابن
أبي شيبة في مسنده، وليس هو في مصنفه. وعند البوصيري: وما أراه إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع
بقین.
وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢١٠ من طريق ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن عاصم
ابن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
وأخرجه ابن خزيمة (٢١٧٢)، والحاكم ٥٣٩/٣، ومن طريقه البيهقي في السنن ٣١٣/٤، وفي الشعب
(٣٥٨٦)، من طريق أحمد بن عبد الجبار، عن ابن إدريس، بالإسناد السابق بنحوه.
وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢١١/٢ - ٢١٢ من طريق آخر بنحوه، وفيه قال ابن عباس: سابعة
تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر.
(٤) لفظ: بقوله. من (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٣٨/٤ والكلام منه.
(٥) في (م) و(خ) و(ز): بهذه، وفي (د): فهذه. والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز.

٢٢
سورة المؤمنون: الآيات ١٥ - ١٧
والسابعةُ هي للأنعام؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمِنْتُونَ (٥ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَئِمَةِ تُبْعَنُونَ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُرْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسِّتُونَ﴾ أي: بعد الخلق والحياة. النحاس:
ويقال في هذا المعنى: لمائتون(١).
ثم أخبر بالبعث بعد الموت فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَئِمَةِ تُبْعَثُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾ قال أبو عبيدة: أي: سبعَ
سماوات(٢). وحكى غيره(٣) أنه يقال: طارقتُ الشيء، أي: جعَلت بعضه فوق بعض.
فقيل للسماوات: طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، والعرب تُسمِّ كلَّ شيء فوق شيء
طَرِيقة(٤). وقيل: لأنها طرائق الملائكة(٥).
﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ﴾ قال بعض العلماء: أي: عن خلق السماوات(٦).
وقال أكثر المفسرين: أي: عن الخَلْقِ كلِّهم مِن أن تسقُط عليهم، فتُهلكَهم (٧).
قلت: ويحتمل أن يكون المعنى ﴿وَمَا كَُّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ﴾ أي: في القيام
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٤٩/٤، واللفظة الواردة ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٩٧ ، وابن
عطية في المحرر الوجيز ١٣٩/٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٣٩٩/٦، وقيل: هي قراءة ابن أبي
عبلة وزيد بن علي وابن محيصن، وقيل: قراءة عيسى بن عمر. والله أعلم.
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٥٦/٢ وقد نقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٤٤٩/٤ ،
وينظر معاني القرآن للزجاج ٩/٤ ، وزاد المسير ٤٦٥/٥ .
(٣) في النسخ: وحكي عنه. والمثبت من معاني القرآن للنحاس ٤٤٩/٤، فالكلام منه، وليس من مجاز
القرآن لأبي عبيدة، وهو منقول في زاد المسير ٤٦٥/٥ عن ابن قتيبة، وينظر تفسير غريب القرآن له ٢٩٦ .
(٤) تفسير الطبري ٢٦/١٧ .
(٥) النكت والعيون ٤٩/٤، وتفسير البغوي ٣٠٥/٣ .
(٦) في النسخ: السماء، والمثبت من (ظ) وتفسير الرازي ٨٧/٢٣ .
(٧) المصادر السابقة.

٢٣
سورة المؤمنون: الآيتان ١٧ - ١٨
بمصالحه وحفظه، وهو معنى ﴿اَلْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ على ما تقدم (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاٍ بِه
لَقَدِرُونَ
فيه أربع مسائل :
الأولى: هذه الآية من نِعَم الله تعالى على خلقه، ومما امتنَّ به عليهم؛ ومن
أعظم المِنَن الماءُ الذي هو حياة الأبدان ونَماءُ الحيوان.
والماءُ المُنزَّل من السماء على قسمين: هذا الذي ذكر الله سبحانه وتعالى،
وأخبر عنه بأنه استودعه في الأرض، وجعله فيها مُخْتَزناً لسقْي الناس، يجدونه عند
الحاجة إليه، وهو ماء الأنهار والعيون، وما يُستخرج من الآبار(٢).
ورُوي عن ابن عباس وغيرِهِ، أنه إنما أراد الأنهارَ الأربعة: سَيْحان، وجَيْحان،
ونيل مصر، والفُرات(٣).
وقال مجاهد: ليس في الأرض ماءٌ إلا وهو من السماء. وهذا ليس على إطلاقه،
وإلا فالأُجَّاج ثابت في الأرض، فيمكن أن يُقيَّد قولُه بالماء العذب، ولا مَحالة أن
الله تعالى قد جعل في الأرض ماءً، وأنزل من السماء ماءَ(٤).
وقد قيل: إن قوله ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مًَّ﴾ إشارةٌ إلى الماء العذب، وأن أصله من
(١) ٤ / ٢٦٧ - ٢٦٨ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٠٠، وقد نقل المصنف عنه القسم الأول. أما القسم الثاني فقال ابن
العربي: هو الذي ينزل من السماء على الأرض في كل وقت.
(٣) المحرر الوجيز ١٣٩/٤ ولم ينسبه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٨/٥ لابن أبي الدنيا.
وأخرج أحمد (٧٨٨٦)، ومسلم (٢٨٣٩) من حديث أبي هريرة ﴾ مرفوعاً قال: سيحان، وجيحان،
والنيل، والفرات، وكلٌّ من أنهار الجنة.
وسَيْحان وجَيْحان: نهران بالعواصم عند المَصِّيصَة وطَرَسُوس، كما في النهاية (جيح)، يعني يقعان
جنوب تركيا، ينظر أطلس تاريخ الإسلام (خريطة رقم: ٦٠، ٧٢).
(٤) المحرر الوجيز ١٣٩/٤.
:
:

