Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة الكهف: الآية ٢١
فاختلف أهلُ بلده في الحشر وبَعْثِ الأجساد من القبور، فشكّ في ذلك بعض الناس
واستبعدوه وقالوا: إنَّما تُحشَر الأرواح، والجسد تأكله الأرض. وقال بعضهم: تُبعَث
الروح والجسد جميعاً، فكبُر ذلك على الملك وبقي حيران لا يدري كيف يتبيَّن أمره
لهم، حتى لبس المُسُوح وقعد على الرَّماد وتضرَّع إلى الله تعالى في حجَّة وبيان،
فأَعثر اللهُ على أهل الكهف(١).
فيقال: إنَّهم لما بعثوا أحدهم بوَرِقهم إلى المدينة ليأتيهم برزقٍ منها، اسْتُنْکِر
شخصُه واسْتُنْكرت دراهمه(٢)؛ لبُعد العهد، فحمل إلى الملك، وكان صالحاً قد آمن
وآمن من معه، فلما نظر إليه قال: لعلَّ هذا من الفِتْية الذين خرجوا على عَهْد دِقیانوس
الملك، فقد كنت أَدعو اللهَ أن يُرِيَنِيهم، وسأل الفتى، فأخبره(٣)، فسُرَّ الملِكُ بذلك
وقال: لعلَّ اللهَ قد بعث لكم آيَةً، فلْنَسِرْ إلى الكهف معه، فركب مع أهل المدينة
إليهم، فلما دنَوْا إلى الكهف قال تمليخا: أنا أدخل عليهم لئلّا يَرْعَبُوا، فدخل عليهم
فأعلمهم الأمرَ، وأنَّ الأمَّةَ أمَّةُ إسلام، فرُوِي أنَّهم سُرُّوا بذلك، وخرجوا إلى الملك
وعظّموه وعّمهم، ثم رجعوا إلى كهفهم. وأكثر الروايات على أنَّهم ماتوا - حين
حدَّثهم تمليخا - ميتة الحقِّ، على ما يأتي. ورجع من كان شكَّ في بَعْث الأجساد إلى
الیقین. فهذا معنی: «أَعثرنا عليهم)).
﴿لِيَعْلَمُوَأْ أَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ أي: ليعلم الملكُ ورعيته أنَّ القيامةَ حقٌّ والبعثَ حقٌّ.
﴿إِذْ يَتَتَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ وإنما استدلوا بذلك الواحد على خبرهم، وهابوا
الدخولَ عليهم، فقال الملك: ابنوا عليهم بنياناً، فقال الذين هم على دين الفتية:
اتَّخِذوا عليهم مسجداً. وروي أنَّ طائفةً كافرةً قالت: نبني بِيعةً أو مصنعاً (٤)، فمانعهم
(١) المحرر الوجيز ٥٠٧/٣.
(٢) في (ظ): وَرِقه.
(٣) النكت والعيون ٢٩٥/٣ .
(٤) في (ظ): مصنع، وفي (د): مضيعاً، وفي (م): مضيفاً، والمثبت من (ز) والمحرر الوجيز ٥٠٧/٣ ،
والكلام منه.

٢٤٢
سورة الكهف: الآية ٢١
المسلمون، وقالوا: لنتخذنَّ عليهم مسجداً. وروي أنَّ بعضَ القوم ذهب إلى طَمْسٍ
الکهف علیھم وترکھم فیه مغيَّیین.
ورُوي عن عبيد بنِ عمير(١) أنَّ اللهَ تعالى أَعمى على الناس حينئذٍ أَثَرهم،
وحجبهم عنهم، فذلك دعا إلى بناء البنيان؛ ليكون مَعْلَماً لهم.
وقيل: إنَّ الملكَ أراد أن يدفنَهم في صندوق من ذهب، فأتاه آتٍ منهم في المنام
فقال: أردتَ أن تجعلنا في صندوق من ذهب، فلا تفعل؛ فإنَّا من التراب خُلقنا وإليه
نعود، فدَعْنا(٢).
وتنشأ هنا مسائلُ ممنوعةٌ وجائزةٌ؛ فاتِّخاذ المساجد على القبور والصلاةُ فيها
والبناء عليها، إلى غيرِ ذلك مما تضمَّنته السنة من النهي عنه، ممنوعٌ لا يجوز؛ لما
روى أبو داود والترمذيُّ عن ابنِ عباس قال: لعن رسولُ اللهِ ﴾ زوَّارات القبور
والمتَّخذين عليها المساجدَ والسُّرُج (٣). قال الترمذيُّ: وفي الباب عن أبي هريرة (٤)
وعائشة(٥)، حديث ابن عباس حديث حسن. وروى الصحيحان(٦) عن عائشة أنَّ أمّ
حبيبة وأمَّ سلمة ذكرتا كنيسةً رَأَيْنها بالحبشة - فيها تصاويرُ - لرسولِ اللـه لَ﴾، فقال
رسول الله ﴾: ((إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بَنَوْا على قبره
مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ الخَلْق عند الله تعالى يوم القيامة)).
لفظ مسلم. قال علماؤنا: وهذا يحرِّم على المسلمين أن يتَّخذوا قبور الأنبياء والعلماء
مساجدَ. وروى الأئمة عن أبي مَرْتَد الغَنَوِيِّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((لا
(١) في (د) و(م): عبد الله بن عمر، والمثبت من (ز) و(ظ) والمحرر الوجيز ٣/ ٥٠٧.
(٢) النكت والعيون ٢٩٦/٣ .
(٣) أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٥٧٥) مختصراً، وهو عند أحمد
(٢٦٠٣).
(٤) أخرجه البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠)، وهو عند أحمد (٧٨٢٦).
(٥) أخرجه البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٣١)، وهو عند أحمد (٢٤٠٦٠).
(٦) سلف ٢/ ٢٩٤ .

