Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة الأنبياء: الآيات ٧ - ١٥
عليه الصلاةُ والسلام: ((القرآن حُجَّةٌ لك أو عليك))(١).
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَتِ كَنَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأَنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ
فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأَسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُونَ (٧) لَا تَرْكُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ
(٣) قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿﴿ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ
فِيهِ وَمَسَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشْتَلُونَ
دَعْوَدُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَتِ كَنَتْ ظَالِمَةٌ﴾ يريد مدائنَ كانت باليمن. وقال
أهل التفسير والأخبار: إنه أراد أهلَ حَضُورٍ، وكان بُعث إليهم نبيّ اسمُه شعيب بن
ذِي مَهْدَم، وقبرُ شعيبٍ هذا باليمن بجبلٍ يقال له: ضِيْن(٢)، كثيرِ الثّلج، وليس بشعيب
صاحبٍ مَذْيَنَ؛ لأنَّ قصة حَضُورٍ قبل مدةِ عيسى عليه السلام، وبعد مِئينَ من السنين
من مدَّةٍ سليمانَ عليه السلام، وأنهم قتلوا نبيَّهم وقَتَل أصحابُ الرَّسِّ في ذلك التاريخ
نبيًّ لهم اسمُه: حنظلة بنُ صفوان، وكانت حَضُورٌ بأرض الحجاز من ناحية الشام،
فأوحى الله إلى أرميا أن ائتِ بختنصَّر فَأَعْلِمْه أنِّي قد سلَّطته على أرض العرب، وأنِّي
منتقمُ بكَ منهم، وأَوحى الله إلى أرميا أنِ احمِلْ مَعَدَّ بنَ عدنان على البُراقِ إلى أرض
العراق كي لا تصيبه النِّقمةُ والبلاءُ معهم، فإنِّي مستخرجْ من صُلْبِه نبيًّا في آخِر الزمان
اسمُه محمد. فَحمَل مَعَدًا وهو ابن اثنتي عشرةَ سنةً، فكان مع بني إسرائيل إلى أنْ كِبِر
وتزوَّج امرأةً اسمُها معانة، ثم إنَّ بختنصَّر نهض(٣) بالجيوش، وكَمَنَ للعرب في مكانٍ
- وهو أوَّلُ مَن اتَّخذ المَكَامِنَ فيما ذَكروا - ثم شنَّ الغارات على حَضُورٍ، فقتَل وسَبَى
وخَرَّب العامِر، ولم يترك بحَضُورٍ (٤) أثراً، ثم انصرف راجعاً إلى السَّوَاد.
(١) قطعة من حديث أبي مالك الأشعري، أخرجه مسلم (٢٢٣)، وسلف ٦/١.
(٢) اضطرب اللفظ في النسخ، والمثبت من التعريف والإعلام ص١١٢، والكلام منه، وكذا ذكره ياقوت
في معجم البلدان ٣/ ٤٦٥ وقال: ضِيْن بكسر الضاد وسكون الياء.
(٣) في (خ) و(ز) و(ظ): نهد، ولم تجود في (د)، والمثبت من (م) والتعريف والإعلام.
(٤) في التعريف والإعلام: لحضور.

١٨٢
سورة الأنبياء: الآيات ١١ - ١٥
و(كَمْ)) في موضع نصبٍ بـ ((قصمنا))(١). والقَصْمُ: الكسر؛ يقال: قَصَمْتُ ظَهْرَ
فلانٍ [إذا كسرته]، وانقصَمَتْ سِنُّه: إذا انكسرت، والمَعْنيُّ به هاهنا: الإهلاك(٢). و
أمَّا الفَصْم - بالفاء - فهو الصَّدْعُ في الشيء من غير بينونة؛ قال الشاعر:
كأنَّهُ دُمْلُجٌ من فِضَّةٍ نَبَةٌ في مَلْعبٍ من عَذَارَى الحيِّ مَفْصُومُ (٣)
ومنه الحديث: ((فيَقْصِمُ عنه وإنَّ جبيتَه لَيتفصَّدُ عَرَقاً))(٤).
وقولُه: ﴿كَانَتْ ظَالِمَةُ﴾ أي: كافرة، يعني: أهلها. والظلمُ: وضعُ الشيء في غيرِ
مَوْضِعِه، وهم وَضَعوا الكفرَ مَوْضِعَ الإيمان. ﴿وَأَشَأْنَ﴾ أي: أَوْجَدْنَا وأَحْدَثْنا بعد
إهلاكهم ﴿قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾.
﴿فَلَمَّآ أَحَسُواْ﴾ أي: رأَوْا عذابنا؛ يقال: أحسستُ منه ضَعْفاً. وقال الأخفش:
((أحسُّوا)): خافوا وتوقَّعوا.
﴿إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُونَ﴾ أي: يهربون ويَفِرُون. والرَّكضُ: العَدْوُ بشدّةِ الوَظْء.
والرَّكضُ: تحريكُ الرِّجل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَكُضْ بِْلِكٌ﴾ وَرَكَضْتُ الفرسَ
برِجْلي: استَحْثَثْتُهُ لِيَعْدُوَ، ثم كَثُر حتى قيل: رَكَض الفرسُ: إذا عَدَا، وليس بالأصل،
والصوابُ: رُكِض الفرسُ، على ما لم يسمَّ فاعلُه، فهو مَرْكوض(٥).
﴿لَا تَرْكُضُواْ﴾ أي: لا تَفِرُّوا. وقيل: إنَّ الملائكة نادتهم لمَّا انهزموا استهزاءً بهم
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٨٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٦٥/٣.
(٢) تفسير الطبري ٢٣٣/١٦، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) البيت لذي الرمة، والبيت في ديوانه ٣٩١/١، والصحاح (فصم). قال الجوهري: يذكر غزالاً يشبّهه
بدُمْلُج فضة، وإنما جعله مفصوماً؛ لتَثَِّيه وانحنائه إذا نام. وقال أبو نصر الباهلي شارح الديوان: نَّهُ:
مَنْسيٍّ، انتبهوا له انتباهاً، لا يدرون أي موضع افتقدوه، وقوله: في ملعب، أي: حيث تلعب الجواري.
اهـ والدملج: حلية تحيط بالعضد. المعجم الوسيط (دملح).
(٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٦١٩٨)، والبخاري (٢) عن عائشة رضي الله عنها.
(٥) الصحاح (ركض).

