Indexed OCR Text
Pages 1-20
كَاِ القُرآنِ الجَافْعُ لَيْـ ٧ وَالمُبَيِّنُ مْ تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ القُرْقَانِ تَأليفُ أَبِ عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِبْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِلِقُبِيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تحقِيْق الدكتور عبد الله بن عبدالمحسن التركيّ شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الجُزْءِ محمد رضوان عرفيوسي ماهِرْ جُؤَشن الجُزُ الرَّابِع عَشْرُ مؤسسة الرسالة →3 8 الْجَامِعُ أَحْكَامِ الْقُرآنِ وَالمُبَيِّنُ لِمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الْقُرْقَّانِ جَمْعُ الحَقُوق مَحِفُوظة لِنّاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م موس سحالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت -لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax: 818615-P.O.Box: 117460 Email: Resalah@Cyberia.net.Ib PUBLISHERS بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ تفسير سورة طه سورة طه مكيةٌ(١) في قول الجميع، نَزلت قبلَ إسلام عمر ﴾. روى الدارقطنيُّ في (سننه))، عن أنس بن مالك ، قال: خرَج عمر متقلِّداً السيفَ، فقيل له: إن خَتَنك وأختَك قد صَبُؤَا(٢)، فأتاهما عمر وعندهما رجُلٌ من المهاجرين يقال له: خَبّابٌ، وكانوا يقرؤون ((طه))، فقال: أَعطوني الكتابَ الذي عندكم فأقرأَه - وكان عمرُ ﴾ يقرأ الكتبَ - فقالت له أختُه: إنك رِجْس، ولا يَمَسُّه إلا المطهّرون، فَقُمْ فاغتسل، أو توضَّأ. فقام عمر ﴾ فتوضأ، ثم أخذ الكتابَ(٣) فقرأ: ((طه))(٤). وذكره ابن إسحاق مطوَّلاً: وأن عمر خرج متوشّحاً سيفَه يريد رسولَ الله ﴾ وقَتْلَه، فلقيه نُعيم بن عبد الله، فقال: أين تريد يا عمرُ؟ قال: أُريدُ محمداً هذا الصابئ الذي فرَّق أمرَ قريش، وسفَّه أحلامَها، وعابَ دينَها، وسبَّ آلهتَها فأَقتله. فقال له نُعيم: واللهِ، لقد غرَّتك نفسُك من نفسك يا عمر، أَترى بَني عبد مَناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلتَ محمداً؟! أفلا ترجعُ إلى أهلك(٥) فتُقيمَ أمرَهم؟ !. فقال: وأيّ أهل بيتي؟. قال: خَتَنُك وابنُ عمِّك سعيد بن زيد، وأختُك (١) المحرر الوجيز ٣٦/٤، وزاد المسير ٢٦٨/٥. (٢) صبأ، كمنَعَ وكَرُمَ: خرج من دين إلى دين آخر. القاموس المحيط (صبأ). (٣) في (د) و(م): وتوضأ وأخذ الكتاب، وفي (ظ): فتوضأ واغتسل ثم أخذ الكتاب، والمثبت من (خ) و(ز)، وهو الموافق لسنن الدار قطني. (٤) سنن الدارقطني (٤٤١)، وقد تفرَّد براويته القاسم بن عثمان، وسيرد الكلام عليه في الرواية المطولة الآتية. (٥) في السيرة النبوية: أهل بيتك. ٦ سورة طه فاطمة بنت الخطّاب، فقد واللهِ أسلَما وتابعا محمداً على دينه، فعليك بهما. قال: فرجَع عمر عامداً إلى أخته وخَتَنِهِ، وعندهما خبّاب بنُ الأَرَتّ معه صحيفةٌ فيها ((طه)) يُقرِئهما إياها، فلما سمعوا حِسَّ عمر تغيَّب خبَّابٌ في مخدع لهم أو في بعض البیت، وأخذت فاطمة بنتُ الخطاب الصحیفةً فجعلتها تحت فخذها، وقد سمعَ عمرُ حین دنا إلى البيت قراءةً خبَّاب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهَيْنَمةُ(١) التي سمعتُ؟ قالا له: ما سمعتَ شيئاً. قال: بلى، والله لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه. وبطش بختَنْه سعيد بنِ زيد، فقامت إليه أُخته فاطمةُ بنت الخطاب لِتَكُفَّه عن زوجها، فضربها فشجّها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختَنُه: نعم، قد أسلمنا وآمنًا بالله ورسوله، فاصنَعْ ما بدا لك. ولما رأى عمر ما بأخته من الدم نَدِمَ على ما صنع، فارعوى، وقال لأخته: أَعطيني هذه الصحيفةَ التي سمعتُكم تقرؤونها آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمدٌ - وكان عمر كاتباً - فلما قال ذلك قالت له أخته: إنَّا نخشاك عليها. قال لها: لا تخافي. وحلَف لها بآلهته لَيردَّنَّها إذا قرأها، فلما قال ذلك طَمِعتْ في إسلامه، فقالت له: يا أخي، إنك نَجِسٌ على شِركك، وإنه لا يَمَسُّها إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفةَ وفيها (طه))، فقرأها، فلمَّا قرأ منها صدراً قال: ما أحسنَ هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خبَّابٌ خرج