٢٤٣
سورة الكهف: الآية ٢١
تُصَلُّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)) لفظ مسلم(١). أي: لا تتخذوها قبلةً فتصلُّوا
عليها أو إليها، كما فعل اليهود والنصارى؛ فيؤدي إلى عبادةٍ من فيها، كما كان
السبب في عبادة الأصنام. فحذَّر النبيُّ # عن مِثْلِ ذلك، وسَدَّ الذرائعَ المؤذِّية إلى
ذلك فقال: ((اشتدَّ غَضَبُ اللهِ على قوم اتَّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ))(٢).
وروى الصحيحان عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: لما نزل برسول الله * طَفِق
يَطرحُ خَميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها، كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك:
(لعنةُ اللهِ على اليهود والنصارى النَّخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ» يحذِّر ما صنعوا(٣).
وروى مسلم (٤) عن جابر قال: نهى رسول اللـه ﴾ أن يُجَصَّص القبرُ، وأن يُقعدَ عليه،
وأن يُبنى عليه. وخرَّجه أبو داود والترمذيُّ أيضاً عن جابر قال: نهى رسولُ الله ﴿ أن
تُجَصَّص القبور، وأن يُكتَب عليها، وأن يُبْنَى عليها، وأن توطأ(٥). قال الترمذيُّ: هذا
حديث حسن صحيح.
وروى الصحيح عن أبي الهَيَّج الأسديِّ قال: قال لي عليُّ بنُ أبي طالب: ألا
أَبْعَثُك على ما بعثني عليه رسول اللـه ◌َ﴾: ألَّا تَدَعَ تمثالاً إلا طَمَسته، ولا قبراً مُشْرِفاً
إلا سوَّيته. في رواية: ولا صورةً إلا طمستها. وأخرجه أبو داود والترمذيُّ(٦).
قال علماؤنا: ظاهره مَنْعُ تسنِيم القبور ورَفْعِها، وأن تكون لاطئةً. وقد قال به
بعضُ أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أنَّ هذا الارتفاعَ المأمورَ بإزالته هو ما زاد على
التسنيم، ويبقى للقبر ما يُعرف به ويُحترم، وذلك صفةُ قبر نبيِّنا محمد ﴿ وقبرِ صاحبَيْه
(١) سلف ٢٤٧/١٢.
(٢) المفهم ١٢٨/٢ و٦٢٨، والحديث أخرجه مالك في الموطأ ١٧٢/١ من حديث عطاء بن يسار﴾
مرسلاً.
(٣) سلف ٢٩٥/٢ .
(٤) في صحيحه (٩٧٠)، وهو عند أحمد (١٤١٤٩).
(٥) أبو داود (٣٢٢٥)، والترمذي (١٠٥٢)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٢١٦٥)، وابن ماجه
(١٥٦٢).
(٦) مسلم (٩٦٩)، وأبو داود (٣٢١٨)، والترمذي (١٠٤٩)، وهو عند أحمد (٧٤١).

٢٤٤
سورة الكهف: الآية ٢١
رضي الله عنهما - على ما ذكر مالك في ((الموطأ))(١) - وقبر أَبينا آدمَ ﴾، على ما رواه
الدار قطنيُّ(٢) من حديث ابنِ عباس. وأما تعليةُ البناء الكثير على نحو ما كانت
الجاهليّة تفعله تفخيماً وتعظيماً، فذلك يُهدَم ويُزال؛ فإنَّ فيه استعمالَ زينة الدنيا في
أوَّل منازلِ الآخرة، وتشبُّهاً بمن كان يعظّم القبورَ ويَعبدها. وباعتبار هذه المعاني
وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام (٣).
والتسنيم في القبر: ارتفاعُه قَدْرَ شبر، مأخوذ من سَنام البعير(٤). ويُرَشّ عليه
بالماء؛ لئلا ينتثرَ بالريح. وقال الشافعيُّ: لا بأس أن يطيَّن القبر. وقال أبو حنيفة: لا
يُخصَّص القبر، ولا يطيَّن، ولا يُرفَع عليه بناء، فيسقط (٥).
ولا بأسَ بوضْع الأحجار؛ لتكون علامةً؛ لما رواه أبو بكر الأثرم قال: حدَّثنا
مُسدَّد، حدَّثنا نوح بن درّاج، عن أبان بنِ تغْلِب، عن جعفر بن محمد، قال: كانت
فاطمةُ بنتُ رسولِ الله # تزور قبرَ حمزة بنِ عبد المطلب كلَّ جمعةٍ وعلَّمته بصخرة،
ذكره أبو عمر(٦).
وأما الجائزة: فالدفن في التابوت، وهو جائز لا سيَّما في الأرض الرِّخْوة. ورُوي
أنَّ دانيال صلوات الله عليه كان في تابوت من حَجَر (٧)، وأنَّ يوسفَ عليه السلام
(١) المفهم ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦، ولم نقف عليه في الموطأ، وأخرج البخاري (١٣٩٠) عن سفيان التمَّار أنه
رأى قبر النبي # مسئَّماً. اهـ قال ابن حجر في فتح الباري ٢٥٧/٣: زاد أبو نعيم في المستخرج: وقبر
أبي بكر وعمر كذلك. اهـ. وأخرج أبو داود (٣٢٢٠) من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال:
دخلت على عائشة فقلت: يا أمَّه اكشفي لي عن قبر النبي # وصاحبيه رضي الله عنهما، فكشفت لي عن
ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.
(٢) في سننه (١٨١٢)، وفيه عبد الرحمن بن مالك بن مغول، وهو متروك.
(٣) المفهم ٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧ .
(٤) تهذيب اللغة ١٦/١٦، والصحاح (سنم).
(٥) الأم ٢٤٥/١ - ٢٤٦، وبدائع الصنائع ٣٥٩/٢ .
(٦) في التمهيد ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٧) ذكر الشريف الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ١/ ٣٩٥ أن بنهر تستر فيما يقال
تابوت دانیال.

٢٤٥
سورة الكهف: الآية ٢١
أُوصى بأن يُتَّخذ له تابوتٌ من زجاج ويُلقَى في رَكِيَّة؛ مخافةَ أن يُعبَد، وبقي كذلك
إلى زمانٍ موسى صلوات الله عليهم أجمعين، فدلَّته عليه عجوزٌ، فرفعه ووضعه
في حظيرة إسحاق عليه السلام(١). وفي الصحيح عن سعد بنِ أبي وَقّاص أنَّه قال
في مرضه الذي هلك فيه: انَّخذوا لي لَحْداً، وانْصِبوا عليَّ اللَّبِن نَصْباً، كما صُنع
برسول الله﴾(٢).
اللَّحد: هو أن يشقَّ في الأرض ثم يُحفَر قبرٌ آخرُ في جانب الشَّقِّ من جانب القِبْلة
إن كانت الأرض صُلْبةٌ، يُدخَل فيه الميتُ ويُسَدّ عليه باللَّبِن. وهو أفضلُ عندنا من
الشَّقِّ؛ لأنَّه الذي اختاره اللهُ تعالى لرسول الله ﴾(٣). وبه قال أبو حنيفة قال: السُّنَّة
اللَّحد. وقال الشافعي: الشَّقُّ. ويكره الآجُرُّ في اللَّحد. وقال الشافعي: لا بأس به؛
لأنَّه نوعٌ من الحجر. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه؛ لأنَّ الآجرَّ لإحكام البناء، والقبر
وما فيه للِلَى، فلا يليقُ به الإحكام. وعلى هذا يسوَّى بين الحجر والآَجرِّ. وقيل: إنَّ
الآجُرَّ أثر النار فيكره تفاؤلاً، فعلى هذا يفرَّق بين الحجر والآجرِّ. قالوا: ويستحبُّ
اللَّيِنِ والقَصَب؛ لما رُوي أنَّه وضع على قبر النبيِّ # حُزْمةٌ من قصب(٤). وحكي عن
الشيخ الإمام أبي بكر محمد بنِ الفضل الحنفيّ رحمه الله أنَّه جوَّز اتخاذَ التابوت في
بلادهم؛ الرخاوة الأرض. وقال: لو اتّخذ تابوتٌ من حديد، فلا بأس به، لكن ينبغي
أن يُفرَش فيه التراب، وتطيَّن الطبقةُ العليا مما يلي الميتَ، ويُجعل اللَّبِن الخفيفُ
على يمين الميت ويساره؛ ليصير بمنزلة اللَّحد(٥).
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٦/ ٢٧ بنحوه، والركيَّة: البئر. القاموس (ركو).
(٢) أخرجه مسلم (٩٦٦)، وأحمد (١٤٥٠).
(٣) المفهم ٢/ ٦٢٤ .
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٣٢/٣ - ٣٣٣ عن الشعبي أن النبي * جعل على لحده طَنُّ قصب. والطَّنُّ:
حزمة القصب. القاموس (طنن).
(٥) ذكره بنحوه الكاساني في بدائع الصنائع ٣٥٤/٢ .
..

