Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة الأنبياء: الآيات ٣٠ - ٣٥
والفَلَكُ واحدُ أفلاكِ النجوم. قال أبو عمرو: ويجوز أن يُجمع على فُعْلٍ، مثل:
أَسَدٍ وأُسْد، وخَشَبٍ وخُشْب. وأصلُ الكلمة من الدوران، ومنه فَلْكةُ المِغزل
لاستدارتها. ومنه قيل: فَلَّك ثَدْيُ المرأة تفليكاً، وتَفلَّك: استدار(١). وفي حديث ابن
مسعود: تركتُ فرسي كأنه يدور في فَلَك. كأنه لدورانه شبَّهه بفَلَكِ السماء الذي تدور
عليه النجوم(٢).
قال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر، قال: وهي بين السماء
والأرض(٣).
وقال قتادة: الفَلَكُ استدارةٌ في السماء تدور [فيها] النجوم(٤) مع ثبوت السماء.
وقال مجاهد: الفَلَكُ كهيئة حديدة الرَّحى وهو قُطْبُها. وقال الضحاك: فَلَكُها:
مَجراها وسرعةُ سَيْرِها. وقيل: الفَلَكُ موجٌ مكفوف، ومجرى الشمسِ والقمر فيه(٥)؛
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلَدِّ أَفَإِيْن ◌ِتَ فَهُمُ الْخَلِّدُونَ
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِّ وَنَبْلُوكُمْ بِلِشَرِّ وَاَلْخَيْرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُجَعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ﴾ أي: دوامَ البقاءِ في الدنيا؛ نزلت
حين قالوا: نتربَّص بمحمدٍ رَيْبَ المَنُون(٦). وذلك أنَّ المشركين كانوا يدفعون نبوَّته
(١) الصحاح (فلك).
(٢) تهذيب اللغة ٢٥٦/١٠، وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٩٦/٤، وهو فيهما بلفظ: أن رجلاً أتى
رجلاً وهو جالس عند عبد الله، فقال: إني تركت فرسك يدور كأنه في فلك ... ، وأخرجه بنحوه مطولاً
ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٨٠ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٦٦/١٦ .
(٤) في النسخ عدا (ط): بالنجوم، والمثبت من (ظ) والنكت والعيون ٤٤٦/٣، والكلام وما بين
حاصرتين منه، وينظر تفسير الطبري ٢٦٥/١٦ - ٢٦٦ .
(٥) تفسير البغوي ٣/ ٢٤٤، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٦٤/١٦ - ٢٦٥ .
(٦) الوسيط ٢٣٧/٣، وتفسير البغوي ٣/ ٢٤٤ .

٢٠٢
سورة الأنبياء: الآيات ٣٤ - ٣٦
ويقولون: شاعرٌ نتربَّص به رَيْبَ المنون، ولعلَّه يموت كما مات شاعرُ بني فلان، فقال
الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولَّى الله دينَه بالنصر والحِياطة، فهكذا
نحفظ دينك وشَرْعك. ﴿أَفَإِيْن مِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ أي: أَفَهُم، مثل قول الشاعر:
فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ(٢)
رَفَوْني وقالوا يا خُوَيلِدُ لم(١) تُرَعْ
أي: أهم؟! فهو استفهامُ إنكار.
وقال الفرَّاء: جاء بالفاء ليدلَّ على الشَّرط؛ لأنه جوابُ قولهم: سيموت(٣).
ويجوز أن يكون جيء بها؛ لأنَّ التقدير فيها: أَفَهُم الخالدون إنْ مثَّ! قال الفرَّاء:
ويجوز حذفُ الفاء وإضمارُها؛ لأنَّ((هم)) لا يتبيَّن فيها الإعراب (٤). أي: إن متَّ فهم
يموتون أيضاً، فلا شماتةً في الإماتة.
وقُرئ: ((مِثَّ)) و ((مُتَّ)) بكسر الميم وضمِّها لغتان(٥).
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ اٌلْوَّتِّ﴾ تقدَّم في ((آل عمران))(٦) ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ
وَالْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾ ((فِتْنَةً)) مصدرٌ على غير اللفظ. أي: نختبركم بالشدَّة والرخاء والحلالِ
والحرام، لننظر كيف شكركم وصبرُكم. ﴿وَإِلَيْنَا تُجَعُونَ﴾ أي: للجزاء بالأعمال.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى
يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ اَلَّهَْنِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: ما
(١) في (م): لا، وهي رواية أخرى للبيت.
(٢) قائله أبو خراش، وهو في ديوان الهذليين ٢/ ١٤٤، وسلف ٤٦٩/٦، و٤٤٠/٨.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٧٠، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٠٢/٢، وهو أيضاً قول الطبري في
التفسير ٢٦٨/١٦، ونصه: دخلت الفاء في الجزاء وهو ((إن)) وفي جوابه؛ لأن الجزاء متصل بكلام
قبله، ودخلت الفاء في قوله ((فهم)) لأنه جواب للجزاء.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٧٠/٣، وينظر معاني القرآن للفراء ٢٠٢/٢، وتفسير الطبري ٢٦٨/١٦.
(٥) قرأ بضم الميم: ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر، والباقون بكسرها. السبعة ص٢١٨ ،
والتيسير ص٩١ .
(٦) ٥/ ٤٤٧ .

٢٠٣
سورة الأنبياء: الآيات ٣٦ - ٤٠
يَتَّخذونك. والهزءُ: السخرية، وقد تقدَّم(١). وهم المستهزئون المتقدِّمو الذكرِ في آخر
سورة الحجر، في قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْتَكَ الْمُسْتَهْزِينَ﴾ [الآية: ٩٥]. كانوا يَعیبون مَن جَحَد
إلهيةَ أصنامِهم وهم جاحدون الإلهية الرحمن! وهذا غايةُ الجهل.
﴿أَهَذَا الَّذِى﴾ أي: يقولون: أهذا الذي؟ فأضمر القول، وهو جواب ((إِذا))،
وقولُه: ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا﴾ كلامٌ معترِضٌ بين ((إذا)) وجوابِهِ.
﴿يَذْكُرُءَالِهَنَّكُمْ﴾ أي: بالسوء والعيب، ومنه قول عَنْتَرة:
لا تَذْكُري مُهْري وما أطعمتُه
فيكونَ جِلْدُكِ مثلَ جِلْدِ الأَجْرِبِ(٢)
أي: لا تعيبي مُهري.
﴿وَهُم بِذِكْرِ الرَّهْنِ﴾ أي: بالقرآن ﴿هُمْ صَفِرُونَ﴾ ((هم)) الثانية توکیدُ کفرِهم،
أي: هم الكافرون؛ مبالغةً في وَصْفِهم بالكفر.
وَيَقُولُونَ
قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَتِ فَلَا تَسْتَعِْلُونِ (٦)
مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا
يَكُفُونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِزْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ( بَلْ
تَأْتِيهِمِ بَغْتَةٌ فَتَبْهَُّهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: رُكِّب على العَجَلة فخلق عَجُولاً، كما
قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] أي: خلق الإنسان ضعيفاً،
ويقال: خُلِقِ الإنسان من الشرّ، أي: شرِّيراً، إذا بالغتَ في وصفه به(٣). ويقال: إنما
(١) ١/ ٣١٤ .
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٠٣/٢، والمعاني الكبير لابن قتيبة ٨٩/١، والأزمنة والأمكنة للمرزوقي
٤٠٩/٢، ونسبه الجاحظ في البيان والتبيين ٣١٧/٣ لخُزَز بن لَوْذان، وحكى البغدادي في الخزانة
٦/ ١٩٠ عن الصاغاني أن البيت موجود في ديوان أشعار عنترة وخزز، ومعناه - كما ذكر البغدادي - أنه
يقول لزوجته: لا تلوميني في إيثار فرسي فأبغضك وأهجر مضجعك وأتحاماك كما يُتحامى الأجرب من
الإبل، وقيل: معناه أضربك فيبقى أثر الضرب عليك كالجرب.
(٣) هذا قول الزجاج في معاني القرآن ٣٩٢/٣، وقال: إنما خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول
للذي يكثر الشيء: خلقت منه.