إلیه، فقال له: يا عمر، واللهِ إني لَأرجو أن يكون اللهُ قد خصَّك بدعوة نبيِّه، فإني سمعتُه أمسٍ وهو يقول: ((اللهم أيِّدِ الإسلامَ بأبي الحَكُم بنِ هشام، أو بعمرَ بنِ الخطاب)». فاللهَ اللهَ يا عمر. فقال له عند ذلك: فدُلَّني يا خبَّاب على محمدٍ حتى آتيَه فأُسلم؛ وذكر الحديث(٢). (١) أي: الصوت الخفي. القاموس (هنم). (٢) السيرة النبوية ١/ ٣٤٣ - ٣٤٥، وأخرج الخبر بطوله ابن سعد في الطبقات ٢٦٧/٣ - ٢٦٨، والبيهقي في الدلائل ٢١٩/٢ . وفي إسناده القاسم بن عثمان البصري، قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها، وقال الذهبي في الميزان ٣/ ٣٧٥: حدّث عنه إسحاق الأزرق بمتن محفوظ وبقصة إسلام عمر، وهي منكرة جداً. اهـ وقوله: ((اللهم أيِّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب)) أخرجه بنحوه أحمد (٥٦٩٦)، والترمذي (٣٦٨١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وأخرج أحمد (٤٣٦٢) ضمن حديث لابن مسعود يذكر فيه فضائل عمر رضي الله عنهما قوله : ((اللهم أيِّد الإسلام بعمر)). ٧ سورة طه مسألة: أسند الدارميُّ أبو محمد في ((مسنده)) عن أبي هريرة ﴾، قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ الله تبارك وتعالى قرأ ((طه)) و(يس)) قبل أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ بألفَي عام، فلمَّا سمعت الملائكةُ القرآنَ قالت: طُوبى لأمةٍ ينزِلُ هذا عليها، وطوبى لأجوافٍ تحملُ هذا، وطوبى الألسنةٍ تتكلّمُ بهذا))(١). قال ابن فُورَك(٢) معنى قوله: ((إن الله تبارك وتعالى قرأ (طه) و((يس))، أي: أظهَرَ وأسمَعَ وأفهمَ كلامَه مَن أراد مِن خلقه مِن الملائكة في ذلك الوقت، والعربُ تقول: قرأتُ الشيءَ: إذا تتبَّعته، وتقول: ما قرأتْ هذه الناقةُ في رَحِمها سَلَّى(٣) قظُ، أي: ما ظهرَ فيها ولدٌ. فعلى هذا يكون الكلام سائغاً، وقراءته: إسماعُه وإفهامه بعباراتٍ يَخلقها وكتابةٍ يُحدثها، وهي معنى قولنا: قرأنا كلامَ الله، ومعنى قوله: ﴿فَاقْرَءُواْ مَا تََّسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿فَقْرَءُوا مَا تَبَتَرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. ومن أصحابنا من قال: معنى قوله: ((قرأ)) أي: تكلّم به، وذلك مجازٌ كقولهم: ذُقتُ هذا الأمرَ (٤) ذواقاً بمعنى اختبرته. ومنه قوله: ﴿فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِيَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] أي: ابتلاهم اللهُ تعالى به، فسمَّى ذلك ذوقاً، والخوف لا يُذاق على الحقيقة؛ لأن الذَّوقَ في الحقيقة بالفم دون غيره من الجوارح. قال ابن فُورَك: وما قلناه أولاً أصحُّ في تأويل هذا الخبر؛ لأن كلامَ الله تعالى أَزَليَّ قديمٌ سابقٌ لجملةِ الحوادث، وإنما أسمعَ وأفهمَ مَن أراد من خلقه على ما أراد (١) مسند الدارمي (٣٤١٤). وأخرجه أيضاً العقيلي في الضعفاء الكبير ٦٦/١، وابن عدي في الكامل ٢١٨/١، وابن حبان في المجروحين ١٠٨/١ . وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثاً أنكر من حديث: قرأ: ((طه)) و((يس). وقال ابن حبان: وهذا متن موضوع. (٢) في مشكل الحديث ص٢٨٩ - ٢٩٠، والكلام منه إلى آخر المسألة. (٣) السّلَى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفاً فيه، وقيل: هو في الماشية السَّلَّى، وفي الناس المشيمة. النهاية (سلي). (٤) في (د) و(م): القول: والمثبت من (خ) و(ز)، وهو الموافق لمشكل الحديث لابن فورك. ٨ سورة طه: الآيات ١ - ٨ في الأوقات والأزمنة، لا أن عينَ كلامِه يتعلَّق وجوده بمدةٍ وزمان. قوله تعالى: ﴿طِهِ ﴿ مَّ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْمَانَ لِتَشْقَ ﴿ إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى ٤ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى @ لَهُ ٣ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى ﴾ وَإِنِ تَجْهَرْ بِالْقَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ® اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى قوله تعالى: ﴿طه﴾ اختلف العلماء في معناه، فقال الصدِّيق رضي الله تعالى عنه: هو من الأسرار، ذكره الغزنويُّ. ابن عباس: معناه: يا رجل، ذكره البيهقيُّ(١). وقيل: إنها لغةٌ معروفة في عُكْلٍ. وقيل: في عَكَّ. قال الكلبيُّ: لو قلت في عَكّ لرجل: يا رجل، لم يُجب حتى تقول: طه(٢). وأنشد الطبريُّ في ذلك فقال: دعوتُ بطه في القتال فلم يُجِبْ فخفتُ عليه أن يكون مُوَائِلا(٣) ویروی: مُزایلا. وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرو: يا حبيبي؛ بلغة عَكٌّ، ذكره الغزنوي. وقال قطرب: هو بلغة طيِّئ(٤)، وأنشد ليزيد بن المُهلهِل: إنَّ السَّفاهةَ طَهَ من شمائلكم لا بارك اللهُ في القوم المَلَاعِينِ(٥) وكذلك قال الحسن: معنى (طه)): يا رجل. وقاله عكرمة(٦)، وقال: هو بالسُّريانية (١) في دلائل النبوة ١٥٨/١ - ١٥٩، وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي، وهو متهم بالكذب كما في تقريب التهذيب. (٢) ذكره البيهقي في دلائل النبوة ١٥٩/١ بعد خبر ابن عباس رضي الله عنهما السالف. (٣) نسبه الطبري ٨/١٦ لمتمم بن نويرة، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦/٤. والمُوائل: الطالب للنجاة. القاموس (وأل). (٤) يعني: يا رجل. كما في النكت والعيون ٣٩٣/٣. (٥) النكت والعيون ٣٩٢/٣، وتفسير الطبري ٨/١٦، والمحرر الوجيز ٣٦/٤. (٦) أخرجه عنهما الطبري ٦/١٦ - ٧ . ٩ سورة طه: الآيات ١ - ٨ كذلك(١)؛ ذكره المهدويُّ، وحكاه الماورديُّ عن ابن عباس أيضاً ومجاهد(٢). وحكى الطبريُّ(٣): أنه بالنَّبَطِيّة: يا رجل. وهذا قولُ السديِّ وسعيد بنِ جُبير وابن عباس أيضاً، قال: لا قدَّس اللهُ أرواحَ الملاعينِ(٤) إن السفاهة طه من خلائقكم وقال عكرمة أيضاً: هو كقولك: يا رجل؛ بلسان الحبشة(٥)؛ ذكره الثعلبيُّ. والصحيح أنها وإن وُجدت في لغة أُخرى؛ فإنها من لغة العرب كما ذكرنا، وأنها لغةٌ يَمِنَّة في عَكَّ وطَيِّئ وعُكْل أيضاً. وقيل: هو اسمٌ من أسماء اللهِ تعالى، وقَسَمٌ أَقسَم به. وهذا أيضاً مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله عنهما (٦). وقيل: هو اسمٌ للنبيّ#؛ سماه اللهُ تعالى به كما سمّاه محمداً (٧). ورويَ عن النبي ﴿ أنه قال: ((لي عندَ ربِّي عشرةُ أسماء)»؛ فذكر أنَّ فيها طه ويس(٨). وقيل: هو اسمٌ للسورة، ومِفتاحٌ لها. وقيل: إنه اختصارٌ من كلام الله خصَّ (١) زاد المسير ٢٦٩/٥ . (٢) النكت والعيون ٣٩٢/٣، وأخرجه الطبري ٦/١٦. (٣) في تفسيره ٥/١٦ - ٦. (٤) نقله المصنف عن الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٣٩٢، وسلف قبله برواية أخرى. (٥) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢٦٩/٥ . (٦) النكت والعيون ٣٩٣/٣. وأخرجه عنه الطبري ٧/١٦، ولم يرد أن (طه) اسم من أسماء الله تعالى في حديث صحيح يُستند إليه، ولا شك أن أسماء الله عز وجل توقيفية. (٧) المحرر الوجيز ٣٦/٤ . (٨) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٢٧٣/٣، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢٠) من طريق إسماعيل بن إبراهيم أبي يحيى التيمي عن سيف بن وهب عن أبي الطفيل قال: قال رسول الله:#: ((إن لي عند ربي عشرةً أسماء)». قال أبو الطفيل: قد حفظت منها ثمانية: محمد، وأحمد، وأبو القاسم، والفاتح، والخاتم، والماحي، والعاقب، والحاشر. قال أبو يحيى: وزعم سيف أن أبا جعفر الهاشمي قال له: إن الاسمين الباقيين: يس وطه. وسيف هالك فيما نقله ابن عدي عن يحيى بن سعيد القطان. ويُغني عنه حديث جبير بن مطعم﴾ قال: قال رسول الله #: ((إن لي أسماءً: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب)) أخرجه البخاري ومسلم وسلف ١٠/ ٤٥١ . ١٠ سورة طه: الآيات ١ - ٨ اللهُ تعالی رسولَه بعلمه. وقيل: إنها حروف مُقطَّعة، يدل كلُّ حرفٍ منها على معنى(١). واختلف في ذلك، فقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء النار الهاوية، والعرب تُعبِّر عن الشيء كلِّه ببعضه؛ كأنه أقسمَ بالجنة والنار. وقال سعيد بن جُبير: الطاء افتتاح اسمِه طاهر وطيِّب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: ((طاء)) يا طامع الشفاعة للأمة، ((هاء)) يا هادي الخَلْق إلى الله. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية؛ كأنه يقول النبيِّه عليه الصلاة والسلام: يا طاهراً من الذنوب، يا هاديَ الخلقِ إلى علام الغيوب. وقيل: الطاء ◌ُبول الغُزاة، والهاءُ هَيبتُهم في قلوب الكافرين، بيانُه قوله تعالى: ﴿سَتُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] وقوله: ﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾(٢) [الأحزاب: ٢٦]. وقيل: الطاء طربُ أهل الجنة في الجنة، والهاء هَوانُ أهلِ النار في النار(٣). وقول سادس: إن معنى ((طه)) طوبى لمن اهتدى، قاله مجاهد ومحمدُ بن الحنفية(٤). وقولٌ سابع: إن معنى ((طه)) طَأِ الأرضَ؛ وذلك أنَّ النبيَّ﴾ كان يَتحمَّلُ مشقةً الصلاة حتی کادت قدماه تتورّم(٥)، ویحتاج إلی الترویح بین قدمیه، فقيل له: طَأِ الأرضَ؛ أي: لا تَتعب حتى تحتاجَ إلى الترويح، حكاه ابنُ الأنباري(٦). وذكر القاضي عياض في ((الشفاء)) أن الربيع بن أنس قال: كان النبيُّ:﴿ إذا صلَّى (١) النكت والعيون ٣٩٣/٣. (٢) ذكر هذه الأقوال الرازي في تفسيره ٢٢/ ٣، وليس فيها ولا في ما سيذكره المصنف بعدها في معناها ما يصحّ. وقال الرازي: إن أمثال هذه الأقوال لا يجب أن يعتمد عليها. (٣) تفسير أبي الليث ٣٣٦/٣، وزاد المسير ٢٧٠/٥ . (٤) نسبه الماوردي في النكت والعيون ٣٩٣/٣ لمحمد الباقر زين العابدين ﴾. (٥) أخرج البخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٢٨١٩) من حديث المغيرة بن شعبة قال: قام النبي # حتى تورّ مت قدماه. (٦) النكت والعيون ٣٩٣/٣. ١١ سورة طه: الآيات ١ - ٨ قام على رِجْلٍ ورَفع الأُخرى، فأنزل الله تعالى: ((طه))، يعني طَأِ الأرضَ يا محمد؛ ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَ﴾(١). الزمخشريُّ(٢): وعن الحسن: ((طَهْ))، وفُسِّر بأنه أمرٌ بالوطء، وأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان يقوم في تهجّده على إحدى رجليه، فأُمِرَ أن يطأ الأرضَ بقدميه معاً، وأن الأصل: طَأُ، فقلبت همزتُه هاءً أو قلبت(٣) [ألفاً] في ((يطا)» فيمن قال: لا هَنَاكِ المرتَعُ(٤) ثم بنى عليه هذا الأمر، والهاء للسكت. وقال مجاهد: كان النبيُّ﴾ وأصحابه يَربطون الحبالَ في صدورهم في الصلاة بالليل من طول القيام، ثم نُسخ ذلك بالفرض، فنزلت هذه الآيةُ(٥). وقال الكلبيُّ: لمَّا نزل على النبيِّ# الوحيُّ بمكة اجتهد في العبادة، واشتدَّت عبادتُه، فجعل يصلِّي الليلَ كلَّه زماناً حتى نزلت هذه الآية، فأمره اللهُ تعالى أن يُخفِّف عن نفسه فيصلي وينام(٦)؛ فَنَسخَتْ هذه الآيةُ قيام الليل؛ فكان بعد هذه الآية يُصلِّي وینام. وقال مقاتل والضخّاك: فلما نزل القرآنُ على النبيِّ ﴾ قام هو وأصحابه فصلَّوا، فقال كفارُ قريش: ما أنزل اللهُ هذا القرآنَ على محمدٍ إلا ليشقى؛ فأنزل اللهُ تعالى: (١) الشفا ١/ ١٠٧ وهو ضعيف لإرساله. (٢) في الكشاف ٥٢٨/٢ . (٣) في (خ) و(د): وقلبت، وفي (م): كما قلبت، والمثبت من (ز) و(ظ) و(ف)، وهو الموافق للكشاف، وما بين حاصرتين التالي منه. وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص٨٧ . (٤) هذا جزء من بيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٤٠٨/١ ولفظه: فارعَيْ فزارةَ لا هَنَّاك المرتع ومضَتْ لمسلمةَ الرِّكاب مُوَدَّعاً وسلف عجزه ٢٧٣/١١ . (٥) تفسير مجاهد ٣٩٣/١. (٦) تفسير البغوي ٢١١/٣ . ١٢ سورة طه: الآيات ١ - ٨ (طه)) يقول: يا رجل، ﴿مَآ أَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَ﴾(١) أي: لتتعب، على ما يأتي. وعلى هذا القول: إن معنى(٢) ((طه)): [طَأُها، أي:] (٣) طأِ الأرض، وتكون الهاء والألف ضميرَ الأرض، أي: طَأِ الأرضَ برجليك في صلاتك، وخُفِّفت الهمزة فصارت ألفاً ساكنة. وقرأت طائفةٌ: ((طَهْ))(٤)، وأصله: طَأُ، بمعنى: طَأِ الأرض، فحذفت الهمزة، وأدخلت هاء السكت(٥). وقال زِرُ بن حُبيش: قرأ رجلٌ على عبد الله بن مسعود: ﴿طِهِ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْمَانَ لِتَشْفَ﴾ فقال له عبدُ الله: ((طِهِ)) [بالكسر، قال:] فقال: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد أُمِر أن يطأ الأرض برجِلِه (٦) - أو بقدميه؟ فقال: ((طِهِ))، كذلك أقرأَنيها رسولُ الله ﴾(٧). وأمال أبو عمرو وابن أبي إسحاق(٨) الهاءَ وفتَحا الطاء. وأمالهما جميعاً أبو بكر وحمزة والكسائيُّ والأعمش. وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين(٩)، واختاره أبو عُبيد. الباقون بالتفخيم. قال الثعلبي: وهي كلُّها لغاتٌ صحيحةٌ فصيحة. النحاس(١٠): لا وجه للإمالة عند أكثرٍ أهل العربية لعلَّتين: إحداهما أنه ليس (١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٣١٣ . (٢) لفظة: معنى، من (ظ). (٣) ما بين حاصرتين زيادة ليست في النسخ. وأثبتناها من الدر المصون ٦/٨. (٤) قرأ بها الحسن، وسلفت قريباً. (٥) المحرر الوجيز ٣٦/٤ . (٦) في (م): برجليه. (٧) أخرجه الفراء في معاني القرآن ١٧٤/٢، وما بين حاصرتين منه. (٨) في (د) و(م): أبو إسحاق. بدل: ابن أبي إسحاق. (٩) قرأ نافع في رواية ورش، وأبو عمرو: بفتح طا وإمالة ها، وعاصم في رواية شعبة، وحمزة والكسائي وخلف بإمالة طا وها معاً، والباقون من العشرة - ومنهم أبو جعفر - بفتحهما. السبعة ص٤١٦، والتيسير ص ١٥٠ ، والنشر ٢/ ٦٧ . (١٠) في إعراب القرآن ٣١/٣. ١٣ سورة طه: الآيات ١ - ٨ هاهنا ياء ولا كسرة فتكون الإمالة، والعِلَّة الأُخرى أن الطاء من الحروف الموانع للإمالة، فهاتان علتان بيِّنتان. قوله تعالى: ﴿مَآ أَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَ﴾، وقُرئ: ((مَا نُزِّلَ عَلَيكَ الْقُرْآنُ لِتَشْقَى))(١). قال النحاس(٢): بعضُ النحويين يقول: هذه لام النفي، وبعضهم يقول: لامُ الجحود. وقال أبو جعفر: وسمعتُ أبا الحسن بنَ كَيسان يقول [في مثلها]: إنها لام الخفض، والمعنى: ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء. والشقاء يُمَدّ ويُقْصَر، وهو من ذوات الواو. وأصلُ الشقاء في اللغة العناء والتعب (٣)، أي: ما أنزلنا عليك القرآن لِتتعب. قال الشاعر: ذُو العقلِ يَشقَى في النعيم بعقلِهِ وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ يَنْعَمْ(٤) فمعنى لـ ((تشقى)): لتتعب بفرط تأسُّفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسُّرِك على أن يؤمنوا، كقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَ ءَاثَِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] أي: ما عليك إلا أن تُبلِّغَ وتُذكِّر، ولم يُكتَب عليك أن يؤمنوا لا محالةَ بعد أن لم تُفرِّط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. ورُويَ أن أبا جهل - لَعَنه اللهُ تعالى - والنضرَ بنَ الحارث قالا للنبيِّ :#: إنك شقيٍّ، لأنك تركتَ دينَ آبَائِك(٥)؛ فأُريد ردُّ ذلك بأنَّ دينَ الإسلام وهذا القرآن هو السُّلَّم إلى نَيل كلِّ فوزٍ، والسببُ في دركِ كلِّ سعادة، وما فيه الكَفَرةُ هو الشقّاوة بعینھا. (١) نسبها أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٢٢٤ لطلحة. (٢) في إعراب القرآن ٣٢/٣، وما سيرد بين حاصرتين منه. وأبو جعفر الآتي ذكره هو النحاس. (٣) تفسير البغوي ٢١١/٣ . (٤) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢٥١/٤ . (٥) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣١٣ عن مقاتل، والزمخشري في الکشاف ٥٢٨/٢ - ٥٢٩ والكلام الذي قبله وبعده منه. ١٤ سورة طه: الآيات ١ - ٨ وعلى الأقوال المتقدِّمة أنه عليه الصلاة والسلام صلَّى بالليل حتى اسمغدَّت(١) قدماه، فقال له جبريل: أَبقِ على نفسك، فإنَّ لها عليك حقًّا(٢). أي: ما أنزلنا عليك القرآن لِتُنهِك نفسَك في العبادة، وتُذيقَها المشقّة الفادحةَ، وما بُعثتَ إلا بالحنيفية السَّمحة. قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى﴾ قال أبو إسحاق الزجَّاجُ: هو بدلٌ من ((تشقى))، أي: ما أنزلناه إلا تذكرةً. النحاس(٣): وهذا وجهٌ بعيد. وأنكره أبو عليٍّ من أجل أن التذكرة ليست بشقاء، وإنما هو منصوبٌ على المصدر، أي: أنزلناه لِتُذكِّر به تذكرةً، أو على المفعول من أجله، أي: ما أنزلنا عليك القرآن لِتشقى به، ما أنزلناه إلا للتذكرة(٤). وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديمٌ وتأخير، مجازه: ما أنزلنا عليك القرآنَ إلا تذكرةً لمن يخشى، ولئلا تشقى(٥). ﴿َتَنزِيلًا﴾ مصدر، أي: نزَّلناه تنزيلاً(٦). وقيل: بدل من قوله: ((تذكِرة))(٧). وقرأ أبو حيوة الشاميُّ: ((تنزِيلٌ)) بالرفع على معنى: هذا تنزِيل(٨). ﴿مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى﴾ أي: العاليةَ الرفيعةَ، وهي جمع العُليا، كقوله: (١) في (د) و(م): تورَّمت، وفي (ظ): ورمت، والمثبت من (خ) و(ز) و(ف) وهو الموافق للكشاف، وكلاهما بمعنى، وهي بالعين المهملة، وبالغين المعجمة أيضاً. القاموس (سمعد). (٢) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٨: لم أره هكذا، وفي الدعوات الكبير للبيهقي عن عائشة قالت: لما كانت ليلة النصف من شعبان - فذكر حديثاً طويلاً - وفيه: فما زال يصلي قائماً وقاعداً حتى أصبح، وحتى اسمعدت قدماه .. الحديث. وليس فيه كلام