Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة الإسراء: الآية ٧٨ الثالثة: اختلف العلماء في آخر وقت المغرب، فقيل: وقتُها وقتٌ واحدٌ لا وقتَ لها إلا حين تحجب الشمس، وذلك بيِّنٌ في إمامة جبريل؛ فإنه صلَّاها باليومين لوقتٍ واحد وذلك غروب الشمس، وهو الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه. وهو أحد قولي الشافعيٍّ في المشهور عنه أيضاً، وبه قال الثوري. وقال مالك في ((الموطأ))(١): فإذا غاب الشفقُ فقد خرجْتَ من وقت المغرب ودخلَ وقت العشاء. وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حَيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثَور وداود؛ لأن وقت الغروب إلى الشفقِ غسقٌ كلُّه، ولحديث أبي موسى، وفيه: أنَّ النبيَّ ◌َ# صلَّى بالسائلِ المغربَ في اليوم الثاني، فأخَّر حتى كان عند سقوط الشفق. خرَّجه مسلم (٢). قالوا: وهذا أولى أخبار إمامة جبريل؛ لأنه متأخرٌ بالمدينة، وإمامةُ جبريلَ بمكة، والمتأخر أولى من فعله وأمره؛ لأنه ناسخٌ لما قبله(٣). وزعم ابن العربي (٤) أنَّ هذا القول هو المشهور من مذهب مالك، وقوله في ((موّئه)) الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته. والنكتةُ في هذا أنَّ الأحكام المتعلّقةَ بالأسماء هل تتعلَّق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها؛ لئلا يكون ذكرُها لغواً، فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظرُ في تعلقه بالكلِّ إلى الآخر. قلت: القول بالتَّوسعةِ أرجح، وقد خرَّج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي الزبير عن جابر قال: خرجَ رسولُ اللهِ ﴾ من مكةَ قريباً من غروب الشمس، فلم يُصَلِّ المغربَ حتى أتى سَرِفَ، وذلك تسعة أميال(٥). وأما القول بالنسخ فليس بالبيِّن، وإن كان التاريخ معلوماً؛ فإن (١) ١٣/١. (٢) في صحيحه (٦١٤). وأخرجه أحمد (١٩٧٣٣). (٣) من بداية المسألة إلى هذا الموضع في الاستذكار ١٩٧/١ - ٢٠٠، والتمهيد ٧٩/٨ و٨١ و٨٣ و٨٤ . (٤) في أحكام القرآن ١٢٠٧/٣ . (٥) وأخرجه أحمد (١٤٢٧٤) من طريق الأجلح، به. ١٤٢ سورة الإسراء: الآية ٧٨ الجمع ممكن. قال علماؤنا: تُحمل أحاديثُ جبريل على الأفضلية في وقت المغرب، ولذلك اتفقتِ الأمةُ فيها على تعجيلها والمبادرة إليها في حين غروب الشمس(١). قال ابن خُوَيْزِمَنْداد: ولا نعلم أحداً من المسلمين تأخّر بإقامة المغرب في مسجدٍ جماعةٍ عن وقت غروب الشمس(٢). وأحاديث التَّوسعة تُبيِّن وقت الجواز، فيرتفع التعارضُ ويصحُّ الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين؛ لأنَّ فيه إعمالَ كلِّ واحدٍ من الدليلين، والقول بالنسخ أو الترجيح فيه إسقاطُ أحدهما. والله أعلم(٣). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ﴾ انتصب ((قرآن)) من وجهين: أحدهما أن يكون معطوفاً على الصلاة، المعنى: وأقم قرآن الفجر أي: صلاة الصبح. قاله الفراء. وقال أهل البصرة: انتصب على الإغراء، أي: فعليك بقرآن الفجر(٤). قاله الزجَّاج(٥). وعبَّر عنها بالقرآن خاصةً دون غيرها من الصلوات؛ لأنَّ القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلةٌ مجهورٌ بها حسبما هو مشهورٌ مسطور. عن الزَّجَّاج أيضاً (٦). قلت: وقد استقرَّ عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قَدْراً لا يضرُّ بمن خلفه - يقرأ فيها بطوال المفصَّل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة - وتخفيف القراءة في المغرب وتوسُّطها في العصر والعشاء. وقد قيل في العصر: إنها تخفّف كالمغرب. وأما ما ورد في ((صحيح مسلم)) وغيره من الإطالة فيما استقرَّ فيه التقصير، (١) المفهم ٢/ ٢٣٧ بمعناه. (٢) الاستذكار ٢٠١/١، والتمهيد ٨٤/٨. (٣) المفهم ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨. (٤) تفسير البغوي ١٢٨/٣. وكلام الفراء في معاني القرآن له ١٢٩/٢. (٥) لم نقف على نسبة هذا القول إلى الزجاج في أيّ من المصادر. (٦) في معاني القرآن ٢٥٥/٣ - ٢٥٦، ولفظ كلامه: في هذا الموضع فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لأن قوله: ((أقم الصلاة، أقم قرآن الفجر)) قد أمر أن نقيم الصلاة، حتى سميت الصلاة قرآناً، فلا تكون صلاةٌ إلا بقراءة. ١٤٣ سورة الإسراء: الآية ٧٨ أو من التقصير فيما استقرَّتْ فيه الإطالة، كقراءته في الفجر بالمعوِّذتين كما رواه النَّسائيّ(١)، وكقراءة الأعراف والمرسلات والطور في المغرب(٢)، فمتروكٌ بالعمل، ولإنكاره على معاذ التطويل حين أمَّ قومَه في العشاء فافتتَحَ سورة البقرة. خرَّجه الصحيح(٣). وبأمره الأئمةَ بالتخفيف فقال: ((أيها الناس، إنَّ منكم مُنفِّرين، فأيُّكم أمَّ الناسَ فليُخفِّفْ فإنَّ فيهم الصغيرَ والكبيرَ والمريضَ والسقيمَ والضعيفَ وذا الحاجة))(٤)، وقال: ((فإذا صلَّى أحدُكم وحدَه فليطوِّلْ ما شاء)»(٥). كلُّه مسطورٌ في صحيح الحديث. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ دليلٌ على أنه لا صلاةَ إلا بقراءة؛ لأنه سَمَّى الصلاة قرآناً (٦). وقد اختلف العلماء في القراءة في الصلاة، فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفَذِّ في كلِّ ركعة، وهو مشهورُ قولِ مالك. وعنه أيضاً أنها واجبةٌ في جُلِّ الصلاة. وهو قول إسحاق. وعنه أيضاً تجب في ركعةٍ واحدة. قاله المُغِيرة وسُحْنُون. وعنه أنَّ القراءة لا تجب في شيء من الصلاة. وهو أشدَّ الروايات عنه. وحُكي عن مالك أيضاً أنها تجب في نصف الصلاة وإليه ذهب الأوزاعيُّ. وعن الأوزاعيِّ أيضاً وأيوب أنها تجب على الإمام والفَذِّ والمأموم على كلِّ حال. وهو أحد (١) سنن النسائي ١٥٨/٢ من حديث عقبة بن عامر ﴾. (٢) حديث قراءته بالأعراف أخرجه أحمد (٢١٦٤٦) من حديث زيد بن ثابت ﴾. وحديث قراءته بالمرسلات أخرجه أحمد (٢٦٨٦٨)، والبخاري (٤٤٢٩)، ومسلم (٤٦٢) من حديث أم الفضل رضي الله عنها. وحديث قراءته بالطور أخرجه أحمد (١٦٧٣٥)، والبخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣) من حدیث جبير بن مطعم ﴾ . (٣) صحيح البخاري (٧٠٥)، وصحيح مسلم (٤٦٥) من حديث جابر بن عبد الله ﴾. وأخرجه أحمد (١٤١٩٠). (٤) أخرجه أحمد (١٧٠٦٥)، والبخاري (٩٠)، ومسلم (٤٦٦) من حديث أبي مسعود الأنصاري ـ (٥) أخرجه أحمد (١٠٣٠٦)، والبخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧) من حديث أبي هريرة ﴾. (٦) معاني القرآن للزجاج ٢٥٥/٣ - ٢٥٦. ١٤٤ سورة الإسراء: الآية ٧٨ قولي الشافعي(١). وقد مضى في الفاتحة مستوفّى(٢). السادسة: قوله تعالى: ﴿كَنَ مَشْهُودًا﴾ روى الترمذيُّ عن أبي هريرة، عن النبيِّ﴾ في قوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: ((تشهدُه ملائكةٌ الليل وملائكةُ النهار)) هذا حديث حسن صحيح(٣). ورواه عليّ بن مُسْهِر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيّ #(٤). وروى البخاريُّ عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﴿ قال: ((فَضْلُ صلاة الجميع على صلاة الواحد خمسٌ وعشرون درجة، وتجتمع ملائكةُ الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح)). يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾(٥). ولهذا المعنى يُبَكَّر بهذه الصلاة، فمن لم يُبكِّرْ لم تشهَدْ صلاتَه إلا إحدى الفئتين من الملائكة(٦). ولهذا المعنى أيضاً قال مالك والشافعيُّ: التغليس بالصبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاتَه ذلك فالإسفار أوْلَى من التغليس. وهذا مخالفٌ لما كان عليه الصلاة والسلام يفعله من المداومة على التغليس (٧). وأيضاً فإن فيه تفويتَ شهود ملائكة الليل(٨). والله أعلم. السابعة: استدلَّ بعض العلماء بقوله :1/8: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار(٩). (١) المفهم ٢٤/٢ - ٢٥ . (٢) ١ /١٨٠ - ١٩٣. (٣) سنن الترمذي (٣١٣٥) من طريق أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به. وأخرجه من هذه الطريق أحمد (١٠١٣٣). (٤) أخرجه الترمذي بإثر الحديث (٣١٣٥) من طريق علي بن مسهر، به. (٥) صحيح البخاري (٦٤٨). وأخرجه أحمد (٧١٨٥)، ومسلم (٦٤٩): (٢٤٦). (٦) تفسير الرازي ٢٨/٢١ . (٧) المفهم ٢/ ٢٤٠ . (٨) تفسير الرازي ٢٨/٢١ . (٩) النكت والعيون ٢٦٤/٣. ١٤٥ سورة الإسراء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ قلت: وعلى هذا فلا تكون صلاةُ العصر أيضاً لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار؛ فإن في الصحيح عن النبيِّ الفصيح عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو هريرة: («يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر)) الحديث(١). ومعلومٌ أنَّ صلاة العصر من النهار، فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل، وليس كذلك، وإنما هي من النهار كالعصر، بدليل الصيام والأيمان، وهذا واضح. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةُ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا ٧٩ مَّحْمُودًا فيه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ﴾ ((من)) للتبعيض(٢). والفاء في قوله: ((فتهجَّد)» ناسقةٌ على مضمر، أي: قم فتهجد. ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن. والتَّهَجُّد من الهجود وهو من الأضداد. يقال: هجد نام، وهجد سهر؛ على الضِّدِّ. قال الشاعر: وليْتَ خَيالها بمنّى يعودُ (٣) ألا زارَتْ وأهلُ مِنّى هُجودُ آخر : ألَا طرقَتْنا والرِّفاق هُجودُ فباتَتْ بِعُلَّات النوالِ تجودُ (٤) يعني نياماً(٥). وهجد وتهجّد بمعنى. وهجّدته أي: أنمتُه، ومجَّدته أي: أيقظتُه(٦). والتهجّد التيقُُّ بعد رَقْدة، فصار اسماً للصلاة؛ لأنه يُتَنَبَّهُ لها. فالتهجد (١) صحيح البخاري (٥٥٥)، وصحيح مسلم (٦٣٢). وأخرجه أحمد (١٠٣٠٩). (٢) المحرر الوجيز ٤٧٨/٣ . (٣) قائله جرير، وهو في ديوانه ٣١٨/١. (٤) قائله خارجة بن فليح كما في أمالي أبي علي القالي ١٤/١. وقوله: ((بُعلَّات)) من التَّعِلَّة والعُلالة: وهو ما يُتعلَّلُ به. اللسان (علل). (٥) من قوله: والفاء في قوله إلى هذا الموضع في النكت والعيون ٢٦٤/٣ بمعناه. (٦) تهذيب اللغة ٣٦/٦. ١٤٦ سورة الإسراء: الآية ٧٩ القيام إلى الصلاة من النوم. قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم(١). وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبيِّ# أنه قال: ((أيحسب أحدُكم إذا قامَ من الليل كلِّه أنه قد تهجَّد؟! إنما التهجُّدُ الصلاةُ بعد رَقْدةٍ، ثم الصلاةُ بعد رَقْدةٍ، ثم الصلاة بعد رقدة)) كذلك كانت صلاة رسول الله﴾(٢). وقيل: الهُجود: النوم. يقال: تهجَّد الرجل إذا سَهِر (٣)، وألقى الهجود وهو النوم. ويُسمَّى من قام إلى الصلاة متهجداً؛ لأنَّ المتهجِّدَ هو الذي يُلقي الهجود الذي هو النوم