٢٤
سورة المؤمنون: الآية ١٨
البحر، رفعه الله تعالى بلطفه وحُسْن تقديره من البحر إلى السماء، حتى طاب بذلك
الرَّفْع والتصعيد، ثم أنزله إلى الأرض ليُنتفع به، ولو كان الأمر إلى ماء البحر، لَمَا
انْتُفع به من ملوحته (١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿يِقَدَرٍ﴾ أي: على مقدارٍ مُصْلِح، لأنه لو كَثُر؛ أَهْلَك(٢)،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾
[الحجر: ٢١].
﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَاِ بِهِ. لَقَدِّرُونَ﴾ يعني: الماءَ المُخْتَزَن. وهذا تهديد ووعيد، أي: في
قدرتنا إذهابُه وتغويره، ويَهْلِك الناس بالعطش، وتَهْلِك مواشيهم، وهذا كقوله تعالى:
﴿قُلْ أَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أي: غائراً ﴿فَنْ يَأْتِيَكُمْ بِمَآءٍ فَعِينٍ﴾(٣) [الملك: ٣٠].
الثالثة: ذكر النحاس: قُرِئ على أبي يعقوب إسحاق بنِ إبراهيم بنٍ يونس، عن
جامع بن سَوَادة قال: حدَّثنا سعيد بنُ سابق، قال: حدَّثنا مَسْلمة بنُ عُلَيٍّ، عن مقاتل
ابن حَيَّان، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبيِّ# قال: ((أنزل
الله عزَّ وجلَّ من الجنة إلى الأرض خمسةً أنهار: سَيْحون وهو نهر الهند، وجَيْحون
وهو نهر بَلْخ، ودِجْلة والفُرات، وهما نهرا العراق، والنيل، وهو نهر مصرَ، أنزلها
الله تعالى من عينٍ واحدة من عيون الجنة، في أسفلٍ درجة من درجاتها، على جناحي
جبريل عليه السلام، فاستودعها الجبالَ، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع
للناس في أصناف معايشهم، وذلك قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ
فِ اَلْأَرْضِّ﴾، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوجَ، أرسل الله عزَّ وجلَّ جبريل، فرفع
من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك
قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَارٍ بِهِ لَقَدِرُونَ﴾، فإذا رُفِعت هذه الأشياء من الأرض، فَقَدَ
(١) ينظر تفسير الرازي ٨٨/٢٣.
(٢) المحرر الوجيز ١٣٩/٤.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٠٠.

٢٥
سورة المؤمنون: الآيتان ١٨ - ١٩
أهلُها خيرَ الدين والدنيا))(١).
الرابعة: كلُّ ما نزل من السماء - مُخْتَزَناً كان أو غيرَ مختزن - فهو طاهر مُطَهِّر،
يُغتسل به ويُتوضأ منه؛ على ما يأتي في ((الفرقان)) بيانه(٢).
قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُ بِهِ جَنَّتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأَنشَأْنَا﴾ أي: جعلنا ذلك سببَ النبات، وأوجدناه به
وخلَقناه.
وذكر تعالى النخيل والأعناب؛ لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما؛
قاله الطبري(٣). ولأنها أيضاً أشرف الثمار، فذكرها تشريفاً لها وتنبيهاً عليها.
﴾ من غير الرُّطَب والعنب. ويحتمل أن يعود
﴿لَكُمْ فِهَا﴾ أي: في الجنات ﴿فَكِهُ
على النخيل والأعناب خاصَّةً، إذ فيها مراتبُ وأنواع، والأوّل أعمُّ لسائر الثمرات.
الثانية: مَن حلَف ألَّا يأكل فاكهةً؛ ففي الرواية عندنا: يحنث بالباقِلاء الخضراء
وما أشبهها (٤).
(١) معاني القرآن ٤/ ٤٥٠ - ٤٥١، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢٣١٦/٦، وابن حبان في المجروحين
٣٤/٣ - ٣٥، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١/ ٥٧ - ٥٨ من طريق مسلمة بن علي، به، قال
ابن عدي: وهذا حديث غير محفوظ، بل منكر المتن وكل أحاديثه، ما ذكرته، وما لم أذكره، كلها أو
عامتها غير محفوظة. وقال فيه ابن حجر في التقريب: متروك .
ونهر سَيْحون وجَيْحون غير سَيْحان وجَيْحان - المتقدمين في قول ابن عباس - كما ذكر النووي في شرح
صحيح مسلم ١٧/ ١٧٦ .
(٢) عند تفسير الآية (٤٨)، منها في المسألة الأولى والثانية.
(٣) في تفسيره ٢٨/١٧، ونقله المصنف بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٣٩/٤، وما سيأتي منه.
(٤) بنحوه في النوادر والزيادات ١٠٦/٤ .

٢٦
سورة المؤمنون: الآية ١٩
وقال أبو حنيفة: لا يحنث بأكل القِثَّاء والخيار والجزر؛ لأنها من البقول، لا من
الفاكهة(١)
.
وكذلك الجوز واللَّوز والفستق؛ لأن هذه الأشياءَ لا تُعدُّ من الفاكهة(٢).
وإن أكل تفاحاً أو خَوخاً أو مِشْمِشاً أو تِيناً أو إجَّاصاً، يحنث. وكذلك البطيخ؛
لأن هذه الأشياء كلَّها تؤكل على جهة التفُّه قبل الطعام وبعده، فكانت فاكهة.
وكذلك يابس هذه الأشياء إلا البطيخ اليابس؛ لأن ذلك لا يؤكل إلا في بعض
البلدان(٣).
ولا يحنث بأكل البِطّيخ الهندي؛ لأنه لا يُعدُّ من الفواكه.
وإن أكل عِنَباً أو رُمَّاناً أو رُطَباً لا يحنث، وخالفه صاحباه فقالا: يحنث؛ لأن
هذه الأشياءَ من أعزّ الفواكه، وتُؤكل على وجه التَّنَعُم، والإفرادُ لها بالذِّكر في كتاب
الله عزَّ وجلَّ لكمال معانيها، كتخصيص جبريل وميكائيلَ من بين(٤) الملائكة. واحتجَّ
أبو حنيفة بأن قال: عَطَفَ هذه الأشياء على الفاكهة مرَّة فقال: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَفَظْلٌ
وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، ومرَّةً عَطفَ الفاكهة على هذه الأشياء فقال: ﴿وَفَكِهَةٌ وَأَبَّ﴾
[عبس: ٣١]، والمعطوف غيرُ المعطوف عليه، ولا يَليق بالحكمة ذكرُ الشيء الواحد
بلفظين مختلفين في موضع المنّة، والعنب والرُّمَّان يُكتفى بهما في بعض البلدان، فلا
یکون فاکهة، ولأن ما کان فاکھة لا فرق بين رَظْبه ویابسه، ويابسُ هذه الأشياء لا يُعدُّ
(٥)
فاكهة، فكذلك رَطْبُها
(١) المبسوط السرخسي ١٧٩/٨، وبدائع الصنائع ١٢٨/٤.
(٢) المبسوط للسرخسي ١٧٧/٨، وبدائع الصنائع ٤/ ١٣٠، وقد فرَّق أبو يوسف صاحب أبي حنيفة بين
رطب الجوز ويابسه، فقال: رطبه فاكهة، ويابسه إدام.
(٣) ينظر المبسوط ١٧٩/٨، وبدائع الصنائع ١٢٨/٤ - ١٢٩.
(٤) لفظ: بين من (ظ).
(٥) ينظر المبسوط ١٧٩/٨، وبدائع الصنائع ١٢٩/٤.