جبريل . اهـ . (٣) في إعراب القرآن ٣٢/٣، وعنه نقل المصنف قول الزجاج السالف. (٤) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ١٦/ ١٠، وينظر الدر المصون ٨/٨ - ٩. (٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٥/٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٢/٣. (٧) الكشاف ٥٢٩/٢ . (٨) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٢٩/٢ دون نسبة، ونسبها أبو حيان في البحر ٢٢٥/٦ لابن أبي عبلة. ١٥ سورة طه : الآيات ١ - ٨ كُبْرى وصُغْرى، وكُبَر وصُغَر(١). أخبر عن عَظَمته وجبروته وجلاله، ثم قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ ويجوز النصب على المدح(٢). قال أبو إسحاق(٣): ويجوز الخفض على البدل من ((مَنْ))(٤). وقال سعيدُ بن مَسْعدة(٥): الرفع بمعنى: هو الرحمن. النحاس: يجوز الرفعُ بالابتداء(٦)، والخبر: ﴿لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي اُلْأَرْضِ﴾، فلا يُوقَف على ((استوى))(٧). وعلى البدل من المُضمر في ((خلق)»(٨) فيجوز الوقفُ على ((اسْتَوَى)). وكذلك إذا كان خبر ابتداءٍ محذوف، ولا يُوقَف على ((العُلَا)). وقد تقدَّم القولُ في معنى الاستواء في ((الأعراف))(٩). والذي ذهبَ إليه الشيخ أبو الحسن(١٠) وغيرُه أنه مستوٍ على عرشه بغير حَدٍّ ولا كَيْفٍ كما يكون استواءُ المخلوقین. وقال ابن عباس: يريد: خلَق ما كان وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة وبعد القيامة. ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ وَمَا يَتْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى﴾ يريد ما تحت الصخرة التي لا يعلمُ ما تحتها إلا اللهُ تعالى. وقال محمدُ بن كعب: يعني الأرضَ (١) تفسير البغوي ٣/ ٢١١، وزاد المسير ٢٧٠/٥ . (٢) يعني في اللغة لا في التلاوة. (٣) هو الزجَّاج، وكلامه في معاني القرآن ٣/ ٣٥٠ . (٤) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٧ لجناح بن حبيش. (٥) هو الأخفش، وقوله في معاني القرآن ٦٢٩/٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٢/٣ - ٣٣ وقد نقل المصنف عنه قولي الزجاج والأخفش السالفين. (٧) لم نقف على من ذكر أن قوله ﴿لَهُ مَا فِى السََّوَتِ ... ﴾ هو الخبر. وقال السمين: والجملة من قوله: ((على العرش استوى)) خبر لقوله: ((الرحمنُ)). (٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٣/٣، والمحرر الوجيز ٣٧/٤، قال أبو حيان في البحر ٢٢٦/٦: وأرى أن مثل هذا لا يجوز؛ لأن البدل يحلُّ محلّ المبدل منه، و((الرحمن)) لا يمكن أن يحلَّ محلَّ الضمير؛ لأن الضمير عائد على ((مَن)) الموصولة، و((خلق)) صلة، والرابط هو الضمير، فلا يحلُّ محلَّه الظاهر لعدم الرابط. (٩) ٢٣٨/٩ وما بعدها. (١٠) هو الأشعري، وينظر رسالة أهل الثغر ص ٢٣٣ - ٢٣٦. ١٦ سورة طه: الآيات ١ - ٨ السابعة(١). ابن عباس: الأرضُ على نون، والنونُ على البحر، وإن طرفي النون رأسُه وذَنبُهُ يَلتقيان تحت العرش، والبحرُ على صخرة خضراءَ خُضرةُ السماء منها، وهي التي قال تعالى فيها: ﴿فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ١٦]، والصخرةُ على قرن ثورٍ، والثورُ على الثَّرى، وما يعلم ما تحت الثَّرى إلا اللهُ تعالى (٢). وقال وهب بن مُنَبِّه: على وجه الأرض سبعةُ أبحرٍ، والأَرَضون سبعٌ، بين كلِّ أَرضَين بحرٌ، فالبحر الأسفل مطبقٌ على شَفِير جهنم، ولولا عِظَمه وكثرةُ مائه وبرده لَأحرقَتْ جهنمُ كلَّ من عليها. قال: وجهنمُ على متن الريح، ومتنُ الريح على حجابٍ من الظُلمة لا يعلم غلظه(٣) إلا اللهُ تعالى، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتھی عِلمُ الخلائق. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال ابن عباس: السّر ما حَدَّث به الإنسانُ غيرَه في خَفاء، وأخفى منه ما أضمر في نفسه مما لم يُحدِّث به غيرَه. وعنه أيضاً: السِّرُّ حديثُ نفسك، وأخفى من السِّرِّ ما سَتُحدِّث به نفسك مما لم يكن وهو كائن، أنت تعلم ما تُسِرُّ به نفسُك اليوم، ولا تعلم ما تُسِرُّ به غداً، والله يعلم ما أسررتَ اليومَ وما تسرُّ غداً؛ والمعنى: اللهُ يعلم السِّرَّ وأخفى من السِّرّ. وقال ابنُ عباس أيضاً: ((السُّ»: ما أسرَّ ابنُ آدم في نفسه، ((وَأَخْفَى)): ما خَفِيَ على ابن آدم مما هو فاعلُه وهو لا يعلمه، فالله تعالى يعلم ذلك