٢٠٤
سورة الأنبياء: الآيات ٣٧ - ٤٠
أنت ذهابٌ ومجيء. أي: ذاهب جائي(١). أي: طَبْعُ الإنسانِ العجلة، فيستعجل كثيراً
من الأشياء وإن كانت مُضِرَّة.
ثم قيل: المرادُ بالإِنسانِ آدم عليه السلام. قال سعيد بن جبير والسدِّي:لمّا دخل
الروحُ في عينَيْ آدَمَ عليه السلام نظر في ثمار الجنة، فلمَّا دخل جوفَه اشتهى الطعام،
فوثب من قبل أن تبلغ الروحُ رجليه عجلانَ إلى ثمار الجنة، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ
الْإِسَنُ مِنْ عَبَلٍ﴾(٢).
وقيل: خُلق آدمُ يومَ الجمعة في آخر النهار، فلمَّا أحيا الله رأسه استعجل،
وطلب تتميمَ نفخِ الروح فيه قبل غروب الشمس؛ قاله الكلبيُّ ومجاهدٌ وغيرهما(٣).
وقال أبو عبيدة وكثيرٌ من أهل المعاني: العَجَل: الطين بلغة حِمْيَر، وأنشدوا:
والنخلُ يَنبتُ بين الماءِ والعَجَلِ (٤)
وقيل: المرادُ بالإنسان الناسُ كلُّهم.
وقيل: المراد: النَّضْرُ بن الحارِث بن علقمةَ بن كلدة بن عبد الدار؛ في تفسير ابن
عباس(٥)، أي: لا ينبغي لمن خُلق من الطين الحقير أن يستهزئ بآيات الله ورسله.
وقيل: إنه من المقلوب، أي: خُلق العَجَلُ من الإنسان. وهو مذهبُ أبي
(١) في (ظ): وجائي.
(٢) تفسير البغوي ٢٤٤/٣، وأخرج قولهما الطبري ٢٧١/١٦ .
(٣) أخرجه عن مجاهد ابنُ أبي شيبة ١١٥/١٤، والطبري ٢٧٢/١٦، وذكره عن الكلبيِّ الماورديُّ في
النكت والعيون ٣/ ٤٤٧. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٢/٣: هذا قول ضعيف، ومعناه لا يناسب
معنى الآية.
(٤) وصدره: والنبعُ في الصخرة الصمَّاء مَنْبَتُه، وهو في تهذيب اللغة ٣٦٩/١ والنكت والعيون ٤٤٧/٣،
والكشاف ٥٧٣/٢، وتفسير البغوي ٢٤٥/٣، والمحرر الوجيز ٨٢/٤، ومجمع البيان ٢٧/١٧ ،
واللسان (عجل). قال ابن عطية: وهذا أيضاً ضعيف، ومعناه مباينٌ لمعنى الآية.
(٥) الكشاف ٥٧٣/٢، وزاد المسير ٣٥١/٥، وتفسير الرازي ١٧١/٢٢، ومجمع البيان ١٧/ ٢٧ .

٢٠٥
سورة الأنبياء: الآيات ٣٧ - ٤٠
عبيدة(١). النحاس: وهذا القول لا ينبغي أن يجاب(٢) به في كتاب الله؛ لأنَّ القَلْبَ
إنما يقع في الشعر اضطراراً كما قال:
كما كان الزِّنّاءُ فريضةَ الرَّجْم(٣)
ونظيرُه هذه الآية: ﴿وَكَانَ الْإِسَنُّ عَبُوْلًا﴾ [الإسراء: ١١]. وقد مضى في ((سبحان)).
﴿سَأُؤْرِكُمْ ءَايَتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونٍ﴾ هذا يقوِّي القولَ الأول، وأنَّ طَبْعَ الإنسان
العَجَلة، وأنه خُلق خلقاً لا يتمالك، كما قال عليه الصلاة والسلام، حَسْبَ ما تقدم
في ((سبحان))(٤).
والمرادُ بالآيات: ما دلَّ على صِدْقِ محمدٍ عليه الصلاة والسلام من المعجزات،
وما جعله له من العاقبة المحمودة. وقيل: ما طلبوه من العذاب، فأرادوا الاستعجال
وقالوا: ﴿مَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ وما علموا أنَّ لكلِّ شيءٍ أجلاً مضروباً. نزلت في النضر بن
الحارثِ وقوله: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢](٥).
وقال الأخفش سعيد: معنى ((خلِقِ الإنسان مِن عَجَلٍ)) أي: قيل له: کن،
فكان(٦). فمعنى ((فَلَا تَسْتَعْجِلُونٍ)) على هذا القول: أنه مَن يقول للشيء: كن، فيكون،
لا يُعْجِزُه إظهارُ ما استعجلوه من الآيات.
(١) في مجاز القرآن ٣٨/٢ - ٣٩.
(٢) في (ظ): يجاء.
(٣) وتمامه: كانت فريضةً ما أَتَيْتَ كما ... ، والبيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص٢٣٥ ، وقال
الطبري ١٦/ ٢٧٤: وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول الكفايةُ المغنية عن الاستشهاد على
فساده بغيره.
(٤) ٣٥/١٣ - ٣٦.
(٥) سلف قريباً عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) ذكر هذا القول من الأخفش الطبرسي في مجمع البيان ٢٧/١٧ والرازي في تفسيره ١٧٢/٢٢، وذكره
الطبري ٢٧٣/١٦ عن بعض أهل العربية من أهل البصرة، ولم يسمِّه. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز
٤/ ٨٢ : وهذا أيضاً ضعيف، وفيه تخصيصُ ابن آدم بشيءٍ كلُّ مخلوقٍ يشاركه فيه.