٢٧
سورة المؤمنون: الآية ٢٠
قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعٍ لِلَكِينَ
فيه ست مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً﴾ شجرة عطفٌ على ((جنات))، وأجاز الفراء
الرفع؛ لأنه لم يظهر الفعل، بمعنى: وثَمَّ شجرةٌ(١)؛ ويريد بها شجرةَ الزيتون.
وأفردها بالذِّكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد، وقلَّةٍ
تعاهُدها بالسَّقْي والحفر، وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار (٢).
﴿َتَخْرُ﴾ في موضع الصِّفة.
﴿مِن طُورِ سَيْئَةَ﴾ أي: أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه.
وطورُ سَيْناء من أرض الشام، وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى عليه السلام؛ قاله
ابن عباس وغيره(٣)، وقد تقدَّم في البقرة(٤) والأعراف.
والظُور: الجبل في كلام العرب، وقيل: هو مما عُرِّب من كلام العجم(٥). وقال
ابن زيد: هو جبل بيت المقدس ممدود من مصرَ إلى أيْلة (٦).
واختلف في سَيْناء؛ فقال قتادة: معناه الحسَن، ويلزم على هذا التأويل أن يُنَوَّن
الظُور على النعت. وقال مجاهد: معناه: مبارَك. وقال مَعْمَر عن فرقة: معناه ذو
شجر (٧)، ويلزمهم أن يُنوِّنوا الطُّور. وقال الجمهور: هو اسم الجبل، كما تقول: جبل
(١) معاني القرآن للفراء ٢٣٣/٢، ونقله المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ١١٢.
(٢) ينظر النكت والعيون ٤/ ٥٠ .
(٣) المحرر الوجيز ١٣٩/٤، وأخرجه الطبري ٣٠/١٧.
(٤) ٢ /١٦٤ .
(٥) المحرر الوجيز ١٣٩/٤.
(٦) أخرجه الطبري ١٧/ ٣٠، وأيلة مدينة في خليج العقبة على البحر الأحمر. ينظر أطلس تاريخ الإسلام
ص١١٢ .
(٧) في (خ) و(م): معناه شجر، وفي (د) و(ز): معناه وشجر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في
المحرر الوجيز ١٣٩/٤ - ١٤٠ والكلام منه، وأخرج الأقوال السالفة الطبري ٢٩/١٧ - ٣١، وقول
مجاهد في تفسيره ص ٤٣٠ .

٢٨
سورة المؤمنون: الآية ٢٠
أُحُد. وعن مجاهد أيضاً: سَيْناء حجرٌ بعينه، أُضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقال
مقاتل: كلُّ جبل يَحْمل الثمار فهو سَيْناء، أي: حَسَن(١).
وقرأ الكوفيون بفتح السين على وزن فَعْلاء(٢)، وفَعلاء في كلام العرب كثير،
يُمنع من الصَّرف في المعرفة والنكرة؛ لأن في آخرها ألف التأنيث، وألفُ التأنيث
ملازِمةٌ لِمَا هي فيه، وليس في الكلام فِعلاء، ولكنْ مَن قرأ: ((سِيناء)) بكسر السين
جعله فِعلالاً، فالهمزة فيه كهمزة: حِرباء، ولم يُصرف في هذه الآية؛ لأنه جُعِل اسم
بقعة، وزعم الأخفش أنه اسم أعجمي(٣).
الثانية: قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُهْنِ﴾ قرأ الجمهور («تَنْبُت)) بفتح التاء وضم الباء،
والتقدير: تَنْبُت ومعها الدُّهن، كما تقول: خرج زيد بسلاحه (٤).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء(٥). واختلف في التقدير على هذه
القراءة، فقال أبو عليٍّ الفارسي: التقدير: تُنْبِت جَناها ومعها(٦) الدُّهن، فالمفعول
محذوف. وقيل: الباء زائدة، مثلُ ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى التَُّلْكَةِ﴾ (٧) [البقرة: ١٩٥]. وهذا
مذهب أبي عبيدة (٨). وقال الشاعر:
نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَج(٩)
(١) أورد قول مجاهد ومقاتل البغوي في تفسيره ٣٠٦/٣.
(٢) هي قراءة: عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر الشامي. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بكسر السين.
السبعة ص ٤٤٥ ، والتيسير ص١٥٩ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١١٢/٣.
(٤) المحرر الوجيز ١٤/٤ .
(٥) السبعة ص٤٤٥، والتيسير ص١٥٩ .
(٦) في (د) و(ز) و(م): ومعه.
(٧) الحجة ٥/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٨) في مجاز القرآن ٥٦/٢ .
(٩) الرَّجز للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص٢١٦، وفيه: نضرب بالبيض ... وسلف في المسألة
السابعة من تفسير الآية (٢٥) من الحج.
أ