عن نفسه(٤). وهذا الفعل جارٍ مجرى تحوَّب وتحرَّج وتأثّم وتحتَّث وتقذَّر وتنجَّس؛ إذا ألقى ذلك عن نفسه، ومثله قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] معناه: تندَّمون، أي: تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي انبساط النفوس وسرورها؛ يقال: رجلٌ فَكِهٌ إذا كان كثيرَ السرور والضحك. والمعنى في الآية: ووقتاً من الليل اسْهَرْ به في صلاةٍ وقراءة(٥). الثانية: قوله تعالى: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ أي: كرامةً لك. قاله مقاتل. واختلف العلماء في تخصيص النبيِّ بالذِّكر دون أمته، فقيل: كانت صلاةٌ الليل فريضةً عليه؛ لقوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي: فريضةً زائدةً على الفريضة الموظفة على الأمة(٦). قلت: وفي هذا التأويل بُعْدٌ لوجهين: أحدهما - تسمية الفرض بالنفل، وذلك مَجازٌ لا حقيقة. الثاني - قوله ﴿: ((خمس صلواتٍ فرضهنَّ اللهُ على العباد))(٧)، وقوله (١) ينظر النكت والعيون ٢٦٤/٣، والآثار عن هؤلاء أخرجها الطبري ٣٩/١٥. (٢) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ١٩٤/١ - ١٩٥، والطبراني في الكبير (٣٢١٦)، وفي الأوسط (٨٦٦٥). (٣) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٨٤. (٤) تهذيب اللغة ٦/ ٣٧. (٥) المحرر الوجيز ٤٧٨/٣ . (٦) تفسير الرازي ٣٠/٢١. (٧) أخرجه أحمد (٢٢٦٩٣) من حديث عبادة بن الصامت ﴾. ١٤٧ سورة الإسراء: الآية ٧٩ تعالى: ((هنَّ خمسٌ وهُنَّ خمسون، لا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ))(١) وهذا نص. فكيف يُقال: افترض عليه صلاةً زائدة على الخمس؟! هذا ما لا يصح، وإن كان قد رُوي عنه عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثٌ عليَّ فريضةٌ ولأمتي تطوُّعٌ: قيام الليل، والوتر، والسِّواك))(٢). وقيل: كانت صلاة الليل تطوعاً منه، وكانت في الابتداء واجبةً على الكل، ثم نُسِخَ الوجوبُ، فصار قيامُ الليل تطوعاً بعد فريضة(٣)، كما قالت عائشة، على ما يأتي مبيّناً في سورة ((المُزَّمِّل)) (٤) إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يكون الأمر بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبيّ ﴾(٥)؛ لأنه مغفورٌ له، فهو إذا تطوَّع بما ليس بواجبٍ عليه كان ذلك زيادةً في الدرجات، وغيره من الأمة تطوُّعهم كفاراتٌ وتدارٌ لخللٍ يقع في الفرض. قال معناه مجاهد وغيره (٦). وقيل: عطية؛ لأن العبد لا ينال من السعادة عطاءً أفضلَ من التوفيق في العبادة. الثالثة: قوله تعالى: ﴿عَسَقَّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ اختُلِفَ في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأوّل - وهو أصحها - الشفاعةُ للناس يوم القيامة. قاله حُذيفة بن اليمان(٧). وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن عمر قال: إنَّ الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً كلُّ أمةٍ تتبع نبيَّها تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبيِّ #، فذلك يومَ يبعثه الله (١) أخرجه البخاري (٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣) من حديث أبي ذر ﴾. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (٢١٢٨٨) من حديث أبي بن كعب ﴾. (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٢٩٠)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٤/٨: فيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، وهو كذاب. (٣) تفسير البغوي ١٢٩/٣. (٤) عند المسألة السادسة من تفسير الآيات (١-٤) منها. (٥) المحرر الوجيز ٤٧٨/٣ . (٦) تفسير الرازي ٢١/ ٣٠ بمعناه. (٧) النكت والعيون ٢٦٥/٣ . ١٤٨ سورة الإسراء: الآية ٧٩ المقامَ المحمود(١). وفي ((صحيح مسلم)) عن أنسٍ قال: حدَّثنا محمدٌ﴾ قال: ((إذا كان يومُ القيامة ماجَ الناسُ بعضُهم إلى بعض، فيأتون آدمَ فيقولون له: اشفَعْ لذرِّيتِكَ. فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليلُ الله، فيأتون إبراهيمَ فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله. فيُؤتى موسى فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمتُه. فیؤتی عیسی فیقول: لستُ لها، ولكن عليكم بمحمدٍ ﴾. فأُوتَى فأقول: أنا لها)) وذكر الحديث(٢). وروى الترمِذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله :﴿ في قوله: ﴿عَسَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا ◌َّحْمُودًا﴾ سئل عنها قال: ((هي الشفاعة)) قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(٣). الرابعة: إذا ثبت أنَّ المقام المحمود هو أمرُ الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهي الأمر إلى نبيِّنا محمدٍ ﴾، فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف، ليعجِّل حسابهم ويُراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به ﴿، ولأجل ذلك قال: ((أنا سيدُ ولد آدم ولا فخر)). قال النقاش: لرسول الله ﴾ ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعةٌ في السبق إلى الجنة، وشفاعةٌ في أهل الكبائر. ابن عطية: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء(٤). وقال القاضي أبو الفضل عياض: شفاعات نبيِّنا 8# يوم القيامة خمسُ شفاعات: العامة. والثانية في إدخال قوم الجنةَ دون حساب. الثالثة في قومٍ من موحِّدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع فيهم نبيّنا﴿ ومَن شاء اللهُ أن يشفع، ويدخلون الجنة - وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم (١) صحيح البخاري (٤٧١٨). (٢) صحيح مسلم (١٩٣). وأخرجه البخاري (٧٥١٠). (٣) سنن الترمذي (٣١٣٧). وأخرجه أحمد (٩٧٣٥). (٤) المحرر الوجيز ٤٧٨/٣ - ٤٧٩. وحديث: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) سلف ٢٥٤/٤ و١٢٩/٥. ١٤٩ سورة الإسراء: الآية ٧٩ الفاسدة، وهي الاستحقاق العقليُّ المبنيُّ على التحسين والتقبيح - الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين، فيخرجون بشفاعة نبينا # وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين. الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها، وهذه لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأوّل. الخامسة: قال القاضي عياض: وعُرِفَ بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح الشفاعة النبيِّ ﴾ ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يُلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبيِّ﴾؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدَّمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ثم كلُّ عاقلٍ معترفٌ بالتقصير محتاجٌ إلى العفو، غيرُ معتدٍّ بعمله، مشفقٌ أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب أيضاً، وهذا كلُّه خلاف ما عُرِفَ من دعاء السلف والخلف(١). روى البخاريُّ عن جابر بن عبد الله، أنَّ رسول الله :﴿ قال: ((من قال حين يسمع النداءَ: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً -* - الوسيلةَ والفضيلة، وابعَثْه مقاماً محموداً الذي وعدْتَه، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة))(٢). القول الثاني - أنَّ المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة(٣). قلت: وهذا القول لا تنافُرَ بينه وبين الأوّل؛ فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع. روى الترمذيُّ عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((أنا سيدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامة ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذٍ آدَمَ فمن سواه إلا تحت لوائي)) الحديث(٤). (١) إكمال المعلم ١/ ٥٦٦ . (٢) صحيح البخاري (٦١٤). وأخرجه أحمد (١٤٨١٧). (٣) النكت والعيون ٢٦٦/٣ . (٤) سنن الترمذي (٣١٤٨). ١٥٠ سورة الإسراء: الآية ٧٩ القول الثالث - ما حكاه الطبريُّ عن فرقة - منها مجاهد - أنها قالت: المقام المحمود هو أن يُجلِسَ اللهُ تعالى محمداً # معه على كرسيه. وروَتْ في ذلك حديثاً (١). وعَضَدَ الطبريُّ جوازَ ذلك بشططٍ من القول، وهو لا يخرج إلا على تلُفٍ في المعنى، وفيه بُعْدٌ. ولا يُنْكَر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوَّله. وذكر النقّاش عن أبي داود السِّجسْتَانيّ أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا مُتَّهَم، ما زال أهل العلم يتحدَّثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله(٢). قال أبو عمر: ومجاهدٌ وإن كان أحدَ الأئمة بتأوُّلِ القرآن، فإنَّ له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا، والثاني في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] قال: تنتظر الثواب؛ ليس من النظر (٣). قلت: ذكر هذا في باب: ابنُ شهاب في حديث التنزيل. ورُوي عن مجاهدٍ أيضاً في هذه الآية قال: يُجلِسه على العرش(٤). وهذا تأويلٌ غير مستحيل؛ لأنَّ الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلَّها والعرشَ قائماً بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجةٍ إليها، بل إظهاراً لقدرته وحكمته، وليُعرف وجودُه وتوحيدُه وكمالُ قدرته وعلمه بكلِّ أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشاً استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسًا، أو كان العرش له مكاناً. قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يُخلَقَ المكانُ والزمان، فعلى هذا القول سواءٌ في الجواز أقعَدَ محمدٌ على العرش أو على (١) أخرجه الطبري ٥٣/١٥، والخلال في السنة (٢٣٦ و٢٣٧ و٢٣٨ و٣٠٧ و٣٠٨ و٣٠٩) من طريق سیف السدوسي، عن عبد الله بن سلام قال: إن محمداً ټ# يوم القيامة علی کرسيٍّ الرب بين يدي الربُّ تبارك وتعالى. سيف السدوسي لم نقف له على ترجمة، لكن البخاري قال في التاريخ الكبير ١٥٨/٤ : لا يُعرف لسيف سماعٌ من عبد الله بن سلام. (٢) من بداية القول إلى هذا الموضع في المحرر الوجيز ٤٧٩/٣ . وينظر كلام الطبري في تفسيره ٥١/١٥ - ٥٤ . (٣) التمهيد ١٥٧/٧. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٣٦/١١، والطبري ٤٧/١٥، والخلال (٢٤١ و٢٤٤ و٢٤٦ و٢٦٧ و٢٧٨ و ٢٧٩ و ٢٨٦ و ٢٨٧ و٢٨٨ و٢٩٦ و٢٩٨ و٣٠١). ١٥١ سورة الإسراء: الآية ٧٩ الأرض؛ لأنَّ استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستوٍ على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كَيْفٍ. وليس إقعادُه محمداً على العرش موجِباً له صفةً الربوبية أو مُخرجاً له عن صفة العبودية، بل هو رفعٌ لمحلِّه وتشريفٌ له على خلقه. وأما قوله في الإخبار: ((معه)) فهو بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، و﴿رَبِّ ابْنِ لِ عِنْدَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] ونحو ذلك. كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحُظوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان(١). الرابع - إخراجه من النار بشفاعته من يخرج. قاله جابر بن عبد الله. ذكره مسلم(٢). وقد ذكرناه في كتاب التذكرة(٣) والله الموفق. السادسة: اختلف العلماء في كون القيام بالليل سبباً للمقام المحمود على قولين: أحدهما - أنَّ البارئ تعالى يجعل ما شاء من فعله سبباً لفضله من غير معرفةٍ بوجه الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة. الثاني - أنَّ قيام الليل فيه الخلوة مع البارئ والمناجاة دون الناس، فأعطى الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم، فأجلُّهم فيه درجةً محمدٌ ﴿؛ فإنه يُعْطَى ما لا يُعطى أحدٌ، ويشفع ما لا يشفع أحد (٤). و((عسى)) من الله عزَّ وجلَّ واجبة. و((مَقاماً)) نصب على الظرف(٥). أي: في مقام أو إلى مقام. وذكر الطبري عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﴾ قال: ((المقام المحمود هو المقام الذي أشفَعُ فيه لأمتي)) (٦). فالمقام (١) هذا تأويل غير صحيح، والصواب إثبات صفة العِندية لله عز وجل، واستحقاق بعضٍ أشراف مخلوقاته مكاناً عنده، والله أعلم. (٢) في صحيحه (١٩١). (٣) ص٢٤٨ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٢١١/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٤٧٩/٣ . (٦) تفسير الطبري ٤٧/١٥ - ٤٨. وأخرجه أحمد (٩٦٨٤). ١٥٢ سورة الإسراء: الآية ٨٠ الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك. قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن ٨٠ لَُّنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ( قيل: المعنى: أمِتْني إماتةَ صدق، وابعثني يوم القيامة مَبعثَ صدق(١)؛ ليتصل بقوله: ﴿عَسَّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ كأنه لما وعده ذلك أمره أن يدعو ليُنْجِز له الوعد. وقيل: أدخلني في المأمور وأخرجني من المنهيّ(٢). وقيل: علَّمه ما يدعو به في صلاته وغيرها من إخراجه من بين المشركين وإدخاله موضع الأمن، فأخرجه من مكة وصيّره إلى المدينة(٣). وهذا المعنى رواه الترمذي عن ابن عباس قال: كان النبيُّ # بمكة ثم أُمِرَ بالهجرة، فنزلت: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قال: هذا حديث حسن صحيح(٤). وقال الضَّّاك: هو خروجه من مكة ودخوله مكة يوم الفتح آمناً (6). أبو سهل: حين رجع من تبوك وقد قال المنافقون: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ﴾ [المنافقون: ٨] يعني: إدخال عزِّ وإخراج نصرٍ إلى مكة. وقيل: المعنى: أدخلني في الأمر الذي أكرمتني به من النبوَّة مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ إذا أمَتَّني. قال معناه مجاهد(٦). والمدخل والمخرج - بضمٌّ الميم - بمعنى الإدخال والإخراج، كقوله: ﴿أَنْزِلْنِ مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩] أي: (١) تفسير الطبري ١٥/ ٥٥ . (٢) النكت والعيون ٢٦٧/٣، وتفسير البغوي ١٣٢/٣. (٣) تفسير الطبري ٥٤/١٥ بمعناه. (٤) سنن الترمذي (٣١٣٩) من طريق قابوس أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس. وأخرجه كذلك أحمد (١٩٤٨)، والحاكم ٣/٣ وصححه، لكن الذهبي ضعَّفه بقابوس. (٥) معاني القرآن للنحاس ١٨٥/٤، والنكت والعيون ٢٦٦/٣، وأخرجه الطبري ١٥/ ٥٧ . (٦) تفسير البغوي ١٣٢/٣. ١٥٣ سورة الإسراء: الآيتان ٨٠ - ٨١ إنزالاً لا أرى فيه ما أكره(١). وهي قراءةُ العامة. وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم: ((مَدخل)) و((مخرج)) بفتح الميمين بمعنى الدخول والخروج(٢)؛ فالأوّل رباعي وهذا ثلاثي. وقال ابن عباس: أدخلني القبر مدخلَ صدق عند الموت وأخرجني مخرج صدق عند البعث(٣). وقيل: أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، أي: لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه؛ فإنَّ ذا الوجهين لا يكون وجيهاً عندك (٤). وقيل: الآية عامةٌ في كل ما يُتناول من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال، ويُنتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة. فهي دعاء، ومعناه: ربِّ أصلِحْ لي وِرْدِي في كل الأمور وصَدَرِي(٥). وقوله: ﴿وَأَجْعَل لِ مِنْ لَّدُنُكَ سُلْطَانًا تَصِيرًا﴾ قال الشَّعبيُّ وعكرمة: أي: حجةً ثابتة. وذهب الحسن إلى أنه العز والنصر وإظهار دينه على الدين كله(٦). قال: فوعده الله لَيَنْزِ عِنَّ مُلك فارس والروم وغيرها فيجعله له(٧). قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا. (٨١) فيه ثلاث مسائل : الأولى: روى البخاريُّ والترمذيُّ عن ابن مسعودٍ قال: دخل النبيُّ :﴿ مكةَ عام الفتح وحول الكعبة ثلاث مئةٍ وستون نُصُباً، فجعلَ النبيُّ # يطعنها بِمِخصَرةٍ في يده - وربما قال: بعود - ويقول: ((جاء الحقُّ وزهق الباطلُ، إنَّ الباطلَ كان زهوقاً، جاء (١) تفسير الرازي ٣٣/٢١. (٢) إتحاف فضلاء البشر ص ٣٦٠ عن الحسن، وفي المحرر الوجيز ٣/ ٤٨٠ عن أبي حيوة وقتادة وحميد، وهي قراءة شاذة. (٣) النكت والعيون ٢٦٧/٣ . (٤) تفسير البغوي ١٣٢/٣. (٥) المحرر الوجيز ٤٧٩/٣ . (٦) معاني القرآن للنحاس ١٨٦/٤. (٧) تفسير البغوي ١٣٢/٣. وأخرجه الطبري ٥٨/١٥ . ١٥٤ سورة الإسراء: الآية ٨١ الحقُّ وما يُبدئ الباطلُ وما يعيد)) لفظ الترمذيِّ. وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(١). وكذا في حديث مسلم: ((نُصُباً)). وفي رواية: ((صنماً))(٢). قال علماؤنا: إنما كانت بهذا العدد؛ لأنهم كانوا يُعظّمون في يوم صنماً ويخصُّون أعظمَها بيومين. وقوله: ((فجعل يطعنها بعودٍ في يده)) يقال: إنها كانت مثبتةً بالرَّصاص، وأنه كلما طعن منها صنماً في وجهه خرَّ لقفاه، أو في قفاه خرَّ لوجهه، وكان يقول: ((جاء الحقُّ وزهَقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كان زهوقاً) حكاه أبو عمر(٣) والقاضي عياض. وقال القشيريُّ: فما بقي منها صنمٌ إلا خرَّ لوجهه، ثم أَمَر بها فكُسِرت. الثانية: في هذه الآية دليلٌ على كسر نُصب المشركين وجميع الأوثان إذا غُلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسرُ آلة الباطل كلِّه، وما لا يصلح إلا لمعصية الله، كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصُّوَرُ المُتَّخَذةُ من المَدَر والخشب وشبهها، وكلُّ ما يتَخذه الناسُ ممَّا لا منفعةَ فيه إلا اللهوَ المنهيَّ عنه. ولا يجوز بيع شيءٍ منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، إذا غُيِّرت عما هي عليه وصارت تُشرَح نُقراً (٤) أو قطعاً فيجوز بيعها والشِّراء بها. قال المهلَّب: وما كُسِرَ من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعةٌ فصاحبها أوْلَى بها مكسورة، إلا أن يرى الإمام حَرْقَها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدَّم حرق ابن عمر ﴾(٥). وقد همَّ النبيُّ﴾ بتحريق دُورٍ من تخلَّفَ عن صلاة الجماعة(٦). وهذا أصلٌ في العقوبة في المال مع قوله عليه السلام في الناقة (١) صحيح البخاري (٢٤٧٨)، وسنن الترمذي (٣١٣٨). وأخرجه أحمد (٣٥٨٤). (٢) صحيح مسلم (١٧٨١). (٣) في الدرر في اختصار المغازي والسير ٢٦٢/٢ . (٤) أي: مُذابةٌ. تهذيب اللغة ٨٩/٩. (٥) كذا في النسخ، والذي سلف ٥/ ٣٩٤ أن الذي حرق هو الوليد بن هشام. (٦) سلف ٤/ ١٧٩ . ١٥٥ سورة الإسراء: الآية ٨١ التي لعنَتْها صاحبتُها: ((دعوها فإنَّها ملعونة)) (١) فأزال ملكها عنها تأديباً لصاحبتها، وعقوبةً لها فيما دعَتْ عليه بما دعَتْ به. وقد أراق عمر بن الخطاب ﴿ لَبَناً شِيبَ بماءٍ على صاحبه(٢). الثالثة: ما ذكرنا من تفسير الآية يُنظر إلى قوله: ((والله لينزِلنَّ عيسى بنُ مريم حكماً عادلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصليبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الخنزيرَ وَلَيَضَعنَّ الجِزْيَةِ وَلَتُتْرَكِنَّ القِلاصُ فلا يُسعى عليها)) الحديث. خرَّجه الصحيحان(٣). ومن هذا الباب هَتْكُ النبيِّ# الستر الذي فيه الصور، وذلك أيضاً دليلٌ على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا. وهذا كلُّه يحظر المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها. إن أصحاب هذه الصور يُعذَّبون يوم القيامة ويُقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وحسبك! وسيأتي هذا المعنى في ((النمل))(٤) إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ﴾ أي: الإسلام. وقيل: القرآن. قاله مجاهد. وقيل: الجهاد. ﴿وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ قيل: الشرك. وقيل: الشيطان. قاله مجاهد. والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير: جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه (٥). ﴿وَزَهَقَ الْبَطِلُّ﴾: بطل الباطل(٦). ومن هذا زُهوقُ النفس وهو بطلانها. يقال: زَهَقَتْ نفسُه تَزْهَق زُهوقاً، وأزهقتُها(٧). ﴿إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ أي: لا بقاءَ له، والحقُّ الذي يثبت(٨). (١) أخرجه أحمد (١٩٨٧٠)، ومسلم (٢٥٩٥) من حديث عمران بن حصين طـ (٢) سلف ٣٩٦/٥ . (٣) لم يخرجه البخاري، وإنما خرجه مسلم (١٥٥): (٢٤٣)، وقد سلف ١٥٥/٥ . (٤) ١٧/ ٢٧٣ - ٢٧٤ . (٥) المحرر الوجيز ٣/ ٤٨٠ . (٦) مجمع البيان ٨٩/١٥ . (٧) ينظر تهذيب اللغة ٥/ ٣٩٢ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٧/٢. ١٥٦ سورة الإسراء: الآية ٨٢ قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُ وَلَا يَزِيدُ الظَِّلِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨)﴾ فيه سبع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ قرأ الجمهور بالنون(١). وقرأ مجاهد: ((ويُنْزِل)) بالياء خفيفة، ورواها المروزيُّ عن حفص(٢). و((مِن)) لابتداء الغاية، ويصحُّ أن تكون لبيان الجنس؛ كأنه قال: وننزل ما فيه شفاء من القرآن. وفي الخبر: ((من لم يَسْتَشْفِ بالقرآن فلا شفاه الله))(٣). وأنكر بعض المتأولين أن تكون ((مِن)) للتبعيض؛ لأنه يحفظ من أن يلزمه أنَّ بعضَه لا شفاء فيه. ابن عطية: وليس يلزمه هذا، بل يصِحُّ أن تكون للتبعيض بحسب أنَّ إنزاله إنما هو مُبعَّض، فكأنَّه قال: وننزل من القرآن شيئاً شفاءً، ما فيه كلُّه شفاء. الثانية: اختلف العلماء في كونه شفاءً على قولين: أحدهما - أنه شفاءٌ للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الرَّيب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى. الثاني - شفاءٌ من الأمراض الظاهر بالرُّقَى والتعوُّذ ونحوه (٤). وقد روى الأئمة - واللفظ للدار قطنيٍّ - عن أبي سعيد الخُذريِّ قال: بعثنا رسول اللـه ﴾ في سَرِيَّةٍ ثلاثين راكباً. قال: فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يُضيفونا فأبَوْا. قال: فلُدِغَ سيدُ الحيِّ، فأتونا فقالوا: فيكم أحدٌ يَرْقي من العقرب؟ - في رواية ابن قَتَّة: إنَّ الملِكَ يموت - قال: قلتُ أنا: نعم، ولكن لا أفعل (١) وتشديد الزاي، وقرأ أبو عمرو ويعقوب: ((ونُنْزِلُ)) بالنون وتخفيف الزاي. إتحاف فضلاء البشر ص٣٦٠، والنشر ٣٠٨/٢. (٢) وهي قراءة شاذة، والمشهور عن حفص بمثل قراءة الجمهور. (٣) عزاه في كنز العمال (٢٨١٠٦) إلى الدارقطني في الأفراد، وأورده الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار ٢٨٨/٢ وعزاه إلى الثعلبي وساق إسناده من طريق أحمد بن الحارث الغساني، عن ساكنة بنت الجعد، عن رجاء الغنوي مرفوعاً. أحمد بن الحارث الغساني متروك، وساكنة بنت الجعد مجهولة. الميزان ٨٨/١ و٤٤/٢ . وقال ابن عبد البر في الاستيعاب ص ٢٣٧: رجاء الغنوي لا يصح حديثه ولا تصح له صحبة. (٤) من بداية المسألة الأولى إلى هذا الموضع ـ دون ذكر الحديث - في المحرر الوجيز ٤٨٠/٣ . ١٥٧ سورة الإسراء: الآية ٨٢ حتى تعطونا. فقالوا: فإنا نُعطيكم ثلاثين شاةً. قال: فقرأت عليه: ((الحمد لله ربِّ العالمين)) سبعَ مرات، فبرَأَ . - في رواية سليمان بن قَتَّة عن أبي سعيد: فأفاقَ وبرَأَ - فبعث إلينا بالنُّزل، وبعث إلينا بالشاء، فأكلنا الطعام أنا وأصحابي، وأبَوْا أن يأكلوا من الغنم، حتى أتينا رسول اللـه ﴿ فأخبرتُه الخبر، فقال: ((وما يُدريكَ أنَّها رُقية)) قلت: يا رسول الله، شيءٌ أُلقي في رُوعِي. قال: ((كلوا وأطعمونا من الغنم)) خرَّجه في كتاب السنن(١). وخرَّج في كتاب ((المُدَبَّج))(٢) من حديث السَّرِيِّ بن يحيى قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي سُليم، عن الحسن، عن أبي أمامة، عن رسول اللـه﴾ أنه قال: ((ينفَعُ بإذن الله تعالى من البرص والجنون والجذام والبطن والسُّلِّ والحُمَّى والنَّفْس أن تُكتبَ بزعفرانٍ أو بِمِشْقٍ - يعني المَغْرة - أعوذ بكلمات الله التامة، وأسمائه كلِّها عامةً، من شرِّ السَّامَّة والغامَّة، ومن شرِّ العين اللامَّة، ومن شرٌّ حاسدٍ إذا حسد، ومن أبي فَروةَ وما ولد)). كذا قال، ولم يقُلْ: من شرِّ أبي قِتِرة (٣). العين اللامَّة: التي تصيب بسوء. تقول: أُعِيذه من كلِّ هامَّةٍ لامَّةٍ. وأما قوله: أُعيذه من حادثات اللَّمة فيقول: هو الدهر. ويقال: الشدة. والسَّامَّة: الخاصَّة. يقال: كيف السَّامَّة والعامة. والسَّامَّة: السُّمّ. ومن أبي فروة وما ولد. وقال: ((ثلاثةٌ وثلاثون من الملائكة أتَوْا ربَّهم عزَّ وجلَّ فقالوا: وَصَبٌّ بأرضنا. فقال: خذوا تربةً من أرضكم فامسحوا نواصيكم - أو قال: بِوَصَبِكم (٤) - رقية محمدٍ ﴿، لا أفلَحَ من كتمها أبداً، (١) سنن الدار قطني (٣٠٣٤) و(٣٠٣٥) من طريق أبي نضرة، و(٣٠٣٦) من طريق أبي المتوكل، و(٣٠٣٧) من طريق سليمان بن قتة، ثلاثتهم عن أبي سعيد الخدري، به. وأخرجه أحمد (١١٠٧٠) من طريق أبي نضرة، و(١١٤٧٢) من طريق سليمان بن قتة، و(١٠٩٨٥)، والبخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١) من طريق أبي المتوكل. (٢) تصحف في (م) إلى المديح. وقد سلف اسمه على الصواب ٦١/٨ . والحديث المدبَّج: هو أن يروي أحد القرينين عن الآخر، ولا يروي الآخر عنه. مقدمة ابن الصلاح ص ٣١٠ . (٣) وهي كنية إبليس. العين (قتر). (٤) في (م): نوصيكم، وهو خطأ. والوصب: المرض. الصحاح (وصب). ١٥٨ سورة الإسراء: الآية ٨٢ أو أخذَ عليها صَفَداً»(١). ثم يكتبُ فاتحةَ الكتابِ وأربعَ آياتٍ من أول البقرة، والآيةَ التي فيها تصريفُ الرياح، وآيةَ الكرسي، والآيتين اللتين بعدها، وخواتيمَ سورة البقرة من موضع ﴿لِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ إلى آخرها، وعشراً من أوَّل آل عمران، وعشراً من آخرها، وأوَّلَ آيَةٍ من النساء، وأوَّلَ آيةٍ من المائدة، وأُوَّلَ آیةٍ من الأنعام، وأوَّلَ آيةٍ من الأعراف، والآيةَ التي في الأعراف [٥٤]: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ حتى تختم الآية، والآية التي في يونس [٨١] من موضع ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم ◌ِ السِّحْرِّ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾، والآيةَ التي في طه [٦٩] ﴿وَلِ مَا فِي يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُوَاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحٍِ وَلَا يُفْلِمُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَ﴾، وعشراً من أوَّلِ الصافات، و﴿قُلُ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، والمعوِّذَتين. تُكتبُ في إناءٍ نظيفٍ، ثم تُغسَلُ ثلاثَ مراتٍ بماءٍ نظيفٍ، ثم يحثو منه الوَجِعُ ثلاثَ حَثَواتٍ، ثم يتوضَّأ منه كوضوئه للصلاة، ويتوضَّأُ قبل وضوئه للصلاة حتى يكون على طهر قبل أن يتوضأ به، ثم یصُبُّ على رأسه وصدره وظهره ولا يستنجي به، ثم يُصلي ركعتين، ثم يستشفي الله عزَّ وجلَّ، يفعل ذلك ثلاثة أيام، قدر ما يكتب في كلِّ يوم كتاباً(٢) . - في رواية: ومن شرِّ أبي قِتْرة وما ولد - وقال: ((فامسحوا بِوَصَبِكم))(٣) ولم يشك(٤). وروى البخاريُّ عن عائشة، أنَّ النبيَّ # كان يَنْفِثُ على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوِّذات، فلما ثَقُلَ كنتُ أنفُثُ عليه بهنَّ، وأمسَحُ بيد نفسِه لبركتها. فسألت (١) أي: عطاءً. الصحاح (صفد). (٢) في إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. الميزان ٤٢٠/٣ - ٤٢١ . والحسن لم يثبت سماعه من أبي أمامة. (٣) المثبت من (ز) ومن المصادر، وفي بقية النسخ: نواصيكم. (٤) وقد أخرج هذه الرواية - بالمرفوع منها فقط - أبو يعلى (٢٤١٦)، والطبراني في الأوسط (٦٠٨٩)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٨٧) من طريق معتمر، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي فزارة، عن سعيد بن جبير أو مقسم، عن ابن عباس مرفوعاً. وفي رواية أخرى لأبي يعلى (٢٤١٧): عن أبي فزارة، عن مقسم، عن سعيد، عن ابن عباس، وفي رواية لابن أبي الدنيا: عن أبي فزارة، عن مقسم، عن ابن عباس. قلنا: ومدار الإسناد على ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف كما تقدم آنفاً. ١٥٩ سورة الإسراء: الآية ٨٢ الزُّهريَّ كيف كان ينفِثُ؟ قال: كان يَنْفِثُ على يديه ثم يمسحُ بهما وجهَه (١). وروى مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﴿ كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوِّذتين وتَفَل أو نَفَث(٢). قال أبو بكر بن الأنباري: قال اللغويون: تفسير (نفث)) نفخ نفخاً ليس معه ريق. ومعنى ((تَفَل)) نفخ نفخاً معه ريق(٣). قال الشاعر: وإن يُفْقَدْ فَحُقَّ له الفُقودُ(٤) فإن يَبْرَأُ فلم أنْفِتْ عليهِ وقال ذو الرُّمَّة: ومِن جَوْفٍ ماءٍ عَرْمَضُ الحَولِ فوقَهُ متى يَحْسُ منه مائحُ القوم يَتْفُلِ (٥) أراد: ينفخ بريق. وسيأتي ما للعلماء في النفث في سورة الفلق إن شاء الله تعالى. الثالثة: روى ابن مسعود أن رسول الله ﴿ كان يكره الرُّقى إلا بالمعوِّذات(٦). قال الطبري: وهذا حديثٌ لا يجوز الاحتجاج بمثله في الدِّين؛ إذ في نقَلَتِهِ من لا يُعرف. ولو كان صحيحاً لكان إما غلطاً وإما منسوخاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الفاتحة ((ما أدراك أنها رُقية)). وإذا جاز الرُّقى بالمعوِّذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر القرآن مثلَهما في الجواز؛ إذ كلُّه قرآن. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((شفاءُ أمتي في ثلاثٍ: آيةٍ من كتاب الله، أو لعقةٍ من عسل، أو شرطةٍ من مِحجم)) (٧). وقال رجاء الغَنَوِيُّ: ومن لم يستشْفِ بالقرآن فلا شفاءً له(٨). (١) صحيح البخاري (٥٧٣٥)، والسائل الذي سأل الزهري هو معمر بن راشد الراوي عنه. فتح الباري ١٠ / ١٩٧ - ١٩٨ . (٢) الموطأ ٩٤٢/٢ - ٩٤٣. وأخرجه من طريقه أحمد (٢٤٧٢٨)، والبخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢): (٥١). (٣) زاد المسير لابن الجوزي ٩/ ٢٧٥ . (٤) قائله عنترة، وهو في ديوانه ص٤٢ . (٥) ديوان ذي الرمة ١٤٨٧/٣. وقال شارحه: الجوف: المطمئن من الأرض. والعرمَضُ: الخضرة على رأس الماء، وعرمضُ الحولِ: أتى عليه حولٌ. والمائح: الذي يغرف بيده. (٦) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٥٧٣). (٧) سلف ١٢/ ٣٧١ . (٨) سلف قريباً في الصفحة ١٥٦ مرفوعاً، ولا يصح. ١٦٠ سورة الإسراء: الآية ٨٢ الرابعة: واختلف العلماء في النُّشْرة، وهي أن يكتب شيئاً من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء، ثم يمسح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن المسيِّب؛ قيل له: الرجلُ يؤخَذُ عن امرأته، أيُحَلُّ عنه ويُنْشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم يُنْهَ عنه(١). ولم يَرَ مجاهدٌ أن تُكتبَ آياتٌ من القرآن، ثم تُغسَلَ، ثم يُسقاه صاحبُ الفزع. وكانت عائشة تقرأ بالمعوِّذتين في إناءٍ، ثم تأمر أن يُصبَّ على المريض(٢). وقال المازَرِيُّ أبو عبد الله: النُّشرةُ أمرٌ معروفٌ عند أهل التعزيم، وسُمّيت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها، أي: تَخُلُّ. ومنعها الحسن(٣) وإبراهيم النَّخَعيُّ؛ قال النَّخَعِيُّ: أخاف أن يصيبه بلاء. وكأنه ذهب إلى أنه ما يجيء به القرآن فهو إلى أن يعقب بلاءً أقربَ منه، إلى أن يفيد شفاءً. وقال الحسن: سألتُ أَنَساً فقال: ذكروا عن النبيِّ #* أنها من الشيطان (٤). وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: سُئِلَ رسولُ الله﴾ عن النُّشْرة فقال: ((من عمل الشيطان))(٥). قال ابن عبد البر: وهذه آثارٌ لينةٌ ولها وجوهٌ مُحتمِلة(٦)، وقد قيل: إنَّ هذا محمولٌ على ما إذا كانت خارجةً عما في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وعن المداواة المعروفة. والنُّشرة من جنس الطب(٧). فهي غسالةُ شيءٍ له فضل، فهي كوضوء رسول الله ﴾. (١) المفهم ٥٩٠/٥ . (٢) أخرجهما ابن أبي شيبة ٢٨/٨ . (٣) المفهم ٥/ ٥٩٠ . (٤) أخرجه البزار ((كشف الأستار)) (٣٠٣٤)، والحاكم ٤١٨/٤ من طريق مسكين بن بكير، عن أبي رجاء، عن الحسن، به موصولاً. وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٩/٨ ، وأبو داود في المراسيل (٤٥٣) من طرق عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، عن النبي 8# مرسلاً. ورجح المرسل أبو حاتم فيما نقل عنه ابنه في العلل ٢٩٥/٢، لكن يشهد له حديث جابر الآتي. (٥) سنن أبي داود (٣٨٦٨)، وأخرجه أحمد (١٤١٣٥). (٦) التمهيد ٢٧٣/٥ . (٧) المفهم ٥٩٠/٥ .