٢٠٦
سورة الأنبياء: الآيات ٣٧ - ٤٠
﴿وَيَقُولُونَ مَ هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: الموعود، كما يقال: الله رجاؤنا، أي: مَرْجُوُّنا.
وقيل: معنى ((الوعد)) هنا: الوعيد، أي: الذي يَعِدُنا من العذاب. وقيل: القيامة.
﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ يا معشر المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ العلمُ هنا بمعنى المعرفة، فلا يقتضي مفعولاً
ثانياً، مثل: ﴿لَ نَعْلَمُونَهُمِّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وجوابُ ((لو)) محذوف، أي: لو
علموا الوقت الذي ﴿لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَ هُمْ
يُصَرُونَ﴾ وعَرَفوه، لَمَا استعجلوا الوعيد(١). وقال الزجاج(٢): أي: لعلموا صِدْقَ
الوعد.
وقيل: المعنى: لو علموه لَمَا أقاموا على الكفر، ولآمنوا(٣).
وقال الكسائيُّ: هو تنبيهٌ على تحقيق وقوع الساعة، أي: لو علموه عِلْمَ يقينٍ
لعلموا أنَّ الساعة آتيةٌ، ودل عليه: ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً﴾ أي: فجأة. يعني القيامة،
وقيل: العقوبة، وقيل: النار، فلا يتمگّنون من حيلة.
﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ قال الجوهريّ(٤): بَهَتَه بَهْتاً: أَخَذَه بغتة؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ
تَأْتِيهِم بَغْتَةُ فَتَبْهَتُهُمْ﴾.
وقال الفراء: ((فتبهتُهم)) أي: تحيِّرهم؛ يقال: بَهَتَه يبهته: إذا واجهه بشيء
يحيِّره(٥). وقيل: فَتَفْجَأُهم.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ أي: صَرْفَها عن ظهورهم. ﴿وَلَا هُ يُظَرُونَ﴾ أي:
يُمھَلون(٦) ويؤخّرون لتوبةٍ واعتذار.
(١) الوسيط ٢٣٨/٣، والمحرر الوجيز ٨٣/٤.
(٢) في معاني القرآن ٣٩٢/٣ - ٣٩٣.
(٣) تفسير الطبري ٢٧٦/١٦ .
(٤) في الصحاح (بهت).
(٥) ذكره الواحدي في الوسيط ٢٣٨/٣، دون نسبة، ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء.
(٦) في (م): أي لا يمهلون.

٢٠٧
سورة الأنبياء: الآيات ٤١ - ٤٤
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا
٤١
كَانُواْ بِ يَسْنَهْزِءُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِيَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ هذا تسليةٌ للنبيِّ﴾ وتعزيةٌ له(١).
يقول: إن استهزأ بك هؤلاء، فقد استُهزئ بمَن قبلك من الرسل(٢)، فاصبر كما
صبروا. ثم وَعَدَه النصرَ فقال: ﴿فَحَاقَ﴾ أي: أحاط ودار ﴿بِالَّذِينَ﴾ كفروا و﴿سَخِرُواْ
مِنْهُم﴾ وهَزَؤُوا بهم ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: جزاءُ استهزائهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَوُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِّ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرٍ
رَبِّهِمِ مُعْرِضُونَ ﴿٨ أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَأْ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ
أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ ( بَلْ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى ◌َالَ عَلَيْهِمُ
الْعُمُؤُّ أَفَلَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاْ أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ
٤٤
قوله تعالى: ﴿قُلٌ مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي: يحرسُكم ويحفظُكم. والكِلَاءة: الحِراسةُ
والحفظ؛ كَلَأَّه الله كِلَاءة(٣) - بالكسر - أي: حَفِظَه وحَرَسَه. يقال: اذهب في كِلاءة
الله، واكتلأتُ منهم: احترست(٤)؛ قال الشاعر؛ هو ابنُ هَرْمة(٥):
إنَّ سُلَيْمی واللهُ یَكلؤُهَا
ضنَّتْ بشيءٍ ما كان يَرْزَؤُها
وقال آخر :
أَنَخْتُ بَعِيري واكْتَلَأَتُ بعَيْنِهِ(٦)
(١) في (ظ): وتقوية.
(٢) في (م): فقد استهزئ برسل من قبلك.
(٣) في (م): كِلاءً، وكلاهما صحيح. القاموس كلا.
(٤) الصحاح (كلا).
(٥) ديوانه ص ٥٥، ومجاز القرآن ٣٩/٢. وابنُ هَزْمة: هو إبراهيم أبو إسحاق، آخر الشعراء الذين يحتج
بشعرهم، وكان من مخضرمي الدولتين، مدح الوليد بن يزيد ثم أبا جعفر المنصور، وكانت وفاته في
خلافة الرشيد بعد (١٥٠هـ). الخزانة ٤٢٥/١ .
(٦) الصحاح (كلا)، وقائله كعب بن زهير، وهو في ديوانه ص ٨٠ برواية : =

٢٠٨
سورة الأنبياء: الآيات ٤٢ - ٤٤
وحكى الكسائيُّ والفراء: ((قل مَن يَكْلَوْكُمْ)) بفتح اللام وإسكان الواو. وحَكَيا :
((مَن يَكْلَاكُمْ))، على تخفيف الهمزة في الوجهين، والمعروفُ تحقيقُ الهمزة، وهي
قراءةُ العامَّةِ(١). فأما ((يَكْلَاكُم)) فخطأً من وجهين فيما ذكره النحاس(٢)؛ أحدهما: أنَّ
بدل الهمزة إنما يكون(٣) في الشعر. والثاني: أنَّهما يقولان في الماضي: كَلَیْتُه،
فينقلب المعنى؛ لأنَّ كَلَيته: أوجعتُ كُلْيتَه، ومَن قال لرجل: كَلَاك الله، فقد دعا عليه
بأن یصیبه الله بالوجع في كُلیته.
ثم قيل: مخرجُ اللفظ مخرجُ الاستفهام، والمرادُ به النَّفْيُ، وتقديره: قل: لا
حافظَ لكم ﴿يَلَيْلِ﴾ إذا نمتم ﴿و﴾ بـ ﴿النَّهَارِ﴾ إذا قمتم وتصرَّفتم في أموركم ﴿مِّنَ
الرَّحْمَنِ﴾ أي: من عذابه وبأسه(٤)، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَنصُرُفِ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣]
أي: من عذاب الله. والخطابُ لمن اعترف منهم بالصانع، أي: إذا أَقْرَرْتم بأنه
الخالق، فهو القادرُ على إحلال العذاب الذي تستعجلونه.
﴿بَّ هُمْ عَن ذِكْرٍ رَيِّهِ﴾ أي: عن القرآن. وقيل: عن مواعظ ربِّهم. وقيل:
عن معرفته. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: لا هون غافلون.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ المعنى: ألهم، والميمُ صلة(٥). ﴿تَمْنَعُهُم مِّن
دُونَأَ﴾ أي: من عذابنا. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ يعني الذين زعم هؤلاء الكفارُ أنهم
ينصرونهم، لا يستطيعون ﴿نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾، فكيف ينصرون عابِديهم؟ ﴿وَلَا هُم
مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قال ابن عباس: يُمنَعون(٦). وعنه: يُجَارُون(٧)، وهو اختيارُ
= أنخت قَلوصي واکتلات بعينها
وآمرْتُ نفسي أيَّ أمريَّ أفعل
وكذا ذكره الزمخشري في أساس البلاغة (كلا) وقال: أي: احترستُ بعينها؛ لأنها إذا رأت شيئاً ذُعرت.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٧١/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٠٤/٢، وذكّر الفراء أن هذين
الوجهين في غير القرآن.
(٢) في إعراب القرآن ٣/ ٧١ .
(٣) في إعراب القرآن: إنما يجوز.
(٤) تفسير الطبري ٢٧٨/١٦، والنكت والعيون ٤٤٨/٣ .
(٥) تفسير أبي الليث ٢٣٨/٢، وتفسير الرازي ١٧٤/٢٢ .
(٦) تفسير البغوي ٢٤٥/٣ .
(٧) أخرجه الطبري ١٦/ ٢٨٠.