١٨٣
سورة الأنبياء: الآيات ١١ - ١٥
وقالت: ((لا تركضوا))(١).
﴿وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أَتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أي: إلى نعمكم التي كانت سببَ بَطَرِكم، والمُتَرَفُ:
المتنعِّم، يقال: أُترفَ على فلان، أي: وُسِّعَ عليه في معاشه. وإنما أَتْرفَهم الله عزَّ
وجلَّ كما قال: ﴿وَأَثْرَفْتَهُمْ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٣].
﴿لَعَلَّكُمْ تُتَلُونَ﴾ أي: لعلكم تُسألون شيئاً من دنياكم؛ استهزاءً بهم؛ قاله قتادة(٢).
وقيل: المعنى: لعلكم تُسألون عمَّا نزل بكم من العقوبة فتخيِرون به. وقيل: المعنى:
لعلكم تُسألون أنْ تؤمنوا كما كنتم تُسألون ذلك قبل نزول البأس بكم، قيل لهم ذلك
استهزاءً وتقريعاً وتوبيخاً.
﴿قَالُواْ يَوَيَِّنَا﴾ لمَّا قالت لهم الملائكة: ((لا تركضوا))، ونادت: يا لَثاراتٍ
الأنبياء! ولم يَرَوْا شخصاً يكلِّمهم، عرفوا أنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الذي سلَّط عليهم
عدوَّهم بقتلهم النبيَّ الذي بُعث فيهم، فعند ذلك قالوا: ﴿يَوَيَنَآ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ﴾،
فاعترفوا بأنَّهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف.
﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَدِهُمْ﴾ أي: لم يزالوا يقولون: ((يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)) ﴿حَقَّى
جَعَلْتَهُمْ حَصِيدًا﴾ أي: بالسيوف كما يُحصَد الزرع بالمِنْجَل؛ قاله مجاهد (٣). وقال
الحسن: أي: بالعذاب (٤) ﴿خَمِدِينَ﴾ أي: ميتين. والخُمودُ: الهمودُ؛ كخمود النار
إذا طَفِئَتْ، فشبَّه خمودَ الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات: قد طَفِئَ؛ تشبيهاً
بانطفاء النار(٥).
(١) تفسير أبي الليث ٣٦٣/٢ - ٣٦٤، ونسبه لقتادة ومقاتل.
(٢) النكت والعيون ٤٣٩/٣، وأخرجه عنه الطبري ٢٣٦/١٦.
(٣) أخرجه عنه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ٢٢/٢، والطبري ٢٣٧/١٦.
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٣٩/٣.
(٥) النكت والعيون ٤٣٩/٣ - ٤٤٠.

١٨٤
سورة الأنبياء: الآيات ١٦ - ١٨
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيَِّهُمَا لَِينَ (٨) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَّفِذَ
◌َوَاً لَّأَتَّخَذْتَهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْمَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ
فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ (4)﴾
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا يَِّنَهُمَا لَعِينَ﴾ أي: عَبَثاً وباطلاً، بل
للتَّنبيه على أنَّ لها خالقاً قادراً يجب امتثالُ أمره، وأنه يجازي المسيءَ والمُحسِن؛
أي: ما خَلَقْنا السماءَ والأرض ليظلم بعضُ الناس بعضاً، ويكفُرَ بعضُهم، ويخالفَ
بعضُهم ما أُمر به، ثم يموتوا ولا يُجازَوْا، ولا يؤمروا(١) في الدنيا بحَسَنٍ ولا يُنْهَوا
عن قبيح. وهذا اللعبُ المَنْفيُّ عن الحكيم ضدُّه الحكمة.
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَّفِذَ لَوَّ﴾ لمَّا اعتقدَ قومٌ أنَّ له ولداً قال: ﴿لَوْ أَرَّدْنَا أَنْ
تَفِذَ لَوَّ﴾ واللهوُ: المرأةُ بلغة اليمن؛ قاله قتادة(٢).
وقال عقبة بن أبي جَسْرَة - وجاءه طاوسٌ وعطاءٌ ومجاهدٌ يسألونه عن قوله تعالى:
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تََّّنِذَ لَوَ﴾ فقال -: اللهوُ: الزوجة. وقاله الحسن(٣).
وقال ابن عباس: اللهو: الولد (٤). وقاله الحسن أيضاً(٥).
قال الجوهريُّ(٦): وقد يُكْنَى باللَّهو عن الجِماع.
قلت: ومنه قول امرئ القيس:
(١) في (د) و(ز): ولا يأمروا، والمثبت من باقي النسخ وإعراب القرآن للنحاس ٦٦/٣ والكلام منه.
(٢) أخرجه الطبري ٢٣٩/١٦.
(٣) كذا قال المصنف رحمه الله، والخبر كما أخرجه الطبري ٢٣٨/١٦: عن عقبة عن أبي جسرة قال:
شهدت الحسن بمكة، قال: وجاءه طاوسٌ وعطاء ومجاهد فسألوه عن قول الله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَاً أَن تَّنَفِذَ
◌َوَا﴾ قال الحسن: اللهو: المرأة.
(٤) ذكره أبو الليث ٣٦٤/٢، والواحدي في الوسيط ٢٣٢/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٤٣/٥،
وهو من رواية الكلبي عن ابن عباس كما ذكر الواحدي.
(٥) النكت والعيون ٣/ ٤٤٠ .
(٦) في الصحاح (لها).

١٨٥
سورة الأنبياء: الآيات ١٦ - ١٨
كَبِرتُ وأَلَّا يُحسِنَ اللَّهْوَ أَمثالي(١)
أَلَا زَعمتْ بَسْبَاسَةُ اليومَ أَنَّني
وإنَّما سُمِّي الجماعُ لهواً؛ لأنَّه مَلْهَى للقلب، كما قال:
وفيهِنَّ مَلْهَى للصديق ومَنْظَرُ(٢)
الجوهريُّ(٣): وقولُه تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْناً أَن تَّتَّخِذَ لَوَا﴾ قالوا: امرأةً، ويقال: ولداً.
﴿لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَُّنَّا﴾ أي: مِن عندِنا لا مِن عندِكم. قال ابن جريج: [لاتَّخذْنا نساءً
وولداً] مِن أهل السماء لا مِن أهل الأرض(٤). قيل: أراد الرَّدَّ على مَن قال: إنَّ
الأصنام بناتُ اللـه، أي: كيف يكون مَنْحُوتكم ولداً لنا؟ وقال ابن قتيبة(٥): الآيةُ ردّ
على النصارى.
﴿إِن كُنَّا فَعِلِينَ﴾ قال قتادةُ ومقاتلٌ وابن جريج والحسن: المعنى: ما كنا
فاعلين(٦)، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣] أي: ما أنت إلَّا نذير. و((إن)) بمعنى
الجَحْدِ، وتَّ الكلامُ عند قوله: ﴿لَّأَتَّخَذْتَهُ مِن لَُّنَّاً﴾.
وقيل: إنه على معنى الشَّرط، أي: إن كثَّا فاعلين ذلك، ولكنْ لَسْنا بفاعلين
ذلك(٧) لاستحالة أن يكون لنا ولد؛ إذ لو كان ذلك لم نخلقْ جنةً ولا ناراً، ولا موتاً
ولا بعثاً ولا حساباً (٨).
(١) ديوان امرئ القيس ص٢٨ .
(٢) صدر بيت لزهير وعجزه: أنيقٌ لعين الناظر المتوسم، وهو في شرح ديوانه ص ١٠ برواية: للَّطيف،
بدل: للصديق، وسلف ٢٣٣/١٢ .
(٣) في الصحاح (لها).
(٤) أخرجه عنه الطبري ٢٣٩/١٦، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٤٠/٣، وما سلف بين
حاصرتین منهما.
(٥) في تأويل مشكل القرآن ص١٢٤ .
(٦) أخرجه عن قتادة وابن جريج الطبري ٢٣٩/١٦، وذكره عن مقاتل البغوي ٢٤١/٣، وعن الحسن ابن
الجوزي ٥/ ٣٤٤ .
(٧) معاني القرآن للزجاج ٣٨٧/٣ . وقال الزجاج: والقول الأول قول المفسرين، والثاني قول النحويين،
وهم أجمعون يقولون القول الأول ويستجیدونه.
(٨) في (د) و(ز): حياتاً.