٢٩
سورة المؤمنون: الآية ٢٠
وقال آخر:
سودُ المحاجر لا يَقرأْنَ بالسُّوَرِ (٢)
هُنَّ الحرائرُ لا رَبَّاتُ أَخمرةٍ (١)
ونحو هذا قاله أبو عليٍّ أيضاً؛ وقد تقدَّم.
وقيل: نَبَت وأَنبت بمعنّى، فيكون المعنى كما مضى في قراءة الجمهور(٣)، وهو
مذهب الفراء وأبي إسحاق(٤)، ومنه قول زُهیر:
.... حتى إذا أَنبت البَقْلُ(٥)
والأصمعي ينكر أنبت، ويتَّهِم قصيدةَ زهير التي فيها :
رأيتُ ذوي الحاجاتِ حَوْلَ بيوتِهم
قَطِيناً بها حتى إذا أَنبت البقلُ(٦)
أي: نبت.
وقرأ الزُّهْري والحسن والأعرج: ((تُنْبَت بالدُّهن)) برفع التاء ونصب الباء (٧). قال
ابن جِنِّي والزجَّاج (٨): هي باء الحال، أي: تُنْبَت ومعها دهنُها. وفي قراءة ابن
مسعود: (تَخْرُج بالدهن))، وهي باء الحال(٩).
(١) في النسخ الخطبة: أخمرة، والمثبت من المصادر؛ وقال الجواليقي في شرح أدب الكاتب: الأحمرة:
جمع حِمار - بالحاء المهملة، جمع قلة، وخصَّ الحمير، لأنها رُذال المال وشره، وقال البغدادي: وقد
صّف الدماميني (في الحاشية الهندية): هذه الكلمة بالخاء المعجمة، وقال: والأخمرة جمع خمار،
وهو ما تستر به المرأة رأسها. اهـ تنظر خزانة الأدب ١٠٩/٩ - ١١٠.
(٢) البيت للراعي النميري، والبيت في ديوانه ص ١٢٢، أو القتّال الكلابي، وهو في ديوانه ص٥٣ . وينظر:
أدب الكاتب ٥٢١ ، وشرح أدب الكاتب للجواليقي ٣٧٨، وخزانة الأدب ١٠٩/٩ وسلف عجز هذا
البيت في مقدمة المصنف ١/ ١٠٧ .
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٤٠.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٣٢/٢ - ٢٣٣، ومعاني القرآن للزجَّاج (وهو أبو إسحاق) ٤/ ١٠.
(٥) سلف ٢٩٢/١٢، وسيذكره المصنف بتمامه.
(٦) المحرر الوجيز ١٤٠/٤، وينظر الحجة ٢٩٢/٥.
(٧) وهي قراءة شاذة المحتسب ٨٨/٢، والمحرر الوجيز ٤/ ١٤٠ .
(٨) المحتسب لابن جني ٨٨/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٤/ ١٠.
(٩) المحرر الوجيز ٤/ ١٤٠، وقراءة ابن مسعود في المحتسب ٨٨/٢ أيضاً، وذكرها ابن خالويه =

٣٠
سورة المؤمنون: الآية ٢٠
ابنُ دَرَسْتَوَيْهِ: الدُّهن: الماء الليِّن(١)، تُنبت من الإنبات.
وقرأ زِرُّ بن حُبّيش: (تُنْبِت)) بضم التاء وكسر الباء ((الدُّهنَ)) بحذف الباء ونصبه.
وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب: ((بالدِّهان))(٢).
والمراد من الآية تعديدُ نعمة الزيت على الإنسان، وهي من أركان النِّعَم التي لا
غنّى بالصحة عنها، ويدخل في معنى الزيتون شجرُ الزيت كلّه على اختلافه بحسب
الأقطار(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَصِبْغِ لِلَكِلِينَ﴾ قراءة الجمهور. وقرأت فرقة: ((وأصباغٍ))
بالجمع. وقرأ عامر بنُ عبد قيس: ((ومتاعاً)(٤).
والمراد به الزيت الذي يَصْطبغ به الآكِل؛ يقال: صِبغ وصباغ، مثلُ: دِبْغ ودِباغ،
ولِيْس ولِياس(٥). وكلُّ إدامٍ يُؤْتدم به فهو صِبْغ؛ حكاه الهَروِيُّ(٦) وغيره. وأصل الصِّبغ
ما يُلوَّن به الثوب، وشُبِّه الإدام به؛ لأن الخبز يُلوَّن بالصِّبغ إذا غُمس فيه(٧). وقال
مقاتل: الأُدْم الزيتون، والدُّهن الزيت. وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أُدماً
ودُهْناً (٨)؛ فالصِّبغ على هذا الزيتونُ.
= في القراءات الشاذة ص٩٧ بلفظ: يُخرج الدهن.
(١) النكت والعيون ٤/ ٥٠.
(٢) أورد قراءة سليمان بن عبد الملك، ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٧ ، وقراءة زرِّ بن حبيش
وسليمان بن عبد الملك والأشهب في المحرر الوجيز ١٤٠/٤، والبحر المحيط ٤٠١/٦ والدِّهان،
جمع دُهن، کرمح، ورماح. الدر المصون ٣٢٩/٨ .
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٤٠.
(٤) المحرر الوجيز ١٤٠/٤، وعامر بن عبد قيس، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو التميمي، العنبري، من
عباد التابعين، كان يقرئ الناس، توفي في زمن عثمان، وقيل: في زمن معاوية. السير ١٥/٤، وطبقات
القراء ٣٥٠/١.
(٥) تفسير غريب القرآن ص٢٩٦ .
(٦) في غريب الحديث ٢/ ١٥٢ .
(٧) ينظر تهذيب اللغة ٢٧/٨، والوسيط ٢٨٨/٣، وزاد المسير ٤٦٨/٥.
(٨) أورده الواحدي في الوسيط ٢٨٨/٣، والبغوي في تفسيره ٣٠٦/٣.

٣١
سورة المؤمنون: الآية ٢٠
الرابعة: لا خلاف أن كلَّ ما يُصطَبَغ فيه من المائعات، كالزيت والسَّمْن والعسل
والرُّبِّ والخلِّ، وغير ذلك من الأمراق، أنه إدام(١). وقد نصَّ رسول الله # على
الخلّ، فقال: ((نِعْمَ الإدامُ الخلُّ)). رواه تسعةٌ من الصحابة، سبعةُ رجال وامرأتان،
وممن رواه في الصحيح: جابرٌ، وعائشة، وخارجةُ، وعمرُ، وابنُه عبدُ الله(٢)، وابنُ
عباس، وأبو هريرةَ، وسَمُرةُ بنُ جُنْدب، وأنسٌ، وأُّ هانئ(٣).
الخامسة: واختلف فيما كان جامداً، كاللَّحم والتمر والزيتون، وغيرِ ذلك من
الجوامد؛ فالجمهور أنَّ ذلك كلَّه إدام، فمن حلف ألّا يأكل إداماً، فأكل لحماً أو
جُبْناً، حنث. وقال أبو حنيفة: لا يحنث، وخالفه صاحباه، وقد رُوِي عن أبي يوسُفَ
مثلُ قول أبي حنيفة (٤).
والبَقْل ليس بإدام في قولهم جميعاً (٥).
وعن الشافعي في التمر وجهان؛ والمشهور أنه ليس بإدام، لقوله في ((التنبيه))(٦):
(١) بنحوه في المفهم ٣٢٦/٥ .
(٢) قوله: عبد الله، ليس في (ظ)، وفي (خ) و(م): عبيد الله، والمثبت من (د) و(ز).
(٣) حديث جابر وعائشة في الصحيح، وقد سلفا ٨/ ١٤٤، وأما حديث عمر فأخرجه أبو الشيخ في طبقات
المحدثين بأصبهان (٨٦٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٩٩/٥٢، ٢٤٩/٧٠ - ٢٥٠ .
وحديث عبد الله بن عمر أخرجه أبو عوانة ٤٠٨/٥، وابن عدي في الكامل ٢٦٣/١.
وحديث ابن عباس أخرجه أبو عوانة ٤٠٨/٥، والطبراني في الكبير (١١٣٣٨)، والبيهقي في الشعب
(٥٩٤٥).
وحديث أبي هريرة أخرجه أبو عوانة ٤٠٨/٥ - ٤٠٩، وابن عدي في الكامل ٨٩٠/٣ .
وحديث أنس أخرجه أبو عوانة ٤٠٨/٥، والطبراني في الأوسط (٢٢٤٨)، وابن عدي في الكامل
١١٥٤/٣.
وحديث أم هانئ أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٤/٤ . وينظر المقاصد الحسنة ص٦٩٨ .
(٤) بنحوه في المفهم ٣٢٦/٥، وينظر قول أبي حنيفة وصاحبيه أيضاً في المبسوط ١٧٧/٨، وبدائع
الصنائع ٤ / ١٢٢ .
(٥) بدائع الصنائع ١٢٣/٤.
(٦) التنبيه للشيرازي ص١٩٦، والعبارة فيه: إن أكل التمر لم يحنث وقيل: يحتمل أن يحنث.