٢٠٩
سورة الأنبياء: الآيات ٤٢ - ٤٦
الطبريّ(١). تقول العرب: أنا لك جارٌ وصاحبٌ من فلان، أي: مجيرٌ منه؛ قال
الشاعر :
يُنادِي بأعلى صوتِه متعوِّذاً ليُصحَبَ منها والرِّماحُ دَوَاني(٢)
وروى معمرٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ((يُنْصَرُونَ)) أي: يُحفظون(٣).
قتادة: أي: لا يَصْحَبهم الله بخير (٤)، ولا يجعلُ رحمته صاحباً لهم.
قوله تعالى: ﴿بَلّ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَابَآَمَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة. أي:
بَسَطْنا لهم ولآبائهم في نعيمها و﴿طَالَ عَلَيَهِمُ الْعُمُرُّ﴾ في النعمة، فظنوا أنَّها لا تزول
عنهم، فاغترُوا وأعرضوا عن تدبُّر حُجج الله عزَّ وجلَّ.
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهاً﴾ أي: بالظهور علیها لك يا
محمدُ أرضاً بعد أرضٍ، وفَتْحِها بلداً بعد بلدٍ ممَّا حَوْلَ مكة؛ قال معناه الحسنُ
وغيره. وقيل: بالقتل والسَّبي؛ حكاه الكلبيّ. والمعنى واحد، وقد مضى في ((الرعد))
الكلامُ في هذا مستوفی(٥).
﴿أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ - يعني كفارَ مكةَ - بعد أن نَقَصْنا من أطرافهم؟ بل أنت تغلبهم
وتظهرُ علیھم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالْوَحِيَّ وَلَا يَسْمَعُ الضُُّ الدُّعَلَّمَ إِذَا مَا
يُنذَرُونَ
وَلَيْن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ لَيَقُولُنَ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا
٤٥
ظَلِمِينَ
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالْوَحِيَّ﴾ أي: أخوُّفكم وأحذِّركم بالقرآن ﴿وَلَا
(١) في تفسيره ١٦/ ٢٨١ .
(٢) ذكره الشوكاني في فتح القدير ٤٠٩/٣، وفيه: ليصحب منا ...
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٤، والطبري ٢٨٠/١٦ .
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ٢٧٩/١٦ - ٢٨٠ .
(٥) ٩٥/١٢ - ٩٦، وقول الحسن وقول الكلبي ذكرهما أبو الليث ٣٦٨/٢، والماوردي في النكت
والعيون ٤٤٩/٣ .

٢١٠
سورة الأنبياء: الآيتان ٤٥ - ٤٦
يَسْمَعُ الُُّ الدُّعََّ﴾ أي: مَن أَصَمَّ الله قلبَه، وخَتَم على سَمْعِه، وجَعَل على بصره
غشاوةً، عن فَهْمِ الآيات وسماع الحقّ.
وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلميُّ ومحمد بن السَّمَيفع: ((ولا يُسْمَعُ))؛ بياءٍ مضمومةٍ
وفتحِ الميم على ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ ((الصُّمُّ)) رفعاً (١)، أي: إنَّ الله لا يُسمعهم.
وقرأ ابن عامر والسُّلَميُّ أيضاً، وأبو حَيْوَةَ ويحيى بنُ الحارِث: ((ولا تُسْمِعُ))؛ بتاءٍ
مضمومةٍ وكَسْرِ الميم؛ ((الصَُّّ)) نصباً (٢)، أي: إنك يا محمدُ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ،
فالخطابُ للنبيِّ﴾. وردَّ هذه القراءةَ بعضُ أهل اللغة. وقال: كان يجب أن يقول: إذا
ما تنذرهم. قال النحاس(٣): وذلك جائز؛ لأنه قد عُرِف المعنى.
قوله تعالى: ﴿وَلَيْن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَيِّكَ﴾ قال ابن عباس: طَرَفٌ (٤). قال
قتادة: عقوبة(٥). ابن كيسان: قليل(٦) وأدنى شيء، مأخوذٌ من نَفْح المسك؛ قال:
ء تَنْفَحُ بالمسكِ أَرْدَانُها(٧)
وعَمْرةُ من سَرَواتِ النِّسا
ابن جريج: نصيبٌ، كما يقال: نَفَحَ فلانٌ لفلانٍ من عطائه: إذا أعطاه نصيباً من
المال(٨)؛ قال الشاعر:
لَمَّا أَتِيتُك أرجو فَضْلَ نَائِلِكُمْ نَفَحْتني نَفْحةً طابتْ لها العَرَبُ(٩)
(١) تفسير الطبري ١٦/ ٢٨٣، عن السلمي، والقراءات الشاذة ص٩١ عن الحسن.
(٢) السبعة ص٤٢٩، والتيسير ص١٥٥ عن ابن عامر، وذكرها عن السلمي الفراء في معاني القرآن
٢٠٥/٢، والنحاس في إعراب القرآن ٧٢/٣ .
(٣) في إعراب القرآن ٣/ ٧٢ .
(٤) تفسير البغوي ٢٤٦/٣ .
(٥) أخرجه الطبري ١٦/ ٢٨٤ .
(٦) الوسيط ٢٣٩/٣.
(٧) قائله قيس بن الخطيم كما في الأغاني ٤٢٧/٢ - ٤٢٨، وجمهرة اللغة ٢٥٧/٢، واللسان (ردن)،
وهو بلا نسبة في الصحاح (ردن).
(٨) تفسير البغوي ٢٤٦/٣ .
(٩) البيت لابن ميادة؛ قاله في مدح الوليد بن يزيد، وهو بهذه الرواية في الصحاح (نفح)، وهو في =

