Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة النحل: الآية ١٤
السابعة: رَوَى البخاري عن أنس بن مالك: أَنَّ رسولَ الله : ﴿ اَنَّخَذَ خاتماً من
فِضَّةٍ، ونَقَشَ فيه: ((محمد رسول الله))، وقال: ((إنِّي اتَّخَذَتُ خَاتماً مِن وَرِق، ونَقَشْتُ
فيه: محمدٌ رَسولُ الله، فلا يَنْقِشَنَّ أَحَدٌ على نَقْشِهِ)) (١).
قال علماؤنا: فهذا دليلٌ على جوازِ نَقْشِ اسمِ صاحبِ الخاتم على خاتمه(٢).
قال مالك: ومن شأن الخلفاءِ والقضاةِ نقشُ أسمائهم على خواتيمهم، ونهيُه عليه
الصلاة والسلام: لا ينقشنَّ أحدٌ على نَقْشٍ خاتمه؛ من أجل أنَّ ذلك اسمُه وصِفتُه
برسالةِ الله له إلى خلقه.
ورَوَى أهلُ الشام أنه لا يجوز اتخاذ الخاتم لغير ذي سلطان(٣). وروى في ذلك
حديثاً عن أبي ريحانة(٤)، وهو حديثٌ لا حجةَ فيه لضعفه. وقوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا ينقشنَّ أحدٌ على نقشه)) يردُّه، ويدلُّ على جوازٍ اتخاذ الخاتم لجميع
الناس؛ إذا لم يُنقشْ على نقشٍ خاتمه.
وكان نقش خاتم الزُّهريِّ: ((محمدٌ يَسأل الله العافية)). وكان نقش خاتم مالك:
((حسبي الله ونعم الوكيل))(٥). وذكر الترمذيُّ الحكيم في نوادر الأصول أنَّ نقشَ خاتم
موسى عليه السلام: ((لكل أجل كتاب))(٦) وقد مضى في الرعد (٧).
وبلغَ عمرَ بنَ عبد العزيز أنَّ ابنه اشترى خاتماً بألف درهم، فكتب إليه: إنه بلغني
(١) صحيح البخاري (٥٨٧٧). وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٠٩١)، ومسلم (٢٠٩٢).
(٢) المفهم ٤١١/٥ .
(٣) ينظر الاستذكار ٣٥٨/٢٦.
(٤) أخرجه أحمد (١٧٢١١)، وأبو داود (٤٠٤٩)، والنسائي في المجتبى ١٤٣/٨ - ١٤٤ وفي الكبرى
(٩٣١٣). ولفظه عند أحمد: أن رسول الله # نهى عن الخاتم إلا لذي سلطان.
(٥) ذكرهما ابن رجب في كتاب أحكام الخواتيم ص ٧٥ .
(٦) لم نقف عليه في مطبوع نوادر الأصول. وذكره ابن رجب في كتاب أحكام الخواتيم ص٦٦ .
(٧) ص٨٧ من هذا الجزء.

٣٠٢
سورة النحل: الآية ١٤
أنكَ اشتريتَ خاتماً بألف درهم، فِعْهُ وأَطعمْ منه ألفَ جائع، واشترٍ خاتماً من حديد
بدرهم، واكتب عليه: رَحِمَ اللهُ امْرَأَ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ(١).
الثامنة: مَنْ حَلَفَ ألَّا يلبسَ حُلِيًّا، فلبس لؤلؤاً؛ لم يحنث؛ وبه قال أبو حنيفة.
قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: لأن هذا وإن كان الاسمُ اللغويُّ يتناولُه فلم يقصده بالیمین،
والأَيمان تُخَص بالعرف، ألّا تَرى أنه لو حلف ألَّا ينامَ على فراشٍ، فنام على
الأرض؛ لم يحنَث، وكذلك لا يستضيء بسراج، فجلس في الشمس؛ لا يحنث،
وإنْ كان اللهُ تعالى قد سَمَّى الأرضَ فراشاً، والشمس سراجاً.
وقال الشافعيُّ وأبو يوسف ومحمد: مَنْ حلف ألَّ يلبس حُلِيًّا، وليس اللؤلؤَ،
فإنه يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِيُواْ مِنْهُ ◌ِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ والذي يخرج منه: اللؤلؤ
والمرجان(٢).
التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْقُلْكَ مَوَآخِرَ فِيهِ﴾ قد تقدَّم ذكر الفُلْك
وركوب البحر في ((البقرة))(٣) وغيرها.
وقوله: ((مَوَاخِرَ)) قال ابن عباس: جَوارِيَ(٤)، من جَرَت تجري. سعيد بن جُبير:
معترضة. الحسن: مواقر(٥). قتادة والضحاك: أي: تذهب وتجيء، مقبلةً ومدبرةً بريحٍ
واحدة(٦). وقيل: ((مواخر)): ملججة في داخل البحر؛ وأصلُ المَخْرِ: شقُّ الماء عن
یمین وشمال.
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٣٠٦/٥. وأورده المناوي في فيض القدير ٢٩/٤ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٦/٣.
(٣) ٢ / ٩٠ و٤٩٤.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٨٥).
(٥) أخرجه الطبري ١٨٦/١٤ . وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤٣٥/٤ وقال: يعني المملوءة.
(٦) أخرج عبد الرزاق ٣٥٤/٢، والطبري ١٨٨/١٤ قول قتادة. وأخرج ابن أبي حاتم (١٢٤٨٨) قول
الضحاك، وذكره النحاس في معاني القرآن ٥٩/٤ .

٣٠٣
سورة النحل: الآيتان ١٤ - ١٥
مَخَرتِ السفينةُ تَمْخَرُ وتَمْخُرُ مَخْراً ومُخوراً: إذا جَرَتْ تشقُّ الماءَ مع صوت؛
ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِهِ﴾ يعني جَوارِيَ؛ قاله الجوهري(١).
ومَخَرَ السابحُ: إذا شَقَّ الماءَ بصدره، ومَخَرَ الأرضَ: شقّها للزراعة، ومَخَرَها
بالماء: إذا حبسَ الماءَ فيها حتى تصير أرِيضة، أي: خليقةً بجودة نبات الزرع.
وقال الطبري(٢): المَخْرُ في اللغة: صوتُ هبوبٍ الريح. ولم يقيِّد كونه في ماء.
وقال: إنَّ من ذلك قولَ واصل مولى أبي عُيينة: إذا أرادَ أحدُكم البولَ فليتمخّرٍ
الريح(٣)، أي: لينظر في صوتها في الأجسام من أين تَهُبُّ، فيتجنّب استقبالَها؛ لئلا
تردَّ علیه بَوْلَه.
﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: ولتركبوه للتجارة وطلب الربح. ﴿وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ تقدم جميع هذا في ((البقرة))(٤)، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَا وَسُبُلَاً لَّعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ (@)
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَىْ فِ اَلْأَرْضِ رَوَسَِ﴾ أي: جبالاً ثابتة. رَسَا يرسو: إذا ثبت
وأقام. قال :
ترسو إذا نفسُ الجبان تطلَّعُ(٥)
فصَبَرْتُ عارِفةً لذلك حُرّةً
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: لئلا تَميدَ؛ عند الكوفيين. وكراهية أن تميد؛ على قول
البصريين. والمَيْد: الاضطراب يميناً وشمالاً (٦)؛ ماد الشيءُ، يَميدُ ميداً: إذا تحرك؛
(١) في الصحاح (مخر).
(٢) في تفسيره ١٤/ ١٨٨ .
(٣) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٢/ ١٩٣ . وينظر تلخيص الحبير ١٠٧/١.
(٤) ٢ / ٤٩٤ .
(٥) قائله عنترة، وهو في ديوانه ص٤٩. وتقدم ٢/ ٦٥ .
(٦) تفسير الرازي ٧/٢٠، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٩٣/٢.

٣٠٤
سورة النحل: الآية ١٥
ومادتِ الأغصانُ: تمايلت، ومادَ الرجلُ: تبختر(١).
قال وهب بن مُنَبِّه: خلق اللهُ الأرضَ فجعلت تميد وتمور، فقالت الملائكة: إنَّ
هذه غير مُقِرَّةٍ أحداً على ظهرها. فأصبحت وقد أُرْسِيت بالجبال، ولم تدرِ الملائكةُ
ممَّ خُلقت الجبال(٢).
