Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة الحج: الآيات ٤٧ - ٥١ من أيام الآخرة(١)؛ أَعْلَمهم الله إذ استعجلوه(٢) بالعذاب في أيام قصيرة أنه يأتيهم به في أيامٍ طويلة. قال الفرَّاء: هذا وعيدٌ لهم بامتداد عذابِهم في الآخرة، أي: يومٌ من أيام عذابهم في الآخرة ألفُ سنة(٣). وقيل: المعنى: وإنَّ يوماً في الخوف والشدَّة في الآخرة كألفِ سنةٍ من سِنِي الدنيا فيها خوفٌ وشدة، وكذلك يومُ النعيم قياساً. وقرأ ابن كثير وحمزةٌ والكسائيُّ: ﴿مِما يَعُدُّون﴾ بالياء المثنَّاة تحت، واختاره أبو عبيد لقوله: ((ويستعجِلونك)). والباقون بالتاء على الخطاب(٤)، واختاره أبو حاتم. قوله تعالى: ﴿وَكَأَبِنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَ الْمَصِيرُ ٤٨) قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا﴾ أي: أَمْهلتُها مع عُتُوُّها ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ أي: بالعذاب ﴿وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿﴿ فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِيّ ◌َيَزِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ الصَّلِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ @ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني أهل مكة ﴿إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي: منذرٌ مُخَوِّف. وقد تقدَّم في ((البقرة)) الإنذارُ في أوّلها(٥). ﴿مُِّينٌ﴾ أي: أُبيِّن لكم ما (١) أخرجه الطبري ٥٩٨/١٦ . (٢) في (ظ): أعلمهم الله أنهم إذا استعجلوا. (٣) في معاني القرآن للفراء ٢٢٨/٢: يوم من أيام عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدون في الدنيا. (٤) السبعة ص٤٣٩، والتيسير ص١٥٨ . (٥) ٢٨١/١. ٤٢٢ سورة الحج: الآيات ٤٩ - ٥٢ تحتاجون إليه من أمرٍ دينكم. ﴿فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾ يعني الجنة. ﴿وَلَِّيْنَ سَعَوْ فِيَّ مَايَئِنَا﴾ أي: في إبطالِ آياتنا ﴿مُعَجِزِينَ﴾ أي: مُغالِين مُشَاقِّين؛ قاله ابن عباس(١). الفَرَّاء(٢): مُعانِدين. وقال عبد الله بن الزبير: إنما هي: ((معجِّزين))، أي: مثبِّطين عن الإسلام(٣). وقال الأخفش: ((معاجزين)) (٤): مسابِقين. الزجَّاج(٥): أي: ظانِّين أنَّهم يُعْجِزوننا؛ لأنهم ظنُّوا أنْ لا بَعْثَ، وظنُّوا أنَّ اللـه لا يقدر عليهم. وقاله قتادة (٦). وكذلك معنى قراءةِ ابنِ كثير وأبي عمرو: ﴿مُعَجِّزِين﴾ بلا ألفٍ مشدّداً(٧). ويجوز أن يكون معناه: أنهم يعجّزون المؤمنين في الإيمان بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام وبالآيات؛ قاله السُّدِّيّ(٨). وقيل: أي: يَنْسُبون مَن اتَّبع محمداً * إلى العجز، كقولهم: جهَّلْتُه وفسَّقْتُه(٩). ﴿أُوْلَكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ﴾﴾ فيه ثلاث مسائل : (١) أخرجه الطبري ١٦/ ٦٠٠ - ٦٠١ دون قوله: مغالبين. (٢) في معاني القرآن ٢٢٩/٢ . (٣) معاني القرآن للفراء ٢٢٩/٢ . وسقط من (م) قوله: إنما هي معجزين أي. (٤) في (م): معاندين، وليست في (خ)، والمثبت من باقي النسخ، وذكر هذا القول مكي في الكشف عن وجوه القراءات ١٢٣/٢ دون نسبة. (٥) في معاني القرآن ٤٣٣/٣. (٦) أخرجه بنحوه عبد الرزاق ٢/ ٤٠ و١٢٦، والطبري ١٦/ ٦٠١. (٧) السبعة ص٤٣٩، والتيسير ص١٥٨. (٨) ذكره عن السدي الماوردي في النكت والعيون ٣٣/٤ بلفظ: مثبطين لمن أراد اتِّباع النبيِّ ﴾. (٩) الحجة للفارسي ٢٨٤/٥ . ٤٢٣ سورة الحج: الآية ٥٢ الأولى: قوله تعالى: ﴿تَمَنَّ﴾ أي: قرأ وتَلا. و﴿ أَلْفَى الشَّيْطَئِنُ فِىّ أُمَّنِيَّتِهِ﴾ أي: قراءتِه وتلاوته. وقد تقدَّم في البقرة(١) . قال ابن عطيةً: وجاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ((وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نَبِيٍّ ولا مُحَدَّثٍ)) ذكره مَسْلمةُ بن القاسم بن عبد الله(٢)، ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس(٣). قال مسلمةُ: فوجَدْنا المُحَدَّثين معتصِمين بالنبوَّة - على قراءة ابن عباس - لأنَّهم تكلَّموا بأمورٍ عاليةٍ من أنباء الغيب خَطَرَات، ونطقوا بالحكمة الباطنة، فأصابوا فيما تكلَّموا وعُصموا فيما نَطَقوا، كعمر بن الخطاب في قصة سارية(٤)، وما تكلّم به من البراهين العالية. قلت: وقد ذكر هذا الخبرَ أبو بكر الأنباريُّ في كتاب ((الردِّ» له: وقد حدَّثني أبي رحمه الله، حدّثنا عليّ بنُ حرب، حدَّثنا سفيان بن عُيينة، عن عمرو، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ: ((وما أرسلنا مِن قَبْلك مِن رسولٍ ولا نَبيٍّ ولا مُحَدَّثٍ))، قال أبو بكر: فهذا حديثٌ لا يؤخذ به على أنَّ ذلك قرآن. والمحدَّث هو الذي يوحَى إليه في نومه؛ لأنَّ رُؤيا الأنبياءِ وَحْيٌّ. الثانية: قال العلماء: إنَّ هذه الآيةَ مشكلةٌ من جهتين: إحداهما: أنَّ قوماً يَرَوْن أنَّ الأنبياء صلواتُ الله عليهم فيهم مُرْسَلون وفيهم غيرُ مُرْسَلین. وغيرهم يذهب إلى (١) ٢١٧/٢ - ٢١٨ . (٢) أبو القاسم الأندلسي القرطبي، المحدّث الرحَّال، قال ابن الفَرَضي: سمعت مَن ينسبه إلى الكذب، وقال لي محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج: لم يكن كذاباً، بل كان ضعيف العقل، قال: وحُفظ عليه سوء كلام في التشبيه. توفي سنة (٣٥٣هـ). تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ١٣٠/٢، والسير ١١٠/١٦. (٣) أخرجه بهذا الإسناد إسحاق بن راهويه (١٠٥٩)، وعلقه البخاري عنه بإثر الحديث (٣٦٨٩). (٤) أخرجها أبو نعيم في دلائل النبوة (٥٢٦)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢٥٣٧)، والبيهقي في الاعتقاد ص٢٠٣، وابن عساكر في تاريخه ٢٤/٢٠ - ٢٦ . وحسن إسناده ابن كثير وابن حجر رحمهما الله، وينظر تفصيل الكلام فيه في البداية والنهاية ١٧٣/١٠ - ١٧٦، والإصابة ٤/ ٩٧ - ٩٨. ٤٢٤ سورة الحج: الآية ٥٢ أنه لا يجوز أن يقال نبيٌّ حتى يكون مرسلاً. والدليلُ على صحة هذا قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَبٍِّ﴾ فأوجب للنبيِّ الرسالةَ. وأنَّ معنى («نَبِيّ)): أنبأ عن الله عزَّ وجلَّ، ومعنى أنبأ (١) عن الله عزَّ وجلَّ الإرسالُ بعينه. وقال الفرَّاء: الرسولُ الذي أُرسل إلى الخلق بإرسال جبريل عليه السلام إليه عِيَاناً، والنبيُّ الذي تكون نبوَّته إلهاماً أو مناماً، فكلُّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولاً(٢). قال المهدوِيُّ: وهذا هو الصحيحُ، أنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولاً. وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب ((الشِّفا))(٣) قال: والصحيحُ والذي عليه الجمَّاءُ الغفيرُ(٤) أنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيِّ رسولاً، واحتجَّ بحديث أبي ذرٍّ، وأنَّ الرسلَ من الأنبياء ثلاث مئة وثلاثةَ عَشَر، أوَّلُهم آدمُ، وآخِرُهم محمدٌ ﴾(٥). والجهةُ الأخرى التي فيها الإشكالُ وهي: الثالثة: الأحاديثُ المروِيَّة في نزول هذه الآية، وليس منها شيءٌ يصحُّ. وكان مما تموَّهُ(٦) به الكفار على عوامّهم قولُهم: حُّ الأنبياء ألَّا يَعجِزوا عن شيءٍ، فلِم لا يأتينا محمدٌ بالعذاب وقد بالَغْنا في عداوته؟ وكانوا يقولون أيضاً: ينبغي ألَّ يجريَ عليهم سَهْوٌ وغلط، فبيَّن الربُّ سبحانه أنهم بَشَر، والآتي بالعذاب هو الله تعالى على (١) في (ظ): وأن معنى النبي المنبأ عن الله عزَّ وجلَّ ومعنى الإنباء ... ، والمثبت من باقي النسخ وإعراب القرآن للنحاس ١٠٢/٣ - ١٠٣، والكلام منه. (٢) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٢٩/٢، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام دقيق في هذه المسألة ملخصه: أن النبي هو الذي ينبئه الله، وهو يُنبئ بما أنبأ اللهُ به، فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه، فهو رسول، وأما إذا كان يعمل بالشريعة قبله ولم يرسَل هو إلى أحدٍ يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول. ينظر كتاب النبوات ص ٢٥٥ . (٣) ٤٨٨/١ - ٤٨٩ . (٤) في (د) و(ز) و(م): الجم الغفيرِ. ويقال: جاؤوا جمًّا غفيراً، وجمَّ الغفير، وجمَّاء الغفير، والجمَّاءَ الغفير، وجمَّاءَ غفيراً، أي: جميعاً. القاموس (غفر). (٥) أخرجه أحمد (٢٢٢٨٨) مطولاً، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب. (٦) في (ظ): موه. ٤٢٥ سورة الحج: الآية ٥٢ ما يريد، ويجوز على البشر السَّهوُ والنِّسْيانُ والغلطُ؛ إلى أن يُحكم الله آياته. ويَنْسَخ حِيَل الشيطان. روى اللَّيث عن يونس، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام قال: قرأ رسول الله #: ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى﴾ فلمَّا بلغ: ﴿أَفَيُّمُ الَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ﴾ سها فقال: إنَّ شفاعتهم تُرْتَجَى. فلقيَه المشركون والذين في قلوبهم مرضٌ، فسلَّموا عليه وفرحوا، فقال: ((إنَّ ذلك من الشيطان)). فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ الآية(١). قال النحاس(٢): وهذا حديثٌ منقطِعٌ، وفيه هذا الأمرُ العظيم، وكذا حديثُ قتادةَ وزاد فيه: ((وإنهنَّ لهنَّ الغَرَانِيقِ العُلا))(٣). وأَقْطَعُ من هذا ما ذكره الواقديُّ عن كثير بن زيد، عن المطّلب بن عبد الله قال: سجد المشركون كلُّهم إلَّا الوليد بن المغيرة؛ فإنه أخذ تراباً من الأرض، فرفعه إلى جبهته وسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً، ويقال: إنه أبو أُحَيْحةَ سعيد بن العاص، حتى نزل جبريل عليه السلام، فقرأ عليه النبيُّ # [هذا]، فقال: : ((ما جئتك به))! وأنزل الله: ﴿لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. قال النحاس(٤): وهذا حديثٌ منكَر منقطعٌ، ولا سيما من حديث الواقديّ. وفي البخاريِّ أنَّ الذي أخذ قبضةً من تراب ورفعها إلى جبهته هو أمية بنُ خلف(٥). وسيأتي تمامُ (١) معاني القرآن للنحاس ٤٢٥/٤ - ٤٢٦، والناسخ والمنسوخ له ٤٤٨/١ ,٥٢٧/٢، وأخرجه الطبري ٦٠٨/١٦ - ٦٠٩ من طريق يونس بهذا الإسناد. (٢) في الناسخ والمنسوخ ٥٢٨/٢ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) أخرجه الطبري مطولاً ١٦/ ٦١٢ . (٤) في الناسخ والمنسوخ ٥٢٩/٢ ، وخبر الواقدي أخرجه مطولاً ابن سعد في الطبقات ٢٠٥/١ ، والواقدي متروك كما ذكر الحافظ في التقريب. (٥) صحيح البخاري (٤٨٦٣) من حديث عبد الله بن مسعود﴾، ولفظه: أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْرِ﴾ قال: فسجد رسول الله ﴾ وسجد مَن خَلْفَه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفّا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً، وهو أمية بن خلف. وأخرجه بنحوه أحمد (٣٦٨٢)، ومسلم (٥٧٦) بنحوه، وليس فيه اسم الذي لم یسجد. ٤٢٦ سورة الحج: الآية ٥٢ كلام النحاس على الحديث - إن شاء الله - آخِرَ الباب. قال ابن عطية (١): وهذا الحديثُ - الذي فيه: هي الغرائقة(٢) العلا - وقع في كتب التفسير ونحوِها، ولم يُدْخِله البخاريُّ ولا مسلمٌ، ولا ذَكَرَه في علمِي مصنَّفٌ مشهورٌ، بل يقتضي مذهبُ أهلِ الحديث أنَّ الشيطان ألقَى، ولا يعيِّنون هذا السببَ ولا غيره. ولا خلافَ أنَّ إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة . ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير - وهو مشهورُ القول - أنَّ النبيَّ : # تكلّم بتلك الألفاظ على لسانه. وحدَّثني أبي ﴾ أنه لَفيَ بالشرق من شيوخ العلماء والمتكلِّمين مَن قال: هذا لا يجوز على النبيِّ ﴾ وهو المعصومُ في التبليغ، وإنَّما الأمرُ أنَّ الشيطان نَطَقَ بلفظِ أسمعه الكفارَ عند قول النبيِّ#: ﴿أَفَيَُّمُ الَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَوَةَ الثَِّثَةَ الْأُخْرَى﴾، وقَرَّب صوته من صوت النبيِّ ﴾ حتى الْتَبَس الأمرُ على المشركين وقالوا: محمدٌ قرأها. وقد روي نحوُ هذا التأويل عن الإمام أبي المَعَالي. وقيل: الذي ألقى شيطانُ الإنس؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. قتادة: هو ما تلاه ناعساً(٣). وقال القاضي عياض في كتاب ((الشِّفا))(٤)؛ بعد أن ذكر الدليل على صِدْق النبيّ ﴾، وأنَّ الأمة أجمعت فيما طريقُه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيءٍ بخلافٍ ما هو عليه، لا قصداً ولا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً (٥): اعلم - أَكْرمكَ الله - أنَّ لنا في الكلام على مُشْكِلٍ هذا الحديث مأخَذين: أحدهما في توهين أصله، والثاني على تسليمه : (١) في المحرر الوجيز ١٢٩/٤ . (٢) في (د) و(م): الغرانيق، وهما روايتان كما ذكر ابن عطية بعد ذلك. (٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٣٥، وأخرجه مطولاً ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٦٨/٤. قال القاضي عياض في الشفا ٢٩٨/٢: وهذا لا يصح؛ إذ لا يجوز على النبي # مثله في حالة من أحواله، ولا يخلقه الله على لسانه، ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة. (٤) ٢ / ٢٨٩ . (٥) في (خ) و(ز) و(ظ): أو غلطاً، وفي (د) و(م): وغلطاً، والمثبت من الشفا ٢٨٥/٢ . ٤٢٧ سورة الحج: الآية ٥٢ أمَّا المأخذُ الأوّل؛ فيكفيك أنَّ هذا حديثٌ لم يخرِّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسندٍ سليمِ متَّصِلٍ ثقةٌ؛ وإنَّما أُولِع به وبمثله المفسِّرون والمؤرخون المولَعون بكلِّ غريب، المتلقّفون من الصحف كلَّ صحيحٍ وسقيم. قال أبو بكر البزَّار: وهذا الحديثُ لا نعلمه يُروى عن النبيِّ ﴾ بإسنادٍ متَّصِلٍ يجوزُ ذكره، إلَّا ما رواه شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب ـ الشكُّ في الحديث - أنَّ النبيَّ # كان بمكة ... وذكر القصة. ولم يُسنده عن شعبةَ إلَّا أمية بنُ خالد، وغيرُه يُرسلُه عن سعيد بن جبير. وإنَّما يُعرفُ عن الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس(١). فقد بیَّن لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يُعرف من طريقٍ يجوز ذكره سوی هذا، وفيه من الضعف ما نبّه عليه مع وقوع الشكِّ فيه الذي(٢) ذكرناه، الذي لا يُوثَق به ولا حقيقةً معه. وأمَّا حديثُ الكلبيِّ فمما لا تجوز الروايةُ عنه ولا ذِكْره؛ لقوّة ضَعْفِه وكذبه، كما أشار إليه البزَّار رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أنَّ النبيَّ # قرأ: ((والنجم)) بمكةَ، فسجد، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنس(٣)؛ هذا توهينُه من طريق النقل. (١) كشف الأستار (٢٢٦٣)، دون قوله: ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، فهو من الشفا. والحديث أخرجه أيضاً بالإسناد المذكور الطبراني في الكبير (١٢٤٥٠). (٢) في الشفا: كما. (٣) أخرجه البخاري (١٠٧١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد سلف نحوه من حديث ابن مسعود. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. اهـ. وقال الرازي ٢٣/ ٥٠ : أما أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول ... وروي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضعٌ من الزنادقة، وصنف فيه كتاباً. وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. اهـ وأما رد الحافظ ابن حجر في الفتح ٤٣٩/٨ على القاضي عياض وابن العربي في توهينهما لهذه القصة، وقوله: لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً. فقد قال الآلوسي رحمه الله في تفسيره ١٧/ ١٨٢: لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد؛ فإن الطاعنين فيه من حيث النقل علماء أجلاء عارفون بالغث والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحقِّ فيه فلم يرووه إلا مردوداً ... ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائلَ بالقبول. ٤٢٨ سورة الحج: الآية ٥٢ وأما المأخذُ الثاني فهو مَبْنيٍّ على تسليم الحديث لو صحّ. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كلِّ حالٍ فقد أجاب أئمةُ المسلمين عنه بأجوبة؛ منها الغَثّ والسَّمين. والذي يظهر ويترجَّح في تأويله ــ على تسليمه - أنَّ النبيَّ : ﴿ كان كما أمره ربُّه يرتِّلُ القرآن ترتيلاً، ويفضِّل الآيَ تفصيلاً في قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصُّد الشيطان لتلك السَّكتات ودسُّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، مُحاكِياً نغمةَ النبيِّ # بحيث يسمعه مَن دنا إليه من الكفار، فظنُّوها من قول النبيِّ ﴾. وأَشاعوها. ولم يَقْدَخْ ذلك عند المسلمين؛ لحِفْظِ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتَحقُّقِهم من حالِ النبيِّ:﴿ في ذمِّ الأوثان وعَيْيِها ما عُرف منه، فيكون ما رُويَ من حزن النبيِّ# لهذه الإشاعةِ والشُبهة وسببِ هذه الفتنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ﴾ الآية (١). قلت: وهذا التأويلُ أَحْسَنُ ما قيل في هذا، وقد قال سليمان بن حرب: إنَّ ((في)) بمعنى عند، أي: ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوةِ النبيِّ ﴾، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا﴾ [الشعراء: ١٨] أي: عندنا. وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بنُ العربي، وقال قبله: إنَّ هذه الآيةَ نصُّ في غرضنا، دليلٌ على صحة مذهبنا، أصلٌ في براءة النبيِّ # مما يُنْسَب إليه أنه قاله، وذلك أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ.﴾ أي: في تلاوته. فأخبر الله تعالى أنَّ مِن سنَّته في رسله وسيرتِه في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولاً زاد الشيطان فيه مِن قِبَلِ نَفْسِه كما يَفْعَل سائرَ المعاصي، تقول: ألقيتُ في الدار كذا، وألقيتُ في الكيس كذا. فهذا نصٌّ في الشَّيطان أنه زاد في الذي قاله النبيُّ#، لا أنَّ النبيَّ # تكلَّمَ به. ثم ذَكَر معنى كلامٍ عياض إلى أن قال: وما هُدِي لهذا إلَّا الطبريُّ لجلالة قَدْرِهِ وصفاءِ فِكْرِهِ، وسَعَةِ باعِه (١) الشفا ٢٩٨/٢ - ٣٠١. ٤٢٩ سورة الحج: الآية ٥٢ في العلم، وشِدَّة ساعده في النَّظَر، وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصوَّب على هذا المرمى، وقَرْطَسَ بعد ما ذَكَر في ذلك رواياتٍ كثيرةً كلُّها باطلٌ لا أصلَ لها، ولو شاء ربُّك لَمَا رواها أحدٌ ولا سَطرها، ولكنه فعَّالٌ لِمَا يريد (١). وأمَّا غيرُه من التأويلات مِمَّا(٢) حكاه قومٌ: أنَّ الشيطان أكرهه حتى قال كذا، فهو مُحال؛ إذ ليس للشيطان قدرةٌ على سَلْبِ الإنسان الاختيارَ، قال الله تعالى مُخبِراً عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُّكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، ولو كان للشَّيطان هذه القدرةُ لَمَا بقي لأحدٍ من بني آدم قوّةٌ في طاعة (٣)، ومَن توَهَّم أنَّ للشيطان هذه القوّةً(٤) فهو قولُ الثَّنَوِيَّة والمجوس في أنَّ الخير من الله والشرَّ من الشيطان. ومَن قال: جرى ذلك على لسانه سهواً؛ قال: لا يَبْعُدُ أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على حِفْظِه، فجرى عند قراءة السورةِ ما كان في حِفْظِه سهواً، وعلى هذا يجوز السَّهْوُ عليهم ولا يُقَرُّون عليه، وأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآيةَ تمهيداً لعُذْرِهِ وتسليةً له؛ لئلا يقال: إنه رجع عن بعض قراءته. وبَيَّن أنَّ مثلَ هذا جرى على الأنبياء سهواً، والسَّهوُ إنَّما ينتفي عن الله تعالى(٥). وقد قال ابن عباس: إنَّ شيطاناً يقال له: الأبيض، كان قد أتى رسولَ الله﴾ في صورة جبريل عليه السلام، وألقى في قراءة النبيِّ﴾: تلك الغرانيقُ العُلا، وإن (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٩٠ - ١٢٩١، وينظر تفسير الطبري ٦١٠/١٦ - ٦١١، وليس في كلامه ما يشير إلى ما نسبه إليه ابن العربي. (٢) في (د) و(م): فما. (٣) وينظر أيضاً هذا القول والردود عليه في تفسير الرازي ٢٣/ ٥٣. (٤) في (ظ): القدرة. (٥) قال القاضي عياض في الشفا ٣٠٢/٢ ردًا على هذا القول: وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغييرَ المعاني، وتبديلَ الألفاظ، وزيادةً ما ليس في القرآن، بل السهو عن إسقاط آية منه أو کلمة، ولكنه لا یقَرُّ على هذا السهو، بل ینبّه علیه، ویذكّر به للحین. ٤٣٠ سورة الحج: الآية ٥٢ شَفَاعتهنَّ لتُرْتَجَى. وهذا التأويلُ وإن كان أَشْبهَ ممَّا قَبْلَه(١)، فالتأويلُ الأوّلُ عليه المعوَّل، فلا يُعدَل عنه إلى غيره لاختيارِ العلماء المحقّقين إياه. وضَعْفُ الحديثِ مُغْنٍ عن كلِّ تأويل، والحمد لله. وممَّا يدلُّ على ضَعْفِه أيضاً وتَوْهينِهِ من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُوْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] الآيتين؛ فإنهما تَردَّان الخبر الذي روَوْه؛ لأنَّ الله تعالى ذَكَر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتريَ، وأنه لولا أنْ ثبَّته لكان(٢) يركَنُ إليهم. فمضمونُ هذا ومفهومُه أنَّ الله تعالى عَصَمَه من أن يفتريّ، وثبَّته حتى لم يركن إليهم قليلاً، فكيف كثيراً. وهم يرؤُون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراءِ بمدح آلهتهم، وأنه قال عليه الصلاة والسلام: افتريتُ على الله وقلتُ ما لم يَقُل. وهذا ضدُّ مفهومِ الآية، وهي تُضعِّفُ الحديثَ لو صحّ، فكيف ولا صحةً له. وهذا مِثلُ قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيَّكَ وَرَحْمَتُهُ ◌َّمَّت ◌َائِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٌ﴾ [النساء: ١١٣] قال القُشَيْريُّ: ولقد طالبتُه قريشٌ وثَقِيفٌ إذ مرَّ بآلهتهم أن يُقبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه بالإيمان به إن فعل ذلك، فما فَعَلَ، ولا كان لِيَفْعَلَ! قال ابن الأنباريِّ: ما قارَبَ الرسول ولا رَكَن(٣). وقال الزجاج(٤): أي: كادوا، ودخلت ((إنْ)) واللام للتأكید. وقد قيل: إنَّ معنى ((تمنَّى)): حدَّث، لا ((تلا))؛ روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّ إِذَا تَمَنَّ﴾ قال: إلَّا إذا حدَّث ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمَّنِيَّتِهِ﴾ قال: في حديثه ﴿فَيَنَسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ قال: فَيُبْطِلُ الله ما يلقي (١) وقد ردَّ هذا القول الإمامُ الرازي في تفسيره ٢٣/ ٥٣ بعد أن ذكر خبر ابن عباس بقوله: هذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يميز بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث !! (٢) في الشفا ٢٩٦/٢ (والكلام منه): لكاد. (٣) الشفا ٢٩٦/٢ - ٢٩٧. (٤) في معاني القرآن ٢٥٣/٣ ٤٣١ سورة الحج: الآية ٥٢ الشيطان. قال النحاس(١): وهذا من أَحْسَنِ ما قيل في الآية وأعلاه وأجلُّه. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل: بمصرَ صحيفةٌ في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رَحَلَ رجلٌ فيها إلى مصرَ قاصداً، ما كان كثيراً. والمعنى عليه: أنَّ النبيَّ﴾ كان إذا حدّثَ نفسَه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيطة، فيقول: لو سألتَ الله عزَّ وجلَّ أن يغنِّمك ليتَسعَ المسلمون. ويَعْلمُ الله عزَّ وجلَّ أنَّ الصلاح في غير ذلك، فيُبْطِلُ ما يلقي الشيطانُ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. وحَكَى الكسائيُّ والفرَّاء جميعاً: ((تمتَّى)): إذا حدَّث نفسه، وهذا هو المعروفُ في اللغة. وحَكَيَا أيضاً: ((تمنّى)): إذا تلا(٢). وروي عن ابن عباس أيضاً، وقاله (٣) مجاهد والضحَّاك وغيرهما وقال أبو الحسن بنُ مَهْدي (٤): ليس هذا التمنِّي من القرآن والوحي في شيء، وإنما كان النبيُّ # إذا صَفِرَتْ يداه من المال، ورأى ما بأصحابه من سوء الحال، تمنَّى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان. وذكر المهدويُّ عن ابن عباس أنَّ المعنى: إذا حدَّث ألقى الشيطان في حديثه؛ وهو اختيارُ الطبريٌّ(٥). قلت: قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَهُ﴾ الآية، يردُّ حديثَ النَّفْس، وقد قال ابن عطيةً: لا خلافَ أنَّ إلقاء الشيطان إنَّما هو لألفاظِ مسموعة، بها وقعت الفتنة(٦)، فالله أعلم. (١) في إعراب القرآن ١٠٤/٣، وما قبله منه، وخبر ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٦٠٩/١٦ - ٦١٠ ٠ (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٠٤/٣، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢٢٩/٢. (٣) أخرجه عن مجاهد والضحاك الطبري ٦١٠/١٦، وذكره عن ابن عباس الواحدي ٢٧٦/٣ . (٤) هو علي بن محمد بن مهدي، وقد سلفت ترجمته ٣٢٦/٩ . (٥) في تفسيره ١٦/ ٦١٠، وسلف قريباً خبر ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) المحرر الوجيز ١٢٩/٤، وسلف ص٤٢٦ من هذا الجزء. ٤٣٢ سورة الحج: الآية ٥٢ قال النحاس(١): ولو صحَّ الحديثُ واتَّصل إسنادُه؛ لكان المعنى فيه صحيحاً، ويكون معنى سها: أَسْقَطَ(٢). ويكون تقديره: أفرأيتم اللَّاتَ والعُزَّى، وتمَّ الكلام. ثم أَسْقَط: والغرانيقَ العلا؛ يعني الملائكةَ. فإنَّ شفاعتهم، يعود الضمير على الملائكة. وأمَّا مَن رَوَى: فإنَّهن الغرانيقُ العلا، ففي روايته أجوبةٌ؛ منها: أنْ يكون القولُ محذوفاً كما تَستعمل العرب في أشياءَ كثيرة. ويجوز أن يكون بغير حذفٍ، ويكون توبيخاً؛ لأنَّ قبله: ((أفرأيتم))، ويكون هذا احتجاجاً عليهم، فإنْ كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحاً في الصلاة. وقد رُويَ في هذه القصةِ أنه كان ممَّا يُقرأ: أفرأيتم اللاتَ والعُزَّى، ومناةَ الثالثةَ الأُخرى، والغَرانِقَةَ العُلا، وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرْتَجَى. رُوي معناه عن مجاهد(٣). وقال الحسن: أراد بالغرانيق العُلا الملائكةَ(٤)، وبهذا فسَّر الكلبيُّ الغرائقةَ أنَّها الملائكة. وذلك أنَّ الكفار كانوا يعتقدون [أنَّ] الأوثان والملائكةَ بناتُ الله، كما حَکی الله تعالى عنهم، وردَّ عليهم في هذه السورة بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذُّكَرُ وَلَهُ آلْأَ﴾ [النجم: ٢١]. فأنكر الله كلَّ هذا من قولهم. ورجاءُ الشفاعة من الملائكة صحيحٌ، فلمَّا تأوَّله المشركون على أنَّ المراد بهذا الذِّكر آلهتهم، ولَبَّس عليهم الشيطان بذلك؛ نَسَخَ الله ما أَلقَى الشيطان، وأَحْكُم الله آياتِه، ورَفَع تلاوة تلك اللفظتين اللَّتين وَجد الشيطان بهما سبيلاً للتلبيس، كما نُسخ كثيرٌ من القرآن؛ ورُفعت تلاوته(٥). قال القُشَيريُّ: وهذا غيرُ سديد؛ لقوله: ﴿فَيَفْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ أي: يُبْطله، وشفاعةُ الملائكةِ غيرُ باطلة. (١) في إعراب القرآن ٣/ ١٠٣. (٢) يشير إلى خبر الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن، والذي فيه: سها، وقد سلف ص٤٢٥ من هذا الجزء. (٣) ذكره القاضي عياض في الشفا ٢/ ٣٠٢، وذكره الرازي ٢٣/ ٥٣ دون نسبة. (٤) ذكره عن الحسن الماورديُّ في النكت والعيون ٤/ ٣٥ . (٥) الشفا ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣، وما سلف بين حاصرتين منه. ٤٣٣ سورة الحج: الآيتان ٥٣ - ٥٤ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ((عليم)) بما أَوحى إلى نبيِّه ﴿. (حكيم)) في خَلْقِه. قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ ٥٣ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ﴾ أي: ضلالةٌ ﴿لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم قَرَضٌ﴾ أي: شرك ونفاق، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فلا تَلِينُ لأمر الله تعالى. قال الثعلبيُّ: وفي الآية دليلٌ على أنَّ الأنبياء يجوز عليهم السَّهوُ والنسيانُ والغلطُ بوسواسٍ الشيطان، أو عند شَغْل القلب حتى يغلَط، ثم يُنَّه ويرجع إلى الصحيح، وهو معنى قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ﴾. ولكن إنَّما يكون الغلطُ على حَسَبٍ ما يغلَط أحدُنا، فأمَّا ما يضافُ إليه من قولهم: تلك الغرانيق العلا، فكذِبٌ على النبيِّ ﴾؛ لأنَّ فيه تعظيمَ الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، كما لا يجوز أن يَقْرأ بعضَ القرآن ثم يُنشد شعراً، ويقول: غلِطتُ وظنتُهُ (١) قرآناً. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِنَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: الكافرين لفي خلافٍ وعصيانٍ ومُشَاقَّةٍ لله عزَّ وجلَّ ولرسوله ﴾. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٢) والحمد لله وحده. قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ أَنَّهُ أُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، ٥٤ فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أي: من المؤمنين. وقيل: أهل الكتاب. ﴿أَنَّهُ﴾ أي: إنَّ الذي أُحكم من آيات القرآن هو ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُغْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخشعَ وتَسْكُنَ. وقيل: تَخْلُص. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ قرأ أبو حَيْوَةَ: ((وإنَّ اللهَ لَهادِ الذين آمنوا)) بالتنوين(٣). ﴿إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) في (ظ): أو ظننته. (٢) ٤١٩/٢ . (٣) القراءات الشاذة ص٩٦ . ٤٣٤ سورة الحج: الآية ٥٥ أي: يثبّتهم على الهداية. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوَ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَقِيمٍ (@) قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِيِنَ كَفَرُواْ فِ مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ يعني في شكٍّ من القرآن؛ قاله ابن جُريج. وغيرُه: من الدِّين، وهو الصراط المستقيم(١). وقيل: ممَّا ألقى الشيطان على لسانٍ محمدٍ ﴾، ويقولون: ما بالُه ذَكَرَ الأصنامَ بخيرٍ ثم ارتدَّ عنها؟ وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلميُّ: ((في مُرْيةٍ)) بضمِ الميم، والكسرُ أَعْرفُ؛ ذكره النحاس(٢). ﴿حَ تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: القيامة ﴿بَغْتَّةُ﴾ أي: فجأة ﴿أَوْ يَأتَِهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال الضخَّاك: عذابُ يومٍ لا ليلةَ له، وهو يومُ القيامة (٣). النحاس(٤): سمِّي يومُ القيامة عقيماً لأنه ليس يُعْقِبُ بعدَه يوماً مثلَه؛ وهو معنى قولِ الضخَّاك. والعقیمُ في اللغة عبارةٌ عمَّن لا یکون له ولد، ولمّا كان الولد یکون بین الأبوین، وكانت الأيامُ تتوالى قبلُ وبعدُ؛ جُعل الإتباع فيها بالبَعْدية كهيئة الولادة، ولمَّا لم يكن بعد ذلك اليوم يومٌ؛ وُصف بالعقيم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادةُ: المراد عذابُ يوم بدر(٥)، ومعنى ((عقيم)): لا مِثْلَ له في عِظَمِه؛ لأنَّ الملائكة قاتلتْ فيه. ابن جُريج: لأنهم لم يُنظَروا فيه إلى (١) تفسير البغوي ٢٩٥/٣، وقول ابن جريج أخرجه الطبري ٦١٥/١٦. (٢) في إعراب القرآن ٣/ ١٠٤ . (٣) أخرجه الطبري ٦١٦/١٦ . (٤) في إعراب القرآن ١٠٤/٣ . (٥) الوسيط ٢٧٧/٣، وأخرجه عن مجاهد وقتادة الطبري ١٦/ ٦١٦ - ٦١٧ . ٤٣٥ سورة الحج: الآيات ٥٥ -٥٩ الليل، بل قُتلوا قبل المساء، فصار يوماً لا ليلةَ له(١). وكذلك يكون معنى قولٍ الضخَّاك أنه يومُ القيامة؛ لأنه لا ليلةً له. وقيل: لأنه لم يكن فيه رأفةٌ ولا رحمةٌ، وكان عقيماً من كلِّ خير، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَنَا عَلَهِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] أي: التي لا خيرَ فيها، ولا تأتي بمطرٍ ولا رحمة. قوله تعالى: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ اَلْضَلِحَتِ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ OVI عَذَابٌ مُهِينٌ قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني يوم القيامة هو لله وحده لا مُنازِعَ له فيه ولا مُدَافِع. والمُلْكُ هو اتساعُ المقدور لمن له تدبير الأمور. ثم بيَّن حُكْمِه فقال: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَِّحَتِ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ . وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. قلت: وقد يَحتمِلُ أن تكون الإشارة بـ (يومَئِذْ)) ليوم بَدْر، وقد حَكَم فيه بإهلاك الكافر وسعادةِ المؤمن، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعمرَ: «وما يدريكَ لعلَّ الله اطّلعَ على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم))(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ مَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَّنَّهُمُ لَيُدْخِلَنَّهُم مُدْخَلًا اللَّهُ رِزْقًا حَسَنَّأْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ (@) يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ٥٩ أَفردَ ذِكْرَ المهاجرين الذين ماتوا وقُتلوا تفضيلاً لهم وتشريفاً على سائر الموتى. وسببُ نزول هذه الآيةِ أنه لمَّا مات بالمدينة عثمان بنُ مَظْعُون وأبو سلمة بنُ عبد الأسد قال بعض الناس: مَن قُتل في سبيل الله أفضلُ ممن مات حَتْفَ أنفِه، فنزلت (١) أخرجه الطبري ٦١٦/١٦، وذكره البغوي ٢٩٥/٣ . (٢) أخرجه أحمد (٦٠٠)، والبخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)، وسلف ٧٨/١٠. : ٤٣٦ سورة الحج: الآيتان ٥٨ - ٥٩ هذه الآية مُسَوِّيةً بينهم، وأنَّ الله يرزق جميعَهم رزقاً حسناً. وظاهِرُ الشريعةِ يدلُّ على أنَّ المقتول أفضلُ. وقد قال بعضُ أهل العلم: إنَّ المقتول في سبيل الله والميتَ في سبيل الله شهيد؛ ولكنْ للمقتول مَزِيَّةُ ما أصابه في ذات الله(١). وقال بعضهم: هما سواءٌ، واحتجَّ بالآية، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ. مُهَاجِرً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُمُ عَلَى اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٠]، وبحديث أمِّ حَرام؛ فإنها صُرعت عن دابَّتها، فماتت ولم تُقتل، وقال لها النبيُّ﴾: ((أنتِ من الأوَّلين))(٢)، وبقول النبيِّ# في حديث عبد الله بن عَتيك: ((مَن خَرَج من بيته مجاهداً (٣) في سبيل الله، فخرَّ عن دابَّته فمات، أو لدغته حيةٌ فمات، أو مات حَتْفَ أَنْفِه، فقد وقع أجرُه على الله، ومَن مات قَعْصاً فقد استَوْجَبَ المآب))(٤). وذكر ابن المبارك عن فَضالةَ بن عبيد في حديثٍ ذَكَر فيه رجلين؛ أحدُهما أصیبَ في غُزاةٍ بِمَنْجَنيقٍ فمات، والآخَرُ مات هناك، فجلس فَضالةُ عند الميت، فقيل له: تركتَ الشهيد ولم تجلس عنده؟! فقال: ما أبالي من أيِّ حفرتيهما بُعثتُ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ﴾ الآيَةَ كلَّها(٥). وقال سليمان بن عامر: كان فَضالةُ بُرُودِس أميراً على الأرباع، فخُرِج بجنازتي رجلين، أحدُهما قتيلٌ والآخَر متوَقَّى؛ فرأى مَيْلَ الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، (١) المحرر الوجيز ١٣٠/٤. (٢) التمهيد ٢٣٥/١ - ٢٣٦، والحديث أخرجه أحمد (٢٧٠٣٢)، والبخاري (٢٧٨٨، ٢٧٨٩)، ومسلم (١٩١٢) مطولاً من حديث أم حرام رضي الله عنها. (٣) في (د) و(م): مهاجراً. (٤) التمهيد ٢٣٦/١، وأخرجه أحمد (١٦٤١٤) مطولاً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٦/٥ - ٢٧٧ : فيه محمد بن إسحاق مدلس، وبقية رجاله ثقات. قلنا: وفيه محمد بن عبد الله بن عتيك، وهو مجهول الحال. ينظر الميزان ٥٩٥/٣ . قوله: قَعْصاً، القَعْص: أن يُضرب الإنسان فيموت مكانه، وأراد بوجوب المآب: حُسْنَ المَرْجِع بعد الموت. النهاية (قعص). (٥) الجهاد لابن المبارك (٦٦)، والكلام من التمهيد ٢٣٦/١. ۔ ٤٣٧ سورة الحج: الآيات ٥٨ - ٦٠ فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل! فوالذي نفسي بيده، ما أبالي من أيِّ حفرتيهما بُعثت، اقرؤوا قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ﴾(١). كذا ذكره الثعلبيُّ في تفسيره، وهو معنَى ما ذكره ابن المبارك. واحتجَّ مَن قال: إنَّ للمقتول زيادةً فضلٍ بما ثبت عن رسول الله ﴾ أنه سئل: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: ((مَن أُهْرِيق دمُه وعُقر جواده)). وإذا كان مَن أهريق دمُه وعُقر جوادُه أفضلَ الشهداءِ؛ عُلم أنه مَن لم يكن بتلك الصفة مَفْضُول(٢). وقرأ ابن عامر وأهل الشام: ﴿قُتِّلُوا﴾ بالتشديد على التكثير. الباقون بالتخفيف (٣) ﴿ لَيُدْسَِنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ أي: الجِنان. قراءةُ أهل المدينة: ﴿مَدخلًا﴾ بفتح الميم، أي: دخولاً. وضمَّها الباقون (٤)، وقد مضى في ((سبحان))(٥). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: عليمٌ بنيَّاتهم، حليمٌ عن عقابهم(٦). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اَللَّهُ إِنَ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾ ((ذلك)) في موضعٍ رَفْعٍ، أي: ذلك الأمرُ الذي قَصَصْنا عليك. قال مقاتل: نزلت في قوم من مشركي مكةً؛ لَقُوا قوماً من المسلمين (١) أخرجه الطبري ٦١٩/١٦. ورُودٍس؛ بضم أوله وكسر الدال: جزيرة مقابل الإسكندرية، وقد غزاها معاوية هي وقبرس. معجم البلدان ٧٨/٣ . (٢) التمهيد ٢٣٦/١ - ٢٣٧، والحديث أخرجه أحمد (١٥٤٠١)، وأبو داود (١٤٤٩)، والنسائي في المجتبى ٥٨/٥ من حديث عبد الله بن حُبْشي الخثعمي. وأخرجه أحمد (١٤٢١١) من حديث جابر﴾. (٣) السبعة ص٤٣٩، والتيسير ص٩١ . (٤) قرأ نافع: ((مَدْخلاً)) بفتح الميم، والباقون بضمِّها. السبعة ص٤٣٩، والتيسير ص٩٥ . (٥) ١٥٢/١٣ - ١٥٣. (٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٢٧٨/٣ دون نسبة. ٤٣٨ سورة الحج: الآيتان ٦٠ - ٦١ لِلَيْلتين بقيتا من المحرَّم فقالوا: إنَّ أصحاب محمدٍ يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم؛ فناشدهم المسلمون ألَّا يقاتلوهم في الشهر الحرام؛ فأبى المشركون إلَّا القتال، فحملوا عليهم، فثبت المسلمون ونَصَرهم الله على المشركين، وحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيءٌ؛ فنزلت هذه الآية(١). وقيل: نزلت في قومٍ من المشركين، مثَّلوا بقومٍ من المسلمين قتلوهم يومُ أُحُدٍ، فعاقبهم رسول اللـه # بمِثْلِه(٢). فمعنى ((مَن عاقب بمثل ما عوقب به)) أي: مَن جازَى الظالمَ بمثل ما ظَلَمه، فسمَّى جزاءَ العقوبة عقوبةً لاستواء الفعلين في الصورة، فهو مثلُ: ﴿وَحَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَيَِّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ومثل: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقد تقدَّم(٣). ﴿ثُمَّ يُفِىَ عَلَيْهِ﴾ أي: بالكلام والإزعاج من وطنه؛ وذلك أنَّ المشركين كذَّبوا نبيَّهم وآذَوْا مَن آمَن به، وأخرجوه وأخرجوهم من مكة، وظاهروا على إخراجهم. ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ أي: لينصرَنَّ الله محمداً ﴾ وأصحابه، فإنَّ الكفار بَغَوْا عليهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾ أي: عفا عن المؤمنين ذنوبَهم وقتالَهم في الشهر الحرام وسَتَر. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اَلَيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيْعُ بَصِيرٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ﴾ أي: ذلك الذي (١) ذكره أبو الليث ٢/ ٤٠٢، وابن الجوزي ٤٤٦/٥، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٦٩/٤. (٢) النكت والعيون ٤/ ٣٧ . (٣) ٢٥٠/٣ - ٢٥١. ٤٣٩ سورة الحج: الآيتان ٦١ - ٦٢ قصصتُ عليك من نَصْرِ المظلوم هو بأنِّي أنا الذي أُوْلِج الليل في النهار، فلا يقدرُ أحدٌ على ما أَقْدِرُ عليه، أي: مَن قَدَرَ على هذا قَدَرَ على أن ينصر عبده. وقد مضى في ((آل عمران)) معنى يولج الليلَ في النهار(١). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيٌ بَصِيرٌ﴾ يسمع الأقوال ويُبصر الأفعال، فلا يَعْزُب عنه مثقالُ ذرَّةٍ ولا دبِيبُ نملةٍ إلَّا يعلمها ويسمعها ويُبصرها. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَرَ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ (٦٢ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ لَلَْقُّ﴾ أي: ذو الحق؛ فَدِينُه الحقُّ، وعبادته حقٌّ(٢). والمؤمنون يستحِقُون منه النصر بحكم وعدِه الحقِّ. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ﴾ أي: الأصنام التي لا استحقاقَ لها في العبادات. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر: ((وأنَّ ما تدعون)) بالتاء على الخطاب(٣)، واختاره أبو حاتم. الباقون بالياء على الخبر هنا وفي لقمان(٤)، واختاره أبو عبيد. ﴿وَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ﴾ أي: العالي على كلِّ شيءٍ بقدرته، والعالي عن الأشباه والأنداد(٥)، المُتقدِّس(٦) عما يقول الظالمون من الصفات التي لا تليق بجلاله. ﴿َالْكَبِيرُ﴾ أي: الموصوف بالعظمة والجلال وكِبرِ الشأن. وقيل: الكبير: ذو الكبرياء. والكبرياء: عبارةٌ عن كمال الذات، أي: له الوجودُ المُطلَقُ أبداً وأَزلاً، فهو الأول القديم (٧)، والآخر الباقي بعد فناء خلقه. (١) ٥/ ٨٦ . (٢) الوسيط ٢٧٨/٣ . (٣) السبعة ص ٤٤٠، والتيسير ص١٥٨ . (٤) عند الآية (٣٠). (٥) سبق التأكيد على أن الله عز وجل يثبت له أنواع العلوِّ الثلاثة: على المكان، وعلو القدر والمنزلة، وعلو القهر. (٦) في (م): المقدس. (٧) لفظ (القديم) من الألفاظ التي أحدثها المتكلمون في أسماء الله عز وجل. ٤٤٠ سورة الحج: الآية ٦٣ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُغَْرَّةُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ (﴾﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مٍَّ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةٌ﴾ دليلٌ على كمال قدرته، أي: مَنْ قَدَر على هذا قَدَر على إعادة الحياة بعد الموت، . كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]. ومثلُه كثير. ((فُتُصبحُ)) ليس بجوابٍ فيكون منصوباً، وإنما هو خبرٌ عند الخليل وسيبويه؛ قال الخليل: المعنى: انْتَبِهِ! أنزل الله من السماء ماءً فكان كذا وكذا، كما قال: وهل تُخْبِرَنْكَ اليومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ(١) ألم تسألِ الرَّبْعَ القَوَاء فيَنْطِقُ معناه: قد سألتَه فنطق. وقيل: استفهام تحقیق، أي: قد رأيتَ، فتأمل كيف تصبح. أو عطف، لأن المعنى: ألم تر أن الله يُنزل(٢). وقال الفراء(٣): ((ألم تر)) خبر، كما تقول في الكلام: إِعلم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ينزل من السماء ماءً. ((فتصبحُ الأرضُ مَخْضَرةً)) أي: ذاتَ خُضرة؛ كما تقول: مَبْقَلة ومَسْبَعة؛ أي: ذاتَ بقلٍ وسباع(٤). وهو عبارةٌ عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات، واستمرارِها كذلك عادَةً. قال ابن عطية (٥): ورُوي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلا بمكة وتهامة. ومعنى هذا: أنه أخذ قوله: ((فتُصبِحُ)) مقصوداً به صباح ليلة المطر، وذهب إلى أن ذلك الاخضرار يتأخّر في سائر البلاد، وقد شاهدتُ هذا في السوس الأقصى؛ نزل المطر ليلاً بعد قحط أصبحت تلك الأرضُ الرملةُ التي نسفتها الرياح قد اخضرَّت بنباتٍ (١) إعراب القرآن للنحاس ١٠٥/٣. والبيت لجميل بثينة، وهو في ديوانه ص ١٤٤ . الرَّبع: المنزل والدار. والقَواء، بالمد والقصر: القفر، ومنزل قَواء: لا أنيسَ به. والسملَّق: القاع المستوي الأجرد الذي لا شجر فيه. اللسان (ربع) و(قوا) و(سملق). (٢) من قوله: وقيل استفهام تحقيق ... إلى هذا الموضع، من (م). (٣) في معاني القرآن له ٢٢٩/٢ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٤٢٠/٤، وهذه القراءة شاذة، وينظر الدر المصون ٣٠٢/٨. (٥) في المحرر الوجيز ١٣١/٤، وما قبله منه.