٢١١
سورة الأنبياء: الآيات ٤٥ - ٤٧
أي: طابت لها النفس.
والنفحةُ في اللغة: الدفعةُ اليسيرة؛ فالمعنى: ولئن مسَّهم أقلُّ شيءٍ من العذاب
﴿لَيَقُولُنَّ يَوَيَِّنَآَ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ﴾ أي: متعدِّين، فيعترفون حين لا ينفعُهم
الاعتراف.
قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَؤْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن
٤٧
كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ
قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ الموازينُ
جمعُ ميزان. فقيل: إنه يدلُّ بظاهره على أنَّ لكلِّ مكلّفٍ ميزاناً توزن به أعمالُه، فتوضع
الحسنات في كِفّة، والسيِّئاتُ في كِفّة.
وقيل: يجوز أن يكون هناك موازينُ للعامل الواحد، يوزن بكلِّ ميزانٍ منها صنفٌ
من أعماله، كما قال :
مَلِكٌ تقومُ الحادثاتُ لعَدْلِهِ فلكلِّ حادثةٍ لها ميزانٌ(١)
ويمكن أن يكون ميزاناً واحداً عبّر عنه بلفظ الجمع. وخرَّج اللَّلَكائيُّ الحافظُ أبو
القاسم في (سننه)) عن أنس يرفعه: ((إنَّ مَلَكاً موَّلٌ بالميزان، فيؤْتَى بابن آدمَ فيوقَفُ
بين كِفَّتي الميزان، فإنْ رَجَح؛ نادى الملكُ بصوتٍ يُسمِعُ الخلائقَ: سَعِد فلانٌ سعادةٌ
لا يَشْقَى بعدها أبداً، وإنْ خفَّ نادى الملك: شَقِيَ فلانٌ شقاوةً لا يَسْعدُ بعدها
أبداً))(٢).
= ديوانه برواية :
لمَّا أتيتُكَ من نجدٍ وساکنه
(١) لم نقف عليه.
نَفَحْتَ لي نفحةً طارت بها العرب
(٢) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٢٢٠٥)، وأخرجه أيضاً الحارث (١١٢٥ - بغية الباحث)، والبزار
(٣٤٤٥ - كشف)، وأبو نعيم في الحلية ١٧٤/٦. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٥٠/١٠: فيه
صالح المري، وهو مجمع على ضعفه. واللالكائي هو هبة الله بن الحسن بن منصور، الطبري الرازي
الشافعي، الحافظ المفتي، توفي سنة (٤١٨ هـ). السير ٤١٩/١٧ .

٢١٢
سورة الأنبياء: الآية ٤٧
وخرَّج عن حذيفةَ﴾ قال: ((صاحبُ الميزان يومَ القيامة جبريلُ عليه السلام)»(١).
وقيل: للميزان كِفَّتان، وخيوطٌ، ولسانٌ، والشاهين(٢)، فالجمع يرجع إليها.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: ذِكْرُ الميزان مَثَلٌ، وليس ثَمَّ ميزانٌ، وإنما هو
العدل(٣). والذي وردت به الأخبارُ، وعليه السواد الأعظم، القولُ الأوّل. وقد مضى
في ((الأعراف)) بيانُ هذا، وفي ((الكهف)) أيضاً (٤). وذكرناه في كتاب ((التذكرة))(٥)
مستوفّى والحمد لله.
و((القِسط)): العدل، أي: ليس فيها بَخْسٌ ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا.
و((الْقِسْطَ)) صفةُ الموازين، ووحّد لأنه مصدر؛ يقال: ميزانٌ قِسْطٌ، وميزانان قِسْطٌ،
وموازينُ قِسْطٌ. مثل: رجالٌ عَدْلٌ ورضاً (٦). وقرأت فرقة: ((الْقِصْطَ))، بالصاد(٧).
﴿لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ أي: لأهل يوم القيامة. وقيل: المعنى: في يوم القيامة. ﴿فَلاَ
نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ أي: لا يُنْقَصُ من إحسان مُحْسِنٍ، ولا يزاد في إساءة مسيء.
﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ قرأ نافع وشيبةُ وأبو جعفر: ﴿مِثْقالُ حبةٍ﴾
(١) شرح أصول الاعتقاد (٢٢٠٩) من طريق يوسف بن صهيب، عن موسى بن أبي المختار، عن بلال
العبسي، عن حذيفة. وموسى بن أبي المختار مجهول، تفرد بالرواية عنه يوسف بن صهيب، ولم يؤثر
توثيقه عن غير ابن حبان. ينظر حاشية الحديث (٢٣٢٦٦) من مسند أحمد. وينظر ما سلف ١٥٩/٩.
(٢) الشاهين: عمود الميزان. القاموس (شهن). قال ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل ٦٥/٥ :
وأمور الآخرة لا تُعلم إلا بما جاء في القرآن، أو بما جاء عن رسول الله ﴾، ولم يأت عنه عليه الصلاة
والسلام شيء يصح في صفة الميزان. فنقطع على أن الموازين توضع يوم القيامة لوزن أعمال العباد،
ونقطع على أن تلك الموازين أشياء يبين الله عزَّ وجلَّ بها لعباده مقادير أعمالهم من خير وشر.
(٣) تفسير الرازي ١٧٦/٢٢، وأخرجه عن مجاهد عبد الرزاق ٢٤/٢، والطبري ٢٨٥/١٦ - ٢٨٦ .
(٤) ١٥٦/٩ - ١٦٠، و٣٩٥/١٣.
(٥) ص٣٠٩.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣٩٤/٣، وتفسير الطبري ٢٨٥/١٦ .
(٧) المحرر الوجيز ٤/ ٨٥، والبحر ٣١٦/٦ دون نسبة.

٢١٣
سورة الأنبياء: الآية ٤٧
بالرفع هنا وفي ((لقمان))، على معنى: إنْ وقع أو حضر، فتكون ((كان)) تامةً، ولا
تحتاج إلى خبر. الباقون: ﴿مِثْقَالَ﴾ بالنصب(١)، على معنى: وإن كان العملُ أو ذلك
الشيءُ مثقالَ. ومثقالُ الشيء: ميزانُه من مِثْلِهِ.
﴿أَنَيْنَا بِهَأْ﴾ مقصورةَ الألف قراءةُ الجمهور، أي: أحضرناها وجئنا بها
للمجازاة عليها. و((بها)) أي: بالحبة(٢)، ولو قال به - أي: بالمثقال - لجاز. وقيل:
مثقالُ الحبة ليس شيئاً غيرَ الحبة، فلهذا قال: ((أَتَيْنَا بِهَا)).
وقرأ مجاهد وعكرمةُ: ((آتَيْنَا)) بالمدِّ، على معنى: جازَيْنا بها(٣)، يقال: آتى يؤاتي
مؤاتاة.
﴿وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ أي: محاسبين على ما قدَّموه من خيرٍ وشرّ. وقيل:
((حاسِبِين)) أي(٤): لا أحدَ أسرعُ حساباً منا. والحسابُ: العدّ. روى الترمذيُّ عن
عائشة رضي الله عنها: أنَّ رجلاً قعد بين يدي النبيِّ لَ﴾، فقال: يا رسول الله! إنَّ لي
مملوكِينَ يكذبونني ويخونونني ويَعْصونني، وأشتُمهم وأضربُهم، فكيف أنا منهم؟
قال: ((يُحسَبُ ما خانوك وعَصَوْك وكذبوك وعقابُكَ إِيَّاهم، فإن كان عقابُك إيّاهم
بقَدْر ذنوبهم كان كَفَافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إيَّاهم دونَ ذنوبهم كان
فضلاً لك، وإن كان عقابك [إيَّاهم] فوق ذنوبهم اقتُصَّ لهم منك الفضلُ)). قال:
فتنخَّى الرجل فجعل يبكي ويهتف. فقال رسول الله ﴾: ((أمَا تقرأ كتاب الله تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوَمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً﴾؟)) فقال الرجل: والله يا رسول
(١) السبعة ص٤٢٩، والتيسير ص ١٥٥، والنشر ٢/ ٣٢٤ عن نافع وأبي جعفر، وينظر الكشف عن وجوه
القراءات ١١١/٢ .
(٢) في (م): للمجازاة عليها ولها يجاء بها أي بالحبة.
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٠٥/٢ عن مجاهد، وذكرها ابن جني في المحتسب ٢/ ٦٣ عن مجاهد وابن
عباس وسعيد بن جبير وغيرهم، ولم نقف عليها عن عكرمة.
(٤) في النسخ عدا (ظ): إذ، والمثبت من (ظ).

