Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة الإسراء: الآيات ٦٤ - ٦٦ وقيل: ((وَعدْهُمْ)) أي: عِذْهم النُّصرة على من أرادهم بسوء(١). وهذا الأمر للشيطان تهدُّدٌ ووعيدٌ له(٢). وقيل: استخفافٌ به وبمن اتبعه. السادسة: في الآية ما يدلُّ على تحريم المزامير والغناء واللَّهو؛ لقوله: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ على قول مجاهد. وما كان من صوت الشيطان أو فِعْلِه وما يستحسنه فواجبٌ التنزُّه عنه. وروى نافع عن ابن عمر أنه سمع صوتَ زَمَّارةٍ فوضع أصبعيه في أُذنيه، وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم. فمضى حتى قلتُ له: لا. فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيتُ رسولَ الله # سمعَ صوتَ زَمَّارة راعٍ فصنع مثلَ هذا(٣). قال علماؤنا: إذا كان هذا فِعْلُهم في حقِّ صوتٍ لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزَمْرِهم، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة لقمان إن شاء الله تعالى (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ٦٥ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَّهِمْ سُلْطَانُ﴾ قال ابن عباس: هم المؤمنون. وقد تقدَّم الكلام فيه(٥). ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي: عاصماً من القبول من إبليس، وحافظاً من كيده وسوء مکره(٦). قوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، إِنَّهُ كَانَ پِم رَحِيمًا قوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِ الْبَحْرِ﴾ الإزجاء: السَّوق(٧)، (١) تفسير الطبري ١٤ / ٦٦٦ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٥١/٣ . (٣) أخرجه أحمد (٤٥٣٥)، وأبو داود (٤٩٢٤). (٤) عند تفسير الآية (٦). (٥) ٢١٣/١٢. (٦) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٥١/٣، والوسيط للواحدي ١١٦/٣، وتفسير الرازي ٩/٢١. (٧) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٧٤. ١٢٢ سورة الإسراء: الآيتان ٦٦ - ٦٧ ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَرَ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِ سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣]. وقال الشاعر: يا أيها الراكبُ المُزْجِي مَطيَّتَهُ سائِلْ بني أسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ(١) وإزجاء الفلك: سوقه بالريح اللينة (٢). والفلك هنا جمع، وقد تقدَّم(٣). والبحر: الماء الكثير عذباً كان أو مالحاً، وقد غلب هذا الاسم على المشهور. وهذه الآية توقيفٌ على آلاء الله وفضله عند عباده(٤)، أي: ربكم الذي أنعمَ عليكم بكذا وكذا فلا تشركوا به شيئاً. ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾﴾ أي: في التجارات(٥). وقد تقدَّم (٦). ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَمَّا نَجَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا (٣)﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْفُّرُ فِ الْبَحْرِ﴾ ((الضُّرُّ)) لفظً يعمُّ خوفَ الغرقِ والإمساكِ عن الجَرْي، وأُهوَلُ(٧) حالاته: اضطرابُه وتموُّجُه. ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِنَُّ﴾ ((ضلَّ» معناه تَلِفَ وفُقد، وهي عبارةُ تحقيرٍ لمن يُدعى إلهاً من دون الله. والمعنى في هذه الآية: أنَّ الكفارَ إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأنَّ لها فضلاً، وكلُّ واحدٍ منهم بالفطرة يعلم علماً لا يقدر على مدافعته أنَّ الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوقَّفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحِيل (٨). (١) البيت قائله رويشد بن كثير الطائي، وقد سلف ٩١/٣ . (٢) المحرر الوجيز ٤٧١/٣ . (٣) ٤٩٤/٢ . (٤) المحرر الوجيز ٤٧١/٣ . (٥) الوسيط للواحدي ١١٧/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٦٠/٥. (٦) ٣٣١/٢. (٧) في (ظ): أحوال، وفي بقية النسخ: أهوال، والمثبت من المحرر الوجيز. (٨) المحرر الوجيز ٤٧١/٣ . ١٢٣ سورة الإسراء: الآيتان ٦٧ - ٦٨ ﴿فَلَّا نَجَّبِّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ أي: عن الإخلاص. ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا﴾ الإنسان هنا الكافر (١). وقيل: وطبع الإنسان كفوراً للنِّعم إلا مَنْ عَصَمه الله، فالإنسان لفظ الجنس. قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَكِيلًا (٨َ﴾ قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ بَّن أنه قادرٌ على هلاكهم في البرِّ وإنْ سَلِموا من البحر(٢). والخَسْفُ: أن تنهار الأرض بالشيء؛ يقال: بئرٌ خِيفٌ إذا انهدم أصلها(٣). وعينٌ خاسِفٌ أي: غارت حدَقَّتُها في الرأس. وعَيْنٌ من الماء خاسفةٌ أي: غار ماؤها. وخَسَفتِ الشمسُ أي: غابت عن الأرض(٤). وقال أبو عمرو: والخَسِيفُ: البئر التي تُحفَرُ في الحجارة فلا ينقطع ماؤها كثرةً، والجمع خُسُف (٥). وجانب البر: ناحية الأرض، وسمَّاه جانباً لأنه يصير بعد الخسف جانباً، وأيضاً فإن البحرَ جانبٌ والبَرَّ جانب. وقيل: إنهم كانوا على ساحل البحر، وساحله جانب البر، وكانوا فيه آمنين من أهوال البحر، فحذَّرهم ما أمنوه من البرِّ كما حذَّرهم ما خافوه من البحر (٦). ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ يعني: ريحاً شديدة، وهي التي تَرْمِي بالحصباء، وهي الحصى الصغار. قاله أبو عبيدة والقُتَبِيّ(٧). وقال قتادة: يعني: حجارة من السماء تَحصِبهم، كما فُعل بقوم لوط(٨). ويقال للسحابة التي ترمي (١) الوسيط للواحدي ٣/ ١١٧، وزاد المسير لابن الجوزي ٦٠/٥ . (٢) الوجيز على هامش مراح لبيد ١/ ٤٨٤ . (٣) ينظر جمهرة اللغة (خسف). (٤) تفسير الرازي ٢١/ ١١ . (٥) الصحاح (خسف). (٦) النكت والعيون ٢٥٧/٣، ومجمع البيان ١٥/ ٧٣ . (٧) مجاز القرآن ٣٨٥/١، وغريب القرآن ص٢٥٩. (٨) النكت والعيون ٣/ ٢٥٧، وأخرجه الطبري ٦٦٩/١٤ . ١٢٤ سورة الإسراء: الآيتان ٦٨ - ٦٩ بالبَرَد: حاصب، وللريح التي تحمل التراب والحصباء: حاصِبٌ وحَصِبةٌ أيضاً (١). قال ◌َبید: أذيالَها كلُّ عَصُوفٍ حَصِبهُ (٢) جرَّتْ عليها أن خَوَتْ من أهلِها وقال الفرزدق : مستقبلينَ شَمال الشام يضربُنا بحاصبٍ كنَدِيف القطنِ منثورٍ (٣) ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُنْ وَكِيلًا﴾ أي: حافظاً ونصيراً يمنعكم من بأس الله(٤). قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الْرِّيحِ لا فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، بِيعًا (٦٩ قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ يعني: في البحر(٥). ﴿فَيْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيح﴾ القاصف: الريح الشديدة التي تَكْسر بشدة؛ من قَصَف الشيءَ يَقْصِفه، أي: كسره بشدة(٦). والقصف: الكسر؛ يقال: قصَفتِ الريحُ السفينة. وریحٌ قاصِفٌ: شديدة. ورعدٌ قاصف: شديد الصَّوت. يقال: قَصَف الرعدُ وغيرُهُ قصِيفاً. والقَصِيف: هشيمُ الشَّجر. والتقصُّفُ التكسُّر. والقصفُ أيضاً: اللَّهو واللعب، يقال: إنها مُؤَلَّدة(٧). ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَغَرْتُمْ﴾ أي: بكفركم. (١) تهذيب اللغة ٤ / ٢٦٠ - ٢٦١ . (٢) ديوان لبيد (دار صادر) ص٣٩. خَوَتْ: أمحلت. العَصوف: الريح الشديدة. الصحاح (خوى) و(عصف). (٣) ديوان الفرزدق (دار صادر) ٢١٣/١ . (٤) الوسيط للواحدي ١١٧/٣ بمعناه. (٥) تفسير أبي الليث ٢٧٦/٢ . (٦) تفسير الرازي ٢١/ ١١. (٧) الصحاح (قصف). ١٢٥ سورة الإسراء: الآيتان ٦٩ - ٧٠ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((نَخْسِفَ بِكم)) ((أو نُرْسِل عليكم)) ((أن نُعِيدكم)» «فتُرْسِل عليكم)) ((فتُغرقكم)) بالنون في الخمسة على التعظيم؛ ولقوله: ((علينا)). الباقون بالياء؛ لقوله في الآية قبل: «إِياه))(١). وقرأ أبو جعفر وشيبة ورُوَيْس ومجاهد: ((فَتُغْرِقكم)) بالتاء نعتاً للريح (٢). وعن الحسن وقتادة: ((فيغرِّقكم)) بالياء مع التشديد في الراء(٣). وقرأ أبو جعفر: ((الرياح)) هنا وفي كل القرآن. وقيل: إن القاصف المهلكةُ في البر، والعاصفَ المغرقةُ في البحر. حكاه الماورديّ (٤). .(٤) وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُرْ عَلَيْنَا بِهِ، يَبِيعًا﴾ قال مجاهد: ثائراً. النحاس: وهو من الثأر. وكذلك يُقال لكلِّ من طلب بثأرٍ أو غيرِهِ: تبيعٌ وتابع؛ ومنه ﴿فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: مطالبة (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اَلَيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا فيه ثلاث مسائل (٦) الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ﴾ الآية. لمَّا ذكر من الترهيب ما ذكر بَيَّنَ النعمةَ عليهم أيضاً. (كرَّمنا)) تضعيف كرَمَ، أي: جعلنا لهم كرماً، أي: شرفاً وفضلاً. وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال(٧). وهذه الكرامة يدخل فيها خلقُهُم (١) الحجة لأبي علي الفارسي ١١١/٥، وينظر السبعة ص٣٨٣، والتيسير ص ١٤٠. (٢) المحرر الوجيز ٤٧٢/٣، والنشر ٣٠٨/٢ . (٣) المحرر الوجيز ٣/ ٤٧٢ عن الحسن وأبي رجاء، وهي قراءة شاذة. (٤) في النكت والعيون ٢٥٧/٣ . (٥) معاني القرآن للنحاس ١٧٥/٤ - ١٧٦ وقول مجاهد أخرجه الطبري ١٤/ ٦٧٢، وهو في تفسيره ٣٦٦/١. (٦) هكذا في جميع النسخ، والمسائل التي سيذكرها المصنف أربع. (٧) المحرر الوجيز ٤٧٢/٣ . ١٢٦ سورة الإسراء: الآية ٧٠ على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة (١)، وحملُهم في البرِّ والبحر مما لا يصلح لحيوانٍ سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره، وتخصيصُهم بما خصَّهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتّسع فيه حيوانٌ اتساعَ بني آدم؛ لأنهم يكسبون المال خاصَّةً دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المرتَّبات من الأطعمة. وغايةُ كلِّ حيوانٍ يأكل لحماً نِيئاً أو طعاماً غيرَ مرَّب. وحكى الطبريُّ عن جماعةٍ أنَّ التفضيل هو أن يأكل بيده، وسائرُ الحيوان بالفم(٢). ورُويَ عن ابن عباس: ذكره المهدويُّ والنحاس(٣)، وهو قول الكلبيِّ ومقاتل. ذكره الماورديُّ(٤). وقال الضخَّاك: كرَّمهم بالنطق والتمييز. عطاء: كرَّمهم بتعديل القامة وامتدادها. يمان: بحسن الصورة. محمد بن كعب: بأن جعل محمداً # منهم. وقيل: أكرمَ الرجالَ باللُّحى والنساء بالذوائب. وقال محمد بن جرير الطبريّ: بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم(٥). وقيل: بالكلام والخط(٦). وقيل: بالفهم والتمييز(٧). والصحيح الذي يُعوَّل عليه أنَّ التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يُعرَفُ اللهُ ويُفهَمُ كلامُه، ويوصل إلى نعيمه(٨) وتصديق رسله، إلا أنَّه لمَّا لم ينهض بكل المراد من العبد بُعِثَتِ الرسلُ وأُنزلتِ الكتب، فمثالُ الشرعِ الشمسُ، ومثالُ العقلِ العينُ، فإذا فُتحت وكانت سليمةً رأتِ الشمسَ(٩)، وأدركت (١) تفسير الرازي ١٦/٢١. (٢) المحرر الوجيز ٣/ ٤٧٣، وكلام الطبري في تفسيره ١٥/٥. (٣) في معاني القرآن ١٧٦/٤. (٤) في النكت والعيون ٢٥٧/٣ . (٥) زاد المسير لابن الجوزي ٦٣/٥، وقول الطبري في تفسيره ٥/١٥ . (٦) النكت والعيون ٢٥٧/٣ . (٧) معاني القرآن للنحاس ١٧٦/٤ . (٨) المحرر الوجيز ٤٧٣/٣ . (٩) تلبيس إبليس ص٥ . ١٢٧ سورة الإسراء: الآية ٧٠ تفاصيل الأشياء. وما تقدَّم من الأقوال بعضُه أقوى من بعض. وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالاً يَفْضُلُ بها ابنَ آدم أيضاً، كَجرى الفرس وسمعِه وإبصارِهِ، وقوَّةٍ الفيل، وشجاعةِ الأسد، وكرم الديك. وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيَّناه(١). والله أعلم. الثانية: قالت فرقة: هذه الآية تقتضي تفضيلَ الملائكة على الإنس والجن من حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى: ﴿وَلَا اُلْمَلَبِّكَةُّ الْمُقْرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]. وهذا غيرُ لازمٍ من الآية، بل التفضيل فيها بين الإنس والجن؛ فإن هذه الآية إنما عدَّد الله فيها على بني آدم ما خصَّهم به من سائر الحيوان، والجِنُّ هو الكثير المفضول، والملائكةُ هم الخارجون عن الكثير المفضول، ولم تتعرَّضِ الآيةُ لذكرهم، بل يَحتمِلُ أنَّ الملائكةَ أفضل، ويَحتمِلُ العكس، ويَحتمِلُ التساوي(٢). وعلى الجملة فالكلام لا ينتهي في هذه المسألة إلى القطع، وقد تحاشى قومٌ من الكلام في هذا كما تحاشَوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض؛ إذ في الخبر ((لا تُخايروا بين الأنبياء ولا تُفضِّلُوني على يونس بن مَثَّى))(٣). وهذا ليس بشيء؛ لوجود النصِّ في القرآن في التفضيل بين الأنبياء، وقد بينَّاه في ((البقرة)) (٤) ومضى فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن(٥). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَرَزَقْتَهُم مِّنَ اَلَِّبَتِ﴾ يعني: لذيذ المطاعم والمشارب؛ قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحَلْوَى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها (٦). ﴿وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي: (١) المحرر الوجيز ٤٧٣/٣ . (٢) المصدر السابق. (٣) سلف ٢٥٣/٤ و٢٥٤ . (٤) ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٨ . (٥) ٤٣٠/١ - ٤٣٢ . (٦) تفسير البغوي ١٢٥/٣ . ١٢٨ سورة الإسراء: الآية ٧٠ على البهائم والدواب والوحش والطير (١)، بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء، .(٢) والحفظ والتمييز، وإصابة الفِراسة الرابعة: هذه الآية تردُّ ما رُويَ عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﴾: ((إِحْرِمُوا أَنفُسَكم طَيِّبَ الطعام، فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق منها))(٣). وبه يستدِلُّ كثيرٌ من الصُّوفية في ترك أكل الطيبات، ولا أصل له؛ لأنَّ القرآن يردُّه، والسنة الثابتة بخلافه، على ما تقرَّر في غير موضع. وقد حكى أبو حامد الُوسِيُّ قال: كان سهلٌ يقتاتُ ورق النَّبِقِ(٤) مدةً، وأكل دُقاقَ ورق التين ثلاث سنين. وذكر إبراهيم بن البنا قال: صحبتُ ذا النُّون من إخميم(٥) إلى الإسكندرية، فلما كان وقتُ إفطاره أخرجتُ قرصاً ومِلْحاً كان معي، وقلت: هَلُمَّ. فقال لي: ملحُكَ مدقوق؟ قلت: نعم. قال: لستَ تُفلح! فنظرتُ إلى مِزْوَده(٦) وإذا فيه قليل سَوِيقٍ شعير يَسَفُّ منه. وقال أبو يزيد: ما أكلتُ شيئاً مما يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال علماؤنا: وهذا مما لا يجوز حملُ النفسِ عليه؛ لأن الله تعالى أكرم الآدميَّ بالحنطة، وجعل قشورها لبهائمهم، فلا يصِحُّ مزاحمةُ الدوابُ في أكل التبن، وأما سَويق الشعير فإنه يورث القُولَنْج(٧)، وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجَريش(٨) فإنه ينحرف مِزاجه؛ لأن خبز الشعير باردٌ مجفّف، والملح (١) الوسيط للواحدي ١١٨/٣. (٢) النكت والعيون ٢٥٨/٣ . (٣) أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص٢٠٤ . قال ابن عراق في تنزيه الشريعة ٢٤٠/٢: رواه ابن الجوزي، وفيه بزيع أبو الخليل البصري، وهو المتهم به. (٤) النَّبِقِ: ثمر السدر. اللسان (نبق). (٥) بلد بالصعيد في مصر. معجم البلدان ١٢٩/١ . (٦) المِزْود: وعاء يُحمل فيه الزاد. تهذيب اللغة ٢٣٦/٣ . (٧) هو مرض معوي مؤلم، يعسر معه خروج التُّفْل والريح. القاموس المحيط (القولنج). (٨) أي: المجروش، كأنه حك بعضه بعضاً فتفتَّت. تهذيب اللغة ١٠/ ٥٢٧ . ١٢٩ سورة الإسراء: الآيتان ٧٠ - ٧١ يابسٌ قابضٌ يضرُّ الدِّماغ والبصر، وإذا مالتِ النفسُ إلى ما يصلحها فمُنعت فقد قووِمت حكمة البارئ سبحانه بردِّها، ثم يؤثِّر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفاً للشرع والعقل. ومعلومٌ أنَّ البدنَ مَطيَّةُ الآدميِّ، ومتى لم يرْفَقْ بالمطيّة لم تُبِّغ. ورُوي عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبداً وعسلاً وخُبزَ حُوَّارَى، فقيل له: هذا كله؟ فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا عدِمنا صَبَرنا صبر الرجال. وكان الثوريُّ يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم إلى الصلاة(١). ومثل هذا عن السلف كثير. وقد تقدم منه ما يكفي في المائدة(٢) والأعراف(٣) وغيرهما. والأول غُلُوٍّ في الدِّين إن صحَّ عنهم ﴿وَرَهْبَانِيَةُ أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَمِهِمْ فَمَنْ أُوتَِ كِتَهُ بِيَمِنِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَهُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَلِيمٍ﴾ روى الترمذِيُّ عن أبي هريرة عن النبيِّ ﴿ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمٍَِ﴾ قال: ((يُدعى أحدُهم فيُعطى كتابه بيمينه، ويُمَدُّ له في جسمه ستون ذراعاً، ويُبَيَّضُ وجهُه، ويُجعَلُ على رأسه تاجٌ من لؤلؤٍ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرَوْنه من بعيد، فيقولون: اللهمَّ ائتِنا بهذا، وبارِكْ لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول: أبشروا، لكلٍّ منكم مثلُ هذا)) قال: ((وأما الكافر فيُسَوَّد وجهُه ويُمَدُّ له في جسمه ستون ذراعاً على صورة آدم، ويلبَسُ تاجاً فيراه أصحابُه فيقولون: نعوذُ بالله من شرِّ هذا، اللهمَّ لا تأتِنا بهذا)» قال: ((فيأتيهم فيقولون: اللَّهُمَّ أخْزِهِ. فيقول: أبعَدَكُمُ اللهُ، فإن لكل رجلٍ منكم مثلَ هذا)). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريب(٤). ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَِّ جَائِيَّةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى ◌ِنَبِهَا (١) تلبيس إبليس ص ٢٠١ و٢٠٤ و٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٧ و٢١٠. (٢) ١١٦/٨. (٣) ٢٠٢/٩. (٤) سنن الترمذي (٣١٣٦). ١٣٠ سورة الإسراء: الآية ٧١ الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. والكتاب يسمى إماماً؛ لأنه يُرجَعُ إليه في تعرِّف أعمالهم. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: ((بإمامهم)) أي: بكتابهم(١)، أي: بكتاب كلِّ إنسانٍ منهم الذي فيه عمله، دليله ﴿فَمَنْ أُوقَِّ كِتَبَهُ بِسَمِنِهِ﴾(٢). وقال ابن زيد: بالكتاب المنزَّل عليهم(٣). أي: يُدعَى كلُّ إنسانٍ بكتابه الذي كان يتلوه؛ فيُدعى أهلُ التوراة بالتوراة، وأهلُ القرآن بالقرآن، فيقال: يا أهل القرآن، ماذا عملتم؟ هل امتثلتُم أوامره؟ هل اجتنبتم نواهيه؟ وهكذا (٤). وقال مجاهد: ((بإمامهم)): بنبيِّهم(٥)، والإمام من يؤتَمُّ به. فيقال: هاتوا متَِّعِي إبراهيم عليه السلام، هاتوا متَّبعي موسى عليه السلام، هاتوا متَّبعي الشيطان، هاتوا متَّبعي الأصنام. فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم، ويقوم أهل الباطل فيأخذون كتابهم بشمالهم(٦). وقاله قتادة(٧). وقال عليٍّ ﴾: بإمام عصرهم(٨). ورُوي عن النبيِّ﴾ في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَسٍ ◌ِإِمَِّهٍ﴾ فقال: ((كلٌّ يدعى بإمام زمانهم، وكتابٍ ربِّهم، وسنَّةِ نبيِّهم، فيقول: هاتوا متَّبعي إبراهيم، هاتوا متَّبعي موسى، هاتوا متَّبعي عيسى، هاتوا متَّبعي محمداً - عليهم أفضل الصلوات والسلام - فيقوم أهل الحقِّ فيأخذون كتابهم بأيمانهم، ويقول: هاتوا متَّبعي الشيطان، هاتوا متَّبعي رؤساء الضلالة إمامَ هدِى وإمامَ ضلالة))(٩). وقال الحسن وأبو العالية: ((بإمامهم)) أي: بأعمالهم(١٠). وقاله ابن عباس. (١) أخرجه الطبري ٧/١٥ عن الحسن والضحاك. (٢) معاني القرآن للنحاس ١٧٧/٤، وتفسير أبي الليث ٢/ ٢٧٧، وتفسير البغوي ١٢٦/٣. (٣) أخرجه الطبري ٨/١٥ . (٤) الوسيط للواحدي ١١٨/٣ بمعناه. (٥) أخرجه الطبري ٦/١٥ . (٦) الوسيط للواحدي ١١٨/٣ بمعناه. (٧) أخرجه الطبري ١٥/ ٧ بلفظ مجاهد. (٨) ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٩٦/٤ عن علي، وذكره البغوي في تفسيره ١٢٦/٣ عن ابن عباس. (٩) أورده السيوطي في الدر المنثور ٩/ ٤٠٤ مختصراً ونسبه لابن مردويه عن علي ﴾. (١٠) أخرجه الطبري ١٥/ ٧ - ٨ عنهما. ١٣١ سورة الإسراء: الآية ٧١ فيُقال: أين الراضون بالمقدور؟ أين الصابرون عن المحذور؟. وقيل: بمذاهبهم، فيُدْعَوْن بمن كانوا يأتمُّون به في الدنيا: يا حنفيُّ، يا شافعيُّ، يا معتزليُّ، يا قدَرِيُّ، ونحوه، فيتبعونه في خيرٍ أو شرِّ، أو على حقٍّ أو باطل، وهذا معنى قول أبي عبيدة (١). وقد تقدّم(٢). وقال أبو هريرة: يُدعى أهل الصدقة من باب الصدقة، وأهلُ الجهاد من باب الجهاد .. ، الحديث بطوله(٣). أبو سهل: يقال: أين فلانٌ المصلِّي والصوَّام، وعكسه الزَّقَّاف (٤) والنَّمَّام. وقال محمد بن كعب: ((بإمامِهم)) بأُمَّهاتهم، وإمام جمع آمّ. قالت الحكماء: وفي ذلك ثلاثة أوجُهٍ من الحكمة؛ أحدها - لأجل عيسى. والثاني - إظهارٌ لشرف الحسن والحسين. والثالث - لئلا يفتضح أولاد الزنى(٥). قلت: وفي هذا القول نظر؛ فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﴾: «إذا جمعَ اللهُ الأوّلين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادرٍ لواءٌ فيقال: هذه غَدْرةُ فلانِ بنِ فلان)) خرَّجه مسلم والبخاري(٦). فقوله: ((هذه غَدْرة فلان ابن فلان)) دليلٌ على أن الناس يُدْعَوْن في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يردُّ على من قال: إنما يُدْعَوْن بأسماء أمَّهاتهم؛ لأن في ذلك سَتْراً على آبائهم(٧). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتَِ كِتَبَهُ بِيَمِنِهِ﴾ هذا يقوّي قول من قال: ((بِإمامِهِم)) بكتابهم. ويقوِّيه أيضاً قوله: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِ إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. ﴿فَأُوْلَِّكَ (١) في مجاز القرآن ٣٨٦/١، ولفظه: أي بالذي اقتدوا به وجعلوه إماماً. (٢) ٣٦٧/٢. (٣) أخرجه أحمد (٧٦٣٣)، والبخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧) مرفوعاً. (٤) هكذا في النسخ، ولعلها الدقَّف: وهو الذي يضرب بالدف. (٥) تفسير البغوي ١٢٦/٣، والكشاف ٤٥٩/٢. (٦) صحيح مسلم (١٧٣٥) واللفظ له، وصحيح البخاري (٦١٧٧)، وأخرجه أحمد (٤٨٣٩). (٧) تفسير الرازي ٢١/ ١٧. ١٣٢ سورة الإسراء: الآيتان ٧١ - ٧٢ يَقْرَءُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الفتيل: الذي في شقِّ النواة(١). وقد مضى في ((النساء))(٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِهِ أَعْمَى﴾ أي: في الدنيا عن الاعتبار وإبصار الحق. ﴿فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: في أمر الآخرة ﴿أَعْنَ﴾(٣). وقال عكرمة: جاء نفرٌ من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية، فقال: اقرؤوا ما قبلها: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْقُلْكَ فِى الْبَحْرِ﴾ إلى ﴿تَفْضِيلًا﴾. قال ابن عباس: مَنْ كان في هذه النّعم والآيات التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يُعاين أعمى وأضلُّ سبيلاً (٤). وقيل: المعنى: مَنْ عمي عن النِّعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى(٥). وقيل: المعنى: من كان في الدنيا التي أُمْهِلَ فيها وفُسِّحَ له ووُعِدَ بقبول التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبةَ فيها أعمى(٦). وقال الحسن: مَنْ كان في هذه الدنيا كافراً ضالًّا فهو في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلاً (٧). وقيل: مَنْ كان في الدنيا أعمى عن حُجج الله يبعثه الله يوم القيامة أعمى (٨)، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] الآيات. وقال: ﴿ وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْفِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبَكْمًا وَصُنَّاً مَأْوَهُمْ جَهٌَّ﴾ (٩) [الإسراء: ٩٧]. وقيل: المعنى في قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾ في (١) معاني القرآن للنحاس ١٧٧/٤، وإعراب القرآن له ٤٣٤/٢ . (٢) ٤١٠/٦. (٣) النكت والعيون ٢٥٩/٣ بنحوه. (٤) تفسير الرازي ١٨/٢١ - ١٩. (٥) تفسير أبي الليث ٢٧٨/٢ عن مقاتل. (٦) معاني القرآن للزجاج ٢٥٣/٣، ومعاني القرآن للنحاس ١٧٨/٤. (٧) الوسيط للواحدي ١١٩/٣، وتفسير البغوي ١٢٦/٣. (٨) تفسير أبي الليث ٢٧٨/٢ عن مجاهد. (٩) تفسير الرازي ١٩/٢١ ١٣٣ سورة الإسراء: الآيتان ٧٢ - ٧٣ جميع الأقوال: أشدُّ عَمَى(١)؛ لأنه من عَمَى القلب، ولا يُقال مثلُه في عَمَى العين. قال الخليل وسيبويه: لأنه خِلقةٌ بمنزلة اليد والرِّجْل، فلم يقل: ما أعماه، كما لا يُقال: ما أيداه. الأخفش: لم يقل فيه ذلك لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف، وأصله أعمى(٢). وقد أجاز بعض النَّحويين ما أعماه وما أعشاه؛ لأنَّ فعله عَمِيَ وعَشيَ. وقال الفراء: حدثني بالشام شيخٌ بصريٌّ أنه سمع العرب تقول: ما أسوَدَ شعره(٣). قال الشاعر : وفي المخازي لكم أشباحُ أشياخِ ما في المعالي لكم ظِلٌّ ولا ثمرُ لؤماً وأبيضُهم سِرْبالَ طِبَّاخِ (٤) أما الملوكُ فأنتَ اليوم الأَمُهُمْ وأمال أبو بكر وحمزة والكسائي وخَلفَ الحرفين ((أعمى)) و((أعمى))، وفتَحَ الباقون، وأمالَ أبو عمرو الأوّل وفتحَ الثاني(٥). ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يعني أنه لا يجد طريقاً إلى الهداية (٦). قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَةُ وَإِذَا لَّأَتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا قال سعيد بن جبير: كان النبيُّ # يستلم الحجرَ الأسودَ في طوافه، فمنعته قريشٌ وقالوا: لا ندَعُكَ تستلم حتى تُلِمَّ بآلهتنا. فحدَّث نفسه وقال: ((ما عليَّ أن أُلِمَّ بها بعدَ أن يَدَعُوني أستلمُ الحجرَ، واللهُ يعلم أني لها كاره)» فأبى اللهُ تعالى ذلك، وأنزل عليه هذه الآية. قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثقيف، (١) مجاز القرآن ٣٨٦/١، ومعاني القرآن للزجاج ٢٥٣/٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٤/٢ - ٤٣٥. وينظر كتاب سيبويه ٤/ ٩٧ - ٩٨. (٣) معاني القرآن للفراء ١٢٨/٢. (٤) قائلهما طرفة بن العبد، والبيت الأول في ديوانه ص١٨ . والبيت الثاني في اللسان (بيض). (٥) السبعة ص ٣٨٣، وتحبير التيسير ص١٣٦. (٦) مجمع البيان ٧٩/١٥ . ١٣٤ سورة الإسراء: الآية ٧٣ أتوا النبيَّ # فسألوه شَططاً، وقالوا: متِّعنا بآلهتنا سنةً حتى نأخذ ما يُهْدَى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحَرِّمْ وادينا كما حرَّمت مكة، حتى تعرِفَ العربُ فضلنا عليهم. فهَمَّ رسولُ الله # أن يُعطيَهم ذلك، فنزلت هذه الآية(١). وقيل: هو قول أكابر قريشٍ للنبيِّ ﴾: اطرُدْ عنَّا هؤلاء السُّقَّاط والموالي حتى نجلسَ معك ونسمعَ منك. فهمَّ بذلك حتى نُهِيَ عنه(٢). وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ قريشاً خلَوْا برسول الله :﴿ ذاتَ ليلةٍ إلى الصبح يُكلِّمونه ويُفخِّمونه، ويُسوِّدونه ويُقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيءٍ لا يأتي به أحدٌ من الناس، وأنتَ سيِّدُنا يا سيِّدَنا، وما زالوا به حتى كاد يُقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية(٣). ومعنى ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أي: يزيلونك. يُقال: فتنتُ الرجل عن رأيه إذا أزلتُه عما كان عليه. قاله الهَروي(٤). وقيل: يصرفونك، والمعنى واحد. ﴿عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: حكم القرآن؛ لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفةٌ لحكم القرآن. ﴿لِتَغْتِىَ عَلَيَّنَا غَيْرَةٌ﴾ أي: لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك(٥)، وهو قول ثقيف: وحَرِّم وادِينا كما حرَّمتَ مكة، شجرَها وطيرَها ووحشَها، فإن سألتكَ العربُ لِمَ خصَّصتهم، فقل: اللهُ أمرني بذلك، حتى يكون عذراً لك. ﴿وَإِذَا لَّأَتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا﴾ أي: لو فعلتَ ما أرادوا لا تخذوك خليلاً(٦)، أي: والَوكَ وصافَّوكَ(٧)، مأخوذٌ من الخلة - بالضم - وهي الصداقة (١) النكت والعيون ٢٥٩/٣ - ٢٦٠، وزاد المسير ٦٧/٥، وتعقب ابن الجوزي هذين القولين بقوله: وهذا باطل لا يجوز أن يُظنَّ برسول الله ﴾، وكلُّ ذلك مُحالٌ في حقه وفي حقِّ الصحابة أنهم رووا عنه. قلنا: والقول الأول أخرجه الطبري ١٣/١٥. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٥٤. (٣) تفسير أبي الليث ٢٧٨/٢، وزاد المسير ٦٨/٥. وأخرجه الطبري ١٣/١٥ - ١٤. (٤) وذكره الأزهري في تهذيب اللغة ١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨ . (٥) تفسير الرازي ٢١/٢١ . (٦) معاني القرآن للزجاج ٢٥٤/٣ . (٧) تفسير البغوي ٣/ ١٢٧، وزاد المسير ٦٨/٥ . ١٣٥ سورة الإسراء: الآيات ٧٣ - ٧٥ لممايلته لهم. وقيل: ﴿لََّتَّخَذُوَ خَلِيلًا﴾ أي: فقيراً. مأخوذاً من الخَلَّة - بفتح الخاء - وهي الفقر؛ لحاجته إليهم (١). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَآ أَنْ ثَبَّنْشَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا لَّأَذَفْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا إِذَا (Vo قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ نَبَّنْتَكَ﴾ أي: على الحقِّ وعصمناك من موافقتهم. ﴿لَقَدْ كِدِتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تميل. ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ أي: ركوناً قليلاً(٢). قال قتادة: لمَّا نزلت هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: ((اللَّهُمَّ لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين)) (٣). وقيل: ظاهرُ الخطاب للنبيِّ﴾، وباطنُه إخبارٌ عن ثقيف. والمعنى: وإن كادوا ليركنونك، أي: كادوا يخبرون عنك بأنك مِلتَ إلى قولهم، فنسب فِعْلَهم إليه مجازاً واتساعاً، كما تقول لرجل: كِدْتَ تقتلُ نفسك، أي: كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. ذكره المهدَويّ. وقيل: ما كان منه همٌّ بالركون إليهم، بل المعنى: ولولا فضلُ الله عليكَ لكان منك مَيلٌ إلى موافقتهم، ولكن تمَّ فضلُ الله عليك فلم تفعل. ذكره القشيري. وقال ابن عباس: كان رسول الله # معصوماً، ولكن هذا تعريفٌ للأمة؛ لئلا يركز أحدٌ منهم إلى المشركين في شيءٍ من أحكام الله تعالى وشرائعه(٤). وقوله: ﴿إِذَّا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: لو ركنتَ لأذقناك مِثْلَي عذاب الحياة في الدنيا ومثلَي عذاب الممات في الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وهذا غاية الوعيد، وكلما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم. قال الله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَِّيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ تُبِنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ (٥) [الأحزاب: ٣٠] وضِعْفُ الشيء مثله مرتين، وقد يكون الضِّعف (١) النكت والعيون ٢٦٠/٣. (٢) الوسيط للواحدي ٣/ ١٢٠، وتفسير الرازي ٢١/٢١. (٣) تفسير الرازي ٢١/٢١ . إسناده منقطع. (٤) الوسيط للواحدي ٣/ ١٢٠، وزاد المسير ٦٩/٥. (٥) معاني القرآن للزجاج ٢٥٤/٣. وينظر النكت والعيون ٢٦٠/٣. ١٣٦ سورة الإسراء: الآيات ٧٤ - ٧٦ النصيب، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ أي: نصيب. وقد تقدَّم في الأعراف(١). قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا هذه الآية قيل: إنها مدنية، حسبما تقدَّم في أوّل السورة. قال ابن عباس: حَسدتِ اليهود مقامَ النبيِّ # بالمدينة، فقالوا: إنَّ الأنبياء إنما بُعثوا بالشام، فإن كنتَ نبيًّا فألحَقْ بها، فإنك إنْ خرجتَ إليها صدَّقناك وآمنًا بك. فوقع ذلك في قلبه؛ لِما يُحِبُّ من إسلامهم، فرحَل من المدينة على مرحلةٍ، فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غَنْم: غزا رسول الله # غزوة تُبوك لا يريد إلا الشام، فلما نزل تبوك نزل ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ بعد ما ختمت السورة، وأمر بالرجوع(٢). وقيل: إنها مكية. قال مجاهد وقتادة: نزلت في هَمِّ أهلِ مكة بإخراجه، ولو أخرجوه لما أُمهِلوا ولكنَّ الله أمره بالهجرة فخرج (٣). وهذا أصح؛ لأنَّ السورة مكية، ولأن ما قبلها خبرٌ عن أهل مكة، ولم يجْرٍ لليهود ذكر (٤). وقوله: ﴿مِّنَ الأَرْضِ﴾ یرید أرض مكة. كقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] أي: أرض مصر؛ دليله: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَةً مِّن قَرِيَئِكَ الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ﴾ [محمد: ١٣] يعني مكة. معناه: همَّ أهلُها بإخراجه؛ فلهذا أضاف إليها(٥) وقال: ((أخرجتك))(٦). وقيل: همَّ الكفار كلُّهم أن يستخِفُّوه من أرض العرب بتظاهرهم عليه، فمنعه الله، ولو أخرجوه من أرض العرب لم يُمْهَلُوا، وهو معنى قوله: ﴿وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾(٧). (١) ٩ / ٢١٧ . (٢) زاد المسير ٦٩/٥، وحديث عبد الرحمن بن غنم أخرجه البيهقي في الدلائل ٢٥٤/٥ . (٣) الوسيط للواحدي ١٢٠/٣، وتفسير الرازي ٢٣/٢١. وقول مجاهد أخرجه عنه الطبري ١٩/١٥ - ٢٠ . وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٨٣/١ - ٣٨٤، والطبري ١٩/١٥. (٤) تفسير الطبري ٢٠/١٥، وتفسير البغوي ١٢٧/٣. (٥) في النسخ: إليهم. (٦) تفسير الرازي ٢٣/٢١. (٧) تفسير البغوي ١٢٧/٣. ١٣٧ سورة الإسراء: الآيتان ٧٦ - ٧٧ وقرأ عطاء بن أبي رباح: ((لا يُلَبَّثون)) الباء مشددة(١). ((خلفك)) نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو، ومعناه: بعدك. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي: ﴿ يِلَفَكَ﴾(٢) واختاره أبو حاتم؛ اعتباراً بقوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] ومعناه أيضاً: بعدك؛ قال الشاعر: عَفَتِ الدِّيارُ خلافَهم فكأنَّما بسطَ الشَّواطِبُ بينهنَّ حَصيرا(٣) ((بسط البواسط)) في الماوردي(٤). يقال: شطّبتِ المرأةُ الجريد إذا شقَّتْه لتعملَ منه الحصر. قال أبو عبيد: ثم تُلقيه الشاطبة إلى المُنَقِّية(٥). وقيل: ((خلفك)) بمعنى بعدك. ((وخلافك)) بمعنى مخالفتك. ذكره ابن الأنباري. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فيه وجهان: أحدهما أنَّ المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتلهم يوم بدر. وهذا قول من ذكر أنهم قريش. الثاني: ما بين ذلك وقَتْلِ بني قُريظة وجلاءِ بني النضير. وهذا قول من ذَكر أنهم اليهود(٦). قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَِّنَا تَحْوِيلًا قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنًا﴾ أي: يُعذَّبون كسُنَّةٍ مَنْ قد أرسلنا؛ فهو نصبٌ بإضمارٍ يعذبون، فلما سقط الخافض عمِلَ الفعل. قاله الفرّاء(٧). وقيل: انتصب على معنى سنًّا سنةَ مَنْ قد أرسلنا (٨). وقيل: هو منصوبٌ على تقدير (١) القراءات الشاذة ص ٧٧ . (٢) السبعة ص٣٨٤ ، والتيسير ص١٤١ . (٣) قائله الحارث بن خالد المخزومي كما في العين واللسان (خلف). ومن قوله: وقرأ عطاء إلى هذا الموضع في المحرر الوجيز ٤٧٦/٣ . (٤) في مطبوع النكت والعيون ٢٦١/٣ للماوردي بمثل رواية المصنف: بسط الشواطب. (٥) الصحاح (شطب). (٦) النكت والعيون ٢٦٠/٣ - ٢٦١. (٧) في معاني القرآن له ١٢٩/٢. (٨) مشكل إعراب القرآن ٤٣٤/١. ١٣٨ سورة الإسراء: الآيتان ٧٧ - ٧٨ حذف الكاف(١)؛ التقدير: لا يلبثون خلفك إلا قليلاً كسنةٍ مَنْ قد أرسلنا، فلا يوقف على هذا التقدير على قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ويوقف على الأول والثاني. ﴿قَبْلَكَ مِن زُسُلِنًا﴾ وقفٌ حسن. ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَِّنَا تَحْوِيلًا﴾ أي: لا خُلْفَ في وعدها(٢). قوله تعالى: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّتْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَنَ مَشْهُودًا (٨َا﴾ فيه سبع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿أَفِعِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لمَّا ذكر مكايد المشركين أمر نبيَّه عليه الصلاة والسلام بالصبر والمحافظة على الصلاة، وفيها طلب النصر على الأعداء. ومثله ﴿وَلَقَدْ نَعَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ﴾(٣) [الحجر: ٩٧-٩٨]. وتقدَّم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة البقرة(٤). وهذه الآية بإجماع من المفسرين إشارةٌ إلى الصلوات المفروضة(٥). واختلف العلماء في الدُّلوك على قولين: أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفةٌ سواهم من علماء التابعين وغيرهم. الثاني: أنَّ الدلوك هو الغروب. قاله عليٍّ وابن مسعود وأُبَيُّ بن كعب، ورُوي عن ابن عباس(٦). قال الماوردي: من جعل الدُّلوك اسماً لغروبها فلأنَّ الإنسان يدلُك عينيه براحته لتبيِّنها حالة المغيب، ومن جعله اسماً لزوالها فلأنَّه يدلكُ عينيه لشدة شعاعها(٧). وقال أبو (١) تفسير البغوي ١٢٨/٣ . (٢) الوسيط للواحدي ٣/ ١٢٠. (٣) تفسير الرازي ٢٥/٢١ . (٤) ١/ ٢٥٣ وما بعدها. (٥) المحرر الوجيز ٤٧٧/٣ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٠٧/٣. (٧) النكت والعيون ٣/ ٢٦٣ . ١٣٩ سورة الإسراء: الآية ٧٨ عبيد: دلوكها غروبها. ودلكَتْ برَاحِ يعني الشمس، أي: غابت(١). وأنشد قُطْرب: ذَبَّبَ حتى دَلكتْ بَراحِ هذا مُقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ بَراح - بفتح الباء - على وزن حَزام وقَطام ورَقَاش، اسمٌ من أسماء الشمس. ورواه الفرَّاء - بكسر الباء - وهو جمع راحة وهي الكف(٢)، أي: غابت وهو ينظر إليها ، وقد جعل كفَّه على حاجبه. ومنه قول العَجَّاج: والشمسُ قد كادَتْ تكون دَنَّفا أدفعُها بالراح كي تَزَحْلَفا(٣) قال ابن الأعرابيّ : الزُّحلوفة مكانٌ منحدرٌ أملس؛ لأنهم يتزحلفون فیه. قال: والزَّحْلفةُ كالدَّحرجة والدفع؛ يقال: زحلفتُه فَتَزَحْلَف (٤). ويقال: دلكتِ الشمسُ إذا غابت(٥). قال ذو الرُّمَّة(٦): مصابيحُ ليست باللَّواتي تقُودها نجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوالكِ قال ابن عطية: الدلوك هو الميل - في اللغة - فأوّل الدلوك هو الزوال، وآخره هو الغروب. ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكاً؛ لأنها في حالة مَيل. فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب، ويصح أن تكون المغرب داخلةً في غَسَق الليل(٧). وقد ذهب قومٌ إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب؛ لأن الله سبحانه علَّق وجوبها على الدلوك، وهذا دلوٌ كله قاله الأوزاعيُّ وأبو حنيفة في تفصيل. وأشار إليه مالك (١) غريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ٣٧٠ - ٣٧١. (٢) الصحاح (دلك)، وقول الفراء في معاني القرآن له ١٢٩/٢. رباح: اسم ساق. وذبَّبَ النهار: إذا لم يبق منه إلا بقية: اللسان (ربح) و(ذبب). (٣) غريب الحديث لأبي عبيد ٣٧١/٤ . (٤) الصحاح (زحلف). (٥) الفائق ٤٣٦/١. (٦) في ديوانه ٤/ ١٧٣٤ . (٧) المحرر الوجيز ٤٧٧/٣ . ١٤٠ سورة الإسراء: الآية ٧٨ والشافعيُّ في حالة الضرورة(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ الَِّلِ﴾ روى مالك عن ابن عباس قال: دلوك الشمس: ميلُها، وغسقُ الليل: اجتماعُ الليل وظلمته(٢). وقال أبو عبيدة: الغسق: سواد الليل. قال ابن قَيْس الرُّقَيَّات(٣): إِنَّ هذا الليل قد غَسَقا واشتكِيْتُ الهَمَّ والأَرَقا(٤) وقد قيل: غسق الليل: مغيب الشفق(٥). وقيل: إقبال ظُلمته. قال زهير: ظلَّتْ تجودُ يداها وهي لاهيةٌ حتى إذا جنحَ الإظلامُ والغَسَقُ(٦) يقال: غسقَ الليلُ غَسوقا(٧). والغَسَق اسمٌ بفتح السين. وأصل الكلمة من السيلان؛ يقال: غَسَقتِ العين إذا سالت، تَغْسِق(٨). وغَسَق الجرح غَسَقاناً، أي: سال منه ماءٌ أصفر. وأغسق المؤذِّن، أي: أخَّرَ المغرب إلى غَسَق الليل(٩). وحكى الفراء: غَسَقَ الليل وأغسق، وظَلِمَ وأظلم، ودجا وأدجى، وغَبَس وأغبس، وغَبِش وأغبش(١٠). وكان الربيع بن خُثيم يقول لمؤذنه في يومٍ غَيْم: أغسِقْ أغسِقْ. يقول: أخّر المغرب حتى يَغسِقَ الليل، وهو إظلامه(١١). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٠٩/٣ . (٢) أحكام لابن العربي ٣/ ١٢٠٧، وهو في الموطأ ١/ ١١. (٣) في ديوانه ص ١٨١. (٤) مجاز القرآن ٣٨٨/١. (٥) أحكام القرآن للجصاص ٢٠٦/٣ عن ابن مسعود. (٦) النكت والعيون ٢٦٢/٣. (٧) اللسان (غسق). (٨) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦٨/٦ . (٩) الصحاح (غسق). (١٠) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦٨/٦. (١١) تهذيب اللغة ١٢٧/١٦.