٢٤٦
سورة الكهف: الآيتان ٢١ - ٢٢
قلت: ومن هذا المعنى جَعْل القطيفة في قبر النبيِّ#؛ فإنَّ المدينةَ سَبِخة(١)، قال
شُقْران: أنا والله طرحتُ القطيفةَ تحت رسولِ الله﴾ في القبر. قال أبو عيسى
الترمذيُّ: حديث شُقران حديثٌ حسن غريب(٢).
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ
رَجْمًا بِالْغَيْبِّ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل تَّبِ أَعْلَمُ بِعِذَتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ
إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا ثُمَارٍ فِيِهِمْ إِلَّا مَِّةً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الضمير في ((سيقولون)) يراد به أهلُ
التوراة ومعاصري محمَّد﴾. وذلك أنَّهم اختلفوا في عددٍ أهل الكهف هذا الاختلاف
(٣)
المنصوص(٣).
وقيل: المراد به النَّصارى، فإنَّ قوماً منهم حضروا النبيَّ ﴾ من نَجْران، فجرى
ذِكْر أصحاب الكهف فقالت اليَعْقُوبِيَّة: كانوا ثلاثةً رابعهم كلبهم. وقالت النَّسْطورية:
كانوا خمسةً سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعةً ثامنهم كلبهم(٤).
وقيل: هو إخبارٌ عن اليهود الذين أمروا المشركين بمسألة النبيِّ # عن أصحاب
الكهف.
والواو في قوله: ((وثامنهم كلبهم» طريق النحويين أنَّها واو عطف دخلت في آخر
إخبارٍ عن عددهم؛ لتفضِّل أمرهم، وتدلَّ على أنَّ هذا غاية(٥) ما قيل، ولو سقطت،
(١) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في المراسيل ٤١٦، وابن أبي شيبة ٣٣٦/٣ عن الحسن مرسلاً، وجعل
القطيفة في قبر النبي # أخرجه مسلم (٩٦٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) سنن الترمذي (١٠٤٧)، وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤٦٨)، والطبراني في
الكبير (٧٤٠٩).
(٣) المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٧ .
(٤) الوسيط ٣/ ١٤٢، وزاد المسير ١٢٤/٥.
(٥) في (ظ): نهاية. وكذا في المحرر الوجيز ٥٠٨/٣ والكلام منه.
:

٢٤٧
سورة الكهف: الآية ٢٢
لصحَّ الكلام. وقالت فرقة، منها ابنُ خَالَويْه: هي واو الثمانية. وحكى الثعلبيُّ عن أبي
بكر بنِ عَيَّش أنَّ قريشاً كانت تقول في عددها: ستّة سبعة وثمانية، فتُدخل الواو في
الثمانية(١). وحكى نحوه القَفَّال، فقال: إنَّ قوماً قالوا: العدد ينتهي عند العرب إلى
سبعة، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها، استؤنف خبرٌ آخر بإدخال الواو، كقوله:
﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَالْنَاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. يدلُّ
عليه أنَّه لمّا ذكر أبواب جهنم: ﴿حََّ إِذَا جَُّوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧١] بلا واو،
ولما ذكر الجنة قال: ﴿وَفُتِحَتْ أَبَوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] بالواو. وقال: ﴿خَيْرًا مِنْكُنَّ
مُسْلِمَتٍ﴾ ثم قال: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] فالسبعة نهاية العدد عندهم، كالعشرة الآن
عندنا(٢).
قال القُشيريُّ أبو نصر: ومثل هذا الكلام تحكّم، ومن أين السبعةُ نهاية عندهم!
ثم هو منقوضٌ بقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُذُوسُ السَّلَمُ
اَلْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُ﴾ [الحشر: ٢٣] ولم يذكر الاسمَ الثامنَ بالواو.
وقال قومٌ ممن صار إلى أنَّ عددهم سبعة: إنَّما ذكر الواو في قوله: ((سبعة
وثامنهم)) لينبِّه على أن هذا العددَ هو الحقُّ، وأنَّه مباين للأعداد الأُخَر التي قال فيها
أهل الكتاب، ولهذا قال تعالى في الجملتين المتقدِّمتين: ((رَجْماً بالغيب)) ولم يذكره
في الجملة الثالثة، ولم يَقْدَح فيها بشيء، فكأنَّه قال النبيِّه: هم سبعة وثامنهم كلبهم.
والرَّجْم: القول بالظنِّ، يقال لكل ما يُخرص: رَجَم فيه، ومرجوم ومُرَجَّم(٣)،
كما قال:
وما الحربُ إلا ما علمتُم وذُقْتُمُ وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ(٤)
(١) المحرر الوجيز ٥٠٨/٣، وزاد المسير ١٢٥/٥.
(٢) تفسير البغوي ١٥٦/٣، وزاد المسير ١٢٥/٥.
(٣) لسان العرب (رجم).
(٤) القائل زهير بن أبي سلمى، والبيت في ديوانه ص١٨.

٢٤٨
سورة الكهف: الآية ٢٢
قلت: قد ذكر الماورديُّ(١) والغَزْنَوِيُّ: وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق:
كانوا ثمانيةً، وجعلا قوله تعالى: ((وثامنهم كلبهم)) أي: صاحبُ كلبهم. وهذا
مما يقوِّي طريقَ النحويين في الواو، وأنَّها كما قالوا(٢). وقال القُشيرِيُّ: لم يذكر
الواوَ في قوله: رابعهم، سادسهم، ولو كان بالعكس لكان جائزاً، فطلبُ الحكمة
والعلَّة في مثل هذه الواو تكلّفٌ بعيد، وهو كقوله في موضع آخر: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ
إِلَّا وَلَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]. وفي موضع آخر: ﴿إِلَّا لَمَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى﴾
[الشعراء: ٢٠٨-٢٠٩].
قوله تعالى: ﴿قُل تَبِىَ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم﴾ أمر الله تعالى نبيَّه عليه الصلاة والسلام في
هذه الآية أن يردَّ عِلْم عدَّتهم إليه عزَّ وجلَّ. ثم أَخبر أنَّ عالِمَ ذلك من البشر قليلٌ.
والمراد به قوم من أهل الكتاب(٣)، في قول عطاء. وكان ابنُ عباس يقول: أنا من
ذلك القليل، كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم(٤)، ثم ذكر السبعةَ بأسمائهم، والكلب اسمه
قطمير، كلب أَنمر، فوق القَلَطِيّ ودون الكركيّ(٥). وقال محمد بن سعيد بن المُسَيِّب:
هو كلب صينيٍّ. والصحيح أنَّه زبيري. وقال: ما بقي بنيسابور محدِّث إلا كتب عني
هذا الحديث إلا من لم يُقدَّر له. قال: وكتبه أبو عمرٍو الحِيريِّ عنِّي(٦).
قوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارٍ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجادل في أصحاب الكهف
إلا بما أوحيناه إليك، وهو ردُّ عِلْم عدَّتهم إلى الله تعالى. وقيل: معنى المراء الظاهر
(١) في النكت والعيون ٢٩٧/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٥٠٨/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٥٠٨/٣ .
(٤) أخرجه الطبري ٢١٩/١٥ - ٢٢٠، وفي تاريخه ٥/٢، وابن سعد في الطبقات ٣٦٦/٢، وعبد الرزاق
في التفسير ٤٠٠/١ .
(٥) تفسير البغوي ١٥٤/٣، وعرائس المجالس ص٤١٩، والقَلَطي: القصير جداً من الناس والسنانير
والكلاب. وورد في النسخ: الكردي، بدل الكركي. والمثبت من عرائس المجالس، والكركي: طائر
كبير معروف. حياة الحيوان للدميري ٢/ ٢٧٣ .
(٦) عرائس المجالس ص٤١٩ .