٢١٤
سورة الأنبياء: الآيات ٤٧ - ٥٠
الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أُشْهِدكَ أنَّهم أحرارٌ كلُّهم. قال:
حديث غريب(١).
٤٨
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرَاً لِلْمُنَّقِينَ
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ
أَنزَلْتَهُ أَفَنْتُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ (@)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءُ﴾ وحُكي عن ابن عباس
وعكرمة: ((الفُرْقَانَ ضياءً)) بغير واو على الحال(٢). وزعم الفرَّاء أنَّ حَذْفَ الواو
والمجيءَ بها واحد، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا زَبَّنَا السَّمَءَ الذُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَِّ وَحِفْظًا﴾
[الصافات: ٦-٧] أي: حفظاً. وردًّ عليه هذا القولَ الزجَّاجُ؛ قال: لأنَّ الواو تجيءُ
لمعنّى فلا تُزاد، قال: وتفسيرُ ((الفرقان)»: التوراة؛ لأنَّ فيها الفرقَ بين الحلال
والحرام. قال: ((وَضِيَاءً)) مثل: ﴿فِيهِ هُدَى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦](٣).
وقال ابن زيد: ((الفرقان)» هنا: هو النصرُ على الأعداء، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَمَاً
أَنَزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني يومَ بدر(٤).
قال الثعلبيُّ: وهذا القولُ أشبهُ بظاهرٍ الآية؛ لدخول الواو في الضياء، فيكون
معنى الآية: ولقد آتينا موسى وهارون النَّصرَ والتوراةَ التي هي الضِّياءُ والذِّكر
﴿لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ أي: غائبين؛ لأنهم لم يروا الله تعالى، بل
عرفوا بالنظر والاستدلال أنَّ لهم ربًّا قادراً يجازي على الأعمال، فهم يخشَوْنه في
(١) سنن الترمذي (٣١٦٥)، وهو عند أحمد (٢٦٤٠١)، وما سلف بين حاصرتين منهما. وهذا حديث
ضعيف. ينظر التهذيب ٥٤٢/٢، وحاشية هذا الحديث في مسند أحمد.
(٢) القراءات الشاذة ص٩٢، والمحتسب ٦٤/٢، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٧٢/٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٧٢/٣ - ٧٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٠٥/٢، وقول الزجاج في
معاني القرآن له ٣٩٤/٣ - ٣٩٥.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٢٤٧، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٨٨/١٦ .

٢١٥
سورة الأنبياء: الآيات ٤٨ - ٥٦
سرائرهم وخَلَواتهم التي يغيبون فيها عن الناس، ﴿وَهُم ◌ِنَ السَّاعَةِ﴾ أي: من قيامها
قَبْلَ التوبة ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون وَجِلُون.
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنزَلْنَهُ﴾ يعني القرآن ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ﴾ يا معشرَ العرب ﴿مُنْكِرُونَ﴾ وهو
معجزٌ لا تقدرون على الإتيان بمثله. وأجاز الفرَّاء(١): وهذا ذِكْرٌ مُباركاً أنزلناه، بمعنى
أنزلناه مباركاً.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنََّهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ ﴾ إِذْ قَالَ
لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَِّ أَنْتُمْ لَا عَكِفُونَ ﴿﴿ قَالُواْ وَجَدْنَاَ ءَابَآءَنَا لَّمَا
غَيِدِينَ ﴾ قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ (@)
قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ
قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُرَ وَأَنَا عَلَى
أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِبِينَ
٥٦
ذَلِكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآَ إِنَهِيَمَ رُشْدَهُ﴾ قال الفرَّاءَ(٢): أي: أعطيناه هُدَاه ﴿مِن
قَبْلٌ﴾ أي: من قَبْلِ النُّبوَّة، أي: وفَّقناه للنظر والاستدلال لمَّا جَنَّ عليه الليلُ فرأى
النجم والشمس والقمر.
وقيل: (مِنْ قَبْلُ)) أي: من قبلٍ موسى وهارون، والرُّشْدُ على هذا: النبوّة. وعلى
الأول أكثرُ أهل التفسير، كما قال ليحيى: ﴿وَءَتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ [مريم: ١٢]. وقال
القُرَظيُّ: رشده: صلاحه(٣). ﴿وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ﴾ أي: أنه أهلٌ لإيتاء الرشد وصالحُ
للنبوة.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ﴾ قيل: المعنى: أي: اذكر حين قال لأبيه، فيكون
الكلام قد تمَّ عند قوله: ((وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)). وقيل: المعنى: ((وكنّا به عالِمِينَ إذْ قال))،
(١) في معاني القرآن ٢٠٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٧٣/٣ .
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٠٦ .
(٣) تفسير البغوي ٢٤٧/٣ .