٣٢
سورة المؤمنون: الآية ٢٠
والصحيح أنه لا يحنث(١) وقيل: يحنث. والصحيح أن هذا كلَّه إدام.
وقد روى أبو داود عن يوسُفَ بنِ عبد الله بن سلام قال: رأيت النبيَّ # أَخذَ
كِسْرة من خبز شعير، فوضع عليها تمرة، فقال: ((هذه إدامُ هذه))(٢).
وقال ﴿: ((سيِّدُ إدام الدنيا والآخرة اللَّحمُ)). ذكره أبو عمر(٣).
وترجم البخاري: باب الإدام، وساق حديث عائشة (٤).
ولأن الإدام مأخوذ من المؤادمة، وهي الموافقة، وهذه الأشياء توافق الخبز
فكان إداماً، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: ((ائتدموا ولو بالماء))(٥).
ولأبي حنيفةَ أن حقيقة الإدام الموافقةُ في الاجتماع على وجه لا يَقبل الفصل؛
كالخلِّ والزيت ونحوهما، وأمَّا اللحم والبيض وغيرُهما فلا يوافق الخبز، بل
يجاوره، كالبِطّيخ والتمر والعنب(٦). والحاصل: أن كل ما يحتاج في الأكل
إلى موافقة الخبز كان إداماً، وكلَّ ما لا يحتاج ويؤكل على حِدَة لا يكون إداماً،
والله أعلم.
(١) عبارة: والصحيح أنه لا يحنث. من (ظ).
(٢) سنن أبي داود (٣٢٥٩) وفيه: يحيى بن العلاء؛ قال ابن حجر في تهذيب التهذيب. قال أحمد: كذاب
يضع الحديث. وعن ابن معين: ليس بثقة. وقال في التقريب: رُمي بالوضع.
وأخرجه أيضاً (٣٢٦٠)، والترمذي في الشمائل (١٨٤) وفيه يزيد بن أبي أمية الأعور، وهو مجهول كما
قال ابن حجر في التقريب.
(٣) في التمهيد ٨٦/٣، والاستذكار ٣٤٦/٢٦، والحديث سلف ٢٠٨/٩ وهو ضعيف جداً.
(٤) برقم (٥٤٣٠)، وفيه: دخل رسول الله # يوماً بيت عائشة وعلى النار برمة تفور، فدعا بالغداء، فأتي
بخبز وأُدْم من أُدْم البيت، فقال: ((لم أر لحماً؟)). قالوا: بلى يا رسول الله، ولكنه لحم تُصُدِّقَ به على
بَرِيرة، فأهدته لنا، فقال: ((هو صدقةٌ عليها، وهديةٌ لنا)).
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٥٩٥)، والخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ٤٣٠، وابن الجوزي في العلل
المتناهية ٦٥٣/٢ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. قال الهيثمي في المجمع ٣٥/٥: وفيه
غزيل بن سنان، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، أما غزيل
فرجل مجهول.
(٦) ينظر المبسوط ١٧٧/٨، وتحفة الفقهاء للسمر قندي ٣٢٢/٢ - ٣٢٣، وبدائع الصنائع ١٢٢/٤-١٢٣.

٣٣
سورة المؤمنون: الآيات ٢٠ - ٢٧
السادسة: روى الترمذيُّ من حديث عمر بن الخطاب ﴾ قال: قال رسول الله ﴾.
((كُلُوا الزَّيتَ وادَّهِنُوا به، فإنه من شجرةٍ مباركة)) [قال:] هذا حديث لا يُعرف إلا من
حديث عبد الرزاق، وكان يَضطرب فيه، فربَّما يذكر فيه: عن عمرَ عن النبيِّ ﴾،
وربما رواه على الشكِّ فقال: أحسِبه عن عمرَ عن النبيِّ ﴾، وربما قال: عن زيد بن
أسلم، عن أبيه، عن النبيِّ # [مرسلاً](١).
وقال مقاتل: خُصَّ الظُور بالزيتون؛ لأن أوَّل الزيتون نَبَت منها. وقيل: إن
الزيتون أوَّلُ شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان(٢). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُرْ فِ آلْأَنْعَِ لَعِبْرَةٌ تُتْفِيَكُم مِّمَا فِ بُونِهَا وَلَكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوْمًا إِلَى
كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿ وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (َ
﴿﴿ فَقَالَ الْمَلُواْ الَّذِينَ
قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْرِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ أَفَلَاَ نَتَّقُونَ
كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوَ شَآءَ اللّهُ لَأَنزَلَ
مَلَئِكَةُ مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَبَآيِنَا الْأَوَّلِينَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَتَصُواْ
بِهِ، حَتَّى حِينٍ (٥) قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ أُصْنَع
الْفُلْكَ بِأَغْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْنَا وَفَارَ التَّنُورٌ فَأُسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلِّ
زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمِّ وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ
ظَلَمُوَاْ إِنَّهُمْ تُغْرَقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُرُ فِ آلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُشْفِيكُمْ مِمَا فِ بُونَهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ
وَمِنْهَا تَأْكُونَ. وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحَمَلُونَ﴾ تقدَّم القول فيهما في ((النحل))(٣) والحمد لله.
(١) سنن الترمذي (١٨٥١). وما بين حاصرتين منه وأخرجه عبد الرزاق (١٩٥٦١) من حديث زيد بن أسلم
عن النبي ﴾. وصوب ابن معین في تاريخه (٥٩٥) أن یکون عن زيد مرسلاً.
وله شاهد من حديث أبي أسيد في مسند أحمد (١٦٠٥٤) وفي إسناده جهالة.
(٢) تفسير البغوي ٣٠٦/٣.
(٣) ٢٧١/١٢ - ٢٧٣ .