كلَّه، وعلمُه فيما مضى من ذلك وما يستقبل علمٌ واحد، وجميعُ الخلائق في علمه كنفْسٍ واحدة. وقال قتادة وغيره: ((السِّرُ)): ما أضمره الإنسان في نفسه، و((أخفى)) منه ما لم يكن ولا أضمره أحدٌ. (١) أورده ابن كثير في تفسيره ٢٧٣/٥ . (٢) تفسير البغوي ٢١٢/٣، وأخرجه ابن مردويه كما في روح المعاني ٨٨/٢١. قال الآلوسي: الأقوى عندي وضع هذه الأخبار. وأورده بنحوه ابن القيم في المنار المنيف ٧٨/١ وقال: والعجب مِنْ مُسَوِّد کتبه بهذه الهذیانات! (٣) في (د) و(م): عظمه. ١٧ سورة طه: الآيات ١ - ١٦ وقال ابن زيد: ((السِّرُّ)»: سرُّ الخلائق، ((وأخفى)) منه سِرُّه عزَّ وجلَّ، وأنكر ذلك الطبريُّ(١)، وقال: إن الذي هو (٢) ((أخفى)) ما ليس في سِرِّ الإنسان وسيكون في نفسه، کما قال ابنُ عباس. ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ((الله)) رفع بالابتداء، أو على إضمار مبتدأ، أو على البدل من الضمير في ((يعلم))(٣). وَحَّدَ نَفْسَه سبحانه؛ وذلك أن رسولَ الله ﴾ دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى وحدَه لا شريكَ له، فكَبُر ذلك عليهم، فلمَّا سمعه أبو جهل يذكر الرحمنَ، قال للوليد ابن المغيرة: محمدٌ ينهانا أن ندعوَ مع الله إلهاً آخرَ وهو يدعو اللهَ والرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾، وأنزل: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤) [الإسراء: ١١٠]، وهو واحدٌ وأسماؤه كثيرةٌ. ثم قال: ﴿اللّهُ لَ إِلَهَ إِلَّ هُوّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وقد تقدَّم التنبيهُ عليها في سورة الأعراف(٥). قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِنِّ ءَنَسْتُ نَارًا لَعَلَّ ءَائِيَكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى ﴾ فَلَمَّا أَنَهَا نُودِىَ إِنَّ أَنْ رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى (١٢) وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ يَمُوسَىّ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُؤْعَىّ ﴾ إِنَّبِىّ أَنَا اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ ١٤ إِنَّ الشَاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾ فَلَا يَصُدَنَّكَ عَنَهَا مَنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى ١٦) قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ قال أهل المعاني: هو استفهامُ إثباتٍ (١) في تفسيره ١٣/١٦ - ١٧، وفيه الأخبار السابقة. وينظر النكت والعيون ٣٩٤/٣. (٢) لفظ: هو، ليس في (د) و(م). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣/٣ . (٤) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ١٤٢، وليس فيه ذكر قوله تعالى ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْمَرْشِ أَسْتَوَى﴾. (٥) ٣٩١/٩ وما بعدها. : ١٨ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ وإيجاب، معناه: أليس قد أتاك؟ وقيل: معناه: وقد أتاك، قاله ابن عباس(١). وقال الكلبيّ: لم يكن أتاه حديثه بعدُ، ثم أخبره(٢). ﴿إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُوْ إِنَّ ءَانَسْتُ نَارًا لَعَلَّ ءَائِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَيٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى﴾ قال ابن عباس وغيره: هذا حين قضى الأجلَ وسار بأهله وهو مُقبلٌ من مدين يريد مصرَ، وكان قد أخطأ الطريقَ، وكان موسى عليه السلام رجلاً غيوراً، يصحبُ الناسَ بالليل ويُفارقهم بالنهار غَيْرةً منه، لئلّا يَرَوا امرأته، فأخطأ الرُّفقةَ - لِما سبق في علم الله تعالى - وكانت ليلةٌ مظلمة(٣). وقال مقاتل: وكانت ليلة الجمعة في الشتاء(٤). وهب بن مُنَبِّه: استأذن موسى شعيباً في الرجوع إلى والدته، فأَذِنَ له، فخرج بأهله بغنمه، وولد له في الطريق غلامٌ في ليلة شاتيةٍ باردةٍ مثلجةٍ، وقد حاد عن الطريق وتفرَّقت ماشيته، فقدح موسى النار، فلم تورِ المِقْدَحة شيئاً، إذ بَصُرَ بنار من بعيد على يسار الطريق ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ آمْكُنُواْ﴾ أي: أَقيموا بمكانكم(٥) ﴿إِّ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ أي: أَبصرت(٦). قال ابن عباس: فلما توجَّه نحوَ النارِ ؛ فإذا النار في شجرة عُنَّابٍ، فوقف متعجِّباً