٢١٦
سورة الأنبياء: الآيات ٥١ - ٥٨
فيكون الكلام متَّصلاً ولا يوقف على قوله: ((عالمِين)). ((لأبيه)) وهو آزر ﴿وَقَّوْمِهِ»﴾
نمرود ومن اتبعه.
﴿مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ﴾ أي: الأصنام. والتمثالُ: اسمٌ موضوعٌ للشيء المصنوع مشبَّهاً
بِخَلْقٍ من خَلْقِ الله تعالى. يقال: مثَّلت الشيءَ بالشيء، أي: شبَّهته به. واسمُ ذلك
الممثَّل: تمثال(١).
﴿الَّي أَنْتُمْ لَهَا عَكِّفُونَ﴾ أي: مقيمون على عبادتها. ﴿قَالُواْ وَجَدْنَاَ ءَبَآءَنَا لَمَا عَيِدِينَ﴾
أي: نعبدها تقليداً لأسلافنا. ﴿قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَابَآؤُكُمْ فِي ضَلَلٍ مُِّينٍ﴾ أي: في
خُسْرانٍ بعبادتها؛ إذ هي جماداتٌ لا تنفع ولا تضرُّ ولا تعلم.
﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِاَلْقِ﴾ أي: أجادٌّ أنت مُحِقٌّ(٢) فيما تقول؟ ﴿أَمْ أَنْتَ مِنَ اُلَّعِينَ﴾
أي: لاعبِّ مازح ﴿قَالَ بَل رَّبِّكُزْ رَبُّ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لست بلاعبِ، بل ربُّكم
والقائمُ بتدبيركم خالقُ السماوات والأرض ﴿الَّذِى فَطَرَهُبَ﴾ أي: خَلَقهنَّ وأبدعهنّ
﴿وَنَاْ عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ أي: على أنه ربُّ السماوات والأرض. والشاهدُ يبيِّن
الحكم، ومنه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] أي: بَيَّن الله، فالمعنى: وأنا أبيِّن
بالدليل ما أقول.
قوله تعالى: ﴿ وَثَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُرْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدِبِرِينَ
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذَا
٥٧
إِلَّا كَبِيرًاً لَُّمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (@)
قوله تعالى: ﴿وَتَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَفَكُ﴾ أخبر أنه لم يكتفِ بالمُحاجَّة باللسان
بل(٣) كسَّر أصنامهم فِعْلَ واثقٍ بالله تعالى، مُوطِّنٍ نَفْسَه على مقاساة المكروه في
(١) الوسيط ٢٤١/٣ .
(٢) في (ظ): أجاد محق، وفي (د): أجادلت بحق، وفي (م): أجاءٍ أنت بحق، ولم تجود في (ز)،
والمثبت من (خ). وينظر الوسيط ٢٤١/٣، والوجيز (على هامش مراح لبيد) ٣٩/٢.
(٣) في (ظ): حتى.

٢١٧
سورة الأنبياء: الآيتان ٥٧ - ٥٨
الذبِّ عن الدِّين. والتاء في ((تَاللهِ)» تختصُّ في القسم باسم الله وحده، والواو تختصُّ
بكلّ مُظْهَرٍ، والباءُ بكلِّ مُضْمَرٍ ومظهَر (١)، قال الشاعر:
تاللهِ يَبْقَى على الأيام ذو حِيَدٍ بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والآسُ(٢)
قال ابن عباس: أي: وحرمةِ الله لأكيدنَّ أصنامكم، أي: لأَمْكُرنَّ بها. والكيدُ:
المَكْر. كاده يَكيدُه كيداً ومَكِيدةً، وكذلك المُكايدة؛ وربما سمِّي الحربُ كيداً؛ يقال:
غزا فلانٌ فلم يَلْقَ كيداً، وكلُّ شيءٍ تعالجه فأنت تَكِيدُه(٣) .
﴿َبَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ أي: مُنْطَلِقِين ذاهبين. وكان لهم في كلِّ سنةٍ عيدٌ يجتمعون
فيه، فقالوا لإبراهيم: لو خرجتَ معنا إلى عيدنا أعجبك دينُنا - رُوي ذلك عن ابن
مسعود على ما يأتي بيانُه في ((والصافاتِ))(٤) - فقال إبراهيم في نفسه: تاللهِ لَأَكيدَنَّ
أصنامکم.
قال مجاهد وقتادة: إنما قال ذلك إبراهيم في سرٍّ من قومه، ولم يسمعه إلَّا رجلٌ
واحد، وهو الذي أفشاه عليه(٥). والواحدُ يُخْبَر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أُخبر به
عنه(٦) ممَّا يَرضَى به غيره، ومثله: ﴿يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعُزُّ مِنْهَا
اَلْأَذَلَ﴾ [المنافقون: ٨].
(١) أسرار العربية لأبي البركات الأنباري ص٢٤٧ .
(٢) نُسب البيت لمالك بن خالد الخُناعي، ولأبي ذؤيب الهذلي، ولأمية بن أبي عائد، وللفضل بن عباس بن
عتبة بن ربيعة، وهو في الصحاح (شمخر)، والحلل للبطليوسي ص٩٦ ، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٤٠
والخزانة ٩٥/١٠، وورد في الكتاب ٤٩٦/٣، والمقتضب ٣٢٤/٢، وشرح المفصل ٩٨/٩،
والخزانة ١٧/٥ برواية: لله، بدل: تالله، وهما روايتان كما ذكر البطليوسي. وقوله: يبقى، هو جواب
القسم بتقدير ((لا)) النافية. ويعني بقوله: ذو حيد: الوعل، ويروى بفتح الحاء وكسرها. والمشمخر:
الجبل الشامخ. والظَّيَّان: ياسمين البَرّ. والآس: الريحان. ينظر الخزانة ١٧٧/٥، وشرح الشواهد
للشنتمري ص٥١٣ .
(٣) الصحاح (كيد).
(٤) عند تفسير الآيات (٨٧ - ٨٩)، وينظر الوسيط ٢٤٢/٣.
(٥) تفسير الطبري ١٦/ ٢٩٣، وتفسير البغوي ٣/ ٢٤٧ .
(٦) قوله:° عنه، ليس في (م).

٢١٨
سورة الأنبياء: الآيتان ٥٧ - ٥٨
وقيل: إنما قاله بعد خروج القوم، ولم يبقَ إلَّا الضعفاءُ، فهم الذين سمعوه.
وكان إبراهيم احتال في التخلّف عنهم بقوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] أي: ضعيفٌ
عن الحركة(١).
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَادًا﴾ أي: فُتاتاً. والجَذُّ: الكسر والقطع؛ جَذَذْتُ
الشيءَ: كَسَرتُه وقَطَعتُه. والجِذاذ والجُذاذ: ما كُسِر منه، والضمُّ أفصح من كسره؛
قاله الجوهريُّ(٢). الكسائي: ويقال الحجارة الذهب: جُذاذ؛ لأنها تُكْسَر.
وقرأ الكسائيُّ والأعمش وابن محيصن: ((جِذَاذاً))؛ بكسر الجيم، أي: كِسَراً
وقِطَعاً، جمع جَذيذٍ: وهو الهشيم، مثل خَفيف وخِفاف، وظَريف وظِراف(٣). قال
الشاعر :
جَذَّذ الأصنامَ في مِحْرابِها ذاك في الله العليِّ المقتَدِرُ(٤)
الباقون بالضمِّ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، كالحُطام(٥) والرُّفات، الواحدةُ:
جُذَاذة.
وهذا هو الكيد الذي أقسم بالله ليفعلنَّه بها. وقال: ((فجعلهم))؛ لأن القوم
اعتقدوا في أصنامهم الإلهية.
وقرأ ابن عباس وأبو نَهِيكٍ وأبو السمَّال: ((جَذَاذاً)) بفتح الجيم، والفتح والكسر
لغتان، كالحَصاد والحِصاد. أبو حاتم: الفتحُ والكسرُ والضمُّ بمعنى؛ حكاه
قُطْرُب(٦).
(١) أخرجه الطبري ٢٩٥/١٦ مطولاً عن السدي.
(٢) في الصحاح (جذذ)، وما بعده منه.
(٣) تفسير البغوي ٢٤٨/٣، وقراءة الكسائي في السبعة ص٤٢٩، والتيسير ص ١٥٥. وينظر معاني القرآن
للزجاج ٣٩٦/٣ .
(٤) النكت والعيون ٤٥١/٣ .
(٥) في النسخ: أي الحطام، والمثبت من المحتسب، وفيه قول أبي حاتم. وينظر معاني القرآن للزجاج
٣٩٦/٣.
(٦) المحتسب ٦٤/٢. وقال أبو حاتم - فيما ذكر ابن جنيـ: وأجودها الضم، وقد سلف ذلك عنه قريباً.