٢٤٩
سورة الكهف: الآيات ٢٢ - ٢٤
أن تقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا تحتجَّ على أمر مقدَّر في ذلك(١). وفي
هذا دليل على أنَّ الله تعالى لم يبيِّن لأحد عدَدَهم فلهذا قال: ((إلا مِرَاءً ظاهراً)) أي:
ذاهباً، كما قال:
وتلك شَكَاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها(٢)
ولم يبح له في هذه الآية أن يمارِي، ولكن قوله: ((إلّا مِرَاءً)» استعارةٌ من حيث
يماريه أهلُ الكتاب، سمِّيت مراجعته لهم مِراءً، ثم قيد بأنّه ظاهر، ففارق المراءَ
الحقيقيَّ المذمومَ. والضمير في قوله: ((فيهم)) عائدٌ على أهل الكهف. وفي قوله:
((منهم)) عائدٌ على أهل الكتاب المعارضين. وقوله: ((فلا تمار فيهم)) يعني في عِدَّتهم،
وحذفت العدَّة؛ لدلالة ظاهر القول عليها(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ روي أنَّه عليه الصلاة والسلام سأل
نصارى نَجْران عنهم، فنُهي عن السؤال(٤). وفي هذا دليل على مَنْع المسلمين من
مراجعة أهلِ الكتاب في شيء من العلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّه
وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رٍَ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (03)
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ فيه
مسألتان :
الأولى: قال العلماء: عاتب الله تعالى نبيَّه عليه الصلاة والسلام على قوله
للكفار حينَ سألوه عن الرُّوح والفِتية وذي القرنين: غداً أُخبركم بجواب أسئلتكم،
(١) المحرر الوجيز ٥٠٨/٣ .
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ص٢١، وصدره:
وعيَّرها الواشون أنّي أحبُّها
(٣) المحرر الوجيز ٥٠٨/٣ .
(٤) معاني القرآن للفراء ١٣٨/٢، والوسيط ١٤٣/٣.

٢٥٠
سورة الكهف: الآيتان ٢٣ - ٢٤
ولم يستثنٍ في ذلك. فاحتبسَ الوحيُّ عنه خمسة عشر يوماً حتى شقَّ ذلك عليه،
وأرجف الكفار به، فنزلت عليه هذه السورة مفرِّجة. وأُمِرَ في هذه الآية ألا يقول في
أمر من الأمور: إني أَفعل غداً كذا وكذا، إلّا أن يُعلِّق ذلك بمشيئة الله عزَّ وجلَّ (١)،
حتى لا يكون محقّقاً لحكم الخبر، فإنَّه إذا قال: لأَفعلنَّ ذلك ولم يفعل، كان كاذباً،
وإذا قال: لأَفعلنَّ ذلك إن شاء الله، خرج عن أن يكون محقِّقاً للمخبَر عنه. واللام في
قوله ((لشيء)) بِمنزلة ((في))، أو كأنَّه قال: لأجل شيء.
الثانية: قال ابن عطيَّة(٢): وتكلّم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين،
والآيةُ ليست في الأيمان وإنما هي في سُنَّة الاستثناء في غير اليمين. وقوله: ((إلا أن
يشاء الله)) في الكلام حَذْف يقتضيه الظاهر، ويحسِّنه الإيجاز، تقديره: إلا أن تقول:
إلا أَنْ يشاء الله، أو إلا أن تقول: إن شاء الله، فالمعنى: إلا أَنْ تذكر مشيئةَ الله،
فليس: ((إلا أن يشاء الله))، من القول الذي نُهِي عنه.
قلت: ما اختاره ابنُ عطيّة وارتضاه هو قول الكسائيّ والفَرَّاء والأَخفش(٣). وقال
البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله. فإذا قال الإنسان: أَنا أَفعل هذا إن شاء الله،
فمعناه: بمشيئة الله. قال ابنُ عطيَّةٍ(٤): وقالت فرقة: ((إلا أن يشاء الله)) استثناءٌ من
قوله: ((ولا تقولنَّ)). قال: وهذا قول حكاه الطبريُّ(٥) وردّ عليه، وهو من الفساد
بحيث كان الواجب ألا يُحكى. وقد تقدَّم القول في الاستثناء في اليمين وحكمه في
((المائدة)) (٦)
(١) المحرر الوجيز ٥٠٨/٣ .
(٢) في المحرر الوجيز ٥٠٨/٣ .
(٣) معاني القرآن للفراء ١٣٨/٢، وللأخفش ٦١٨/٢.
(٤) في المحرر الوجيز ٥٠٨/٣ - ٥٠٩ .
(٥) في التفسير ٢٢٤/١٥ - ٢٢٥.
(٦) ٨/ ١٣٧ .

٢٥١
سورة الكهف: الآيتان ٢٣ - ٢٤
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ فيه مسألة واحدة، وهو الأَمْر بالذِّكْر بعد
النسيان، واختلف في الذِّكْر المأمور به، فقيل: هو قوله: ((وقل عسى أن يَهْديني ربّي
لأقرب من هذا رَشَداً)). قال محمَّد الكوفيُّ المفسِّر: إنَّها بألفاظها مما أمِر أن يقولها
كلُّ من لم يَسْتَثْنِ، وإنَّها كفارةٌ لنسيان الاستثناء. وقال الجمهور: هو دعاءٌ مأمور به
دون هذا التخصيص(١). وقيل: هو قوله: ((إن شاء الله)) الذي كان نَسِیه عند يمينه.
حُكي عن ابن عباس(٢) أنَّه إن نسيَ الاستثناء ثم ذَكَر ولو بعد سنة؛ لم يَحنَث إن كان
حالفاً. وهو قول مجاهد(٣) .
وحكى إسماعيل بنُ إسحاق ذلك عن أبي العالية في قوله تعالى: ((واذكر ربك إذا
نسيت)) قال: يَستثني إذا ذَكَره(٤). الحسن: ما دام في مجلس الذِّكر(٥). ابن عباس:
سنتين(٦)، ذكره الغزنوِيُّ قال: فيحمل على تَدارك التبرُّك بالاستثناء؛ للتخلُّص عن
الإثم. فأما الاستثناء المفيد حكماً؛ فلا يصحُّ إلا متصلاً. السُّدِّي: أي: كل صلاة
نسيها إذا ذَكَرها(٧). وقيل: استثنٍ باسمِه؛ لئلا تنسى. وقيل: اذكره متى ما نسيتَه.
وقيل: إذا نسيتَ شيئاً، فاذكره يُذَكّرْكَه. وقيل: اذكره إذا نسيتَ غيرَه أو نسيتَ نفسك؛
فذلك حقيقةُ الذِّكر.
وهذه الآية مخاطبة للنبيِّ ﴾، وهي استفتاحُ كلام على الأصحِّ، وليست من
الاستثناء في اليمين بشيء، وهي بعدُ تعمُّ جميعَ أمَّته؛ لأنَّه حكم يتردّد في الناس
لكثرة وقوعِه. والله الموفّق.
(١) المحرر الوجيز ٥٠٩/٣ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٢٥/١٥، وابن أبي حاتم ٢٣٥٥/٧ (١٢٧٥٨)، وذكره الماوردي في النكت والعيون
٢٩٩/٣.
(٣) المحرر الوجيز ٥٠٩/٣، وفيه: بعد سنتين.
(٤) أخرجه الطبري ٢٢٥/١٥ - ٢٢٦ .
(٥) النكت والعيون ٢٩٩/٣، والمحرر الوجيز ٥٠٩/٣ .
(٦) المحرر الوجيز ٥٠٩/٣ وعزاه إلى مجاهد.
(٧) تفسير البغوي ٣/ ١٥٧ .

٢٥٢
سورة الكهف: الآية ٢٥
قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِاْتَكِ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ قِْعًا
هذا خبر من الله تعالى عن مدَّة لَبثهم، وفي قراءة ابنٍ مسعود: ((وقالوا
لبثوا))(١). قال الطبريُّ(٢): إنَّ بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدَّة بعد
الإعثار عليهم إلى مدَّة النبيِّ لَ﴾، فقال بعضهم: إنَّهم لبثوا ثلاث مئة سنة وتِسْعَ سنين،
فأخبر اللهُ تعالى نبيَّه أنَّ هذه المدَّة في كونهم نياماً، وأنَّ ما بعد ذلك مجهولٌ للبشر.
فأمر اللهُ تعالى أن یردّ عِلْم ذلك إليه.
قال ابن عطيّة(٣): فقوله على هذا: ((لبثوا)) الأوَّل يريد في نوم الكهف، و((لبثوا))
الثاني يريد بعد الإعثارِ إلى مدَّة محمَّد ﴾، أو إلى وقت عدمهم بالبلاء(٤). مجاهد:
إلى وقت نزولِ القرآن. الضَّخَّاك: إلى أن ماتوا. وقال بعضهم: إنَّه لما قال: ((وازدادوا
تسعاً)) لم يَذْرِ الناس أهيَ ساعات، أم أيام، أم جُمَع، أم شهور، أم أعوام؟ واختلف
بنو إسرائيلَ بحسَب ذلك، فأمر اللهُ تعالى بِرَدِّ العلم إليه في التسع، فهي على هذا
مبهمةٌ. وظاهر كلام العرب المفهوم منه أنَّها أعوام، والظاهر من أَمْرهم أنَّهم قاموا
ودخلوا الكهفَ بعد عيسى بيسيرٍ، وقد بقيت من الحواريين بقيّة. وقيل غير هذا على ما
يأتي.
قال القشَيْريُّ: لا يُفهَم من التِّسع تسعَ ليال وتسعَ ساعات؛ لسَبْق ذكر السنين،
كما تقول: عندي مئة درهم وخمسة، والمفهوم منه خمسةُ دراهم. وقال أبو علي:
((وازدادوا تسعاً)) أي: ازدادوا لبثَ تسع، فحذف. وقال الضخَّاك: لما نزلت: ((ولبثوا
في كهفهم ثلاث مئة)) قالوا: سنين، أم شهور، أم جُمَع، أم أيام؟ فأنزل اللهُ عزَّ
وجلَّ: ((سنين))(٥). وحكى النّقَّاش ما معناه أنَّهم لبثوا ثلاث مئة سنة شمسيَّة بحساب
(١) تفسير الطبري ٢٢٩/١٥، والكشاف ٤٨١/٢ .
(٢) في التفسير ٢٣١/١٥، ونقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٥١٠.
(٣) في المحرر الوجيز ٥١٠/٣ .
(٤) في (ظ) والمحرر الوجيز: بالبلى. وهما بمعنى.
(٥) أخرجه الطبري ١٥/ ٢٣٠، وابن أبي حاتم ٢٣٥٦/٧ (١٢٧٦٧).

٢٥٣
سورة الكهف: الآيتان ٢٥ -٢٦
الأيام، فلما كان الإخبارُ هنا للنبيِّ العربيِّ، ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين
القمريَّة، وهذه الزيادة هي ما بين الحسابَيْن(١). ونحوه ذَكّر الغزنويُّ. أي: باختلاف
سني الشمس والقمر؛ لأنَّه يتفاوت في كلِّ ثلاث وثلاثين وثُلُث سنةٍ سنةً، فيكون في
ثلاث مئة، تسع سنين.
وقرأ الجمهور: ((ثلاث مئةٍ سنينَ)) بتنوين مئة ونَصْب سنين، على التقديم
والتأخير، أي: سنين ثلاث مئة، فقدَّم الصفةَ على الموصوف، فتكون ((سنين)) على
هذا بدلاً، أو عَظْفَ بيان. وقيل: على التفسير والتمييز. و(سنين)) في موضع سنة. وقرأ
حمزة والكسائيُّ بإضافة مئة إلى سنين، وترك التنوين، كأنَّهم جعلوا سنينَ بمنزلة سنة،
إذ المعنى بهما واحد(٢). قال أبو عليٍّ(٣): هذه الأعداد التي تُضاف في المشهور إلى
الآحاد نحو ثلاث مئة رجل وثوب، قد تُضاف إلى الجموع. وفي مصحف عبد الله:
((ثلاث مئة سنة)» (٤). وقرأ الضحاك ((ثلاث مئة سنون)) بالواو. وقرأ أبو عمرو بخلاف
(تَسْعاً)) بفتح التاء(٥)، وقرأ الجمهور بكسرها. وقال الفرَّاء والكسائيُّ وأبو عبيدة:
التقدير: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مئة (٦).
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَبْصِرْ بِهِ،
وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ: أَحَدًا
قوله تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ قيل: بعد موتهم إلى نزول القرآنِ فيهم،
(١) المحرر الوجيز ٥١٠/٣.
(٢) السبعة ص٣٨٩ - ٣٩٠، والتيسير ص ١٤٣، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٥٣/٢، ومعاني القرآن
للفراء ١٣٨/٢.
(٣) في الحجة للقراء السبعة ٥/ ١٣٧.
(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٥١٠، وذكرها ابن خالويه في الشواذ ص٧٩، والزمخشري في الكشاف ٤٨١/٢
ونسباها إلى أُتَيٍّ. وينظر البحر المحيط ٦/ ١١٧ .
(٥) الشواذ ص٧٩.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٣/٢، وينظر معاني القرآن للفراء ١٣٨/٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٩٨/١.