٣٤
سورة المؤمنون: الآيات ٢١ - ٢٧
وفي هود قصةُ السفينة ونوحٍ(١)، وركوبُ البحر في غير موضع(٢).
قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ أي: وعلى الأنعام في البرِّ ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحر
﴿ُّحْمَلُونَ﴾ وإنما يُحمل في البرِّ على الإبل، فيجوز أن تَرجع الكناية إلى بعض
الأنعام. ورُوي أن رجلاً ركب بقرة في الزمان الأوّل، فأنطقها الله تعالى معه فقالت:
إنَّا لم نخلق لهذا، وإنما خُلِقنا(٣) للحَرْث.
قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ﴾ قُرِئ بالخفض ردًّا على اللفظ، وبالرفع ردًّا
على المعنى. وقد مضى في ((الأعراف)) (٤).
قوله تعالى: ﴿مَا هَذَّا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يَسُودُكم
ويَشرُف عليكم؛ بأن يكون متبوعاً ونحن له تَبَع.
﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَلَ مَلَكَةٌ﴾ أي: لو شاء الله ألَّ يُعبد شيءٌ سواه؛ لجعل رسولَه
مَلَكاً(٥).
﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أي: بمثل دعوته. وقيل: ما سمعنا بمثله بشراً أتى (٦) برسالة
ربه ﴿فِيّ ءَبَآَيْنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في الأمم الماضية(٧)؛ قاله ابن عباس. والباء في ((بهذا))
زائدة، أي: ما سمعنا هذا كائناً في آبائنا الأولين.
ثم عطف بعضهم على بعض، فقالوا (٨): ﴿إِنْ هُوَ﴾ يَعنُون نوحاً ﴿إِلَّ رَجُلٌ بِه
(١) ١٠٨/١١ وما بعدها.
(٢) ٤٩٥/٢ .
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): خلقت، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمصادر. والحديث أخرجه أحمد
(٧٣٥١)، والبخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨) عن أبي هريرة مطولاً.
(٤) قرأ بالخفض الكسائي من السبعة، وأبو جعفر من العشرة، وسلف ٩/ ٢٦٠ .
(٥) تفسير الطبري ٣٤/١٧، والوسيط ٢٨٨/٣، وتفسير البغوي ٣٠٧/٣ .
(٦) في (خ) و(م): أي، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٤/ ٥٢ والكلام
منه.
(٧) الوسيط ٢٨٨/٣ .
(٨) في (ظ): فقال.

٣٥
سورة المؤمنون: الآيات ٢١ - ٢٧
جِنَّةٌ﴾ أي: جنون لا يَدري ما يقول ﴿فَتَرَتَّصُواْ بِهِ، حَقَّ حِينٍ﴾ أي: انتظروا موته.
وقيل: حتى يستبينَ جنونُه(١). وقال الفرَّاء: ليس يُراد بالحين هاهنا وقت بعينه، إنما
هو كقوله: دَعْه إلى يومٍ ما (٢).
فقال حين تمادَوا على كفرهم: ﴿رَبِّ أَنْصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: انتقم ممن لم
يُطعني ولم يسمع رسالتي. ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ أي: أرسلنا إليه رُسُلاً من السماء ﴿أَنِ
أَصْنَعِ الْقُلْكَ﴾ على ما تقدَّم بيانه(٣).
قوله تعالى: ﴿فَأَسْلُكَ فِيهَا﴾ أي: أَدخِل فيها واجعل فيها، يقال: سَلَكتُه في كذا
وأسلكته فيه، إذا أدخلته(٤)، قال عبد منافٍ بنُ رِبْع الهُذَليُّ (٥):
حتى إذا أَسلَكُوهم في قُتَائِدةٍ شَلَّ كما تَظْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدَا (٦)
﴿مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ قرأ حفص: ((مِن كلِّ)) بالتنوين، الباقون بالإضافة؛ وقد
ذُكِر(٧). وقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلَّا ما يَلِد ويَبيض، فأما البَقُّ
والذُّباب والدُّود، فلم يحمل شيئاً منها، وإنما خرج من الطّين(٨). وقد مضى القول في
السفينة والكلامُ فيها مستوفّى(٩)، والحمد لله.
(١) النكت والعيون ٥٢/٤، وينظر تفسير أبي الليث ٤١٢/٢ .
(٢) معاني القرآن ٢/ ٢٣٤ للفراء، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٤٠٤/٤ .
(٣) ١٠٨/١١ - ١٠٩.
(٤) ينظر تفسير الطبري ٣٦/١٧.
(٥) هو شاعر جاهلي من شعراء هذيل. خزانة الأدب ١٧٤/٣ (دار صادر).
(٦) ديوان الهذليين ٢/ ٤٢، وأدب الكاتب ص٤٣٤، والاقتضاب ص٤٠٢، وخزانة الأدب ٣/ ١٧٠ (دار
صادر). ومعناه كما قاله البطليوسي أن الشاعر وصف قوماً هُزِموا حتى ألجئوا إلى الدخول في قتائدة،
وهي ثنية ضيقة. والشَّل: الطرد. والجَمَّالة: أصحاب الجمال. والشُّرُد من الإبل: التي تفرُّ من الشيء إذا
رأته، فإذا طُرِدت كان أشد لفرارها، فلذلك خصصها بالذكر.
(٧) ١١٦/١١ .
(٨) أورده البغوي في تفسيره ٣٨٤/٢ .
(٩) ١٠٩/١١ وما بعدها.