١٨٦
سورة الأنبياء: الآيات ١٦ - ١٨
وقيل: لو أردنا أن نتخذ ولداً على طريق التبنِّي لاتخذناه من عندنا من الملائكة.
ومالَ إلى هذا قوم؛ لأنَّ الإرادة قد تتعلَّق بالتبنِّي، فأمَّا اتّخاذُ الولدِ فهو مُحال،
والإرادةُ لا تتعلَّق بالمستحيل؛ ذكره القُشَيْريّ.
قوله تعالى: ﴿بَّ نَقْذِفُ بِالَّْ عَلَى الْبَطِلِ﴾ القذف: الرَّمْي، أي: نرمي بالحقِّ على
الباطل ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: يَقْهَره ويُهْلِكُه. وأصلُ الدَّمْغ: شجُّ الرأس حتى يبلغ الدماغ،
ومنه: الدَّامِغة(١). والحقُّ هنا: القرآن، والباطل: الشيطان؛ في قول مجاهد(٢)؛ قال:
وكلُّ ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان. وقيل: الباطلُ: كذبُهم ووَصْفُهم الله عزَّ
وجلَّ بغیر صفاته من الولد وغيره.
وقيل: أراد بالحقِّ: الحُجَّةَ، وبالباطل: شُبَهَهُم. وقيل: الحقُّ: المواعظ،
والباطل: المعاصي(٣). والمعنى متقارِبٌ، والقرآنُ يتضمَّن الحجَّةَ والموعظة.
﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: هالِكٌ تالِف؛ قاله قتادة(٤). ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ أي: العذاب
في الآخرة بسبب وَصْفِكم اللهَ بما لا يجوز وَصْفُه. وقال ابن عباس: الويلُ وادٍ في
جهنّم؛ وقد تقدَّم(٥).
﴿مَِّّا نَصِفُونَ﴾ أي: مما تكذبون؛ عن قتادة ومجاهد (٦)، نظيرُه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ
وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] أي: تكذيبَهم (٧). وقيل: مما تصفون اللهَ به من المُحال، وهو
اتّخاذُ الولد(٨).
(١) تفسير البغوي ٣/ ٢٤١، والصحاح (دمغ).
(٢) أخرجه الطبري ٢٤١/١٦ عن قتادة، ولم نقف عليه من مجاهد.
(٣) ذكر هذا القول الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٤١ وقال: قاله بعض أهل الخواطر.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٣/٢، والطبري ٢٤٠/١٦ .
(٥) ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١ مرفوعاً من حديث أبي سعيد الخدري ﴾ وإسناده ضعيف ولم نقف عليه عن ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري ١٦/ ٢٤١ عن قتادة.
(٧) في (م): بكذبهم.
(٨) في (م): وهو اتخاذه سبحانه الولد.

١٨٧
سورة الأنبياء: الآيات ١٩ - ٢١
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكُْونَ عَنْ عِبَادَتِهِ،
يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٥) أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةٌ مِّنَ
وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (4)
الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٦)
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: مِلْكاً وخَلْقاً، فكيف يجوز أن
يُشرك به ما هو عَبْدُه وخَلْقُه؟! ﴿وَمَنْ عِندَهُ﴾ يعني الملائكة الذين ذكرتُم أنهم بناتُ
الله . ﴿لَا يَسْتَكْثِرُونَ﴾ أي: لا يَأْنَفون ﴿عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ والتذلّلِ له ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي:
يُعْيُون؛ قاله قتادة. مأخوذٌ من الحسير: وهو البعيرُ المنقطِعُ بالإعياء والتعب(١)، حَسَر
البعيرُ يَحسِر حُسوراً: أَعْيا وكَلَّ، واستَحْسَر وتَحَسَّر مِثْلُه، وحَسَرْتُه أنا حَسْراً، يتعدَّى
ولا يتعدَّى، وأَحْسَرْته أيضاً فهو حَسير(٢).
وقال ابن زيد: لا يَمَلُّون(٣). ابن عباس: لا يَستنكفون(٤). وقال أبو زيد(٥): لا
يَكِلُّون. وقيل: لا يفشلون؛ ذكره ابن الأعرابي(٦)؛ والمعنى واحد.
﴿يُسَبِّحُونَ الَِّلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: يُصَلُّون ويذكرون الله وينزِّهونه دائماً ﴿لَا يَفْتُُّونَ﴾
أي لا يَضعفون ولا يسأمون، يُلْهَمون التَّسبيحَ والتَّقديسَ كما يُلهمون النَّفَس. قال
عبدالله بن الحارث: سألت كعباً فقلت: أمَا لهم شغلٌ عن التسبيح؟ أمَا يَشْغُلُهم عنه
شيء؟ فقال: مَن هذا؟ فقلت: مِن بني عبد المطلب، فضمَّني إليه وقال: يا ابن أخي،
هل يشغلك شيءٌ عن النَّفَس؟! إنَّ التسبيح لهم بمنزلة النَّفَس(٧). وقد استدلَّ بهذه الآيةِ
(١) النكت والعيون ٤٤١/٣، وأخرج قول قتادة عبد الرزاق في التفسير ٢٣/٢، والطبري ٢٤٣/١٦.
(٢) الصحاح (حسر).
(٣) أخرجه الطبري ١٦/ ٢٤٣ .
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٤١/٣ عن الكلبي، وأخرج الطبري ٢٤٢/١٦ عن ابن عباس قال:
لا یرجعون.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): ابن زيد، ولم نقف على قوله.
(٦) ياقوتة الصراط لغلام ثعلب ص٣٥٩ .
(٧) أخرجه الطبري ٢٤٤/١٦، والبيهقي في الشعب (١٦١).