٢٥٤
سورة الكهف: الآية ٢٦
على قول مجاهد. أو إلى أَنْ ماتوا، على قول الضَّحَّاك. أو إلى وقت تغيُّرهم بالبِلَى،
على ما تقدَّم. وقيل: بما لبثوا في الكهف، وهي المدَّة التي ذكرها الله تعالى عن
اليهود وإن ذكروا زيادةً ونقصاناً(١). أي: لا يَعلم عِلْم ذلك إلا الله أو مَن علَّمه ذلك
﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ أي: ما أَبصره وأَسمعه. قال قتادة: لا أحدَ
أَبصرُ مِن الله ولا أسمعُ(٢). وهذه عبارات عن الإدراك. ويحتمل أن يكون المعنى:
((أَبصر به)) أي: بوَحْيِهِ وإرشادِهِ هداكَ وحُججكَ والحقَّ من الأمور، وأَسمع به العالم،
فيكونان أَمرين لا على وجه التعجّب(٣). وقيل: المعنى: أَبصرهم وأَسمعهم ما قال
الله فيهم(٤).
﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَإِيٍّ﴾ أي: لم يكن لأصحاب الكهف وَلِيٍّ يتولَّى حِفْظهم
دون الله. ويحتمل أن يعود الضمير في: ((لهم)) على معاصري محمَّد ﴿ من الكفّار(٥).
والمعنى: ما لهؤلاء المختلفين في مدَّة لُبثهم وَلِيٍّ دون الله يتولَّى تدبيرَ أَمرهم، فكيف
يكونون أعلمَ منه، أو كيف يتعلَّمون من غيرِ إعلامه إيَّاهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ، أَحَدًا﴾ قرئ بالياء ورَفْع الكاف، على معنى
الخبر عن الله تعالى. وقرأ ابنُ عامر والحسن وأبو رَجاء وقتادة والجَحْدَريُّ: ﴿ولا
تُشْرِكْ﴾ بالتاء من فوق وإسكان الكاف على جهة النبيِّ ﴾، ويكون قوله: ((ولا تشرك))
عطفاً على قوله: ((أبصر به وأسمع)). وقرأ مجاهد: ((يُشْرِفْ)) بالياء من تحت والجَزْم.
قال يعقوب: لا أَعرف وجهَه(٦).
(١) النكت والعيون ٣/ ٣٠٠ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٣٣/١٥.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٠/٣ .
(٤) النكت والعيون ٣/ ٣٠٠ .
(٥) المحرر الوجيز ٥١٠/٣ - ٥١١ .
(٦) المحرر الوجيز ٥١١/٣، وقراءة ابن عامر في السبعة ص ٣٩٠، والتيسير ص١٤٣.
:

٢٥٥
سورة الكهف: الآيتان ٢٦ - ٢٧
مسألة: اختلف في أصحاب الكهف هل ماتوا وفَنُوا، أو هم نيامٌ وأجسادهم
محفوظة، فروي عن ابن عباس أنَّه مرَّ بالشام في بعض غزواته مع ناسٍ على موضع
الكهف وجَبَله، فمشى الناسُ معه إليه، فوجدوا عظاماً فقالوا: هذه عظامُ أهل(١)
الكهف. فقال لهم ابن عباس: أولئك قومٌ فَنُوا وعُدِموا منذ مدَّة طويلة، فسمعه راهبٌ
فقال: ما كنتُ أَحسِب أن أحداً من العرب يعرف هذا، فقيل له: هذا ابنُ عمِّ نبيِّنا﴾.
وروت فرقةٌ أنَّ النبيَّ ﴾ قال: لَيَحُجَّنَّ عيسى ابنُ مريم ومعه أصحابُ الكهف فإنَّهم لم
يَحْجُّوا بعدُ)). ذكره ابن عطيّة.
قلت: ومكتوب في التوراة والإنجيل أنَّ عيسى ابن مريم عبدُ الله ورسولُه، وأنَّه
يمرُّ بالرَّوْحاء حاجًا أو مُعْتَمِراً أو يَجمع اللهُ له ذلك فيجعل اللهُ حوارِيَّه أصحابَ
الكهف والرقيم، فيمرُّون حجَّاجاً، فإنَّهم لم يحجوا ولم يموتوا. وقد ذكرنا هذا الخبرَ
بكماله في كتاب ((التذكرة))(٢). فعلى هذا هم نيام ولم يموتوا إلى يوم القيامة، بل
يموتونَ قُبيلَ الساعة.
قوله تعالى: ﴿وَآَتْلُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكٌ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَنْ
تَجِدَ مِن دُونِ، مُلْتَحَدً (َ
٠
قوله تعالى: ﴿وَآَتْلُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكٌ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِّمَتِهِ﴾ قيل: هو
من تمام قصة أصحاب الكهف، أي: اتبع القرآنَ، فلا مُبدِّلَ لكلماتِ اللهِ، ولا خُلفَ
فيما أَخبر به من قصة أصحاب الكهف(٣). وقال الطبري(٤): لا مغيِّر لما أَوعدَ بكلماتِهِ
أهلَ معاصيه والمخالفين لكتابه، ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ أنتَ ﴿مِن دُونِهِ﴾﴾ إنْ لم تتبعِ القرآنَ
وخالفته ﴿مُْتَحَدًا﴾ أي: ملجأً. وقيل: موئلاً(٥). وأصلُه الميلُ، ومَن لجأتَ إليه، فقد
(١) في (ظ): أصحاب. وكذا في المحرر الوجيز ٥١١/٣ والكلام منه.
(٢) ص٦٨٦ .
(٣) ينظر الوسيط ١٤٤/٣.
(٤) في تفسيره ٢٣٤/١٥.
(٥) تفسير الطبري ٢٣٥/١٥، والنكت والعيون ٣٠١/٣.

٢٥٦
سورة الكهف: الآية ٢٧
مِلْتَ إليه. قال القُشَيْرِيُّ أبو نصر عبد الرحيم: وهذا آخرُ قصة أصحاب الكهف.
ولما غزا معاويةُ غزوةَ المضيق نحو الروم وكان معه ابنُ عباس، فانتهى إلى
الكهفِ الذي فيه أصحابُ الكهف، فقال معاويةُ: لو كُشِف لنا عن هؤلاء فننظرَ
إليهم، فقال ابنُ عباس: قد منعَ الله مَن هو خَيرٌ منك عن ذلك، فقال: ((لو اطلعتَ
عليهم لولَّيْتَ منهم فِراراً)) فقال: لا أنتهي حتى أعلمَ علمَهم، وبعثَ قوماً لذلك، فلما
دخلوا الكهفَ، بعثَ الله عليهم ريحاً فأخرجتهم(١)، ذكره الثعلبي أيضاً. وذكر(٢) أنَّ
النبيَّ # سألَ الله أن يريَه إياهم، فقال: إنَّك لن تراهم في دارِ الدنيا، ولكن ابعثْ
إليهم أربعةً من خيارٍ أصحابك ليبلِّغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان، فقال
النبيُّ :﴿ لجبريل عليه السلام: كيف أَبعثُهم؟ فقال: ابسط كساءَك، وأَجلِسْ على
طرفٍ من أطرافه أبا بكر، وعلى الطرفِ الآخر عمرَ، وعلى الثالث عثمانَ(٣)، وعلى
الرابع عليَّ بن أبي طالب، ثم ادع الريحَ الرُّخاءَ المسخرة لسليمان، فإنَّ الله تعالى
يأمُرها أن تطيعَك، ففعل فَحملتهم الريحُ إلى بابِ الكهفِ، فقَلعوا منه حجراً، فحَمل
الكلبُ عليهم، فلمَّا رآهم حَرَّك رأسَه، وبَصَبَص بذَنَبه، وأوْمأ إليهم برأسه أنِ ادخلوا
فدخلوا الكهفَ، فقالوا: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته، فردَّ الله على الفِتية
أرواحَهم، فقاموا بأجمعِهم وقالوا: وعليكم السلام(٤) ورحمةُ الله وبركاته، فقالوا
لهم: معشرَ الفِتْية، إنَّ النبيَّ محمد بنَ عبد الله :﴿ يقرأُ عليكم السلامَ، فقالوا: وعلى
محمدِ رسولِ الله السلامُ ما دامتِ السماواتِ والأرضُ، وعليكم بما أَبلغتُم، وقَبِلوا
دينَه، وأسلموا، ثم قالوا: أَقرئوا محمداً رسولَ الله منَّا السلام، وأَخذوا مضاجعَهم
وصاروا إلى رَقدتِهم إلى آخرِ الزمان عندَ خروجِ المهدي. فيقالُ: إنَّ المهديَّ يسلِّمُ
عليهم فيُحييهم الله ثم يَرجعون إلى رَقدتِهم فلا يقومونَ حتى تقومَ الساعة، فأخبرَ
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٤٨/٧ (١٢٧٢٠)، وتغليق التعليق ٢٤٤/٤، وصححه ابن حجر هنا وفي فتح
الباري ٥٠٥/٦، ووقع في تغليق التعليق: غزوة المصيف، وفي الفتح: الصائفة.
(٢) أي: الثعلبي في عرائس المجالس ص٤٣١ - ٤٣٢.
(٣) في عرائس المجالس: أبا ذر، فيه أنه على الطرف الرابع من الكساء.
(٤) في (م): عليكم.

٢٥٧
سورة الكهف: الآيتان ٢٧ - ٢٨
جبريلُ رسولَ الله﴾ بما كان منهم، ثم ردَّتهمُ الريحُ، فقالَ النبيُّ﴾: «كيف
وجدتموهم؟)) فأخبروه الخبر، فقال النبي ﴾: ((اللَّهُمَّ لا تُفرِّق بيني وبينَ أصحابي
وأصهاري، واغفر لمن أحبَّني وأحبَّ أهلَ بيتي وخاصَّتي وأصحابي))(١).
وقيل: إنَّ أصحابَ الكهفِ دخلوا الكهفَ قبل المسيح، فأخبر اللهُ تعالى المسيحَ
بخبرهم، ثم بُعثوا في الفَتْرة بين عيسى ومحمدٍ ﴾(٢). وقيل: كانوا قبلَ موسى عليه
السلام، وأنَّ موسى ذَكَرهم في التوراةِ، ولهذا سألتِ اليهودُ رسولَ الله ﴾. وقيل:
دَخلوا الكهفَ بعد المسيح، فالله أعلمُ أيَّ ذلك كان(٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِلْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌّ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ثُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ عَن
ذِكْرِنَا وَأَنَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا (هـ
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْهِ وَالْعَشِ﴾ هذا مثلُ قوله:
﴿وَلَا تَظْرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ﴾ في سورة الأنعام(٤) وقد مضى الكلامُ
فيه (٥). وقال سلمانُ الفارسيُّ : جاءتِ المؤلّفَةُ قلوبُهم إلى رسولِ الله ﴾: عيينةُ بنُ
حِصْن، والأقْرِعُ بن حابس [وذووهم(٦)] فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّك لو جلستَ في
صدرِ المجلسِ ونَخَّيتَ عنا هؤلاءِ وأرواحِ جِبابهم - يعنونَ سلمانَ وأبا ذَرٍّ وفقراءَ
المسلمين، وكانت عليهم جبابُ الصوفِ لم يكن عليهم غيرُها - جلسنا إليكَ
وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزلَ الله تعالى: ((واتلُ ما أُوحِيَ إليك من كتاب ربِّك لا
مبدّلَ لكلماته ولن تَجِدَ من دونه مُلْتَحَداً. واصبر نفسك مع الذين يَدْعُون ربَّهم بالغَداِ
(١) عرائس المجالس ص٤٣١ - ٤٣٢.
(٢) النكت والعيون ٢٨٨/٣ .
(٣) تفسير الرازي ٢١/ ١١٣.
(٤) آية ٥٢ .
(٥) ٣٨٩/٨.
(٦) ما بين حاصرتين ليست في النسخ، وهي من تفسير الطبري ١٥/ ٢٤٠ - ٢٤١، وأسباب النزول للواحدي
ص٣٠٦-٣٠٧، والوسيط ١٤٥/٣.

٢٥٨
سورة الكهف: الآية ٢٨
والعَشِيِّ يريدون وجهه - حتى بلغَ - إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادِقها))
يَتهددُهم بالنار، فقام النبيُّ # يلتمسُهم حتى إذا أَصابَهم في مؤخرِ المسجدِ يذكرون
الله قال: ((الحمدُ لله الذي لم يُمثْني حتى أَمرني أن أَصبرَ نفسي مع رجالٍ من أُمتي،
معكم الْمَحْيا ومعكم المماتُ))(١).
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ أي: طاعته. وقرأ نصرُ بن عاصم، ومالكُ بن دِينار، وأبو عبد
الرحمن: ((ولا تَظْرُدِ الذين يدعون ربَّهم بالغُذْوة والعَشِيّ)» وحجتُهم أنَّها في السَّوادِ
بالواو. وقال أبو جعفر النَّحاس: وهذا لا يلزمُ؛ لكتبِهم الحياةَ والصلاةَ بالواو، ولا
تكادُ العربُ تقول: الغدوة؛ لأنَّها معرفة(٢)، وروي عن الحسن: ((ولا تُعْدِ عينيك
عنهم)) (٣) أي: لا تتجاوزْ عيناك إلى غيرِهم من أبناءِ الدنيا طلباً لزينتها؛ حكاه
اليزيدي(٤). وقيل: لا تحتقرُهم عيناك، كما يقال: فلان تَنْبُو عنه العين، أي:
مستحقراً (٥).
﴿وُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوِ الدُّنيًا﴾ أي: تتزيَّن بمجالسةِ هؤلاء الرؤساءِ الذين اقترحوا
إبعادَ الفقراء من مجلسِك(٦)، ولم يُرِدِ النبيُّ ◌َ﴾ أن يفعلَ ذلك، ولكنَّ الله نَهاه عن أن
يفعلَه، وليس هذا بأكثر من قولِه: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وإن كان
الله أعاذَه من الشرك. و((تريد)) فعلٌ مضارع في موضع الحالِ، أي: لا تعدُ عيناك
مريداً(٧)؛ كقولٍ امرئ القيس:
فقلتُ له لا تبْكِ عَيْنَك إنما
١٠ (٨)
نحاول مُلْكاً أو نموتَ فِنُعْذَرَا
(١) أسباب النزول للواحدي ص٣٠٦ - ٣٠٧ .
(٢) في (د) و(م): معروفة، والمثبت من (ظ)، وإعراب القرآن للنحاس ٤٥٤/٢، والكلام منه. وينظر
تفسير الطبري ٢٣٦/١٥ - ٢٣٧، ومعاني القرآن للفراء ١٣٩/٢، والمحرر الوجيز ٥١٢/٣.
(٣) البحر المحيط ١١٩/٦، والإملاء للعكبري ٢/ ٥٦ .
(٤) النكت والعيون ٣٠٢/٣، وينظر المحتسب ٢٧/٢، والمحرر الوجيز ٥١٢/٣.
(٥) تفسير أبي الليث ٢/ ٢٩٧ .
(٦) تفسير الطبري ٢٣٩/١٥ .
(٧) الوسيط ١٤٥/٣، وتفسير الرازي ١١٥/٢١.
(٨) في ديوانه ص٦٦ .

٢٥٩
سورة الكهف: الآية ٢٨
وزعم بعضُهم أنَّ حق الكلام: لا تَعْدُ عينيك عنهم؛ لأن ((تَعْدُ)) متعدٍّ بنفسه. قيل
له: والذي وردت به التلاوةُ من رفع العينين يؤول إلى معنى النصبِ فيهما، إذ كان
((لا تَعدُ عيناك عنهم)) بمنزلة لا تنصرفْ عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم:
لا تَصرِفْ عينيك عنهم، فالفعلُ مسندٌ إلى العينين، وهو في الحقيقةِ موجَّه إلى
النبيِّ﴾(١)؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] فأسندَ الإعجابَ إلى
الأموال، والمعنى: لا تُعْجِبْكَ يا محمدُ أموالُهم. ويزيدُك وضوحاً قولُ الزجاج(٢):
إن المعنى: لا تصرفْ بصرَك عنهم إلى غيرِهم من ذوي الهيئاتِ والزينةِ.
قوله تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ُ رَوى جُوَيبر، عن الضحاك، عن
ابن عباس في قولِه تعالى: ((ولا تُطِعْ من أغفلنا قلبه عن ذكرنا)» قال: نزلت في أُمَيَّة بنِ
خلف الجُمَحِيِّ، وذلك أنَّه دعا النبيَّ ﴾ إلى أمرٍ كَرِهه من تجرُّدِ الفقراء عنه، وتقریبٍ
صناديدِ أهلِ مكة، فأنزلَ الله تعالى: ((ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا)) يعني: مَنْ
ختمنا على قلبِه عن التوحيد، ﴿وََّعَ هَوَهُ﴾ يعني: الشرك(٣)، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْلَا﴾
قيل: هو من التفريطِ الذي هو التقصيرُ وتقديمُ العجزِ بتركِ الإيمان. وقيل: من
الإفراط ومجاوزة الحدِّ، وكان القومُ قالوا: نحن أشرافُ مُضَرَ، إن أسلمنا أسلمَ
الناس. وكان هذا من التكبرِ والإفراط في القول(٤). وقيل: ((فُرُطاً)) أي: قُدُماً في
الشرِّ؛ من قولهم: فَرَط منه أمرٌ، أي: سبقَ(٥). وقيل: معنى: ((أغفلنا قلبه)) وَجدناه
غافلاً، كما تقول: لقِيت فلاناً فأَحمدتُه، أي: وجدته محموداً. وقال عمرو بنُ
(١) أمالي ابن الشجري ٢٢٥/١ - ٢٢٦، وينظر تفسير الطبري ٢٣٩/١٥، ومعاني القرآن للفراء ١٤٠/٢،
وتفسير الرازي ١١٥/٢١ .
(٢) في معاني القرآن ٢٨١/٣، وكلامه في أمالي ابن الشجري ٢٢٦/١، وعنه نقل المصنف.
(٣) أسباب النزول ص٣٠٧، والوسيط للواحدي ١٤٦/٣، وفيه: ((طرد)) بدل ((تجرد))، وينظر تفسير
الطبري ٢٤١/١٥ .
(٤) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٤٠، وتفسير البغوي ١٥٩/٣، وأمالي ابن الشجري ٢٢٦/١ - ٢٢٧.
(٥) وقال الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٣٠٢: وكان أمره فرطاً، فيه خمسة تأويلات: أحدها: ضيقاً،
وهو قول مجاهد. الثاني: متروكاً، قاله الفراء. الثالث: ندماً، قاله ابن قتيبة. الرابع: سرفاً وإفراطاً، قاله
مقاتل. الخامس: سريعاً، قاله ابن بحر.

٢٦٠
سورة الكهف: الآيتان ٢٨ - ٢٩
معدٍ يكّرِب لبني الحارث بنِ كعب: والله لقد سألناكم فَما أَبخلناكم، وقَاتلناكم فما
أَجْبَنَّاكم، وهَاجَيناكم فما أَفحمناكم. أي: ما وجدناكم بخلاءَ ولا جبناء ولا
مُفْحَمين(١). وقيل: نزلت: ((ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا)) في عُيينةً بن حِصن
الفَزَارِي(٢)؛ ذكره عبدُ الرزاق، وحكاه النحاسُ(٣) عن سفيان الثوري. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّيِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْمِن وَمَنْ شَآءَ فَليَكْفُرَّ إِنَّا أَعْتَدْنَا
لِلِّمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاْ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ
بِْسَ الشَّرَابُ وَسَآَمَتْ مُرْتَفَقًا
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلَيَكْفُرَّ﴾ ((الحقُّ)) رَفعٌ
على خبرِ الابتداءِ المضمر، أي: قل: هو الحقُّ(٤). وقيل: هو رفعٌ على الابتداءِ،
وخبرُه في قوله: (مِن ربكم)). ومعنى الآية: قل يا محمدُ لهؤلاءِ الذين أَغفلنا قلوبَهم
عن ذكرنا: أيها الناس، مِن ربكم الحقُّ، فإليهِ التوفيقُ والخِذلان، وبيده الهُدَى
والضَّلال، يهدي من يشاءُ فيؤمِنُ، ويُضِل مَن يشاء فيكفر، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ،
فالله يؤتي الحقَّ مَن يشاء وإن كان ضعيفاً، ويَحرِمه من يشاء وإن كان قويًّا غَنِيًّا،
ولستُ بطاردِ المؤمنين لِهَواكم، فإنْ شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفُروا، وليسَ هذا
بترخيصٍ وتخييرٍ بين الإيمانِ والكفر، وإنَّما هو وعيدٌ وتهديدٌ. أي: إن كفرتم فقد أَعدَّ
لكم النارَ، وإن آمنتم فَلكم الجنةُ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي: أَعددنا ﴿لِلظَّلِينَ﴾ أي: للكافرين الجاحدين(٥)
(١) أمالي ابن الشجري ٢٢٦/١ . ونقل محققه الدكتور محمود الطناحي رحمه الله عن هامش الأصل قولَ
جمال الدين ابن هشام: هذه المقالةُ أعني كون ((أغفلنا)) بمعنى وجدناه غافلاً، تقدَّمه إليها ابنُ جني،
نصَّ عليها في المحتسب وغيره، وحامله عليها الاعتزال.
(٢) تفسير الطبري ٢٤١/١٥، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ١٤٠.
(٣) في معاني القرآن ٢٣١/٤ .
(٤) معاني القرآن للأخفش ٦١٨/٢، وينظر البحر المحيط ١٢٠/٦.
(٥) تفسير الطبري ٢٤٤/١٥ - ٢٤٥ .