٣٦
سورة المؤمنون: الآيتان ٢٨ - ٢٩
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَّعَكَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الَْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَنَا مِنَ
اَلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨َ﴾
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُسْتَوَيْتَ﴾ أي: عَلَوْتَ ﴿أَنْتَ وَمَن مَّعَلَكَ عَلَى الْقُلْكِ﴾ راكبين ﴿فَقُلِ
الَْدُ لِلَّهِ﴾ أي: احمدوا الله على تخليصه إياكم ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ﴾ ومِن الغرق.
و((الحمد لله)) كلمةُ كلِّ شاكرٍ لله. وقد مضى في الفاتحة بيانه(١).
قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنْزِنِى مُنْزَلًا مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّتٍّ أَنِلْنِى مُنَزَّلًا مُبَارَكًا﴾ قراءة العامة: ((مُنْزَلاً)) بضم الميم وفتح
الزاي(٢)، على المصدر الذي هو الإنزال، أي: أنزلني إنزالاً مباركاً. وقرأ زِرُ بنُ
حُبيش، وأبو بكر عن عاصم، والمفضَّل: ((مَنزِلاً)) بفتح الميم وكسر الزاي على
الموضع، أي: أنزلني موضعاً مباركاً (٣). الجوهري(٤): المَنْزَل - بفتح الميم والزاي ـ:
النزول، وهو الحُلول، تقول: نزلت نزولاً ومَنْزَلاً. وقال:
أَإِنْ ذَّرتْكَ الدارُ مَنْزَلَها جُمْلُ بَكَيْتَ فدمعُ العين مُنْحَدِرٌ سَجْلُ (٥)
نُصِب ((المَنْزَل)) لأنه مصدر(٦)، وأنزله غيره واستنزله بمعنَى، ونَزَّله تنزيلاً،
والتنزيل أيضاً: الترتيب.
(١) ١/ ٢٠٢ وما بعدها.
(٢) السبعة ص ٤٤٥، والتيسير ص١٥٩ .
(٣) الكشف عن وجوه القراءات ١٢٨/٢، والوسيط ٢٨٨/٣، وتفسير البغوي ٣٠٧/٣، والمحرر الوجيز
١٤٢/٤، وقراءة أبي بكر عن عاصم في السبعة ص ٤٤٥ ، والتيسير ص١٥٩، وقراءة المفضل في
البحر المحيط ٦/ ٤٠٢ .
(٤) في الصحاح (نزل).
(٥) أنشده ثعلب في مجالسه ص٢٢٤، وفيه: فماء العين منهمل، بدل: فدمع العين منحدر. والسَّجْل:
الدّلْو الضخمة المملوءة ماءً، ولا يقال لها فارغة سَجْلٌ، ولكن دَلْو. ويقال: سجلت الماء فانسجل،
أي: صبيته فانصب. لسان العرب (سجل).
(٦) نقل ابن منظور في اللسان (نزل) عن ابن بَرِّي قوله: تقديرُه: أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدارُ نُزولَها جُمْلُ، فَجُمْلُ
فاعل بالنزول، والنزولُ مفعولٌ ثانٍ بذكَّرَتْكَ. اهـ. وذكر ابن منظور أيضاً أن الرفع في قوله: مَنْزَلُها،
صحيح، أراد: أإِنْ ذَّرتْكَ نزولُ جُمْلٍ إِيَّها، وأنَّثَ النزولَ حين أضافه إلى مؤنث.

٣٧
سورة المؤمنون: الآيات ٢٩ -٣٢
قال ابن عباس ومجاهد: هذا حين خرج من السفينة(١)؛ مثلُ قوله تعالى: ﴿أَهْبِطّ
بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَّكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَن مَّعَكَ﴾ [هود: ٤٨]. وقيل: حين دخلها. فعلى
هذا يكون قوله: ((مباركاً))، يعني بالسلامة والنجاة(٢).
قلت: وبالجملة فالآية تعليمٌ من الله عزَّ وجلَّ لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا أن
يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلَّموا قالوها(٣). وروي عن عليّ ﴾ أنه كان إذا
دخل المسجد قال: اللهم أنزلني مُنزَلاً مباركاً وأنت خير المُنزِلين (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ أي: في أمر نوح والسفينة وإهلاك الكافرين.
(لَآيَاتٍ)) أي: دَلالاتٍ على كمال قدرة الله تعالى، وأنه يَنْصرُ أنبياءه ويُهلكُ أعداءهم.
﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: ما كنا إلا مبتلين الأُممَ قبلكم، أي: مختبِرين لهم بإرسال
الرسل إليهم؛ ليَظْهر المطيع والعاصي(٥)، فيتبيَّن للملائكة حالُهم، لا أن يَستجِدَّ
الربُّ علماً. وقيل: أي: نعاملهم معاملة المختبرين. وقد تقدم هذا المعنى في ((البقرة))
وغيرها(٦). وقيل: ((وإن كُنَّا)) أي: وقد كنا(٧).
فَأَرْسَلْنَا فِهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ
(٣)
قوله تعالى: ﴿ثُرَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا مَاخَرِنَ
٣٢
اُعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ نَنَّفُونَ
قوله تعالى: ﴿ثُرَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هلاك قوم نوح ﴿قَرْنَا ءَاخَرِنَ﴾ قيل:
هم قوم عاد.
(١) قول مجاهد في تفسيره ٢/ ٤٣٠، وأخرجه الطبري ٣٨/١٧، ولم نقف على من نسبه لابن عباس.
(٢) بنحوه في تفسير البغوي ٣/ ٣٠٧، وزاد المسير ٤٧١/٥ .
(٣) في النسخ عدا (ظ): قالوا.
(٤) لم نقف عليه.
(٥) بنحوه في تفسير البغوي ٣٠٨/٣ .
(٦) ٢ / ٤٦٢ .
(٧) تفسير أبي الليث ٢/ ٤١٣ .