١٨٨
سورة الأنبياء: الآيات ١٩ - ٢٤
مَن قال: إنَّ الملائكة أفضلُ من بني آدم. وقد تقدَّم والحمد لله(١).
قوله تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُوَاْ ءَالِهَةُ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ قال المفضَّل: مقصودُ هذا
الاستفهام: الجَحدُ، أي: لم يتَّخذوا آلهةً تقدِرُ على الإحياء. وقيل: ((أم)) بمعنى
((هل))، أي: هل انَّخذ هؤلاء المشركون آلهةً من الأرض يُحيون الموتى؟ ولا تكون
((أم)) هنا بمعنى بل؛ لأنَّ ذلك يُوجِب لهم إنشاءَ الموتى، إلَّا أن تقدَّر ((أم)) مع
الاستفهام، فتكون ((أم)) المنقَطِعةَ، فيصحّ المعنى(٢)؛ قاله المبرِّد.
وقيل: ((أم)) عطفٌ على المعنى، أي: أَفَخلقْنا السماء والأرض لعباً، أم هذا
الذي أضافوه إلينا من عندنا فيكونَ لهم مَوْضعَ شبهة؟ أو: هل ما اتّخذوه من الآلهة
في الأرض يُحيي الموتى فيكونَ موضعَ شُبْهةٍ؟. وقيل: ﴿لَقَدْ أَنْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ
ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ١٠]، ثم عَطَفَ عليه بالمعاتبة، وعلى هذين التأويلين
تكونُ ((أم)) متَّصلةٌ.
وقرأ الجمهور: ﴿يُنْشِرُونَ﴾ بضمِّ الياء وكَسْرِ الشين مِن أَنْشَر الله الميتَ فنُشِر،
أي: أحياه فحييَ. وقرأ الحسن بفتح الياء(٣)، أي: يَحْيَوْنَ ولا يموتون(٤).
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَنَ فِيهِمَا ءَاِهَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا
يَصِفُونَ (٧َ لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (١٣) أَمِ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ= مَاِهَةٌ قُلْ
هَاتُواْ بُهَنَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن ◌َّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِيُ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقِّ فَهُم
(٢٤)
◌ُعْرِضُونَ
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ أي: لو كان في السماوات
(١) ٤٣٠/١.
(٢) قال الزمخشري في الكشاف ٥٦٦/٢: هذه أم المنقطعة، الكائنة بمعنى بل والهمزة، قد آذنت
بالإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها، وينظر المحرر الوجيز ٧٨/٤ .
(٣) القراءات الشاذة ص ٩١ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٨٨/٣ .

١٨٩
سورة الأنبياء: الآيات ٢٢ - ٢٤
والأرضين آلهةٌ غيرُ الله معبودون لفَسَدَتا. قال الكسائيُّ وسيبويه: ((إلَّا)) بمعنى غير،
فلمَّا جُعلت إلّا في موضع غيرٍ؛ أُعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير، كما قال:
وكلُّأخٍ مفارقُه أخوهُ لَعَمْرُ أبيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ(١)
وحكى سيبويه: لو كان معنا رجلٌ إلَّا زيدٌ لهلَكْنا.
وقال الفراء: ((إلا)) هنا في موضعٍ سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهةٌ سوى اللهِ
لفَسَد أهلُهما(٢). وقال غيره: أي: لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير؛ لأنَّ أحدهما إن
أراد شيئاً وأراد الآخَرُ ضدَّه كان أحدهما عاجزاً.
وقيل: معنى ((لَفَسَدَتَا)) أي: خَرِبتا وهَلَكَ مَن فيهما بوقوع التنازُع والاختلاف(٣)
الواقعٍ بين الشركاء.
﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ نَزَّه نفسه وأَمَر العباد أن ينزِّهوه عن أن يكون له
شریڭٌ أو ولد.
قوله تعالى: ﴿لَا يُنْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ قاصمةٌ للقدريَّة وغيرهم. قال ابن
جريج: المعنى: لا يسأله الخَلْقُ عن قضائه في خَلْقِهِ، وهو يَسأل الخَلْقَ عن عملهم؛
لأنهم عبيد. بيَّن بهذا أنَّ مَن يُسأل غداً عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلُح
للإلهية. وقيل: لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخَذون(٤).
وروي عن عليٍّ ﴾ أنَّ رجلاً قال له: يا أمير المؤمنين، أيُحِبُّ ربُّنا أن يُعصَى؟
(١) الكتاب ٣٣٤/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٦٧/٣، والكلام منه، وسلف ٥٤/١١ . والشاهد فيه:
نعت ((كلُّ)) بقوله: ((إلا الفرقدان)) على تأويل ((غير))، والتقدير: وكلُّ أخ غيرُ الفرقدين مفارقه أخوه.
شرح الشواهد للشنتمري ص٣٦٨ .
(٢) في النسخ: أهلها، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢/ ١٠٠، وإعراب القرآن للنحاس ٦٨/٣ وعنه
نقل المصنف.
(٣) في (د) و(ز) و(م): بالاختلاف، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٤) النكت والعيون ٤٤٢/٣.

١٩٠
سورة الأنبياء: الآيات ٢٢ - ٢٤
قال: أفْيُعْصَى رَبُّنَا قَهْراً؟ قال: أرأيتَ إنْ منعني الهدى ومنحني الرَّدى، أأحْسَنَ إليَّ أم
أساء؟ قال: إن منعك حقَّك فقد أساء، وإن منعك فَضْلَه فهو فضلُه يؤتيه من يشاء. ثم
تلا الآية: ﴿لَا يُْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾(١).
وعن ابن عباس قال: لمَّا بعث الله عزَّ وجلَّ موسى وكلَّمه، وأنزل عليه التوراة،
قال: اللهمَّ إنك ربِّ عظيم، لو شئتَ أن تُطاع لأُطِعت، ولو شئت ألَّ تُعصى ما
عُصيتَ، وأنت تحبُّ أن تطاع، وأنت في ذلك تُعصى، فكيف هذا يا رب؟! فأوحى
الله إليه: إنِّي لا أُسأل عمَّا أَفعَلُ وهم يُسألون(٢).
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ مَاِمَةٌ﴾ أعاد التعجّبَ في اتّخاذ الآلهة من دون
الله مبالغةً في التوبيخ، أي: صفتهم كما تقدَّم في الإنشاء والإحياء، فتكون ((أم))
بمعنى هل، على ما تقدَّم، فليأتوا بالبرهان على ذلك.
وقيل: الأولُ احتجاجٌ من حيث المعقولُ؛ لأنه قال: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ ويُحيون
الموتى، هيهات! والثاني احتجاجٌ بالمنقول، أي: هاتوا برهانكم من هذه الجهة،
ففي أيِّ كتابٍ نزل هذا؟! في القرآن، أم في الكتب المنزلة على سائر الأنبياء؟!
﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ تَغِىَ﴾ بإخلاص التوحيد في القرآن ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِىٌ﴾ في التوراة
والإنجيل وما أنزل الله من الكتب؛ فانظروا هل في كتابٍ من هذه الكتب أنَّ الله أمر
باتخاذ آلهةٍ سواه؟! فالشرائعُ لم تختلف فيما يتعلَّق بالتوحيد، وإنما اختلفت في
(١) لم نقف عليه عن علي ﴾، وذكره ابن شيث في حزّ الغلاصم ص١٨ عن جعفر بن محمد مع أحد
القدرية، وذكر نحوه ابن عبد البر في التمهيد ٦٤/٦ -٦٥ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأخرج
القطعة الثانية منه وهي قوله: أرأيت إن منعني ... ، عن ابن عباس بنحوها. وذكره الحافظ في الفتح
٤٥١/١٣ بتمامه على أنه مناظرة بين بعض أئمة السنة مع بعض أئمة المعتزلة، وزاد في أوله: قال
المعتزلي: سبحان مَن تنزَّه عن الفحشاء، فقال السُّنِّي: سبحان مَن لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال
المعتزلي: أيشاء ربنا أن يعصى ...
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦٠٦) مطولاً، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٦٨) واللفظ له. قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٠٠ : فيه أبو يحيى القنات، وهو ضعيف عند الجمهور ... ومصعب بن
سوار لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.