وقال عليُّ بنُ أبي طالب ﴾: لَمَّا خلقَ اللهُ الأرضَ قَمَصَت ومالت، وقالت: أيْ
رَبِّ، أتجعل عليَّ مَنْ يعمل بالمعاصي والخطايا، ويُلقي عليَّ الجِيف والنَّتْن! فَأَرْسَى
اللهُ تعالى فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون(٣).
ورَوَى الترمذيُّ في آخر كتاب التفسير: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا يزيد بن
هارون، أخبرنا العوَّام بن حَوْشَب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك،
عن النبيِّ﴾ قال: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ الأرضَ جعلتْ تَمِيدُ، فخلقَ الجبالَ، فعادَ بها
عليها، فاستقرَّت، فعَجِبتِ الملائكةُ مِنْ شِدَّةِ الجبالِ؛ قالوا: يَا ربِّ هل مِنْ خَلْقِكَ
شيءٌ أَشَدُّ مِنَ الجبالِ؟ قال: نعم، الحديدُ. قالوا: يا رَبِّ، فهلْ مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أَشَدُ
منَ الحديدِ؟ قال: نعم، النارُ. فقالوا: يا رَبِّ، فهلْ مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أَشَدُّ منَ النارِ؟
قال: نعم، الماء. قالوا: يا رَبِّ، فهلْ مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أَشَدُّ منَ الماءِ؟ قال: نعم،
الريحُ. قالوا: يا رَبِّ، فهلْ مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أَشَدُّ منَ الريح؟ قال: نعم، ابنُ آدَمَ؛
تَصَدَّقَ بِصَدَقِةٍ بيمينِهِ يُخفيها مِنْ شِمالِهِ)). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه
مرفوعاً إلا من هذا الوجه (٤).
قلت: وفي هذه الآية أَدلّ دليلٍ على استعمال الأسباب، وقد كان قادراً على
(١) الصحاح (ميد).
(٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦٤/٣. وأخرج نحوه عبد الرزاق في تفسيره ٣٥٤/٢، والطبري ١٤/ ١٩٠
عن الحسن.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٨٩/١٤ - ١٩٠، وأبو الشيخ في العظمة (٩٠٦). وحسَّن إسناده ابن حجر
في فتح الباري ٨/ ٣٨٥. وقوله: قمصت؛ نفرت. النهاية (قمص). وفي العظمة: نطقت بدل: قمصت.
(٤) سنن الترمذي (٣٣٦٩). وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٢٥٣)، وإسناده ضعيف.

٣٠٥
سورة النحل: الآيتان ١٥ -١٦
سكونها دون الجبال. وقد تقدَّم هذا المعنى(١).
﴿وَأَتَرًا﴾ أي: وجعل فيها أنهاراً، أو: أَلقَى فيها أنهاراً. ﴿وَسُبُلَا﴾ أي: طُرُقاً
ومسالكَ.
﴿لَقَّلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى حيث تقصِدون من البلاد، فلا تَضِلُّون ولا
تَتْحَيَّرون(٢).
قوله تعالى: ﴿وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَعَلَمَتَّ﴾ قال ابن عباس: العلاماتُ: معالمُ الطُرقِ
بالنهار، أي: جعل للُّرق علاماتٍ يقع الاهتداء بها . ﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني
بالليل، والنجمُ يراد به النجوم (٣).
وقرأ ابنُ وَثَّاب: ((وبِالنُّجْم)). الحسن: بضم النون والجيم جميعاً (٤)، ومراده
النجوم، فقصره؛ كما قال الشاعر:
إنَّ الفقيرَ بيننا قاض حَكّمْ أَنْ تَرِد الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
وكذلك القول لمن قرأ: ((النُّجْم))؛ إلَّا أنه سَكَّنَ استخفافاً. ويجوز أن يكون النُّجُم
جمعَ نَجْم، كسُقُّف وسَقْف(٥).
واختلف في النجوم؛ فقال الفراء (٦): الجَدْي والفرقدان.
(١) ٢٩٠/٥.
(٢) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ١٩١ - ١٩٢.
(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٢ .