٣٨
سورة المؤمنون: الآيات ٣١ - ٣٥
﴿فَأَرْسَلْنَ فِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني هوداً(١)؛ لأنه ما كانت أمة أُنشِئت في إثر قوم نوح
إلا عاد. وقيل: هم قوم ثمود ﴿فَأَرْسَلْنَا فِهِمْ رَسُولًا﴾ يعني صالحاً، قالوا: والدليل عليه
قولُه تعالى آخرَ الآية: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الآية: ٤١](٢) نظيرها: ﴿وَأَخَذَ اُلَّذِينَ ظَلَمُواْ
الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧].
قلت: وممن أُخذ بالصيحة أيضاً أصحابُ مدينَ قومُ شعيب، فلا يبعد أن يكونوا
هم، والله أعلم.
﴿مِّنْهُمْ﴾ أي: من عشيرتهم، يَعرفون مولده ومَنْشأه، ليكون سكونُهم إلى قوله
أكثر.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَفْنَهُمْ فِ
اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بَأْكُلُ مِمَا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًّا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا تَّخَسِرُونَ ﴿ أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَّكُمْ
(٣٣)
GOT
تُرَابًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لْلأُ﴾ أي: الأشراف والقادة والرؤساء ﴿مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَكَذَّبُواْ ◌ِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾ يريد بالبعث والحساب ﴿وَأَفْتَهُمْ فِي الْخَيَوِ الدُّنْيَا﴾ أي: وسَّعْنَا
عليهم نِعَم الدنيا حتى بَطِروا وصاروا يُؤْتَوْن(٣) بالتُّرْفة، وهي مثلُ التُّحْفة(٤) ﴿مَا هَذَآَ
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بَأْكُلُ مَِّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مَِّّا تَشْرَبُونَ﴾ فلا فضلَ له عليكم؛ لأنه
محتاج إلى الطعام والشراب كأنتم. وزعم الفرَّاء أن معنى ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ على
(١) تفسير أبي الليث ٤١٣/٢، والوسيط ٢٨٩/٣، وتفسير البغوي ١٠٨/٣.
(٢) نسبه ابن الجوزي في زاد المسير ٤٧١/٥ لأبي سليمان الدمشقي، وينظر تفسير البغوي ٣٠٨/٣،
وتفسير الرازي ٩٧/٢٣ .
(٣) في (ظ): يأتون.
(٤) ينظر معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٥٥، وتفسير أبي الليث ٤١٣/٢ . والتُّزفة: الطعام الطيب، وكل
طرفة تُرْفة. والتُّحفة: الطَّرْفة من الفاكهة وغيرها من الرياحين. والتحفة: ما أتحفت به الرجل من البر
واللطف. ينظر لسان العرب (ترف) و(تحف).

٣٩
سورة المؤمنون: الآيات ٣٣ - ٣٥
حذف ((منه)) (١)، أي: مما تشربون منه، وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى
حذفٍ ألبتة؛ لأن ((ما)) إذا كانت(٢) مصدراً لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى
الذي، حذفت المفعول، ولم يحتج إلى إضمار ((مِن)).
﴿وَلَيْنْ أَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ يريد: لمغبونون بترككم آلهتكم،
واتّباعِكم إياه من غير فضيلة له عليكم.
﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ﴾ أي: مبعوثون من قبوركم.
و((أنّ)) الأولى في موضع نصب بوقوع ((يعدِكم)) عليها، والثانية بدل منها. هذا مذهب
سيبويه(٣)، والمعنى: أيعدكم أنكم مُخرَجون إذا مِتُم (٤).
قال الفرّاء: وفي قراءة عبد الله: ((أيعدكم إذا مِتُّم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم
مُخرَجون))(٥)؛ وهو كقولك: أظن إِنْ خرجت أنك نادم(٦).
وذهب الفرّاء والجَرْميُّ وأبو العباس المبرِّد إلى أنَّ ((أنَّ)) (٧) الثانية مكَرَّرةٌ للتوكيد،
لَمَّا طال الكلام کان تکریرها حسناً(٨).
(١) في النسخ: من، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢٣٤/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١١٣/٣ وعنه
نقل المصنف.
(٢) في (م) والنسخ عدا (ظ): كان، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ١١٣/٣.
(٣) في الكتاب ١٣٢/٣ - ١٣٣.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١١/٤، ومعاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٥٥ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٣٤/٢، والمعاني للنحاس ٤٥٥/٤ والمحرر الوجيز ١٤٣/٤.
(٦) في (ظ): أظن أنك إن خرجت أنك نادم. بزيادة ((أنك))، وهو موافق لما في معاني القرآن للفراء
٢٣٥/٢، فإن الفراء ذكر أن كل اسم أوقعت عليه ((أن)) بالظن وأخوات الظن ثم اعترض عليه الجزاء
دون خبره، فإن شئت كررت اسمه، وإن شئت حذفته أولاً وآخراً، فتقول: أظن أنك إن خرجت أنك
نادم، فإن حذفت ((أنك)) الأولى أو الثانية صلح، وإن ثبتتا صلح.
(٧) لفظ ((أن)) الثانية من (ظ)، وهو الموافق لمعاني القرآن للنحاس ٤٥٥/٤.
(٨) معاني القرآن للفراء ٢٣٤/٢، والمقتضب للمبرد ٣٥٦/٢، والكلام من معاني القرآن للنحاس
٤/ ٤٥٥ . والجرمي هو صالح بن إسحاق.

٤٠٠
سورة المؤمنون: الآيات ٣٣ - ٣٦
وقال الأخفش: المعنى: أيعدكم أنكم إذا مِتُّم وكنتم تراباً وعظاماً يَحدُث
إخراجُكم؛ فـ ((أنّ)) الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، كما تقول: اليوم القتال،
فالمعنى: اليوم يَحدُث القتال(١).
وقال أبو إسحاق: ويجوز ((أيعدكم إنكم إذا مِتُّم وكنتم تراباً وعظاماً إِنكم
مخرَجون))؛ لأن معنى ((أيعدكم)): أيقول إنكم (٢).
قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ فَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
قال ابن عباس: هي كلمةٌ للبعد، كأنهم قالوا: بَعيدٌ ما توعدون(٣)، أي: إنَّ هذا
لا يكون ما يُذكر من البعث. وقال أبو عليٍّ: هي بمنزلة الفعل، أي: بَعُد ما
تُوعدون(٤).
وقال ابن الأنباري(٥): وفي ((هيهات)) عَشْرُ لغات:
هيهاتَ لك، بفتح التاء، وهي قراءة الجماعة.
وهيهاتٍ لك، بخفض التاء، ويُروى عن أبي جعفر بنِ القَعْقَاعِ(٦).
وهيهاتٍ لك، بالخفض والتنوين، يُروى عن عيسى بنِ عمر (٧).
وهيهاتٌ لك، برفع التاء، الثعلبي: وبها قرأ نصر بنُ عاصم وأبو العالية (٨).
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٥٦/٤ .
(٢) معاني القرآن للزجاج (وهو أبو إسحاق)، ١٢/٤. ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني
القرآن ٤٥٦/٤، والجواز المذكور يعني في اللغة، لا في القراءة.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٣٠٨، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ١٧/ ٤٢ .
(٤) المسائل العضديات لأبي علي الفارسي ١٧١ .
(٥) في إيضاح الوقف والابتداء ٢٩٩/١ .
(٦) النشر ٣٢٨/٢.
(٧) القراءات الشاذة ص ٩٧، والمحتسب ٢/ ٩٠ .
(٨) نسبها البغوي في التفسير ٣٠٠٨/٣ لنصر بن عاصم، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٣/٤ وأبو
حيان في البحر ٦/ ٤٠٤ لأبي حيوة، وهي في القراءات الشاذة ص ٩٧ دون نسبة.