١٩١
سورة الأنبياء: الآيات ٢٢ - ٢٤
الأوامر والنَّوَاهي.
وقال قتادة: الإشارة إلى القرآن، المعنى: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ تَّعِىَ﴾ بما يلزمُهم من
الحلال والحرام ﴿وَذِكْرُ مَن قَبْلِ﴾ من الأمم، ممَّن نجا بالإيمان وهلك بالشرك(١).
وقيل: ﴿ذِكْرُ مَنْ تَغِىَ﴾ بما لهم من الثواب على الإيمان والعقاب على الكفر،
﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِيُ﴾ من الأمم السالفةِ فيما يُفعل بهم في الدنيا، وما يُفعل بهم في
الآخرة(٢).
وقيل: معنى الكلام الوعيد والتهديد، أي: افعلوا ما شئتم، فعن قريب ينكشف
الغطاء.
وحكى أبو حاتم: أنَّ يحيى بنَ يَعْمُر وطلحةَ بنَ مُصرِّفٍ قرأ: ((هذا ذِكْرٌ مِن معي
وذِكْرٌ مِن قَبْلي)) بالتنوين وكَسْرِ الميم(٣)، وزعم أنه لا وجهَ لهذا. وقال أبو إسحاق
الزجَّاج في هذه القراءة: المعنى: هذا ذكرٌ مما أُنزل إليَّ وممَّا هو معي، وذكرٌ مِن
قَبْلي(٤). وقيل: ذكرٌ كائن مِن قَبْلي، أي: جئتُ بما جاءت به الأنبياء مِن قَبْلي.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْمَّ﴾ وقرأ ابن مُحيصن والحسن: ((الْحَقُّ)) بالرفع،
بمعنى: هو الحقُّ، أو هذا الحقُّ(٥). وعلى هذا يوقفُ على: ((لا يعلمون)) ولا يوقف
عليه على قراءة النصب . ﴿فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ أي: عن الحقِّ، وهو القرآن، فلا يتأمَّلون
حجَّةً التوحيد.
(١) النكت والعيون ٤٤٣/٣، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٤٨/١٦ - ٢٤٩.
(٢) تفسير الطبري ٤٢٨/١٦ .
(٣) المحتسب ٦١/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩١ عن يحيى وحده، وذكر عن طلحة
· أنه قرأ: ((هذا ذكرٌ معي وذكرٌ قبلي)). والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٦٨/٣.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٨٩/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٦٨/٣.
(٥) في (د) و(ز) و(م): هو الحق وهذا هو الحق، والمثبت من (خ) و(ظ) والمحتسب ٦١/٢ والكلام منه.
وذكر القراءة أيضاً عن ابن محيصن ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص ٩١ .

١٩٢
سورة الأنبياء: الآيات ٢٥ - ٢٩
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا
٢٥
فَاعْبُدُونِ
قوله تعالى: ﴿وما أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رسولٍ إِلَّا يُوحَى إليه﴾. وقرأ حفصٌ
وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿نُوحِيّ إِلَيْهِ﴾ بالنون(١)؛ لقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ
فَأَعْبُدُونِ﴾ أي: قلنا للجميع: لا إله إلا الله؛ فأدلةُ العقل شاهدةٌ أنه لا شريكَ له،
والنقلُ عن جميع الأنبياء موجود، والدليلُ إمَّا معقولٌ وإمَّا منقول. وقال قتادة: لم
يُرسَل نبيٍّ إلَّا بالتوحيد، والشرائعُ مختلفةٌ في التوراة والإنجيل والقرآن، وكلُّ ذلك
على الإخلاص والتوحيد(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْتَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهُمْ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٨) لَا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ ﴾ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتَ إِلَهٌ
مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهُ﴾ نزلت في خُزاعةَ حيث قالوا:
الملائكةُ بناتُ اللـه(٣)، وكانوا يعبدونهم طَمَعاً في شفاعتهم لهم. وروى معمرٌ عن
قتادة قال: قالت اليهود - قال معمر في روايته(٤): أو طوائفُ من الناس -: [إن الله]
خاتَنَ إلى الجنِّ، والملائكةُ من الجنّ، فقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿سُبْحَنَةٌ﴾: تنزيهاً له
﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ أي: بل هم عبادٌ ﴿مُكْرَمُونَ﴾(٥). أي: ليس كما زَعَم هؤلاء الكفار.
(١) السبعة ص٤٢٨، والتيسير ص ١٥٤ .
(٢) أخرجه الطبري ١٦/ ٢٥٠ بنحوه.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٢٤٢، وتفسير الرازي ١٥٩/٢٢.
(٤) يشير المصنف إلى رواية ثانية من غير طريق معمر، كما في التعليق التالي.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٣/٢، والطبري ٢٥١/١٦، وما سلف بين حاصرتين منهما، وفيهما:
وطوائف، بالواو. وأخرجه الطبري ٢٥٠/١٦ من طريق سعيد عن قتادة دون قوله: أو طوائف من
الناسْ، وفيه: صاهر الجن، بدل: خاتن إلى الجن.

