Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة طه: الآيات ٣٦ - ٤٢ ﴿فَنَجَيْتَكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي: آمنَّاك من الخوف والقتل والحبس. ﴿وَفَتَّكَ فُونَاً﴾ أي: اختبرناك اختباراً حتى صلَحتَ للرِّسالة. وقال قتادة: بلوناك بلاءً. مجاهد: أخلصناك إخلاصاً(١). وقال ابن عباس: اختبرناك بأشياء قبل الرسالة، أوَّلُها: حملته أُمُّه في السَّنة التي كان فرعون يَذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في اليمّ، ثم مَنْعُه من الرَّضاع إلَّا مِن ثدي أمِّه، ثم جرُّه بلحية فرعون، ثم تناولُه الجمرةَ بدل الدُّرَّة، فدرأ ذلك عنه قَتْلَ فرعون، ثم قَتْلُه القِبطيَّ وخروجُه خائفاً يترقَّب، ثم رعايته (٢) الغنمَ ليتدرَّبَ بها على رعاية الخلق. فيقال: إنه نَذَّ له من الغنم جَدْيٌّ فاتَّبعه أكثرَ النهار، وأتعبه، ثم أخذه فقبَّله وضمَّه إلى صدره، وقال له: أتعبتني وأتعبتَ نفسَك؛ ولم يغضَبْ عليه. قال وَهْب بنُ منبّه: ولهذا اتَّخذه الله كليماً. وقد مضى في ((النساء))(٣). قوله تعالى: ﴿فَلَِثْتَ سِنِينَ فِىَّ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ يريد: عشرَ سنينَ أتمَّ الأجلين. وقال وَهْب: لبث عند شعيب ثماني وعشرين سنة، منها عشرٌ مهرُ امرأتِهِ صفورا ابنةٍ شعيب، وثماني عشرةَ أقامها عنده حتى وُلِد له عنده(٤). حثَّتَ عَلَى قَدْرِ يَمُوسَى﴾ قال ابن عباس وقتادة وعبد الرحمن بنْ وقوله : كيسان: يريد: موافقاً للنبوَّة والرسالة؛ لأن الأنبياء لا يُبعثون إلَّا أبناءَ أربعين سنة(٥). وقال مجاهدٌ ومقاتل: ((على قَدَرٍ)): على وعد. وقال محمد بنُ كعب: ثم جئتَ على القَدَر الذي قدَّرتُ لك أنك تجيء فيه(٦). والمعنى واحد، أي: جئتَ في الوقت الذي (١) أخرجهما الطبري ١٦/ ٧٠ - ٧١ . (٢) في النسخ الخطية: رعاية، والمثبت من (م). والخبر بنحوه في النكت والعيون ٤٠٣/٣ . (٣) ٢٢٥/٧ . (٤) تفسير البغوي ٢١٨/٣ . (٥) ذكره البغوي ٢١٨/٣ عن عبد الرحمن بن كيسان، وأخرجه الطبري ١٦/ ٧٢ عن قتادة مختصراً. (٦) الوسيط للواحدي ٢٠٧/٣، وتفسير البغوي ٢١٨/٣ . ٦٢ سورة طه: الآيات ٣٦ - ٤٢ أردنا إرسالَك فيه. وقال الشاعر(١): كما أَتَى ربَّه موسى على قَدَرٍ نال الخلافةَ أو كانت له قَدَراً قوله تعالى: ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ قال ابن عباس: أي: اصطفيتك لوحيي ورسالتي(٢). وقيل: ((اصْطَنَعْتُكَ)): خلقتك، مأخوذٌ من الصَّنعة(٣). وقيل: قوَّيتُك وعلَّمتُك لتبلِّغَ عبادي أمري ونهبي. ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَلَخُوَكَ بِثَايَتِى﴾ قال ابن عباس: يريد التِّسعَ الآياتِ التي أُنزلت عليه(٤). ﴿وَلَا نَنِيَا فِى ذِكْرِى﴾ قال ابن عباس: تضعفا، أي: في أمر الرسالة؛ وقاله قتادة(٥). وقيل: تفتُّرا. قال الشاعر: له الإلهُ ما مضى وما غَبَرْ(٦) فما وَنَى محمدٌ مُذَانْ غَفَرْ والْوَنَى: الضَّعفُ والفتور، والكَلَال والإعياء. وقال امرؤ القيس: أَثرنَ غُباراً بالكَدِيد المُركَّلِ (٧) مِسَحِّ إذا ما السَّابحاتُ على الوَنَى ويقال: وَنَيْتُ في الأمر أني وَنّى ووَنْياً، أي: ضَعُفت، فأنا وانٍ، وناقةٌ وانِية، وأَوْنيتُها أنا: أضعفتها وأتعبتها. وفلانٌ لا يَني كذا، أي: لا يزال(٨). و به فَسَّر أبانٌ معنى الآيةِ، واستشهد بقول طَرَفة: (١) هو جرير، والبيت في ديوانه ٤١٦/١، وقد سلف ٣٢٥/١. (٢) الوسيط للواحدي ٢٠٧/٣ . (٣) النكت والعيون ٤٠٤/٣ . (٤) الوسيط للواحدي ٢٠٧/٣ ، وتفسير البغوي ٢١٨/٣ . (٥) أخرجه الطبري ١٦/ ٧٣ - ٧٤ عنهما بنحوه. (٦) النكت والعيون ٤٠٤/٣، والرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص ٦٧، وسلف ٢٧٩/٩ . (٧) ديوان امرئ القيس ص٢٠ . قال شارحه: قوله: مسح، أي: يسحّ العَدْوَ سخًا مثل سح المطر، وهو انصبابه. والسابحات: التي تبسط يديها إذا عَدَت فكأنها تسبح. والكديد: ما غلظ من الأرض. والمُركّل: الذي ركلته الخيل بحوافرها، فأثارت الغبار لصلابتها وشدة وقعها. (٨) الصحاح (وني). ٦٣ سورة طه: الآيتان ٣٦ - ٤٤ قِبَابٌ بَنَوها لا تَني أبداً تَغْلي(١) كأنَّ القُدورَ الرَّاسياتِ أَمامهم وعن ابن عباس أيضاً: لا تُبطئا (٢). وفي قراءة ابنٍ مسعود: ((وَلَا تَهِنا فِي ذكري»(٣) وتحميدي وتمجيدي وتبليغ رسالتي. قوله تعالى: ﴿أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَُّ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ فَوْلًا لَِّنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى فيه أربعُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿آذْهَبَآ﴾ قال في أول الآية: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَلَنُوَكَ بِثَايَتِ﴾ وقال هنا: ((اذهبا))، فقيل: أمر اللهُ تعالى موسى وهارونَ في هذه الآيةِ بالنُّفوذ إلى دعوة فرعون، وخاطب أوَّلاً موسى وحدَه تشريفاً له (٤)، ثم كرَّر للتأكيد(٥). وقيل: بَيَّن بهذا أنه لا يكفي ذهابُ أحدِهما. وقيل: الأول: أمرٌ بالذهاب إلى كل الناس، والثاني: بالذهاب إلى فرعون(٦). الثانية: في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَولا لَيْنَا﴾ دليلٌ على جواز الأمرِ بِالمعروف والنهي عن المنكر، وأنَّ ذلك يكون باللِّين من القول لمن معه القُوَّة وضُمنت له العِصمة، ألَا تراه قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاَ لَيْنا﴾، وقال: ﴿لَا تَخَافَآَ إِنَِّى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٧) [الآية: ٤٦]. فكيف بنا، فنحن أَوْلى بذلك. وحينئذٍ يحصل الآمرُ والناهي على مرغوبه، ویظفَر بمطلوبه، وهذا واضحٌ. (١) لم نقف عليه في ديوان طرفة والكلام بنحوه في النكت والعيون ٤٠٤/٣ . (٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٠١/٤ . (٣) المحرر الوجيز ٤ /٤٥ . (٤) المحرر الوجيز ٤ / ٤٥ . (٥) الوسيط للواحدي ٣/ ٢٠٧، وزاد المسير ٢٨٧/٥ . (٦) تفسير الرازي ٢٢/ ٥٨ . (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٤٨/٣. ٦٤ سورة طه: الآيتان ٤٣ - ٤٤ الثالثة: واختلف الناس في معنى قوله: (لَيِّناً))؛ فقالت فِرقةٌ منهم الكلبيُّ وعكرمة: معناه: كَنِّياه. وقاله ابنُ عباس ومجاهد والسُّدِّي. ثم قيل: وكُنْيته أبو العباس. وقيل: أبو الوليد. وقيل: أبو مُرَّةً (١)؛ فعلى هذا القولِ تكنيةُ الكافر جائزةٌ إذا كان وجيهاً (٢) ذا شرف، وطُمِع بإسلامه. وقد يجوز ذلك وإن لم يُطمَع بإسلامه؛ لأن الطمعَ ليس بحقيقة تُوجب عملاً. وقد قال ﴾: ((إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه))(٣) ولم يقل: وإنْ طَمِعتم بإسلامه(٤)، ومن الإكرام دعاؤه بالكُنية(٥). وقد قال ﴿ لصفوان بنِ أمية: ((إِنْزِلْ أبا وهب))(٦) فكنَّاه. وقال لسعد: ((ألم تسمع ما يقولُ أبو حُبّاب؟)) يعني عبدَ الله بنَ أُبيّ(٧). ورُوي في الإسرائيليَّات أنَّ موسى عليه السلام قام على باب فرعونَ سَنةً، لا يَجِدُ رسولاً يُبلِّغ كلاماً حتى خرج، فجرى له ما قصَّ اللهُ علينا من ذلك، وكان ذلك تسليةً لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين، وربُّك أعلمُ بالمهتدين(٨). وقيل: قال له موسى: تؤمنُ بما جئتُ به، وتعبد ربَّ العالمين، على أنَّ لك شباباً لا يَهْرَم إلى الموت، ومُلكاً لا يُنزع منك إلى الموت، ويُنسأ في أجلك أربع مئة سنة، (١) الوسيط للواحدي ٢٠٧/٣، وزاد المسير ٢٨٨/٥، وتفسير البغوي ٢١٩/٣ . (٢) في (خ) و(ف): وجهاً. (٣) أخرجه ابن ماجه (٣٧١٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال البوصيري: في إسناده سعيد بن مسلمة، وهو ضعيف. (٤) في (م): في إسلامه. (٥) التمهيد ٣٥/١٢ . (٦) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤ عن الزهري مرسلاً. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٩/١٢ : هذا الحديث لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور، معلوم عند أهل السير ... وشهرة هذا الحدیث أقوی من إسناده إن شاء الله. (٧) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري (٦٢٠٧)، ومسلم (١٧٩٨)، وسلف ٣١٥/٢، وسعد: هو ابن عبادة ﴾. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٤٨/٣ . ٦٥ سورة طه: الآيتان ٤٣ - ٤٤ فإذا مِتَّ دخلتَ الجنة. فهذا القولُ اللَّيِّن. وقال ابن مسعود: القولُ اللَّيِّن قوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ (١) [النازعات: ١٨-١٩]. وقد قيل: إنَّ القول اللَّيِّنَ قولُ موسى: يا فرعونُ، إِنَّا رسولا ربِّك ربِّ العالمين. فسمَّاه بهذا الاسم؛ لأنه كان أحبَّ إليه ممَّا سواه(٢) مما قيل له، كما يسمَّى عندنا الملكُ ونحوُه. قلت: القول اللَّيِّن هو القولُ الذي لا خُشونةَ فيه، يقال: لان الشيءُ يَلِين لِيناً، وشيءٌ لَيِّن، ولَيْن مخفَّفٌ منه، والجمع: أَلْبِناء(٣). فإذا كان موسى أُمر بأن يقولَ لفرعون قولاً ليناً، فمَن دونَه أحرى بأنْ يقتديّ بذلك في خطابه، وأَمْرِه بالمعروف في كلامه. وقد قال تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. على ما تقدَّم في ((البقرة)) بيانه(٤)، والحمدُ لله. الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَّعَلَُّ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَظْنَى﴾ معناه: على رجائكما وطَمَعِكما. فالتوقُّع فيها إنما هو راجعٌ إلى جهة البشر(٥)؛ قاله كُبَراء النحويِّين؛ سيبويه وغيرُه(٦). وقد تقدَّم في أوَّل ((البقرة))(٧). قال الزجَّاجِ(٨): (لعل)) لفظةُ طمع وتَرَجِّ، فخاطبهم بما يعقلون. وقيل: ((لعل)) (١) الوسيط للواحدي ٣/ ٢٠٧، وتفسير البغوي ٢١٩/٣. وينظر تفسير الرازي ٥٨/٢٢. (٢) قوله: مما سواه، من (م). (٣) الصحاح (لين). (٤) ٢ / ٢٣٣ . (٥) المحرر الوجيز ٤ /٤٦ . (٦) معاني القرآن للزجاج ٣٥٧/٣ . (٧) ٣٤٢/١. (٨) في معاني القرآن ٣٥٧/٣ . ٦٦ سورة طه: الآيات ٤٣ - ٤٥ هاهنا بمعنى الاستفهام، والمعنى: فانظُر هل يتذكَّر(١). وقيل: هي بمعنى كي(٢). وقيل: هو إخبارٌ من الله تعالى عن قول هارونَ لموسى: لعله يتذكَّر أو يخشى؛ قاله الحسن. وقيل: إنَّ لعل وعسى في جميع القرآنِ لِما قد وقع. وقد تذكَّر فرعونُ حين أدركه الغرقُ وخشي فقال: ﴿وَمَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. ولكن لم يَنفعْه ذلك؛ قاله أبو بكر الورَّاق(٣) وغيرُه. وقال يحيى بن معاذ في هذه الآية: هذا رِفقُك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقُك بمن يقول: أنت الإله (٤)؟ !. وقد قيل: إنَّ فرعون رَگنَ إلی قول موسى لمَّا دعاه، وشاور امرأته فآمنتْ، وأشارت عليه بالإيمان، فشاور هامانَ فقال: لا تفعل، بعد أن كنتَ مالكاً تصيرُ مملوكاً، وبعد أن كنتَ ربًّا تصير مربوياً(٥). وقال له: أنا أردُّك شابًّا، فخَضَبَ لحيتَه بالسَّواد، فهو أوَّلُ مَن خضب(٦). قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَاً إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَاَ إِنَّنَا غَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ قال الضحَّاك: ((يَفْرُطَ)): يَعْجَل. قال: و((يَظْغَى)): يعتدي. النخَّاس (٧): التقدير: نخاف أن يفرط علينا (١) ردَّ السمين في الدر ٨/ ٤٣: كونها استفهامية وقال: يستحيل الاستفهام في حق الله تعالى كما يستحيل الترجّي. (٢) الوسيط للواحدي ٢٠٨/٣، وزاد المسير ٢٨٨/٥. (٣) ذكره عنه البغوي ٢١٩/٣ . (٤) أخرجه الواحدي في الوسيط ٢٠٨/٣ . (٥) الوسيط للواحدي ٢٠٧/٣، وتفسير البغوي ٢١٩/٣ . (٦) أورده السيوطي في الجامع الصغير (فيض القدير ٩٣/٣) وعزاه للديلمي في الفردوس، عن أنس ﴾، ورمز لضعفه. (٧) في إعراب القرآن ٣٩/٣ - ٤٠ . ٦٧ سورة طه: الآيتان ٤٥ - ٤٦ منه أمر، أي: يبدر(١). قال الفرَّاء (٢): فَرَط منه أمرٌ(٣)؛ قال: وأفرط: أسرف. قال: وفَرَّط: ترك. وقراءة الجمهور: ((يَفْرُطَ)) بفتح الياءِ وضمِّ الراء، ومعناه: يَعْجَل ویُبادِر بعقوبتنا. يقال: فَرَط منِّ أمرٌ، أي: بدر، ومنه: الفارطُ في الماء: الذي يتقدَّم القومَ إلى الماء (٤). أي: يُعذّبنا عذابَ الفارطِ في الذنب، وهو المتقدِّم فيه؛ قاله المبرّد(٥). وقرأت فرقةٌ منهم ابنُ محيصِن: ((يَفْرَطَ)) بفتح الياء والراء؛ قال المهدوي: ولعلَّها لغة. وعنه أيضاً: بضم الياءِ وفتح الراء (٦)، ومعناها: أن يَحْملَه حاملٌ على التسرُّع إلينا. وقرأت طائفة: ((يُفْرِط)) بضم الياءِ وكسر الراء؛ وبها قرأ ابنُ عباس ومجاهدٌ وعكرمة وابن محيصن أيضاً. ومعناه: يشتط(٧) في أَذيَّتنا(٨)، قال الراجز: قد أَفرطَ العِلْجُ علينا وعَجلُ(٩) قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَِّى مَعَكُمَّا أَسْمَعُ وَأَرَى ٤٦ فيه مسألتان : الأولى: قال العلماء: لمَّا لَحِقَهما ما يَلحقُ البشرَ من الخوف على أنفسهما، (١) قوله: أي: يبدر، ليس في (م). (٢) معاني القرآن ٢/ ١٨٠. (٣) بعدها في (م): أي: بدر. والمثبت موافق لإعراب القرآن للنحاس ٤٠/٣، والكلام منه. (٤) المحرر الوجيز ٤٦/٤ . (٥) ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون ٤٠٥/٣ . (٦) المحتسب ٢/ ٥٢ . (٧) في (د) و(م): يشطط. (٨) المحرر الوجيز ٤٦/٤. ولم ينسب القراءة لأحد. (٩) النكت والعيون ٤٠٥/٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٠/٢، وتفسير الطبري ٧٦/١٦، وعندهما: فرط، بدل: أفرط. ٦٨ سورة طه: الآية ٤٦ عرَّفهما اللهُ سبحانه أنَّ فرعونَ لا يَصِلُ إليهما، ولا قومه. وهذه الآيةُ تردُّ على مَن قال: إنه لا يخاف؛ والخوفُ من الأعداء سُنَّةُ الله في أنبيائه وأوليائه مع معرفتهم به وثقتِهم. ولقد أحسن البصريُّ رحمه الله حين قال للمخبر عن عامر بنِ عبد الله(١) - أنه نزل مع أصحابه في طريق الشام على ماء، فحال الأسدُ بينهم وبين الماء، فجاء عامرٌ إلى الماء فأخذ منه حاجته، فقيل له: قد خاطرتَ بنفسك، فقال: لَأَن تختلفَ الأسنَّةُ في جَوْفي أحبُّ إليَّ مِن أنْ يعلمَ اللهُ أني أخاف شيئاً سواه -: قد خاف مَن كان خيراً من عامر؛ موسى # حين قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِقْتُلُوكَ فَأَخْرُجْ إِ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ. فَجَ مِنْهَا خَيِفًا يَتَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ نَجِ مِنَ الْقَوْمِ النَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٠-٢١]، وقال: ﴿فَأَصْبَحَ فِى الْمَدِينَةِ خَِفًا يَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]، وقال حين ألقى السحرةُ حبالَهم وعصيَّهم: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، ◌ِفَةٌ مُوسَى قُلْنَا لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٧ -٦٨]. قلت: ومنه حَفْرُ النبيِّ# الخندقَ حولَ المدينةِ تحصيناً للمسلمين وأموالهم، مع كونه من التوُّل والثقةِ بربه بمحلٌّ لم يبلُغْه أحد، ثم كان مِن أصحابه ما لا يجهله أحدٌ مِن تحوُّلهم عن منازلهم، مرَّة إلى الحبشة، ومرةً إلى المدينة؛ تخوُّفاً على أنفسهم من مشركي مكة، وهرباً بدينهم أنْ يَفْتنوهم عنه بتعذيبهم. وقد قالت أسماء بنتُ عُمَيس لِعمرَ لمَّا قال لها: سبقناكم بالهجرة (٢)؛ فنحن أحقُّ برسول اللـه ﴿ منكم: كذبتَ يا عمر؛ كلَّا واللهِ، كنتم مع رسول اللـه *، يُطعِم جائعَكم، ويَعِظُ جاهلَكم، وكنا في دارٍ - أو أرض - البُعداءِ البُغَضاءِ في الحبشة؛ وذلك في الله وفي رسوله؛ وايمُ اللهِ، لا أَطْعَمُ طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أَذكرَ ما قلتَ لرسول اللـه ﴾، ونحن كنّا نُؤْذَى ونُخاف. الحديث بطوله خرَّجه مسلم(٣). (١) وهو عامر بن عبد قيس، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو التميمي العنبري البصري، الزاهد. كان ثقة من عبَّاد التابعين. قيل: توفي في زمن معاوية ﴾. السير ١٥/٤ . وقصته مذكورة بمعناها في تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٨٣٤). (٢) في النسخ الخطية: للهجرة. (٣) برقم (٢٥٠٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﴾. ٦٩ سورة طه: الآيات ٤٦ - ٥٠ قال العلماء: فالمخبِرُ عن نفسه بخلاف ما طَبَعَ اللهُ نفوسَ بني آدم كاذب؛ وقد طَبَعهم على الهرب ممَّا يضرُّها ويؤلمها ويُتْلفها. قالوا: ولا ضارَّ أضرُّ مِن سَبُع عادٍ في فلاة من الأرض على مَن لا آلةَ معه يدفعه بها عن نفسه، من سيف أو رمحٍ أو نَبْل أو قوس، وما أشبه ذلك. الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا﴾ يريد: بالنصر والمعونةِ والقدرة على فرعون. وهذا كما تقول: الأمير مع فلان، إذا أردتَ أنه يَحميه. وقوله: ﴿أَسْمَعُ وَرَى﴾ عبارةٌ عن الإدراك الذي لا تَخْفى معه خافية، تبارك اللهُ ربُّ العالمين(١). قوله تعالى: ﴿فَأَنِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرََّيَلَ وَلَا تُعَذِّبَهُمّ قَدْ ◌ِثْنَكَ بِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكٌ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَنَّبَعَ الْهُدَوَةَ (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ اَلْعَذَابَ عَى مَن كَذَّبَ وَتَوَّى (٨ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى ﴾ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ ﴾ ٥٠) أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قوله تعالى: ﴿فَأْنِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ في الكلام حذفٌ، والمعنى: فأتياه، فقالا له ذلك. ﴿فَسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرََّيلَ﴾ أي: خَلِّ عنهم. ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ﴾ أي: بالسُّخْرة والتعب في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند فرعون في عذابٍ شديد، يُذبِّح أبناءهم، ويستخدم(٢) نساءهم، ويُكلِّفهم من العمل في الطّن واللَّبِن وبناء المدائن ما لا يُطيقونه(٣). ﴿قَدّ ◌ِثْنَكَ بِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكٌ﴾ قال ابن عباس: يريد العصا واليد (٤). وقيل: إن فرعون قال له: وما هي؟ فأدخل يده في جيبٍ قميصه، ثم أخرجها بيضاءَ لها شعاعٌ مثل شعاع الشمس، غلب نورُها على نور الشمس، فعَجِب منها. ولم يُرهِ العصا إلا يومَ الزِّينة (٥). (١) المحرر الوجيز ٤٦/٤، وصفة السمع من الصفات الثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة والإجماع، فيجب إثباتها من غير تأويل ولا تحريف، وهو سمع حقيقي يليق بجلاله عز وجل. (٢) في (د) و(م): يستحيي. (٣) زاد المسير ٢٩١/٥، وتفسير البغوي ٢١٩/٣ بنحوه. (٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٥/ ٢٩٠ دون ذکر الید. (٥) تفسير البغوي ٢١٩/٣ بنحوه. ٧٠ سورة طه: الآيات ٤٧ - ٥٠ ﴿وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَّبَعَ الْمُدَةِ﴾ قال الزجاج(١): أي: من اتَّبَعَ الهدى سَلِمَ من سَخَطٍ اللهِ عزَّ وجلَّ وعذابه. قال: وليس بتحيةٍ، قال: والدليلُ على ذلك أنه ليس بابتداء لِقاءٍ ولا خِطاب. الفراء(٢): السلامُ على مَن اتَّبع الهُدى ولمن اتّبع الهُدى سواءٌ. ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ﴾ يعني الهلاك والدَّمار في الدنيا، والخُلود في جهنم في الآخرة ﴿عَلَى مَن كَذَّبَ﴾ أنبياء الله ﴿وَتَوَلَّ﴾: أَعرَضَ عن الإيمان. وقال ابن عباس: هذه أَرْجى آيةٍ للموحّدين؛ لأنهم لم يُكذِّبوا ولم يتولَّوا. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَن رَّتُكُمَا يَمُوسَى﴾ ذكر فرعون موسى دون هارون لرؤوس الآي. وقيل: خصَّصه بالذِّكر؛ لأنه صاحبُ الرسالة والكلام والآية(٣). وقيل: إنهما جميعاً بلَّغا الرسالةَ وإنْ كان ساكتاً؛ لأنه في وقت الكلام إنما يتكلّم واحدٌ، فإذا انقطع وازَره الآخرُ وأَيَّده. فصار لنا في هذا البناء فائدةُ علم: أنَّ الاثنين إذا قُلِّدا أمراً فقام به أحدُهما، والآخرُ شخصُه هناك موجودٌ مُستغنى عنه في وقتٍ دون وقت أنهما أدَّيا الأمرَ الذي قُلِّدا، وقاما به واستوجبا(٤) الثوابَ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَونَ﴾، وقال: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَلَخُوَكَ﴾ وقال: ﴿فَقُولًا لَهُ﴾، فأمَرهما جميعاً بالذهاب وبالقول، ثم أعلَمَنا في وقت الخطاب بقوله: ﴿فَمَنْ زَُّّكُمَا﴾ أنه كان حاضراً مع موسى. ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: إنه يُعرَف بصفاته، وليس له اسم علم حتى يقال: فلان، بل هو خالقُ العالَم، وهو الذي خصَّ كلَّ مخلوقٍ بهيئة وصورة. ولو كان الخِطاب معهما لقالا: قالا ربنا. (١) في معاني القرآن ٣٥٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٠ . (٢) في معاني القرآن ٢/ ١٨٠ . (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٤٦ بنحوه. (٤) في (خ) و(ف): واستوفيا. ٧١ سورة طه: الآيات ٤٧ - ٥٠ و((خَلْقَهُ)) أول مفعولَي ((أعطى))، أي: أعطى خَليقتَه كلَّ شيء يحتاجون إليه ويَرتفقون به، أو ثانيهما، أي: أعطى كلَّ شيءٍ صورته وشَكْلَه الذي يُطابق المنفعةَ المَنُوطةَ به (١)؛ على قول الضحاك على ما يأتي. ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ قال ابن عباس وسعيدُ بن جُبير والسديُّ: أعطى كلَّ شيء زوجَه من جنسه، ثم هداه إلى مَنْكَحِه ومَطْعمِه ومَشْرِبِهِ ومَسْكنِه. وعن ابن عباس: ثم هداه إلى الأُلفة والاجتماع والمناكحة. وقال الحسنُ وقتادة: أعطى كلَّ شيءٍ صلاحَه، وهَداه لِما يُصلحه. وقال مجاهد: أعطى كل شيءٍ صورةً؛ لم يجعل خَلْقَ الإنسان في خَلْقِ البهائم، ولا خَلْق البهائم في خَلْق الإنسان، ولكن خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديراً(٢). وقال الشاعر : وله في كلِّ شيءٍ خِلْقَةٌ وكذاك اللهُ ما شاء فَعَلْ(٣) يعني بالخِلقة الصورة، وهو قولُ عطية ومقاتل. وقال الضحاك: أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقه من المنفعة المنوطة به المُطابقةِ له. يعني اليد للبطش، والرِّجْل للمشي، واللسان للنُّطْق، والعين للنظر، والأُذن للسّمع(٤). وقيل: أعطى كلَّ شيء ما ألهمه من علم أو صناعة (٥). وقال الفراء(٦): خلق الرَّجُلَ للمرأة، ولکل ذكّرٍ ما يُوافقه من الإناث، ثم هدى الذَّكر للأنثى. فالتقدير على هذا: أعطى كلَّ شيءٍ مثلَ خَلْقِهِ. قلت: وهذا معنى قولِ ابن عباس. والآيةُ بعمومها تتناول جميعَ الأقوال. (١) الكشاف ٥٣٩/٢ . (٢) هذه الأقوال في تفسير الطبري ٨١/١٦، وزاد المسير ٢٩١/٥، وتفسير البغوي ٢٢٠/٣. (٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٠٦/٣ ولم ينسبه، وفيه الأقوال السالفة. (٤) تفسير البغوي ٣/ ٢٢٠ . (٥) النكت والعيون للماوردي ٤٠٦/٣ . (٦) معاني القرآن له ٢/ ١٨١ بنحوه. ٧٢ سورة طه: الآيات ٤٧ - ٥٢ وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ: ((الَّذِي أَغْطَى كُلِ شَيْءٍ خَلَقَهُ)) بفتح اللام(١)؛ وهي قراءة ابنٍ أبي إسحاق. ورواها نُصير عن الكسائي وغيره(٢)، أي: أعطى بني آدمَ كلَّ شيءٍ خَلَقه مما يحتاجون إليه. فالقراءتان متفقتان في المعنى. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ اَلْأُولَى ﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَقٍ فِ كِتَبِّ لَا يَضِلُّ رَنٍ وَلَا يَنسَی فیه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ﴾ البال: الحال، أي: ما حالُها وما شأنُها؟ فأعلمه أنَّ علمها عند اللهِ تعالى، أي: إن هذا من علم الغيب الذي سألتَ عنه، وهو مما استأثر اللهُ تعالى به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبدٌ مثلك؛ لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علَّمُ الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوبٌ(٣) عند الله في اللوح المحفوظ. وقيل: المعنى: فما بالُ القرون الأولى لم يُقِرُّوا بذلك؟. أي: فما بالهم ذهبوا وقد عبدوا غیر ربِّك. وقيل: إنما سأله عن أعمال القرون الأولى، فأعلمه أنها مُخصاة عند الله تعالى، ومحفوظةٌ عنده في كتاب. أي: هي مكتوبة، فسيجازيهم غداً بها وعليها. وعنَى بالكتاب اللوحَ المحفوظ (٤). وقيل: هو كتاب مع بعض الملائكة. الثانية: هذه الآية ونظائرها مما تقدَّم ويأتي تدلُّ على تدوين العلوم وكَتْبها لئلا (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٠ . (٢) القراءات الشاذة ص٨٧ . ونُصير: هو ابن يوسف بن أبي نصر أبو المنذر، الرازي، ثم البغدادي، النحوي، من جِلة أصحاب الكسائي. طبقات القراء ٢/ ٣٤٠ . وقراءة الكسائي المشهورة عنه كقراءة الجماعة. (٣) في النسخ: مكتوبة، والمثبت من الكشاف ٥٣٩/٢ ، والكلام منه. (٤) تفسير البغوي ٣/ ٢٢٠ بنحوه. ٧٣ سورة طه: الآيتان ٥١ - ٥٢ تُنْسى. فإنَّ الحِفْظَ قد تَعتريه الآفاتُ من الغَلَط والنِّسيان. وقد لا يَحفظُ الإنسان ما يسمع، فيقيده لئلا يذهبَ عنه. وروينا بالإسناد المتصل عن قتادةَ أنه قيل له: أنكتبُ ما نسمعُ منك؟ قال: وما يَمنعك أن تكتبَ وقد أخبرك اللطيفُ الخبير أنه يكتب، فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِى وَلَا يَنَى﴾(١). وفي ((صحيح)) مسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((لمَّا قضَى اللهُ الخلقَ كَتَبَ في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إنَّ رحمتي تَغْلِبُ غضبي))(٢). وأسند الخطيب أبو بكر عن أبي هريرة قال: كان رجلٌ من الأنصار يَجلِسُ إلى النبيِّ # يستمع منه الحديثَ ويُعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﴾، فقال: يا رسول الله، إني أسمعُ منك الحديثَ يُعجبني ولا أحفظه، فقال له رسول الله #: ((إِستعِنْ بِيمينِك)) وأَوْمَأ إلى الخَطِّ(٣). وهذا نصّ. وعلى جواز كَثْب العلم وتدوينه جمهورُ الصحابة والتابعين (٤). وقد أَمَرَ ﴿ بكتب الخُطبة التي خطَّب بها في الحَجِّ لأبي شاه - رجل من اليمن - لما سأله كَتْبَها. أخرجه (٥) مسلم (٥). وروى عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ﴾ قال: ((قَيِّدوا العلمَ بالكتاب)(٦). وقال معاويةُ بن قُرَّة: مَن لم يكتب العلمَ لم يُعَدَّ عِلْمُه عِلْماً(٧). (١) أخرجه الرامهر مزي في المحدث الفاصل ص٣٧٢، والخطيب البغدادي في تقييد العلم ص١٠٣ . : (٢) صحيح مسلم (٢٧٥١)، وسلف ٢٤٣/١ . (٣) تقييد العلم ص٦٧، والجامع لأخلاق الراوي والسامع ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣، وأخرجه الترمذي (٢٦٦٦) وفي إسناده الخليل بن مرة، قال الترمذي: هذا حديث إسناده ليس بذلك القائم، وسمعت محمد بن إسماعيل (يعني البخاري) يقول: الخليل بن مرة منكر الحديث. (٤) إكمال المعلم ٤٧٤/٤، والمفهم ٤٧٦/٣ . (٥) برقم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة ، وهو عند أحمد (٧٢٤٢)، والبخاري (٢٤٣٤). (٦) في (م): بالكتابة. والحديث أخرجه الرامهر مزي في المحدث الفاصل ص٣٦٥، والخطيب في تقييد العلم ص٩٦ . (٧) أخرجه الرامهر مزي في المحدث الفاصل ص٣٧٢، والخطيب في تقييد العلم ص١٠٩ . ٧٤ سورة طه: الآيتان ٥١ - ٥٢ وقد ذهب قومٌ إلى المنع من الگتْب، فروى أبو نضرة قال: قيل لأبي سعيد: أَنكتبُ حديثكم هذا؟ قال: لِمَ تجعلونه قرآناً؟ ولكن احفظوا كما حَفِظنا(١). وممن كان لا يكتب الشعبيُّ ويونس بن عبيد وخالد الحذّاء - قال خالد: ما كتبتُ شيئاً قطّ إلا حديثاً واحداً؛ فلمَّا حفِظته محوتُه - وابن عون والزُّهريُّ. وقد كان بعضُهم يكتبُ فإذا حَفِظَ مَحَاه؛ منهم محمدُ بن سيرين وعاصمُ بن ضَمْرة. وقال هشام بن حسان: ما كتبتُ حديثاً قظُّ إلا حديثَ الأعماق فلمَّا حَفِظتُه مَحَوْته(٢). قلت: وقد ذكرنا عن خالد الحذَّاء مثل هذا. وحديث الأعماق خرَّجه مسلمٌ في آخر الكتاب: ((لا تقومُ الساعةُ حتى ينزلَ الرومُ بالأَغْماق أو بدابق» الحديث ذكره في كتاب الفتن(٣). وكان بعضُهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ؛ منهم الأعمشُ، وعبد الله بن إدريس، وهُشيم وغيرهم(٤). وهذا احتياطٌ على الحفظ. والكَتْبُ أولى على الجُملة، وبه وَردت الآيُّ والأحاديثُ، وهو مَرْويٌّ عن عمر، وعليٍّ، وجابر، وأنس ﴾، ومَن يَليهم من كُبراء التابعين، كالحسن وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير ومَن بعدَهم من أهل العلم(٥). قال اللهُ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِىِ الزَّبُورِ مِنْ (١) أخرجه الرامهر مزي في المحدث الفاصل ص٣٧٩، والخطيب في تقييد العلم ص٣٦ - ٣٧ . وأبو نضرة: هو المنذر بن مالك بن قُطَعة العبدي. (٢) سنن الدارمي ١٣١/١ - ١٣٥، والمحدث الفاصل ص ٣٨٠ - ٣٨٣، وتقييد العلم ص٥٩ . وحديث الأعماق سيأتي ذكره بعده. (٣) صحيح مسلم (٢٨٩٧) من حديث أبي هريرة. والأعماق: كورة قرب دابق بين حلب وأنطاكية. ودابق: قرية قرب حلب. معجم البلدان ٢٢٢/١ و٤٠٦/٢. (٤) المحدث الفاصل ٣٨٤/١ - ٣٨٥. (٥) المحدث الفاصل ص ٣٨٥ . ٧٥ سورة طه: الآيتان ٥١ - ٥٢ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَكْتُبْ ◌َنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِی الزُّبُرِ ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ﴾ [القمر: ٥٢-٥٣]، وقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبٍِ فِی كِتَبٍ﴾ إلى غير هذا من الآي. وأيضاً فإنَّ العلم لا يُضبط إلا بالكتاب، ثم بالمقابلة والمُدارسة، والتعهد والتحفظ، والمُذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا. وإنما كرِه الكتاب مَن كَّرِه من الصدر الأول لِقُرب العهد، وتقارب الإسناد ولئلا يعتمده الكاتب فَيُهملَه، أو يَرغَبُ عن تحفظه(١) والعمل به، فأمّا والوقتُ مُتباعِدٌ، والإسناد غير مُتقارب، والطرق مختلفة، والنّقَلة متشابهون، وآفةُ النسيان معترضة، والوهمُ غير مأمون؛ فإن تقييدَ العلم بالكتاب أولى وأشفى، والدليل على وجوبه أقوى. فإن احتجَّ مُحتجّ بحديث أبي سعيد عن النبيِّ# أنه قال: ((لا تكتبوا عني، ومَن كتبَ عني غيرَ القرآن فَلْيَمْحُهُ» خرَّجه مسلم(٢)، فالجواب أنَّ ذلك كان مُتقدِّماً، فهو منسوخٌ بأمره بالكتابة وإباحتِها لأبي شاه وغيره. وأيضاً كان ذلك لئلا يُخلَطَ بالقرآن ما ليس منه. وكذا ما رُوي عن أبي سعيدٍ أيضاً: حَرصنا أن يأذَن لنا النبيُّ # في الكتابة فأبَى (٣)؛ إن كان محفوظاً فهو قبلَ الهجرة، وحين كان لا يُؤمن الاشتغال به عن القرآن. الثالثة: قال أبو بكر الخطيب(٤): ينبغي أن يُكتب الحديث بالسواد، ثم بالحبر (١) في (د) و(م): حفظه، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق للمحدث الفاصل ص٣٨٥ - ٣٨٦، والكلام منه. (٢) برقم (٣٠٠٤)، وهو في مسند أحمد (١١٠٨٥) و(١١١٥٨). (٣) أخرجه الرامهر مزي في المحدث الفاصل ص٣٨٦، وينظر المفهم ٤٧٦/٣ - ٤٧٧ . (٤) في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١/ ٣٨٣ . ٧٦ سورة طه: الآيتان ٥١ - ٥٢ خاصةً دون المِداد؛ لأن السوادَ أصبغُ الألوان، والحبرَ أبقاها على مرِّ الدُّهور. وهو آلةُ ذوي العلم، وعدَّةُ أهلِ المعرفة. ذكر عبدُ الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: رآني الشافعيُّ وأنا في مجلسه وعلى قميصي حِبرٌ وأنا أُخفيه؛ فقال: لم تُخفيه وتَستُره؟ إنَّ الحبرَ على الثوب من المروءة، لأن صورته في الأبصار سوادٌ، وفي البصائر بَيّاض . وقال خالد بن يزيد: الحِبرُ في ثوب صاحب الحديث مثلُ الخَلُوق في ثوب العروس. وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البَلَوي فقال: وطِيب النساءِ من الزّعفرانْ مِدادُ المَحَابرِ طيبُ الرجال وهذا يليقُ بثوب الحَصَانْ(١) فهذا يَليقُ بأثواب ذَا وذكر الماورديُّ(٢) أن تُبيدَ الله بن سليمان(٣) - فيما حكَى - رأى على بعض ثيابه أثر صُفرةٍ؛ فأخذ من مِداد الدواة فطلاه به، ثم قال: المِدادُ بنا أحسنُ من الزَّعفران؛ وأنشد : إنَّما الزّعفرانُ عِطرُ العَذَارَى ومِدادُ الدُّويِّ عِطْرُ الرِّجالِ(٤) الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبٍِّ وَلَا يَنسَى﴾ اختلف في معناه على أقوال خمسة : الأول: إنه ابتداء كلام، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين، وقد كان الكلام تمَّ في قوله: ((في كتاب))(٥). وكذا قال الزجاج، وأن معنى ((لا يضلُّ) لا يَهْلِك، من (١) أخرج هذه الآثار الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ٣٨٦/١. (٢) في أدب الدنيا والدين ص٥٦ . (٣) في (م): عبد الله بن سليمان، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لأدب الدنيا والدين. ولعله عبيد الله بن سليمان بن وهب، الوزير الكبير، أبو القاسم وزير المعتضد، توفي سنة (٢٨٨هـ). السير ٤٩٧/١٣ . (٤) ذكر القصة والبيت التنوخي في نشوار المحاضرة ٢٥٤/٣ ونسبها لأبي علي ابن مُقْلة. (٥) المحرر الوجيز ٤/ ٤٧ . ٧٧ سورة طه: الآيتان ٥١ - ٥٢ قوله: ﴿أَِذَا ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]. ((وَلَا يَنْسَى)) شيئاً(١)، نزَّهه عن الهلاك والنِّسیان. القول الثاني: ((لَا يَضِلُّ»: لا يُخطئ؛ قاله ابن عباس (٢)؛ أي: لا يُخطئ في التدبير، فمن أَنظره فَلِحِكمة أنظره، ومن عاجله فَلِحِكمة عاجله. القول الثالث: ((لا يضلُّ)): لا يغيب. قال ابن الأعرابي: أصلُ الضلال الغيبوبة؛ يقال: ضلَّ الناسي: إذا غاب عنه حفظُ الشيء. قال: ومعنى ((لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى)) أي: لا يغيبُ عنه شيء، ولا يغيبُ عن شيءٍ(٣). القول الرابع - قاله الزجاج أيضاً، وقال النحاس(٤): وهو أشبهها بالمعنى -: أخبر اللهُ عزَّ وجلَّ أنه لا يحتاج إلى كتاب، والمعنى: لا يضلُّ عنه علمُ شيءٍ من الأشياء ولا معرفتها، ولا يَنسى ما عَلِمَه منها. قلت: وهذا القول راجعٌ إلى معنى قولِ ابن الأعرابي. وقول خامس: إنَّ((لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى)) في موضع الصفة لـ ((كتاب)) أي: الكتاب غير ضالٌّ عن الله عزَّ وجلَّ(٥)، أي: غير ذاهب عنه. ((وَلَا يَنْسَى)) أي: غير ناسٍ له، فهما نعتان لـ ((كتاب)). وعلى هذا يكون الكلام متصلاً، ولا يُوقَفُ على ((كتاب)). تقول العرب: ضلَّني الشيءُ: إذا لم أجده، وأَضْلَلْتُه أنا: إذا تركتَه في موضع فلم تجده فيه(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٤١/٣، ولم نقف على قول الزجاج في معاني القرآن له، ولم ينسبه النحاس له. (٢) أخرجه الطبري ٨٣/١٦، والكلام الذي بعده فيه. (٣) تهذيب اللغة ٤٦٥/١١، وفيه: أبو عمرو، بدل: ابن الأعرابي. (٤) في إعراب القرآن ٤١/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٥٩/٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤١/٣ . (٦) المحرر الوجيز ٤/ ٤٧ بنحوه. ٧٨ سورة طه: الآيات ٥١ - ٥٥ وقرأ الحسنُ وقتادة وعيسى بن عمر وابن مُحيصن وعاصم الجخدري وابن كثير فيما روى شِبل عنه: (لَا يُضِلُّ) بضم الياء على معنى لا يُضيعه ربّي ولا ينساه(١). قال ابن عرفة: الضلالةُ عند العرب سلوكُ سبيل غير القصد؛ يقال: ضلَّ عن الطريق، وأضلَّ الشيء: إذا أضاعه. ومنه قرأ مَن قرأ: ((لا يُضِلُّ رَبِّي)) أي: لا يُضيع، هذا مذهبُ العرب. قوله تعالى: ﴿اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَّكُمْ فِهَا سُبُّلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِن ◌َّبَاتِ شَقََّ ﴿٨ كُلُواْ وَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِ النُّهَىِ ® مِنْهَا خَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرُِكُمْ تَارَةً أُخْرَى قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ ((الذي)) في موضع نعت لِ ((رَبِّي)) أي: لا يضلُّ رَبي الذي جعل. ويجوز أن يكون خبرَ ابتداء مُضمر، أي: هو الذي. ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني(٢). وقرأ الكوفيون: ((مَهْداً)) هنا وفي ((الزخرف)) (٣) بفتح الميم وإسكان الهاء. الباقون: (مِهَاداً))(٤)، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم لاتّفاقهم على قراءة: ﴿أَلَمْ تَجَعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا﴾ [النبأ: ٦]. النحاس(٥): والجمعُ أولى لأن ((مهداً)) مصدرٌ، وليس هذا موضع مصدر إلَّا على حذف، أي: ذات مهد. المهدويّ: ومَن قرأ: ((مَهْداً)) جاز أن يكون مصدراً، كالفَرْش، أي: مَهَدَ لكم الأَرضَ مَهْداً، وجاز أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي: ذاتَ مهد. ومن قرأ: ((مِهَاداً))؛ جاز أن يكون مفرداً، كالفراش، وجاز أن يكون (١) القراءات الشاذة ص٨٧، وإعراب القرآن للنحاس ٤١/٣، والبحر المحيط ٢٤٨/٦، والقراءة المتواترة عن ابن كثير كقراءة الجماعة. (٢) الكشاف ٢/ ٥٤٠ . (٣) الآية (١٠). (٤) السبعة ص٤١٨، والتيسير ص١٥١ . (٥) في إعراب القرآن ٤١/٣ . ٧٩ سورة طه: الآيات ٥٣ - ٥٥ جمع ((مهدٍ)) استُعمِلَ استعمالَ الأسماءَ فكُسِّر(١). ومعنى ((مِهَاداً)) أي: فراشاً وقَراراً تستقرّون علیھا. ﴿وَسَلَكَ لَّكُمْ فِيَهَا سُبُلًا﴾ أي: طرقاً (٢). نظيره: ﴿وَلَّهُ جَعَلَ لَكُ اُلْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلَا فِيَامًا﴾ [نوح: ١٩-٢٠]، وقال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠]. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ﴾ تقدَّم معناه(٣). وهذا آخرُ كلام موسى. ثم قال الله تعالى: ﴿فَأَخَجْنَا بِهِ﴾. وقيل: كُلُّه من كلام موسى (٤). والمعنى: ((فأخرجنا به)) أي: بالحرث والمعالجة؛ لأن الماءَ المنزلَ سببُ خروج النبات. ومعنى ﴿أَزْوَمَا﴾: ضروباً وأشباهاً، أي: أصنافاً من النبات المختلفة الأزواج والألوان(٥). وقال الأخفش: التقدير أزواجاً شَتَّى من نبات. قال: وقد يكون النبات شَتَّى، فـ((شَتَّى)) يجوز أن يكون نعتاً لأزواج، ويجوز أن يكون نعتاً للنبات(٦). و((شَتَّى)) مأخوذٌ من شتَّ الشيءُ، أي: تفرَّق. يقال: أمرٌ شَتِّ، أي: متفرِّقٌ. وشَتَّ الأمرُ [يَشِتُّ] شَئًّا وشَتاتاً: تفرَّق؛ واسْتَشَتَّ(٧) مثله. وكذلك النَّشتت. وشَتَّته تَشْتِيتاً فرَّقه. وأَشتَّ بي قومي، أي: فرَّقوا أمري. والشَّتيت المتفرِّق. قال رُؤْبة يصف إيلاً: (١) الكلام بنحوه في الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٩٧ - ٩٨ . (٢) أخرجه الطبري ١٦/ ٨٥ عن قتادة. (٣) ٢/ ٤٩٧ . (٤) قال الرازي في تفسيره ٦٨/٢٢: ((فأخرجنا)) إما أن يكون من كلام موسى عليه السلام أو من كلام الله تعالى، والأول باطل؛ لأن قوله بعد ذلك: «كلوا وارعوا أنعامكم ... منها خلقناكم وفيها نعيدكم .. )) لا يَليق بموسى عليه السلام. (٥) ينظر تفسير البغوي ٣/ ٢٢٠، وزاد المسير ٢٩٢/٥ - ٢٩٣. (٦) لم نقف على قول الأخفش، وينظر تفسير الرازي ٦٩/٢٢ . (٧) في النسخ: اشتتَّ، والمثبت من الصحاح (شتت) وما بين حاصرتين منه. ٨٠ سورة طه: الآيات ٥٣ - ٥٥ : وهي تُثيرُ السَّاطِعَ السِّخْتِيَا(١) جَاءتْ مَعاً واطّرَقتْ شَتِيتا. وثَغْرٌ شَتيتٌ، أي: مُفلَّج. وقومٌ شَتَى، وأشياءُ شَتَّى، وتقول: جاؤوا أشتاتاً، أي: متفرِّقين، واحدهم شَتِّ، قاله الجوهري(٢). قوله تعالى: ﴿كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ أمر إباحة. ((وَارْعَوْا)) مِن: رعت الماشيةُ الكلأ، ورعاها صاحبها رعايةً، أي: أَسامها وسرحها، لازم ومتعدٍّ(٣). ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِىِ النُّهَى﴾ أي: العقول. الواحدة: نُهْية. قال لهم ذلك؛ لأنهم الذين يُنْتهى إلى رأيهم. وقيل: لأنهم ينهَوْن النفس عن القبائح (٤). وهذا كلُّه من موسى احتجاجٌ على فرعون في إثبات الصانع جواباً لقوله: ((فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى)). وبيَّن أنه إنما يُستدلُّ على الصانع اليوم بأفعاله. قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ﴾ يعني آدم عليه السلام لأنه خُلق من الأرض، قاله أبو إسحاق الزجَّاج وغيره(٥). وقيل: كلُّ نطفةٍ مخلوقةٌ من التراب، على هذا يدلُّ ظاهر القرآن(٦). وروى أبو هريرة قال: قال رسولُ اللـه ◌ُ﴾: ((ما مِنْ مولودٍ إلا وقد ذُرَّ عليه مِن تراب حُفْرته)) أخرجه أبو نُعيم الحافظ في باب ابن سيرين، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ من حديث [ابن] عَوْن لم نكتبه إلّا من حديث أبي عاصم النبيل، وهو أحدُ الثقاتِ الأعلام من أهل البصرة(٧). وقد مضى هذا المعنى مُبَيَّناً في سورة الأنعام (١) ديوان رؤبة ص١٧١ . والرجز يصف به إيلاً، يقول: جاءت مجتمعة، فلما صدرت تفرَّقت متشئّتة. والسِّختيت: الشديد، وعنى به هاهنا الغبار الذي تثيره. شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص ٤٢٠ . (٢) الصحاح (شتت). (٣) الصحاح (رعي). (٤) النكت والعيون ٤٠٨/٣، وتفسير البغوي ٢٢١/٣ بنحوه. (٥) معاني القرآن للزجاج ٣٥٩/٣، والوسيط للواحدي ٢١٠/٣، وتفسير البغوي ٢٢١/٣، والمحرر الوجيز ٤٨/٤ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤١/٣. (٧) حلية الأولياء ٢/ ٢٨٠، وما بين حاصرتين منه، وينظر تنزيه الشريعة ٣٧٣/١ .