من حُسن ضوء تلك النار(٧)، وشدةِ خُضرة تلك الشجرة، فلا شدةُ حرِّ النار تُغيِّر حسنَ خُضرة الشجرة، ولا كثرةُ ماء الشجرة ولا نعمةُ الخُضرة تُغيِّران حسنَ ضوءِ النار (٨). (١) الوسيط للواحدي ٣/ ٢٠١، وزاد المسير ٢٧١/٥ . (٢) ذكره الرازي في تفسيره ١٤/٢٢. (٣) أخرجه الطبري ١٩/١٦ بنحوه، وذكره الواحدي في الوسيط ٢٠١/٣ . (٤) النكت والعيون ٣٩٥/٣ . (٥) زاد المسير ٢٧٢/٥، وأخرجه الطبري ١٩/١٦ بنحوه. (٦) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٧٧ . (٧) في (خ) و(ز) و(ف): من حسن ضوء ذلك النار، وفي (د) و(م): من حسن ذلك الضوء، والمثبت من (ظ). (٨) الوسيط للواحدي ٢٠٢/٣، وتفسير الرازي ١٥/٢٢ - ١٦. ١٩ سورة طه : الآيات ٩ - ١٦ وذكر المهدويُّ: فرأى النار - فيما رُوي - وهي في شجرةٍ من العُلَّيق، فقصَّدها فتأثّرت عنه، فرجَع وأوجَس في نفسه خيفةً، ثم دنَتْ منه، وكلَّمه الله عزَّ وجلَّ من الشجرة(١). الماورديُّ(٢): كانت عند موسى ناراً، وكانت عند الله تعالى نوراً. وقرأ حمزة: ((لِأَهْلِهُ امْكُثُوا)) بضم الهاء(٣)، وكذا في ((القصص)) (٤). قال النحاس(٥): وهذا على لغة من قال: مررت بِهُ يا رجل، فجاء به على الأصل، وهو جائزٌ؛ إلا أن حمزةَ خالفَ أصلَه في هذين الموضعين خاصة. وقال: ((امكثوا)) ولم يقل: أقيموا؛ لأنَّ الإقامة تقتضي الدوام، والمُكْثَ لیس كذلك(٦). ((وآنستُ)): أَبصرتُ، قاله ابن الأعرابي. ومنه قوله: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُ مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أي: عَلِمتم(٧). وآنستُ الصوتَ: سمعتُه(٨)، والقَبَس: شُعلةٌ من نار، وكذلك المِقباس. يقال: قَبَستُ منه ناراً أقبِس قَبْساً فأَقبسني، أي: أعطاني منه قَبَساً، وكذلك اقتبست منه ناراً، واقتبستُ منه علماً أيضاً، أي: استفدته، قال اليزيدي: أَقبستُ الرجل علماً وقَستُه ناراً؛ فإن كنتَ طلبتَها له قلت: أقبستُه. وقال الكسائي: أقبستُه ناراً أو علماً سواء. وقال: وقبسته أيضاً فيهما(٩). ((هُدَى)) أي: هادياً. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنَهَا﴾ يعني النار ﴿نُودِىَ﴾ أي: من الشجرة، كما في سورة (١) أخرجه الطبري ٢٢/١٦ عن وهب بن منبه. (٢) في النكت والعيون ٣٩٥/٣ . (٣) السبعة ص٤١٧، والتيسير ص ١٥٠. (٤) الآية (٢٩). (٥) في إعراب القرآن ٣٣/٣ . (٦) النكت والعيون ٣٩٥/٣ . (٧) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٧٧ . (٨) الصحاح (أنس). (٩) الكلام بنحوه في تهذيب اللغة ٤١٩/٨ . ٢٠ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ القصص(١) أي: من جهتها وناحيتها على ما يأتي ﴿يَمُوسَىَ إِنَّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَأَخْلَعَ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِأَلْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوّى﴾ فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكٌ﴾ روى الترمذيُّ عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ# قال: ((كان على موسى يومَ كلَّمه ربُّه كساءُ صوفٍ، وجُبّةُ صوفٍ، وكُمَّة صوف، وسراويلُ صوف، وكانت نَعْلاه من جلد حمارٍ ميت)) قال: هذا حديثٌ غريب لا نعرفه إلا من حديث حُميدٍ الأعرج [وحُميد هو ابنُ عليٍّ الکوفي] منكر الحديث، وحُميد بن قيس الأعرج المكي صاحبُ مجاهد ثقة، والكُمَّةُ: القَلَنْسُوة الصغيرة(٢). وقرأ العامة: ((إني)) بالكسر؛ أي: نودي فقيل له: يا موسى إني، واختاره أبو عُبيد. وقرأ أبو عمرو وابن كثير(٣) وابن محيصن وحُميد: ((أَنِّي)) بفتح الألف؛ بإعمال النداء. واختلف العلماءُ في السبب الذي من أجله أُمِر بخلع النعلين - والخلع: النَّزْعُ، والنَّعل: ما جعلته وقاية لقدميك من الأرض -: فقيل: أُمِر بطرح النعلين لأنها نَجِسة؛ إذ هي من جلدٍ غير مُذَكّی؛ قاله کعب وعِكرمة وقتادة . وقيل: أُمر بذلك لِينال بركةَ الوادي المقدَّس، وتمسَّ قدماه تربةَ الوادي؛ قاله عليُّ بن أبي طالب ﴾ والحسن وابن جُريج(٤) . وقيل: أُمر بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى. وكذلك فعلَ السلفُ حين طافوا بالبيت(٥) . (١) الآية (٣٠). (٢) سنن الترمذي (١٧٣٤)، وما بین حاصرتین منه. (٣) السبعة ص ٤١٧، والتيسير ص ١٥٠، وينظر الكشف عن وجوه القراءات ٩٦/٢. (٤) النكت والعيون ٣٩٦/٣ . (٥) الكشاف ٢/ ٥٣١ .