١٩٣
سورة الأنبياء: الآيات ٢٦ - ٢٩
ويجوز النَّصب عند الزجَّاج(١) على معنى: بل اتخذ عباداً مُكْرمين. وأجازه
الفراء(٢) على أن يَرُدَّه على ولد، أي: بل لم نتَّخذهم ولداً، بل اتخذناهم عباداً
مُگرمین.
والولدُ هاهنا للجمع، وقد يكون الواحدُ(٣) والجمعُ وَلَداً (٤). ويجوز أن يكون
لفظُ الولد للجنس، كما يقال: لفلانٍ مالٌ.
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِلْقَوْلِ﴾ أي: لا يقولون حتى يقول، ولا يتكلَّمون إلَّ بما
يأمرهم. ﴿َهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ أي: بطاعته وأوامره. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ﴾ أي: يعلم ما عملوا وما هم عاملون؛ قاله ابن عباس(٥). وعنه أيضاً: ((مَا بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ)): الآخرة، ((وَمَا خَلْفَهُمْ)): الدنيا (٦)؛ ذكر الأولَ الثَّعْلبيُّ، والثاني القُشَيريّ.
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ قال ابن عباس: هم أهلُ شهادةٍ أنْ لا إله إلا الله.
وقال مجاهد: هم كلُّ مَن رضيَ الله عنه (٧)، والملائكة يشفعون غداً في الآخرة كما
في صحيح مسلم وغيره(٨)، وفي الدنيا أيضاً؛ فإنهم يستغفرون للمؤمنين ولمن في
الأرض، كما نصَّ عليه التنزيل على ما يأتي(٩). ﴿وَهُمْ﴾ يعني الملائكة ﴿مِّنْ خَشْيَتِهِ،﴾
يعني من خوفه ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون لا يأمنون مَكْرَه.
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٨٩/٣. وقال الزجاج: ولو قرئت: بل عباداً، لم يجز لمخالفة المصحف.
(٢) في معاني القرآن ٢٠١/٣، ويعني النصب في اللغة، لا في التلاوة.
(٣) في (ظ): للواحد.
(٤) في (ظ) و(ف): أولاد، وفي (خ) و(د) و(ز): أولادا، والمثبت من (م). وينظر الصحاح (ولد).
(٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٤٣/٣، والرازي ١٦٠/٢٢ بلفظ: يعلم ما قدَّموا وما أخروا من
عملهم.
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٤٣/٣ عن الكلبي.
(٧) ذكر قول ابن عباس وقول مجاهد البغوي ٣/ ٢٤٢ .
(٨) صحيح مسلم (١٨٣)، ومسند أحمد (١١٨٩٨) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾ مطولاً.
(٩) عند تفسير الآية (٧) من سورة غافر.

١٩٤
سورة الأنبياء: الآيات ٢٦ - ٣٣
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّى إِلَهٌ مِّن دُونٍِ﴾ قال قتادة والضحاك وغيرهما :
عنى بهذه الآية إبليس حيث ادَّعى الشركة، ودعا إلى عبادةٍ نَفْسِه وكان من الملائكة،
ولم يقل أحدٌ من الملائكة إنِّي إلهٌ غيره(١).
وقيل: الإشارةُ إلى جميع الملائكة، أي: فذلك القائلُ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمٌ﴾. وهذا
دليلٌ على أنَّهم وإن أُكرموا بالعصمة فهم متعبَّدون، وليسوا مضطرِّين إلى العبادة كما
ظنَّه بعضُ الجُهَّال. وقد استدلَّ ابنُ عباس بهذه الآية على أنَّ محمداً ﴾ أفضلُ من(٢)
أهل السماء. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٣).
كَذَلِكَ نَجْزِى اُلَّكْلِمِينَ﴾ أي: كما جزينا هذا بالنار؛ فكذلك نجزي الظالمين
الواضِعِين الأُلوهيةَ والعبادة في غير موضعهما.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَّ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتَّقًا فَفَتَقْتَهُمَّاً
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ
بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِيجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَحْفُوظَآ
وَهُمْ عَنْ ءَئِهَا مُعْرِضُونَ ( وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ الَّلَ وَالنَّارَ وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمِّرَ كُلُّ فِى
٣٣)
فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قراءةُ العامة: ﴿أَوَلَمْ﴾ بالواو. وقرأ ابن كثير
وابن مُحَيْصِن وحميد وشِبل بن عبّاد: ﴿أَلَمْ يَرَ﴾ بغير واو (٤)، وكذلك هو في مصحف
مكة(٥).
(١) أخرجه بنحوه عن قتادة عبد الرزاق ٢٣/٢، والطبري ٢٥٤/١٣، وأخرجه عن الضحاك ابن أبي حاتم
كما في الدر المنثور ٣١٧/٤ . قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٧٩/٤: وهذا ضعيف لأن إبليس لم
◌ُزْوَ قطّ أنه ادعی ربوبية.
(٢) قوله: من، من (ظ).
(٣) ٤/ ٢٥٥.
(٤) السبعة ص٤٢٨ ، والتيسير ص ١٥٥ عن ابن كثير.
(٥) المقنع لأبي عمرو الداني ص ١٠٤ .

١٩٥
سورة الأنبياء: الآيات ٣٠ - ٣٣
﴿أَوْلَمْ يَرَ﴾ بمعنى: يعلم ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَ رَتْفًا﴾ قال
الأخفش: قال: ﴿كَانَتَا﴾؛ لأنهما صنفان، كما تقول العرب: هما لِقَاحان
أسودان(١)، وكما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولاً﴾
[فاطر: ٤١] قال أبو إسحاق: قال: ((كانتا))؛ لأنه يعبّر عن السماوات بلفظِ الواحدِ
بسماء؛ ولأن السماوات كانت سماءً واحدة، وكذلك الأرضون. [قال: ] وقال:
((رَتقاً)) ولم يقل: رَتْقَيْن؛ لأنه مصدرٌ، والمعنى: كانتا ذواتَيْ رَتْقٍ. وقرأ الحسن:
(رَتَقاً)) بفتح التاء. قال عيسى بن عمر: هو صوابٌ وهي لغة (٢). والرَّثْق: السدُّ، ضدُّ
الفَتْقِ، وقد رَتَقْتُ الفَتْقَ أَرْتُقُه فارْتَتَق، أي: الْتَأَم، ومنه الرَّتْقاء للمنضمَّة الفَرْج(٣).
قال ابن عباس والحسن وعطاءٌ والضخَّاك وقتادة: يعني أنَّها كانت شيئاً واحداً
ملتزقتين، ففَصَل الله بينهما بالهواء(٤). وكذلك قال كعب: خَلَقَ الله السماوات
والأرضَ بعضَها على بعضٍ، ثم خلق ريحاً تَوسَّطَتْها(٥) ففتحها بها، وجعل السماواتِ
سبعاً والأرضين سبعاً.
وقولٌ ثانٍ قاله مجاهد والسدِّيُّ وأبو صالح: كانت السماواتُ مؤتلفةً طبقةً
واحدةً، ففتقها فجعلها سبعَ سماوات، وكذلك الأرضين كانت مُرْتَتِقةً طبقةً واحدةً،
ففتقها فجعلها سبعاً (٦).
(١) لِقاح جمع لَقْحة، وهي الناقة القريبة العهد بالنَّتاج، أو الحلوب الغزيرة اللبن. معجم متن اللغة (لقح).
وهذا من باب تثنية الجمع، مثل بُسْران وتمران، أي: ضربان مختلفان، وكذلك: إِبلان. الكتاب ٦٢٣/٣ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٦٩/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وقول أبي إسحاق الزجاج في كتابه
معاني القرآن ٣٩٠/٣، وقراءة الحسن في المحتسب ٦٢/٢. وهي في القراءات الشاذة ص٩١ عن
أبي حيوة.
(٣) تهذيب اللغة ٩/ ٥٣ - ٥٤ ، والصحاح (رتق).
(٤) أخرجه عن ابن عباس والحسن وقتادة الطبري ٢٥٥/١٦ - ٢٥٦، وذكره البغوي ٢٤٢/٣ - ٢٤٣ عن
ابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء.
(٥) في (م): بوسطها، وفي (ظ): متوسطتها. ووقع في مطبوع تفسير البغوي (والكلام منه) ٢٤٣/٣:
فوسطها.
(٦) أخرجه عنهم الطبري ٢٥٦/١٦ - ٢٥٧، وذكره البغوي ٢٤٣/٣ عن مجاهد والسدي.

١٩٦
سورة الأنبياء: الآيات ٣٠ - ٣٣
وحكاه القُتبيُّ في ((عيون الأخبار)) له، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله عزَّ
وجلَّ: ﴿أَوَلَمْ يَرَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقًا فَفَنَقْتَهُمَّاً﴾ قال: كانت
السماء مخلوقةً وحدَها والأرضُ مخلوقةً وحدَها، ففتق من هذه سبعَ سماوات، ومن
هذه سبعَ أرضين؛ خلق الأرضَ العليا فجعل سكّانها الجنَّ والإنس، وشقَّ فيها
الأنهارَ، وأَنبتَ فيها الأثمار، وجعل فيها البحار، وسمَّاها رِعاء، عرضُها مسيرةُ
خمسٍٍ مئة عام. ثم خلق الثانيةَ مثلَها في العَرْض والغِلَظِ، وجعل فيها أقواماً؛ أفواهُهم
كأفواه الكلاب، وأيديهم أيدي الناس، وآذانُهم آذانُ البقر، وشعورُهم شعورُ الغنم،
فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج، واسمُ تلك الأرض
الدكماء(١). ثم خلق الأرضَ الثالثة غِلَظُها مسيرةُ خمسٍ مئة عام، ومنها هواءٌ إلى
الأرض. الرابعةُ خَلَقَ فيها ظلمةً وعقاربَ لأهل النار مثلَ البغال السُّود، ولها أذنابٌ
مثلُ أذناب الخيل الطّوال، يأكل بعضُها بعضاً فتسلَّط(٢) على بني آدم. ثم خلق الله
الخامسةَ مثلَها(٣) في الغلظِ والطول والعرض، فيها سلاسلُ وأغلالٌ وقيودٌ لأهل النار.
ثم خلق الله الأرضَ السادسة واسمُها ماد، فيها حجارةٌ سُودٌ بُهْم، ومنها خُلقت تربة
آدَ عليه السلام، تُبعث تلك الحجارةُ يومَ القيامة، وكلُّ حجرٍ منها كالطّوْد العظيم،
وهي من كبريتٍ، تُعلَّقُ في أعناق الكفار، فتشتعل حتى تُحرقَ وجوههم وأيديهم،
فذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤، والتحريم: ٦]. ثم خلق
الله الأرض السابعة واسمُها عربية وفيها جهنم، فيها بابان(٤)؛ اسمُ الواحد: سجِّين،
واسمُ الآخَرِ: الغَلَق، فأمَّا سجِّين فهو مفتوحٌ وإليه ينتهي كتابُ الكفار، وعليه يُعرض
أصحاب المائدة وقومُ فرعون، وأمَّا الغَلق فهو مُغلقٌ لا يُفتح إلى يوم القيامة(٥).
(١) في (ز) و(ف): الركما، وفي (د): الوكما، وفي (ظ): الرخاء، ولم تجود في (خ)، والمثبت من (م).
(٢) في (ظ): تتسلط.
(٣) في (ظ): كهن، والمثبت من (ز)، وسقطت من باقي النسخ.
(٤) في (ز) و(ظ): وفيها.
(٥) لم نقف عليه.

١٩٧
سورة الأنبياء: الآيات ٣٠ - ٣٣
وقد مضى في ((البقرة))(١) أنها سبعُ أرضين بين كلِّ أرضَيْن مسيرةُ خمس مئة عام،
وسيأتي له في آخِرِ ((الطلاق)) زيادةُ بيانٍ إن شاء الله تعالى.
وقول ثالث قاله عكرمةُ وعطية وابن زيد، وابنُ عباس أيضاً فيما ذكر المَهْدَويُّ:
إنَّ السماوات كانت رتقاً لا تُمْطِر، والأرض كانت رتقاً لا تُنْبِت، ففَتَقَ السماءَ
بالمطر، والأرضَ بالنبات(٢)؛ نظيره قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَالتَّاءِ ذَاتِ الرَّعِ وَالْأَرْضِ ذَاتٍ
الصَّدْع﴾ [الطارق: ١١-١٢]. واختار هذا القولَ الطبريُّ(٣)؛ لأنَّ بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ
كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
قلت: وبه يقع الاعتبارُ مشاهَدةً ومُعاينة، ولذلك أَخبر بذلك في غير ما آية؛ ليدلَّ
على كمال قدرته، وعلى البعث والجزاء. وقيل:
نَ سُخْطُ العُدَاةِ وإرغامُها
يَهونُ عليهم إذا يَغضبو
ق ونَقْضُ الأمورِ وإبرامُها(٤)
ورَتْقُ الفُتوق وفَتْقُ الرُّتو
وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ﴾ ثلاثُ تأويلات:
أحدُها: أنه خَلَق كلَّ شيءٍ من الماء؛ قاله قتادة.
الثاني: حَفِظَ حياةَ كلِّ شيءٍ [حيٍّ] بالماء.
الثالث : : وجَعَلْنا من ماء الصُّلْب كلَّ شيءٍ حيٍّ؛ قاله قطرب(٥).
((وجعلنا)) بمعنى: خلقنا. وروى أبو حاتم البُسْتِيُّ في المسند الصحيح له من
(١) ٣٨٧/١ .
(٢) النكت والعيون ٣/ ٤٤٤، وأخرج قول عكرمة وعطية وابن زيد الطبري ١٦/ ٢٥٧، وأخرجه عن ابن
عباس الحاكم ٣٨٢/٢، وفيه طلحة بن عمرو، قال عنه الذهبي في التلخيص: واه.
(٣) في تفسيره ٢٥٩/١٦ .
(٤) قائلهما عبد الرحمن بن حسان بن ثابت كما في الحماسة البصرية ١٣٢/١، والنكت والعيون ٤٤٤/٣ .
(٥) النكت والعيون ٤٤٤/٣ وما سلف بين حاصرتين منه، وخبر قتادة أخرجه عبد الرزاق ٢٣/٢،
والطبري ١٦/ ٢٦٠ بلفظ: كلُّ شيءٍ حيَّ خلق من الماء.

١٩٨
سورة الأنبياء: الآيات ٣٠ - ٣٣
حديث أبي هريرةَ قال: قلتُ: يا رسول الله، إذا رأيتُك طابت نفسي، وقَرَّتْ عيني؛
أنبِثْني عن كلِّ شيءٍ؟ قال: ((كلُّ شيءٍ خُلِقَ من الماء)) الحديث؛ قال أبو حاتم: قولُ
أبي هريرة: أنبئني عن كلِّ شيء، أراد به عن كلِّ شيءٍ خُلق من الماء، والدليلُ على
صحة هذا جوابُ المصطفى إياه حيث قال: ((كلُّ شيءٍ خُلِقَ من الماء)) [فهذا جوابٌ
خرج على سؤالٍ بعَيْنِه، لا أنَّ كلَّ خَلْقٍ من الماء] وإن لم يكن مخلوقاً(١).
وهذا احتجاجٌ آخَرُ سوى ما تقدَّم من كَوْن السماوات والأرض كانتا (٢) رَتْقاً.
وقيل: الكلُّ قد يُذْكَر بمعنى البعض، كقوله: ﴿وَأُوِيَّتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ﴾ وقولِه:
﴿ِتُدَمِّرُ كُلَّ شَىءٍ﴾ والصحيحُ العمومُ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ شيءٍ خُلق
من الماء)» والله أعلم.
﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أفلا يصدِّقون بما يُشاهِدون، وأنَّ ذلك لم يكن بنفسه، بل
بمكوِّنٍ(٣) كوَّنه، ومدَبِّرٍ أَوْجَدَه، ولا يجوز أن يكون ذلك المكوِّن مُحْدَثاً.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾ أي: جبالاً ثَوَابِت ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي:
لئلا تميدَ بهم ولا تتحرَّكَ؛ ليتمَّ القرارُ عليها؛ قاله الكوفيون. وقال البصريُّون:
المعنى: كراهيةَ أن تميد. والمَيْدُ: التحرُّك والدوران. يقال: ماد رأسه، أي: دار. وقد
مضى في ((النحل)) مستوفّى (٤).
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾ يعني في الرَّواسي؛ عن ابن عباس(٥). والفِجاجُ: المسالك.
والفَجُّ: الطريقُ الواسع بين الجبلين.
وقيل: وجعلنا في الأرض فِجاجاً، أي: مسالكَ، وهو اختيار الطبري (٦)؛
(١) صحيح ابن حبان (٢٥٥٩)، وما بين حاصرتين منه، وسلف ٣٨٥/١ .
(٢) قوله: كانتا، من (ظ).
(٣) في (م): لمكون.
(٤) ١٢ /٣٠٣ - ٣٠٤.
(٥) أخرجه الطبري ٢٦٢/١٦.
(٦) في تفسيره ٢٦٢/١٦ .

١٩٩
سورة الأنبياء: الآيات ٣٠ - ٣٣
لقوله: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى السير في الأرض.
﴿سُبُلًا﴾ تفسير الفِجاج؛ لأنَّ الفَجَّ قد يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً وقد لا يكون.
وقيل: ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّحْفُوظَاً﴾ أي: محفوظاً من أن يقع ويسقط
على الأرض، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلََّّ بَإِذْنِ﴾
[الحج: ٦٥](١).
وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين؛ قاله الفرَّاء(٢)، دليلُه قولُه تعالى:
﴿ وَحَفِظْتَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ زَّجِيمٍ﴾.
وقيل: محفوظاً من الهَدْم والنَّقْض(٣)، وعن أن يبلغه أحدٌ بحيلة. وقيل: محفوظاً
فلا يحتاج إلى عماد.
وقال مجاهد: مرفوعاً. وقيل: محفوظاً من الشرك والمعاصي(٤).
﴿وَهُمْ﴾ يعني الكفار ﴿عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ قال مجاهد: يعني الشمسَ والقمر
[والنجوم](٥). وأضاف الآياتِ إلى السماء لأنها مجعولةٌ فيها، وقد أضاف الآياتِ
إلى نفسه في مواضع؛ لأنه الفاعلُ لها. بيَّن أنَّ المشركين غَفَلُوا عن النظر في
السماوات وآیاتھا، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاکھا وریاحها
وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى؛ إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أنَّ لها صانعاً
قادراً واحداً يستحيل(٦) أن يكون له شريك.
(١) تفسير الرازي ١٦٥/٢٢، وتفسير البغوي ٢٤٣/٣.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٠١ .
(٣) في (د) و(ف): والنقص.
(٤) النكت والعيون ٤٤٥/٣، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٦٣/١٦ .
(٥) أخرجه الطبري ١٦/ ٢٦٤ ، وما بین حاصرتین منه.
(٦) في (م): فيستحيل.

٢٠٠
سورة الأنبياء: الآيات ٣٠ - ٣٣
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىِ خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ذَكَّرهم نعمةً أخرى؛ أنْ(١) جَعَل لهم
الليلَ ليسكنوا فيه، والنهارَ ليتصرَّفوا فيه لمعايشهم. ﴿وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ﴾ أي: وجَعَل
الشمسَ آيَةً النهار، والقمرَ آيَةَ الليل؛ لتُعلَم الشهورُ والسِّنونَ والحسابُ، كما تقدَّم في
((سبحان)) بيانُه(٢).
﴿كُلّ﴾ يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار ﴿فِى فَلٍَ
يَسْبَحُونَ﴾ أي: يَجْرُون ويسيرون بسرعةٍ؛ كالسابح في الماء(٣). قال الله تعالى:
﴿وَالسَِّحَتِ سَبْسًا﴾ [النازعات: ٣] ويقال للفرس الذي يَمدُّ يده في الجَرْي: سابح(٤).
وفيه من النَّحْو أنه لم يقل: يَسْبَحْن، ولا تَسبح؛ فمذهب سيبويه: أنه لمَّا أخبر
عنهنَّ بفعلٍ مَن يَعْقِلُ وجَعَلهنَّ في الطاعة بمنزلةٍ مَن يعقل، أُخبر عنهنَّ بالواو والنون.
ونحوَه قال الفرَّاء(٥). وقد تقدَّم هذا المعنى في ((يوسف)) (٦).
وقال الكسائيُّ: إنَّما قال: ((يَسْبَحون)) لأنه رأسُ آية، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَّنُ
جَميعُ مُنَصِيرُ﴾ [القمر: ٤٤] ولم يقل: منتصرون(٧).
وقيل: الجريُ للفَلَكِ، فنسب إليها. والأصحُّ أنَّ السيارة تجري في الفَلَك، وهي
سبعةُ أفلاكِ دون السماواتِ المطبقة التي هي مجالُ الملائكة وأسباب الملكوت.
فالقمرُ في الفَلَكِ الأدنى، ثُمَّ عُطَارِد، ثم الزُّهَرَة، ثم الشمس، ثم المِرِّيخ، ثم
المُشْتَري، ثم زُحَل، والثامنُ فَلَكُ البروجِ، والتاسعُ الفَلَكُ الأعظم.
(١) لفظة ((أن)) من (ظ).
(٢) ٣٧/١٣.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٢٤٣ .
(٤) تهذيب اللغة ٣٣٨/٤ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٩٦/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٠١/٢، وقول سيبويه في الكتاب
٤٧/٢ .
(٦) ٢٤٧/١١ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٩٦/٣ .