٢١٩
سورة الأنبياء: الآيات ٥٧ - ٦١
﴿إِلَّ كَبِيرًا لَّمْ﴾ أي: عظيم الآلهة في الخلق؛ فإنه لم يكسره. قال السدِّيُّ
ومجاهد: ترك الصنم الأكبر وعلَّق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه (١)؛ ليَحتجَّ
به عليهم. ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى إبراهيم ودينه ﴿يَرْجِعُونَ﴾ إذا قامت الحجة عليهم.
وقيل: ((لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ) أي: إلى الصنم الأكبر ((يَرْجِعُونَ)) في تكسيرها.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ النَِّينَ ﴾ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى
يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِزَهِيمُ (١٥) قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ()﴾
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَّا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ المعنى: لمَّا رجعوا
من عيدهم ورأوا ما أَحْدَثَ بآلهتهم، قالوا على جهة البحث والإنكار: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا
◌ِخَالِهَتِنَآَ إِنَُّ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقيل: ((مَن)) ليس استفهاماً، بل هو ابتداءٌ، وخبرُه:
(([إنه](٢) لِمِن الظالمِين))، أي: فاعلُ هذا ظالم. والأوّل أصحُ؛ لقوله: ﴿سَمِعْنَا فَتَّى
يَذْكُرُهُمْ﴾، وهذا هو جوابُ: ((مَنْ فَعَلَ هذا))، والضمير في ((قالوا)) للقوم الضعفاء
الذين سمعوا إبراهيم، أو الواحدِ، علی ما تقدَّم. ومعنی «یذکرهم)): يَعیبُھم ویسبُّهم،
فلعلَّه الذي صنع هذا.
واختلف الناس في وجه رَفْعٍ إبراهيم؛ فقال الزجَّاج: يرتفع على معنى: يقال له:
هو إبراهيم(٣)، ويكون مبتدأً وخبرُه محذوف (٤)، والجملةُ مَحْكِيَّة. قال: ويجوز أن
(١) أخرج قولهما الطبري ٢٩٥/١٦ - ٢٩٦.
(٢) زيادة يقتضيها السياق، وينظر الدر المصون ١٧٤/٨ .
(٣) يعني أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو، أو: هذا، والكلام إلى هذا الموضع في معاني القرآن للزجاج
٣٩٦/٣.
(٤) وذلك على تقدير: إبراهيم فاعلٌ ذلك. الإملاء ٤/ ٦ (بهامش الفتوحات الإلهية).
وقد وقع في النسخ الخطية: فيكون مبتدأ ... الخ. ولعل ثمة سقطاً أو وهماً وقع فيها. ولفظة:
((ويكون)) المثبتة أعلاه بدل: ((فيكون)) أولى بالسياق. فبها يتبيَّن القولان السالفان في وجه رفع ((إبراهيم))
كما جاء في المصادر.

٢٢٠
سورة الأنبياء: الآيات ٥٩ - ٦١
يكون رفعاً على النداء، وضمُّه بناءٌ، وقام ((له)) مقامَ ما لم يسمَّ فاعله(١).
وقيل: رَفْعُه على أنه مفعولُ ما لم يسمَّ فاعلُه؛ على أن يُجعل ((إبراهيم)) غيرَ دالٌ
على الشَّخص، بل يجعل النُّطقُ به دالًّا على بناءِ هذه اللفظة. أي: يقال له هذا القولُ
وهذا اللفظُ، وهذا كما تقول: زيدٌ وزنُ فَعْل، أو: زيدٌ ثلاثةُ أحرفٍ، فَلَمْ تدلَّ بوجهٍ
على الشّخص، بل دلَلْتَ بنُطقك على نفس اللفظة. وعلى هذه الطريقة تقول: قلتُ
إبراهيمَ، ويكون مفعولاً صحيحاً أنزلته منزلةَ قولٍ وكلام؛ فلا يتعذّر بعد ذلك أن يُبنَى
الفعل فيه للمفعول. هذا اختيار ابن عطية في رَفْعِه(٢).
وقال الأستاذ أبو الحجّاج الإشْبِيليُّ الأَعْلَم(٣): هو رفعٌ على الإهمال؛ قال ابن
عطية(٤): لمَّا رَأَى وجوهَ الرفع كأنها لا تُوضح المعنى الذي قصدوه، ذهب إلى رَفْعِه
بغيرِ شيءٍ، كما قد يَرفع التجرُّدُ والعِرْوُ عن العوامل الابتداءَ.
والفتى: الشابُّ، والفتاة: الشَّابّة. قال ابن عباس: ما أرسل الله نبيًّا إلا شابًا(٥)،
ثم قرأ: ﴿سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَىَ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ فيه مسألة واحدة،
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣٩٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٧٣/٣، ومشكل إعراب القرآن
٢/ ٤٨٠، والبيان ٢/ ١٦٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٨٧/٤، وما قبله وبعده منه. وذكر السمين في الدر المصون ١٧٥/٨ أن في هذه
المسألة خلافاً بين النحويين؛ يعني: تسلُّط القول على المفرد الذي لا يؤدِّي معنى جملة، مثل: قلت
خطبة، وشعراً، ولا هو مقتطع من جملة، كقول الشاعر: إذا ذقتُ فاها قلتُ طعم مدامة ... ، ولا هو
مصدرٌ لقال، ولا هو صفة لمصدره، نحو: قلت حقًّا.
(٣) يوسف بن سليمان الشنتمري الأندلسي النحوي، والأعلم هو المشقوق الشَّفة، والشنتمري نسبة إلى
شَيْتَمرية - مدينة بالأندلس - من مصنفاته: تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات
العرب، وهو شرح أبيات الكتاب لسيبويه. ينظر السير ١٨/ ٥٥٥، وإنباه الرواة ٤/ ٥٩ .
(٤) في المحرر الوجيز ٨٧/٤ ، وقد ردَّ الآلوسي في روح المعاني ٦٤/١٧ قول الأعلم.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٤٥٥/٨ (١٣٦٧١)، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية.