Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة الإسراء: الآيات ٣٦ - ٣٨
والطبري(١):
ذُمَّ المنازلَ بعد منزلةِ اللِّوى والعيشَ بعد أولئكَ الأيامِ(٢)
وهذا أمرٌ يوقف عنده، وأما البيت فالرواية فيه ((الأقوام))(٣)، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ
طُولًا ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَنَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا
٣٨
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ هذا نَهْيٌّ عن الخُيَلاء وأمرٌ
بالتواضع. والمَرَح: شِدَّة الفرح. وقيل: التكبُّر في المشي. وقيل: تجاوز الإنسان
قَدْره. وقال قتادة: هو الخُيَلاء في المشي. وقيل: هو البطر والأَشَر. وقيل: هو
النشاط(٤). وهذه الأقوال متقاربةٌ، ولكنَّها منقسمةٌ قسمين: أحدهما مذمومٌ والآخر
محمود؛ فالتكبُّر والبَطَر والخُيَلاء وتجاوُزُ الإنسانِ قَدْرَه مذمومٌ، والفرح والنشاط
محمود. وقد وصف الله تعالى نفسه بأحدهما، ففي الحديث الصحيح: ((لَلهُ أفرَحُ
بتوبة العبد من رجل ... )) الحديث(٥). والكسل مذمومٌ شرعاً والنشاط ضِدُّه. وقد يكون
التكبُّر وما في معناه محموداً، وذلك على أعداء الله والظّلَمة(٦).
أسند أبو حاتم محمد بن حِبَّان عن ابن جابر بن عَتيك، عن أبيه، عن رسول الله ﴾
٠٠
(١) في تفسيره ١٤/ ٥٩٦ .
(٢) قائله جرير، وهو في شرح ديوانه ٢/ ٩٩٠ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٥٦/٣ .
(٤) النكت والعيون ٢٤٤/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١٢٠١/٣.
(٥) أخرجه أحمد (٣٦٢٧)، والبخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤) من حديث عبد الله بن مسعود﴾.
وأحمد (١٣٢٢٧)، والبخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧) من حديث أنس بن مالك ﴾. وأحمد
(١٨٤٢٣)، ومسلم (٢٧٤٥) من حديث النعمان بن بشير . وأحمد (١٨٤٩٢)، ومسلم (٢٧٤٦) من
حديث البراء بن عازب ﴾.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٠١/٣.

٨٢
سورة الإسراء: الآيتان ٣٧ - ٣٨
أنه قال: ((إنَّ مِن الغَيْرة ما يُبغِضُ اللهُ عزَّ وجلَّ، ومنها ما يُحِبُّ اللهُ عزَّ وجلَّ، ومن
الخُيَلاءِ ما يُحِبُّ اللهُ عزَّ وجلَّ، ومنها ما يُبغِضُ اللهُ، فأما الغَيْرةُ التي يُحِبُّ اللهُ الغَيْرةُ
في الدِّين، والغَيْرةُ التي يُبغِضُ اللهُ الغَيْرةُ في غير دينه، والخُيَلاءُ التي يُحِبُّ اللهُ
اختيالُ الرجلِ بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيالُ الذي يُبغِضُ اللهُ الخُيَلاءُ
في الباطل)) وأخرجه أبو داود في مصنَّفه وغيره(١). وأنشدوا:
فكم تحتَها قومٌ هُمُ منكَ أرفَعُ
ولا تمشِ فوقَ الأرضِ إلا تواضُعاً
فكم ماتَ من قومٍ هُمُ منكَ أمنَعُ(٢)
وإن كنتَ في عزِّ وحِرْزٍ ومَنْعةٍ
الثانية: إقبال الإنسان على الصيد ونحوه تنزُّهاً (٣) دون حاجةٍ إلى ذلك داخلٌ في
هذه الآية، وفيه تعذيب الحيوان وإجراؤه لغير معنّى. وأما الرجل يستريح في اليوم
النادر والساعة من يومه، يُجمُّ فيها نفسَه في التطرُّح والراحة؛ ليستعين بذلك على
شُغلٍ من البِرِّ، كقراءة علمٍ أو صلاةٍ، فليس بداخلٍ في هذه الآية(٤).
قوله تعالى: ﴿مَرَحًا﴾ قراءة الجمهور بفتح الراء. وقرأت فرقةٌ فيما حكى يعقوب
بكسر الراء على بناء اسم الفاعل(٥). والأول أبلَغُ، فإنَّ قولك: جاء زيدٌ ركْضاً أبلَغُ
من قولك: جاء زيدٌ راكضاً، فكذلك قولُكَ: مَرَحاً. والمرَحُ المصدَرُ أبلَغُ من أن
يُقال: مَرِحاً (٦).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ يعني: لن تتولَّج باطنَها فتعلمَ ما فيها
(١) صحيح ابن حبان (٢٩٥)، وسنن أبي داود (٢٦٥٩)، وسنن النسائي ٧٨/٥ - ٧٩، ومسند أحمد
(٢٣٧٤٧).
(٢) ذكرهما ابن حبان في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص٦١، وذكر أن الكريزي أنشده إياهما.
(٣) في (م): ترفعاً.
(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٤٥٧ دون قوله: وفيه تعذيب الحيوان وإجراؤه لغير معنى.
(٥) المحرر الوجيز ٤٥٧/٣ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٤٠ بمعناه.

٨٣
سورة الإسراء: الآيتان ٣٧ - ٣٨
﴿وَلَنْ تَبِّلُّغَ الِبَالَ طُولًا﴾ أي: لن تساويَ الجبالَ بطولك ولا تطاولك(١). ويقال:
خرق الثوبَ أي: شقَّه، وخرق الأرض: قطعها، والخَرْقُ: الواسع من الأرض (٢).
أي: لن تخرق الأرض بكِبْركَ ومشيِكَ عليها، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ لَلِبَالَ طُولًا﴾ بعظمتك(٣)،
أي: بقدرتك لا تبلغ هذا المبلَغَ، بل أنت عبدٌ ذليل، مُحاظٌ بِكَ من تحتك ومن
فوقك، والمُحاط محصورٌ ضعيف، فلا يليقُ بك التكبر. والمرادُ بخرق الأرض هنا
نقبُها لا قطعها بالمسافة(٤)، والله أعلم. وقال الأزهري: معناه: لن تقطعها(٥).
النحاس(٦): وهذا أبْيَنُ؛ لأنه مأخوذٌ من الخرق: وهي الصحراء الواسعة. ويُقال:
فلانٌ أخْرَقُ من فلان، أي: أكثر سفراً وغزواً منه(٧).
ويُروى أن سَبَأَ دوَّخَ الأرض بأجناده شرقاً وغرباً وسَهْلاً وجبلاً، وقتل سادةً
وسبى - وبه سُمِّيَ سبأ - ودانَ له الخلق، فلمَّا رأى ذلك انفرد عن أصحابه ثلاثة أيام،
ثم خرج إليهم فقال: إني لمَّا نِلْتُ ما لم ينَلْ أحدٌ رأيتُ الابتداء بشكر هذه النِّعم، فلم
أَرَ أوقَعَ في ذلك من السجود للشمس إذا أشرقت، فسجدوا لها، وكان ذلك أوّلَ
عبادة الشمس، فهذه عاقبة الخُيَلاء والتكبر والمرَح(٨)، نعوذُ بالله من ذلك.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَيْكَ مَكْرُوهًا﴾ ((ذلك)) إشارة إلى
جملة ما تقدَّم ذِكْرُه مما أمر به ونَهَى عنه(٩). و((ذلك)) يصلح للواحد والجمع والمؤنث
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٠١ .
(٢) تهذيب اللغة ٧/ ٢١ - ٢٢، والمحرر الوجيز ٤٥٧/٣ .
(٣) الوسيط ١٠٨/٣، وزاد المسير ٣٦/٥ عن ابن عباس.
(٤) وردَّ هذا القول أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٨٠ .
(٥) تهذيب اللغة ٧/ ٢١ بمعناه.
(٦) في معاني القرآن له ٤/ ١٥٧ .
(٧) في (م) و(د): وعزةً ومنعةٌ.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٠١ .
(٩) الوسيط للواحدي ١٠٨/٣.

٨٤
سورة الإسراء: الآيتان ٣٧ - ٣٨
والمذكر.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ومسروق: ((سيتُهُ)) على إضافة سَيِّئ إلى
الضمير؛ ولذلك قال: ((مَكْروهاً)) نصب على خبر كان(١). والسيِّئ: هو المكروه، وهو
الذي لا يرضاه الله عزَّ وجلَّ ولا يأمر به(٢). وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه
الآي من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿ كَانَ سَِّتُهُ﴾ مأموراتٍ بها ومنهیاتٍ عنها ،
فلا يُخبِرُ عن الجميع بأنه سيِّئة فيدخل المأمور به في المنهيّ عنه(٣). واختار هذه
القراءة أبو عبيد(٤). ولأن في قراءة أُبَيِّ: ((كلُّ ذلِك كان سيئاته))(٥) فهذه لا تكون إلا
للإضافة.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ((سيئةً)) بالتنوين، أي: كلُّ ما نهى الله ورسوله
عنه سيئة. وعلى هذا انقطع الكلام عند قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ثم قال: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَهٌ﴾، ﴿وَلَا تَمْشِ﴾، ثم قال: ﴿كُلُّ ذلك كان سيّئةً﴾ بالتنوين(٦).
وقيل: إن قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوّا أَوْلَدَكُمْ﴾ إلى هذه الآية كان سيئةً لا حسنةً فيه،
فجعلوا «گلًا)» محيطاً بالمنھيّ عنه دون غيره. وقوله: ﴿مَگرُومًا﴾ ليس نعتاً لسيئة، بل
هو بدلٌ منه، والتقدير: كان سيئةً وكان مكروهاً(٧). وقد قيل: إنَّ ((مكروهاً)) خبرٌ ثانٍ
لكان حُمِلَ على لفظة كلِّ، و((سيئةً)) محمولٌ على المعنى في جميع هذه الأشياء
المذكورة قبلُ. وقال بعضهم: هو نعتٌ لسيئة؛ لأنه لمَّا كان تأنيثُها غيرَ حقيقيٍّ جاز أن
تُوصَفَ بِمُذكَّر. وضعَّف أبو علي الفارسيُّ هذا وقال: إن المؤنث إذا ذُكِّر فإنما ينبغي
(١) المحرر الوجيز ٤٥٧/٣، والقراءة عن الأربعة دون مسروق في السبعة ص ٣٨٠، والتيسير ص١٤٠.
(٢) تفسير الطبري ١٤/ ٦٠٠ .
(٣) الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي ١٠٢/٥ - ١٠٣.
(٤) تفسير أبي الليث، ووقع في مطبوعه: أبو عبيدة.
(٥) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧٦ - ٧٧ ونسبها إلى أبي إسحاق.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١، والقراءة في السبعة ص ٣٨٠، والتيسير ص ١٤٠.
(٧) الوسيط للواحدي ١٠٨/٣ .

٨٥
سورة الإسراء: الآيتان ٣٧ - ٣٨
أن يكون ما بعده مذكَّراً، وإنما التساهل أن يتقدّم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في
صيغة ما يُسند إلى المذكَّر، ألا ترى قول الشاعر:
فلا مُزنةٌ ودَقَتْ وَدْقَها
ولا أرضَ أبقَلَ إيقالَها(١)
مستقبَحٌ عندهم. ولو قال قائلٌ: ((أبقَلَ أرضَ)) لم يكن قبيحاً. قال أبو عليّ: ولكن
يجوز في قوله: ((مكروهاً)) أن يكون بدلاً من ((سيئة)). ويجوز أن يكون حالاً من
الضمير الذي في ((عند ربك)) ويكون ((عند ربك)) في موضع الصفة لسيئة(٢).
الخامسة: استدلَّ العلماء بهذه الآية على ذمِّ الرَّقْصِ وتعاطيه. قال الإمام أبو
الوفاء بن عقيل: قد نصَّ القرآن على النَّهي عن الرقص فقال: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِي الْأَرْضِ
مَرَحًا﴾ وذَّ المختال. والرقصُ أشدُّ المرح والبطر، أوَلسنا الذين قِسْنا النبيذ على
الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسُّكْر؟ فما بالُنا لا نقيسُ القضيبَ وتلحينَ الشِّعر معه
على الظُنبور والمِزمار والطَّبل لاجتماعهما؟! فما أقبح من ذي لِحْية، وكيف إذا كان
شيبةً، يرقص ويُصفِّق على إيقاع الألحان والقضبان، وخصوصاً إن كانت أصواتٌ
النسوانٍ ومُردان، وهل يحسن لمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط، ثم
هو إلى إحدى الدّارين، يَشْمُس(٣) بالرقص شمس البهائم، ويُصفّق تصفيق النسوان،
ولقد رأيتُ مشايخَ في عمري ما بان لهم سِنِّ من التبسُّم فضلاً عن الضحك مع إدمان
مخالطتي لهم. وقال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ولقد حدَّثني بعض المشايخ
عن الإمام الغزالي ﴾ أنه قال: الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا باللعب(٤).
(١) قائله عامر بن جوين الطائي، وهو في كتاب سيبويه ٤٦/٢، والكامل ٨٤١/٢، والخصائص ٤١١/٢،
والخزانة ١/ ٤٥ .
(٢) المحرر الوجيز ٤٥٧/٣ - ٤٥٨، وينظر كلام أبي علي الفارسي بمعناه في الحجة للقراء السبعة
١٠٢/٥ - ١٠٣.
(٣) يقال: شَمَسَتِ الدابة: إذا شردت وجمحت ومنعت ظهرها. اللسان (شمس).
(٤) تلبيس إبليس ص ٢٥٠ - ٢٥١ .

٨٦
سورة الإسراء: الآيات ٣٧ - ٤٠
وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيانٍ في الكهف(١) وغيرها(٢) إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنَّا أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ
١٣٩
فَقُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا
الإشارة: بـ ((ذلك)) إلى هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها هذه
الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل عليه السلام، أي: هذه من الأفعال المحكمة
التي تقتضيها حكمة الله عزَّ وجلَّ في عباده، وخَلْقِه لهم من محاسن الأخلاق،
والحكمة: قوانين المعاني المُحكمة والأفعال الفاضلة. ثم عطف قوله: ((ولا تجعل))
على ما تقدَّم من النواهي. والخطاب للنبيِّ ﴾ والمرادُ كلُّ مَنْ سمع الآية من البشر.
والمدحور: المُهان المُبعَدُ المُقْصَى(٣). وقد تقدَّم في هذه السورة (٤). ويُقال في
الدعاء: اللهم اذْحَرْ عنَّا الشيطان؛ أي: أبعِدْه(٥).
قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَتَأْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا
عَظِيمًا
هذا يردُّ على من قال من العرب: الملائكةُ بنات الله، وكان لهم بناتٌ أيضاً مع
البنين، ولكنه أراد: أفأخْلَصَ لكم البنين دونه، وجعل البناتِ مشتركةً بينكم وبينه(٦).
﴿إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: في الإثم عند الله عزَّ وجلَّ(٧).
(١) عند تفسير الآية (١٤) في الكلام على المسألة الثانية.
(٢) عند تفسير الآية (٦) من سورة لقمان.
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٨/٣، وفي النسخ: ((وخلقها)) بدل ((وخلقه))، و((وقوانين)) بدل ((قوانين)).
(٤) ٤٨/١٣ .
(٥) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٥٥، ومعاني القرآن للنحاس ١٥٨/٤ .
(٦) زاد المسير ٣٧/٥، ومجمع البيان ١٥/ ٥١ .
(٧) الوسيط ١٠٨/٣، ومجمع البيان ١٥/ ٥١ .

٨٧
سورة الإسراء: الآية ٤١
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَُّواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُورًا
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّْنَا﴾ أي: بيَّنا. وقيل: كرَّرنا. ﴿فِى هَذَا الْقُرْمَانِ﴾ قيل: ((في))
زائدة، والتقدير: ولقد صرَّفنا هذا القرآن(١)؛ مثلُ: ﴿وَأَصْلِحْ لِ فِى ذُرِّيَّقٌ﴾
[الأحقاف: ١٥] أي: أصلح ذريتي. والتصريف: صرف الشيء من جهة إلى جهة(٢).
والمراد بهذا التصريف البيان والتكرير. وقيل: المغايرة، أي: غايرنا بين المواعظ
ليذَّكروا ويعتبروا ويتَّعظوا(٣). وقراءة العامة: ((صَرَّفنا)) بالتشديد على التكثير حيث وقع.
وقرأ الحسن بالتخفيف(٤). وقوله: ﴿فِى هَذَا الْقُرْمَانِ﴾ يعني الأمثال والعِبَر والحِكم
والمواعظ والأحكام والإعلام(٥). قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحسين يقول
بحضرة الإمام الشيخ أبي الطيب: لقوله تعالى: ((صرفنا)) معنيان؛ أحدهما: لم يجعله
نوعاً واحداً، بل وعداً ووعيداً، ومُحْكَماً ومتشابهاً، ونهياً وأمراً، وناسخاً ومنسوخاً،
وأخباراً وأمثالاً، مثلُ تصريف الرياح من صَباً ودَبُور وجنوبٍ وشمال، وتصريف
الأفعال من الماضي والمستقبل والأمر والنّهي والفعل والفاعل والمفعول ونحوها.
والثاني: أنه لم ينزل مرةً واحدةً بل نجوماً، نحو قوله: ﴿وَقُرْءَنًا فَرَقْتَهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦]
ومعناه: أكثَرْنا صرفَ جبريل عليه السلام إليك. ﴿لِيَذَكُّوا﴾ قراءة يحيى والأعمش
وحمزة والكسائي: ((ليَذْكُرُوا)) مخفَّفاً، وكذلك في الفرقان [الآية: ٥٠]: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ
بَهُمْ لِذَّكَّرُوا﴾. الباقون بالتشديد(٦). واختاره أبو عبيد؛ لأنَّ معناه: ليتذكَّروا وليتَّعظوا.
قال المَهْدوِيُّ: من شدَّد (ليَذَّكَّروا)) أراد التدبر. وكذلك من قرأ (لِيَذْكُروا)). ونظير
(١) المحرر الوجيز ٤٥٨/٣، وضعَّفه.
(٢) تفسير الرازي ٢١٦/٢٠.
(٣) النكت والعيون ٢٤٤/٣ .
(٤) المحتسب ٢١/٢، وهي قراءة شاذة.
(٥) تفسير الطبري ١٤/ ٦٠٢، والمحرر الوجيز ٤٥٨/٣ .
(٦) السبعة ص ٣٨٠، والتيسير ص١٤٠، والمحرر الوجيز ٤٥٨/٣.

٨٨
سورة الإسراء: الآيات ٤١ - ٤٣
الأول ﴿وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] والثاني: ﴿وَأَذْكُرُواْ مَا
فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣]. ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ أي: التصريف والتذكير ﴿إِلَّ نُفُورًا﴾ أي: تباعداً عن
الحقِّ وغفلةً عن النظر والاعتبار؛ وذلك لأنهم اعتقدوا في القرآن أنه حيلةٌ وسحرٌ
و گهانٌ وشعر.
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ: مَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّ بَغَوْ إِلَى ذِى الْعَُِّّ سَبِيلًا
سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُؤَّا كَبِيرًا (٣)﴾
(٤٢
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُد ◌َلِمَةٌ﴾ هذا متصلٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ وهو ردٌّ على عُبَّاد الأصنام .﴿ گمَا يَقُولُونَ﴾ قرأ ابن كثير وحفص: ((يقولون))
بالياء. الباقون: ((تقولون) بالتاء على الخطاب(١). ﴿إِذَا لَّأَبْنَغَوْ﴾ يعني الآلهة. ﴿إِلَى ذِى
الْعَشِ سَبِيلًا﴾ قال ابن العباس رضي الله تعالى عنهما: لَطلبوا مع الله منازعةً وقتالاً كما
تفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض(٢). وقال سعيد بن جُبير رضي الله تعالى عنه:
المعنى: إذاً لطلبوا طريقاً إلى الوصول إليه ليزيلوا ملكه؛ لأنهم شركاؤه(٣). وقال
قَتادة: المعنى: إذاً لابْتَغَتِ الآلهةُ القُرْبةَ إلى ذي العرش سبيلاً، والتمستِ الزُّلْفةً
عنده؛ لأنهم دونه(٤)، والقوم اعتقدوا أنَّ الأصنام تُقرِّبهم إلى الله زلفى، فإذا اعتقدوا
في الأصنام أنها محتاجةٌ إلى الله سبحانه وتعالى فقد بطل أنها آلهة. ﴿سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَنَّا
يَقُولُونَ عُلُوَّا كَبِيرًا﴾ نزَّه سبحانه نفسَه وقدَّسه ومجَّده عما لا يليق به. والتسبيح: التنزيه.
وقد تقدّم(٥).
(١) السبعة ص٣٨١، والتيسير ص ١٤٠ .
(٢) مجمع البيان ٥٣/٢٠، وذكره أبو الليث ٢٦٩/٢ عن مقاتل.
(٣) النكت والعيون ٢٤٥/٣ .
(٤) مجمع البيان ١٥/ ٥٣ .
(٥) ١/ ٤١٢ .

٨٩
سورة الإسراء: الآية ٤٤
قوله تعالى: ﴿ُبِعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ
٤٤
◌ِدِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمَّ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
قوله تعالى: ﴿ُبِعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِهِنَّ﴾ أعاد على السماوات
والأرض ضميرَ من يعقل، لمَّا أسند إليها فِعْلَ العاقل وهو التسبيح. وقوله: ﴿وَمَنْ
فِنٌ﴾ يريد الملائكةَ والإنسَ والجِنَّ، ثم عمَّ بعد ذلك الأشياء كلَّها في قوله: ﴿وَإِن
مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِّدِهِ﴾(١). واختلف في هذا العموم، هل هو مخصَّصٌ أم لا، فقالت
فرقة: ليس مخصوصاً، والمراد به تسبيح الدلالة، وكلُّ مُحدَثٍ يشهد على نفسه بأنَّ
الله عزَّ وجلَّ خالقٌ قادر(٢). وقالت طائفة: هذا التسبيح حقيقة، وكلُّ شيءٍ على
العموم يُسبِّح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان ما قاله الأوَّلون(٣) من أنه
أثر الصنعة والدلالة لكان أمراً مفهوماً(٤)، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يُفقه.
وأُجيبوا بأن المراد بقوله: ((لا تفقهون)» الكفارُ الذين يُعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون
حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء. وقالت فرقة: قوله ((مِنْ شَيْء)) عموم، ومعناه
الخصوص في كل حَيٍّ ونامٍ، وليس ذلك في الجمادات. ومن هذا قول عكرمة:
الشجرة تُسبِّح والأسطوان لا يُسبِّح. وقال يزيد الرَّقَاشِيُّ للحسن وهما في طعام وقد
قُدِّم الخِوان: أَيُسبِّح هذا الخِوانُ يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يُسبِحُ مرَّةً. يريد أنَّ
الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تُسبِّح، وأما الآن فقد صار خِواناً مدهوناً(٥).
قلت: ويُستَدلُّ لهذا القول من السُّنَّة بما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما أن النبيَّ ﴾ مرَّ على قبرين فقال: ((إنهما لَيُعَذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير، أما
(١) المحرر الوجيز ٤٥٩/٣ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٤٢، والوسيط للواحدي ١٠٩/٣ .
(٣) في المحرر الوجيز: الآخرون.
(٤) في المحرر الوجيز: مفقوهاً.
(٥) المحرر الوجيز ٤٥٩/٣، وأثر عكرمة أخرجه الطبري ٦٠٥/١٤، وأثر الحسن أخرجه الطبري
٠٦٠٦/١٤
:.

٩٠
سورة الإسراء: الآية ٤٤
أحدُهما فكان يمشي بالنَّميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول)) قال: فدعا
بعَسِيبٍ رَظْبٍ فشقَّه اثنين، ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً، ثم قال:
((لعلَّه يُخفِّفُ عنهما ما لم يَيْبَسَا))(١). فقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما لم ييبسا)) إشارةٌ
إلى أنهما ما داما رطبين يُسبِّحان، فإذا يبِسا صارا جماداً. والله أعلم. وفي ((مسند أبي
داود الطيالسي)): فوضع على أحدهما نصفاً وعلى الآخر نصفاً، وقال: ((لعلَّه أن
يُهوِّن عليهما العذابَ ما دام فيهما من بلولتهما شيء))(٢). قال علماؤنا: ويُستفاد من
هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خُفِّفَ عنهم بالأشجار، فكيف
بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟! وقد بيَّنَّا هذا المعنى في كتاب ((التذكرة)) (٣) بياناً شافياً،
وأنه يصل إلى الميت ثوابُ ما يُهْدَى إليه. والحمد لله على ذلك. وعلى التأويل الثاني
لا يحتاج إلى ذلك؛ فإن كلَّ شيءٍ من الجماد وغيره يُسبِّح.
قلت: ويستدلّ لهذا التأويل وهذا القول من الكتاب بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَآذَكُرُ
عَبْدَنَا دَاوُرَدَ ذَا الْأَبَّ إِنَّهُ، أَوََّبُ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ, يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٧ -١٨]،
وقولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٧٤] - على قول مجاهد - وقولِه:
﴿وَتَّخِزُ لْجِبَالُ هَذَّا * أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠-٩١]. وذكر ابن المبارك في
((رقائقه): أخبرنا مِسْعَر، عن عبد الله بن واصل، عن عون (٤) بن عبد الله قال: قال
عبد الله بن مسعود : إنَّ الجبل ليقول للجبل: يا فلان، هل مرَّ بِكَ اليومَ ذاكرٌ لله
عزَّ وجلَّ؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به. ثم قرأ عبد الله: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾
[مريم: ٨٨] الآيات. قال: أفتراهنَّ يَسمَعْنَ الزُّور ولا يَسمَعْنَ الخير(٥). وفيه عن أنس
(١) أخرجه أحمد (١٩٨٠)، والبخاري (٦٠٥٢)، ومسلم (٢٩٢).
(٢) مسند الطيالسي (٨٦٧) من حديث أبي بكرة ﴾. وأخرجه أحمد (٢٠٤١١).
(٣) ص١٥٠.
(٤) تصحف اسم عون في النسخ سوى (ظ) إلى عوف.
(٥) الزهد لابن المبارك (٣٣٣)، عبد الله بن واصل مجهول تفرد بالرواية عنه مسعر بن كدام كما في التاريخ
الكبير ٢١٩/٥، والجرح والتعديل ١٩٢/٥، وذكره ابن حبان في الثقات ٥٧/٧ على عادته في توثيق
المجاهيل. وعون بن عبد الله لم يدرك عبد الله بن مسعود. قاله الترمذي في سننه عقب الحديث (١٢٧٠).

٩١
سورة الإسراء: الآية ٤٤
ابن مالك ﴾ قال: ما من صباحٍ ولا رواحٍ إلا تُنادي بقاعُ الأرض بعضُها بعضاً: يا
جاراه، هل مَرَّ بِكِ اليومَ عبدٌ فَصلَّى للهِ أو ذكر اللهَ عليكِ؟ فمِن قائلةٍ: لا، ومن
قائلةٍ: نعم، فإذا قالت: نعم، رأت لها بذلك فضلاً عليها (١). وقال رسول الله ﴾.
((لا يَسمَعَ صوتَ المؤذن جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شجرٌ ولا حَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا شيءٌ إلا شهد
له يوم القيامة)). رواه ابن ماجه في ((سننه))، ومالك في ((موظّئه)) من حديث أبي سعيد
الخُذريِّ ﴾(٢). وخرَّج البخاريُّ عن عبد الله ﴾ قال: لقد كُنَّا نسمع تسبيحَ الطعام
وهو يؤكل(٣). في غير هذه الرواية عن ابن مسعود﴾: كنّا نأكل مع رسول الله ﴾.
الطعام ونحن نسمع تسبيحَه(٤). وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن سَمُرَة ﴾ قال: قال
رسول الله ﴾: ((إني لأَعرِفُ حجراً بمكة كان يُسلِّمُ عليَّ قبل أن أُبعَثَ، إني لأعرِفُه
الآن))(٥). قيل: إنه الحجر الأسود، والله أعلم. والأخبار في هذا المعنى كثيرة؛ وقد
أتينا على جملةٍ منها في اللَّمع اللؤلؤية في شرح العشرينات النبوية للفاداري رحمه
الله، وخبر الجذع أيضاً مشهورٌ في هذا الباب خرَّجه البخاري في مواضع من
كتابه(٦). وإذا ثبت ذلك في جمادٍ واحدٍ جاز في جميع الجمادات، ولا استحالة في
شيءٍ من ذلك، فكلُّ شيءٍ يُسبِّح للعموم. وكذا قال النَّخَعِيُّ وغيره: هو عامٌّ فيما فيه
روحٌ وفيما لا روح فيه حتى صرِير الباب(٧). واحتجُّوا بالأخبار التي ذكرنا. وقيل:
تسبيح الجمادات أنها تدعو الناظر إليها إلى أن يقول: سبحان الله! لعدم الإدراك
منها. وقال الشاعر:
(١) الزهد لابن المبارك (٣٣٥) عن صالح المري، عن جعفر بن زيد، عن أنس. صالح المري: هو ابن
بشير، وهو ضعيف جداً. الميزان ٢٨٩/٢ - ٢٩٠.
(٢) سنن ابن ماجه (٧٢٣)، والموطأ ٦٩/١. وأخرجه أحمد (١١٣٠٥)، والبخاري (٦٠٩).
(٣) صحيح البخاري (٣٥٧٩). وأخرجه أحمد (٤٣٩٣).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٦٣٣)، وابن خزيمة (٢٠٤)، والطبراني في الأوسط (٤٤٩٨).
(٥) صحيح مسلم (٢٢٧٧).
(٦) صحيح البخاري (٣٥٨٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه أحمد (٥٨٨٦).
(٧) النكت والعيون ٢٤٥/٣، وزاد المسير ٣٩/٥ .

٩٢
سورة الإسراء: الآيتان ٤٤ - ٤٥
وتَستقِرُّ حَشَا الرائي بتَرْعادٍ(١)
تُلْقَى بتسبيحةٍ من حيثُ ما انصرفَتْ
أي: يقول من رآها: سبحانَ خالقها. فالصحيح أنَّ الكلَّ يُسبِّح؛ للأخبار الدالَّة
على ذلك، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأيُّ تخصيصٍ لداود، وإنما ذلك تسبيح
المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح كما ذكرنا. وقد نصَّتِ السُّنَّةُ على ما دلّ عليه
ظاهر القرآن من تسبيح كلِّ شيءٍ، فالقول به أوْلى. والله أعلم.
وقرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وحفص وحمزة والكسائي وخَلَف: ((تفقهون)»
بالتاء التأنيث الفاعل. الباقون بالياء(٢)، واختاره أبو عبيد، قال: للحائل بين الفعل
والتأنيث. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ عن ذنوب عباده في الدنيا ﴿غَفُورًا﴾ للمؤمنين في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا
٤٥
مَسْتُورًا.
عن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنهما قالت: لمَّا نزلت سورة ﴿تَبَّتْ
يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ أقبلتِ العَوْراءُ أمُّ جميل بنت حرب ولها وَلْوَلَةٌ وفي يدها فِهْرٌ وهي
تقول :
مُذَمَّماً أَبَيْنا * وَدِينَه قَلَيْنَا * وأمرَه عصَيْنا *
والنبيُّ# قاعدٌ في المسجد ومعه أبو بكر ﴾، فلما رآها أبو بكر قال:
يا رسول الله، لقد أقبلتْ وأنا أخافُ أن تراك! قال رسول اللـه ◌ِ﴾: ((إنَّها لن تراني»
وقرأ قرآناً فاعتصم به كما قال. وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَّكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
(١) ينظر النكت والعيون ٢٤٥/٣، والبيت قائله بشار بن برد، وهو في ديوانه ٢٣١/٢ بلفظ:
وتستفِزُّ حشا الرائي بإرعادٍ
تُلقى بتسبيحةٍ من حُسنٍ ما خُلِقَتْ
(٢) لم نقف على من قرأ ((تفقهون)) بالياء، والظاهر أن المصنف وهم في ذلك، والصحيح أن كلامه هذا
ينبغي أن يعود على قوله: ((تسبح))، فقد قرأها هكذا أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة
والكسائي، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: ((يُسبِّح)) بالياء. ينظر المحرر
الوجيز ٤٦٠/٣ .

٩٣
سورة الإسراء: الآية ٤٥
بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ فوقفت على أبي بكر ولم ترَ رسولَ الله ﴾، فقالت: يا
أبا بكر، أُخبِرتُ أنَّ صاحبكَ هجاني. فقال: لا ورَبِّ هذا البيت ما هجاكِ. قال:
فولَّت وهي تقول: قد علِمَتْ قريشٌ أني ابنةُ سيِّدِها(١). وقال سعيد بن جُبير ﴾: لمَّا
نزلت ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ جاءتِ امرأةُ أبي لهبٍ إلى النبيِّ ﴾ ومعه أبو بكرٍ ﴾،
فقال أبو بكر: لو تَنَخَّيْتَ عنها لئلا تُسمِعَكَ ما يؤذيك، فإنها امرأةٌ بذِيَّة. فقال النبيُّ ﴾:
((إنه سيُحال بيني وبينها)) فلم ترَه. فقالت لأبي بكر: يا أبا بكر، هجانا صاحبُكَ. فقال:
واللهِ ما ينطِقُ بالشعر ولا يقولُه. فقالت: وإِنَّكَ لمُصدِّقه. فاندفعت راجعة. فقال
أبو بكر: يا رسول الله، أمّا رأتْكَ؟ قال: ((لا، ما زال ملَكٌ بيني وبينها يسترني
حتى ذهبت»(٢). قال كعب ﴾ في هذه الآية: كان النبيُّ # يستتر من المشركين بثلاث
آيات: الآية التي في الكهف [٥٧] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوُهُ وَفِيَ ءَاذَاِهِمْ
وَقْرًا﴾، والآية التي في النحل [١٠٨] ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ
وَأَبْصَرِهِمْ﴾، والآية التي في الجاثية [٢٣] ﴿أَفََّيْتَ مَنِ اَخَذَّ إِلَهُمْ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عٍِّ
وَخَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهٍ غِشَةٌ﴾ الآية. فكان النبيُّ ﴾ إذا قرأهُنَّ يستتِرُ من
المشركين. قال كعب رضي الله تعالى عنه: فحدَّثتُ بهنَّ رجلاً من أهل الشام، فأتى
أرضَ الروم فأقام بها زماناً، ثم خرج هارباً، فخرجوا في طلبه، فقرأ بهنَّ، فصاروا
يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه. قال الثعلبي: وهذا الذي يرؤُونه عن كعب
حدَّثتُ به رجلاً من أهل الريِّ فَأُسِرَ بالدَّيْلَم، فمكث فيهم زماناً، ثم خرج هارباً،
فخرجوا في طلبه، فقرأ بهنَّ حتى جعلت ثيابُهنَّ لتلمِسُ ثيابه فما يبصرونه.
(١) أخرجه الحميدي (٣٢٣)، والأزرقي في أخبار مكة ٣١٦/١، وأبو يعلى (٥٣)، والحاكم ٣٦١/٢.
وفي المصادر بعد قوله: ((ودينه قلينا)) ((وأمره عصينا)). الولولة: صوت متتابع بالويل والاستغاثة. والفهر:
هو الحجر ملء الكف، أو الحجر مطلقاً. اللسان (ولول) و(فهر).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٩٨/١١ - ٤٩٩، وأبو نعيم في الدلائل (١٤٠) من طريق محمد بن فضيل، عن
عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير.
وأخرجه البزار (١٥)، وأبو يعلى (٢٥)، وابن حبان (٦٥١١) من طريق عبد السلام بن حرب، عن
عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

٩٤
سورة الإسراء: الآية ٤٥
قلت: ويُزاد إلى هذه الآي أوّلُ سورة يس إلى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾.
فإنَّ في السيرة في هجرة النبيِّ # ومقام عليٍّ ﴾ في فراشه قال: وخرج رسول الله ﴾
فأخذ حَفْنةً من تراب في يده، وأخذ الله عزَّ وجلَّ على أبصارهم عنه فلا يَرَوْنه،
فجعل ينثرُ ذلك الترابَ على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس: ﴿يَسّ. وَأَلْقُرْءَانِ
الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قوله:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيَدِهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ حتى فرغ رسول
الله ﴾ من هذه الآيات، ولم يبقَ منهم رجلٌ إلا وقد وضع على رأسه تراباً، ثم
انصرف إلى حيثُ أراد أن يذهب(١).
قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور (٢) من أعمال قرطبة مثل هذا،
وذلك أني هربت أمام العدوِّ وانحزتُ إلى ناحيةٍ عنه، فلم ألبَتْ أن خرج في طلبي
فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعدٌ ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة
يس وغير ذلك من القرآن، فعبرا عليَّ ثم رجعا من حيث جاءا، وأحدهما يقول
للآخر: هذا دِيَبْلُه، يعنون شيطاناً. وأعمى الله عزَّ وجلَّ أبصارَهم فلم يروني، والحمد
لله حمداً كثيراً على ذلك.
وقيل: الحجاب المستور: طَبْعُ اللهِ على قلوبهم حتى لا يفقهوه ولا يُدركوا ما فيه
من الحكمة. قاله قتادة. وقال الحسن: أي: إنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلِهم
عنك كمن بينك وبينه حجابٌ في عدم رؤيته لك حتى كأنَّ على قلوبهم أغطية (٣).
وقيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسولَ الله # إذا قرأ القرآن، وهم أبو جهل وأبو
سفيان والنضر بن الحارث وأمُّ جميل - امرأة أبي لهب ـ وحُوَيطب، فحجبَ الله
سبحانه وتعالى رسولَه عن أبصارهم عند قراءة القرآن، وكانوا يمرُّون به ولا
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٣ .
(٢) كذا في جميع النسخ، ولم نقف على مكانٍ بهذا الاسم، ولعله ((حصن المدور)) كما في معجم البلدان
٧٧/٥، والكامل ١٢٦/٥، ونفح الطيب ٥٥/١ و٣٨/٣.
(٣) النكت والعيون ٢٤٦/٣ .

٩٥
سورة الإسراء: الآيتان ٤٥ - ٤٦
يرونه(١). قاله الزَّجَّاج وغيره(٢). وهو معنى القول الأوَّل بعينه، وهو الأظهر في الآية،
والله أعلم.
وقوله: ﴿مَّسْتُورًا﴾ فيه قولان: أحدهما - أنَّ الحجاب مستور عنكم لا ترونه.
والثاني - أنَّ الحجاب ساترٌ عنكم ما وراءه، ويكون مستوراً بمعنى ساتر(٣).
قوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيَّ مَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ
فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَمُ وَلَّوْ عَلَىَّ أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا (١ )
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ﴾ ((أكِنة)) جمع كِنان، وهو ما ستر الشيء.
وقد تقدم في ((الأنعام)) (٤). ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفقهوه، أو كراهية أن يفقهوه(٥)،
أي: أن يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحِكم والمعاني. وهذا ردٌّ على القدرية.
﴿وَفِيّ ءَاذَانِمْ وَقْرَأْ﴾ أي: صمماً وثقلاً (٦). وفي الكلام إضمار، أي: أن يسمعوه. ﴿وَإِذَا
ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾ أي: قلتَ: لا إله إلا الله وأنتَ تتلو القرآن(٧). وقال أبو
الجَوْزاء أوْس بن عبد الله: ليس شيء أظْرَدَ للشيطان من القلب من قول لا إله إلا
الله، ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَمُ وَلَّوْ عَلَىَّ أَوْبَرِهِمِ نُفُورً﴾(٨). وقال علي بن
الحسين: هو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وقد تقدم هذا في البسملة(٩). ﴿وَلَوْ عَلَ
أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا﴾ قيل: يعني: بذلك المشركين. وقيل: الشياطين(١٠). و(نُفُوراً)) جمع نافر،
(١) زاد المسير ٤١/٥ .
(٢) قول الزجاج في معاني القرآن له ٢٤٣/٣ بلفظ: الحجاب: منع الله إيَّاهم من النبي عليه الصلاة
والسلام.
(٣) النكت والعيون ٢٤٦/٣ .
(٤) ٨/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
(٥) تفسير البغوي ١١٧/٣، وينظر ٣٤٥/٨ .
(٦) تفسير أبي الليث ٢٧٠/٢ .
(٧) الوسيط للواحدي ١١٠/٣ .
(٨) ذكره النحاس في معاني القرآن ١٦٠/٤ بمعناه.
(٩) ١/ ١٤٣ .
(١٠) زاد المسير ٤١/٥، وذكر الأول عن ابن زيد والثاني عن ابن عباس.

٩٦
سورة الإسراء: الآيتان ٤٦ - ٤٧
مثل: شهود جمع شاهد، وقعود جمع قاعد، فهو منصوبٌ على الحال. ويجوز أن
يكون مصدراً على غير الصدر، إذ كان قوله: ((وَلَّوْا)) بمعنى نفروا، فيكون معناه:
2(١)
نفروا نفوراً
قوله تعالى: ﴿وَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِّ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ تَجْوَىَ إِذْ يَقُولُ
اُلََّالِمُونَ إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْخُورًا
١٤٧
قوله تعالى: ﴿نَّحْنُ أَعْلُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِ* إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ قيل: الباء زائدة في قوله:
(به)) أي: يستمعونه(٢). وكانوا يستمعون من النبيِّ# القرآن، ثم ينفرون فيقولون: هو
ساحر ومسحور، كما أخبر الله تعالى به عنهم. قاله قتادة وغيره. ﴿وَإِذْ هُمْ تَجْرَ﴾ أي:
مُتناجون في أمرك (٣). قال قتادة: وكانت نجواهم قولهم: إنه مجنون، وإنه ساحر،
وإنه يأتي بأساطير الأوّلين، وغير ذلك(٤). وقيل: نزلت حين دعا عُتْبةُ أشرافَ قريشٍ
إلى طعامٍ صنعه لهم، فدخل عليهم النبيُّ ﴾ وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله؛
فتناجوا، يقولون: ساحر ومجنون. وقيل: أمرَ النبيُّ ﴾ عليًّا أن يَتَّخِذَ طعاماً ويدعوَ إليه
أشرافَ قريشٍ من المشركين، ففعل ذلك عليٍّ، ودخل عليهم رسولُ الله ﴾، وقرأ
عليهم القرآن، ودعاهم إلى التوحيد، وقال: ((قولوا لا إله إلا الله؛ لِتُطيعَكُمُ العَربُ
وتدينَ لكم العجم)) فأبَوْا، وكانوا يستمعون من النبيِّ ﴿ ويقولون بينهم مُتناجين: هو
ساحرٌ وهو مسحور، فنزلت الآية (٥).
وقال الزَّجَّاج: النَّجْوَى اسم للمصدر، أي: وإذ هم ذَوو نجوى(٦)، أي: سرار(٧).
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٣/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤٢٦/٢، وزاد المسير ٤١/٥ . وقول
النصب على الحال قاله مكي بن أبي طالب في مشكل إعراب القرآن ١/ ٤٣٢ .
(٢) الوسيط للواحدي ٣/ ١١١، وزاد المسير لابن الجوزي ٤٢/٥.
(٣) تفسير البغوي ١١٨/٣ .
(٤) أخرجه الطبري ١٤ / ٦١٢ .
(٥) الوسيط للواحدي ١١١/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٤٢/٥، وتفسير الرازي ٢٢٣/٢٠.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢٤٣/٣ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٦١ .

٩٧
سورة الإسراء: الآية ٤٧
﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ أبو جهل والوليد بن المُغِيرة وأمثالهما. ﴿إِن تَنَّعُونَ إِلَّا رَجُلًا
مَّسْحُورًا﴾ أي: مَظْبُوباً قد خبلَه السِّحرُ فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك لينفروا عنه
الناس(١). وقال مجاهد: ((مسحوراً)) أي: مخدوعاً، مثلُ قوله: ﴿فَأَّ تُسْحَرُونَ﴾
[المؤمنون: ٨٩] أي: من أين تُخدَعون(٢).
وقال أبو عبيدة: ((مسحوراً)) معناه أنَّ له سَخْراً، أي رِئة، فهو لا يستغني عن
الطعام والشراب، فهو مِثْلُكم وليس بمَلَك. وتقول العرب للجبان: قد انتفخَ سَخْرُه.
ولكلٍّ مَنْ أكل من آدميٍّ وغيرِه أو شربَ: مسحورٌ ومُسَخَّر؛ قال لبيد(٣):
فإن تسألينا فِيمَ نحنُ فإنَّنا عصافيرُ من هذا الأنامِ المُسَخَّرِ
وقال امرؤ القيس :
أَرانا مُوضِعينَ لأمرٍ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بالطعامِ وبالشَّرابِ(٤)
أي: نُغَذَّى ونُعَلَّل(٥). وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: مَن
هذه التي تُساميني من أزواج النبيِّ﴾، وقد تُؤُفِّيَ رسول اللـه :8# بين سَخْري
ونَحْري(٦)؟!
(١) تفسير البغوي ١١٨/٣.
(٢) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٥٦ ، وقول مجاهد ذكره النحاس في معاني القرآن ١٦١/٤، والبغوي
١١٨/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٢/٥.
(٣) في ديوانه ص٥٦ .
(٤) ديوان امرئ القيس ص٩٧ . قال شارحه: ((نرى أنفسنا موضعين)) أي: مسرعين. ((لأمر غيبٍ)) أي:
للموت المُغيَّب، أي: نسرع في آجالنا وقد غُيِّب عنا وقت انقضائها.
(٥) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٨١/١-٣٨٢، والمحرر الوجيز ٤٦١/٣، وزاد المسير ٤٢/٥-٤٣ .
واستدلَّ ابن قتيبة في الغريب ص٢٥٦، والنحاس في المعاني ١٦١/٤ بهذا البيت لقول مجاهد،
والمعنى: نُخدع. وتعقّب ابنُ قتيبة أبا عبيدة في تفسيره فقال: ولستُ أدري ما اضطرَّه إلى هذا التفسير
المُستكرّه؟! وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه.
(٦) لم نقف على من خرَّجه بهذا اللفظ، وقولها: ((توفي رسول الله # بين سحري ونحري)) أخرجه أحمد
(٢٤٩٠٥)، والبخاري (١٣٨٩).

٩٨
سورة الإسراء: الآيتان ٤٨ - ٤٩
٤٨
قوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
قوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ عجَّبه من صنعهم كيف يقولون تارةً
ساحرٌ وتارةً مجنون وتارةً شاعر(١). ﴿فَضَلُواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي: حِيلةً في صدِّ
الناس عنك(٢). وقيل: ضَلُّوا عن الحقِّ فلا يجدون سبيلاً، أي إلى الهدى(٣). وقيل:
مخرجاً؛ لتناقض كلامهم في قولهم: مجنون، ساحر، شاعر (٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَوِذَا كُنَّا عِظَمَا وَرُفَا أَبِنَا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
٤٩
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَنَا﴾ أي: قالوا وهم يتناجَوْن لمَّا سمعوا
القرآن وسمعوا أمر البعث: لو لم يكن مسحوراً مخدوعاً لما قال هذا. قال ابن
عباس: الرُّفات: الغبار(٥). مجاهد: التراب(٦). والرُّفات: ما تكسَّر وبَليَ من كل
شيء، كالفُتات والحُطام والرُّضاض. عن أبي عبيدة والكسائيّ والفَرَّاء والأخفش(٧).
تقول منه: رُفِتَ الشيء رَفْتاً، أي حُطِم؛ فهو مرفوت (٨). ﴿أَِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾
((أئِنَّا)) استفهام والمراد به الجَحْد والإنكار(٩). و((خلقاً)) نُصِبَ لأنه مصدر (١٠)؛ أي:
بعثاً جديداً. وكان هذا غايةَ الإنكار منهم.
(١) تفسير الطبري ١٤/ ٦١٣ .
(٢) مجمع البيان ١٥ / ٥٧ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٦٢/٣ .
(٤) تفسير أبي الليث ٢٧١/٢، وأخرجه الطبري ١٤/ ٦١٣ عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٦١٤ .
(٦) وهو في تفسيره ١/ ٣٦٣، وأخرجه عنه الطبري ١٤/ ٦١٤ .
(٧) معاني القرآن للفراء ١٢٥/٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٨٢، ومعاني القرآن للنحاس ٤/ ١٦٢ -
١٦٣، وهو قول الزجاج في المعاني ٢٤٤/٣ .
(٨) تفسير الطبري ٦١٥/١٤، والمحرر الوجيز ٤٦٢/٣ .
(٩) ينظر الوسيط للواحدي ٣/ ١١١.
(١٠) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٧/٢.

٩٩
سورة الإسراء: الآيتان ٥٠ - ٥١
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُنُوْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ( أَوْ خَلْقًّا مِّمَا يَكْبُرُ فِ صُدُورِكُمْ
فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَّا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَّ فَسَيُنْخِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ
٥١
مَتَ هُوَّ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ أي: قل لهم يا محمد: كونوا - على جهة
التعجيز - حجارةً أو حديداً في الشدّة والقوة (١). قال الطبري: أي: إن عجبتم من
إنشاء الله لكم عظاماً ولحماً فكونوا أنتم حجارةً أو حديداً إن قَدرتم. وقال عليُّ بن
عيسى: معناه: أنكم لو كنتم حجارةً أو حديداً لم تفوتوا اللهَ عزَّ وجلَّ إذا أرادكم، إلا
أنَّه خرج مخرج الأمر؛ لأنه أبلَغُ في الإلزام. وقيل: معناه: لو كنتم حجارةً أو حديداً
لأعادكم كما بدأكم، ولأماتكم ثم أحياكم(٢). وقال مجاهد: المعنى: كونوا ما شئتم
فستُعادون(٣). النحاس(٤): وهذا قولٌ حسن؛ لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة،
وإنما المعنى أنهم قد أقرُّوا بخالقهم وأنكروا البعث، فقيل لهم: استشعروا أن تكونوا
ما شئتم، فلو كنتم حجارةً أو حديداً لبُعِثْتُم كما خُلِقْتُم أوّل مرة.
﴿أَوْ خَلْقًّا مِمَا يَكْبُرُ فِ صُدُورِكُمْ﴾ قال مجاهد: يعني السماوات والأرض
والجبال(٥)؛ لعِظَمِها في النفوس. وهو معنى قول قتادة، يقول: كونوا ما شئتم، فإن
الله يميتكم ثم يبعثكم(٦). وقال ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص
وابن جُبير ومجاهد أيضاً وعكرمة وأبو صالح والضحاك: يعني الموت(٧)؛ لأنه ليس
شيءٌ أكبرَ في نفس ابن آدم منه؛ قال أُمَيّة بن أبي الصَّلت:
(١) مجمع البيان ٥٨/١٥ .
(٢) النكت والعيون ٢٤٨/٣، وينظر قول الطبري في تفسيره ٦١٥/١٤ بمعناه.
(٣) وهو في تفسيره ١/ ٣٦٣، وأخرجه عنه الطبري ١٤/ ٦١٨ .
(٤) في معاني القرآن له ٤/ ١٦٣.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٧٩/١ .
(٦) أخرجه الطبري ٦١٨/١٤ .
(٧) أخرجه الطبري ١٤/ ٦١٦ - ٦١٧ عن جميعهم سوى مجاهد وعكرمة.

١٠٠
سورة الإسراء: الآيتان ٥٠ - ٥١
وللمَوْتُ خَلْقٌ في النفوسِ فَظيعُ(١)
يقول: إنكم لو خُلقتم من حجارةٍ أو حديدٍ أَو كنتم الموتَ لأُميتَنَّكم ولأ بعثنكم؛
لأن القدرة التي بها أنشأتكم بها نعيدكم(٢). وهو معنى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَّ قُلِ
الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّؤْ﴾. وفي الحديث أنه «يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة گَبْشٍ
أَمْلَحَ، فيُذبحُ بين الجنة والنار))(٣). وقيل: أراد به البعث؛ لأنه كان أكبرَ في صدورهم.
قاله الكلبي(٤). ﴿فَطَرَّكُمْ﴾ خلقكم وأنشأكم. ﴿فَسَيُنْفِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أي: يحرِّكون
رؤوسهم استهزاءً(٥)، يقال: نَغَض رأسُه يَنْغُضُ ويَنْغِضُ نَغْضاً ونُغوضاً، أي: تحرَّك.
وأنغَضَ رأسَه أي: حرَّكه، كالمتعجِّبٍ من الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْفِضُونَ إِلَيْكَ
رُوُسَهُمْ﴾(٦).
:
قال الراجز :
أنغضَ نحوي رأسَه وأقنَعا (٧)
ويقال أيضاً: نغضَ فلانٌ رأسَه أي: حرَّكه، يتعدَّى ولا يتعدَّى. حكاه
الأخفش (٨). ويقال: نَغَضتْ سِنُّه، أي: تحرَّكت وانقلعت.
قال الراجز:
ونغضَتْ من هَرَمِ أسنانُها
(١) من أول الفقرة إلى هنا في النكت والعيون ٢٤٨/٣، وصدر البيت: ((نادَوا إلههم ليُسرعَ خلْقَهم)).
(٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٢٧٢ بمعناه.
(٣) سلف ١٠/ ١٩٢ .
(٤) نقله عنه الماوردي في النكت والعيون ٢٤٨/٣ .
(٥) تفسير أبي الليث ٢/ ٢٧٢، والنكت والعيون ٢٤٨/٣، وتفسير البغوي ١١٩/٣. وأخرجه الطبري
١٤/ ٦٢٠ عن ابن عباس وقتادة.
(٦) الصحاح (نغض).
(٧) تتمته: ((كأنما أبصر شيئاً أطمعا»، وقد سلف ١٥٩/١٢.
(٨) الصحاح (نغض).