(٤) ذكر ابن خالويه ص٧٢ قراءة الحسن. وذكر ابن جني في المحتسب ٨/٢ القراءتين.
(٥) ينظر المحتسب ٨/٢ . وفيه الرجز دون نسبة.
(٦) في معاني القرآن ٩٨/٢.

٣٠٦
سورة النحل: الآية ١٦
وقيل: الثريا؛ قال الشاعر:
وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومحصوهُ(١)
حتى إذا ما استقلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ
أي: منه ملوِيٌّ، ومنه محصود، وذلك عند طلوع الثريا يكون.
وقال الكَلْبِيُّ: العلامات: الجبال. وقال مجاهد: هي النجوم؛ لأن من النجوم ما
يُهتَدى بها، ومنها ما يكون علامة لا يُهتدى بها؛ وقاله قَتادة والنَّخَعِيّ(٢).
وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿وَعَلَمَنَّ﴾، ثم ابتدأ وقال: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ
يَتَدُونَ﴾(٣). وعلى الأوَّل: أي: وجعل لكم علاماتٍ ونجوماً تهتدون بها. ومن
العلامات الریاح یُهتدى بها.
وفي المراد بالإهتداء قولان: أحدهما: في الأَسفار، وهذا قول الجمهور.
الثاني: في القِبْلة. وقال ابن عباس: سألتُ رسولَ الله # عن قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ
هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: ((هو الجَدْيُ يا ابنَ (٤) عباس، عليه قبلتُكم، وبه تهتدون في بَرِّكم
وبَحرکم)» ذكره الماوردي(٥).
الثانية: قال ابن العربيّ(٦): أمَّا جميع النجوم فلا يَهتدِي بها إلا العارفُ بمطالعها
ومغاربها، والمفرِّقُ(٧) بين الجنوبي والشمالي منها، وذلك قليل في الآخِرِين. وأما
(١) قائله ذو الرمة، وهو في شرح ديوانه ١٣٦٦/٢. وفيه: وأحصد البقل أو مُلْوٍ ومحصود قال شارحه أبو
نصر: استقل النجم: أي طلع بعد النور عند الصبح.
(٢) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٤/ ١٩٢ - ١٩٣. وينظر زاد المسير ٤٣٦/٤.
(٣) ينظر تفسير البغوي ٣/ ٦٤ .
(٤) في (ظ): قال ابن. وانظر التعليق التالي.
(٥) في النكت والعيون ٣/ ١٨٢ - ١٨٣ . وحديث ابن عباس ذكره الديلمي في مسند الفردوس (٢٦٤٧).
وذكره أبو حيان في البحر ٤٨١/٥ إلى قوله: ((الجدي)) وقال: ولو صح هذا لم يعدل أحد عنه. اهـ
وجعل آخر الحديث موقوفاً على ابن عباس، وهو الموافق لـ (ظ).
(٦) في أحكام القرآن ٣/ ١١٣٧ .
(٧) في النسخ: والفرق. والمثبت من أحكام القرآن.

٣٠٧
سورة النحل: الآيتان ١٦ - ١٧
الثُّريًّا فلا يهتدي بها إلا مَن يَهتدي بجميع النجوم. وإنما الهَذْي لكلِّ أحدٍ بالجَذي
والفَرْقَدين؛ لأنها من النجوم المنحصرةِ المطالع، الظاهرةِ السَّمْت، الثابتةِ في
المكان، فإنها تدور على القطب الثابت دوراناً مُحصَّلاً، فهي أبداً هَذْيُ الخلق في
البَرِّ إذا عميتِ الطرقُ، وفي البحر عند مَجَرَى السفن، وفي القِيْلة إذا جُهلِ السَّمْتُ،
وذلك على الجملة بأن تجعل القطبَ على ظَهْرٍ منكبكَ الأيسر، فما استقبلتَ فهو
سَمْتُ الجهة.
قلت: وسأل ابنُ عباس رسولَ الله﴾ عن النجم فقال: ((هو الجَذي، عليه
قبلتكم، وبه تهتدون في بَرُّكم وبحركم)). وذلك أنَّ آخرَ الجدي بناتُ نَعْشٍ الصغرى
والقطب الذي تستوي عليه القبلة بينها.
الثالثة: قال علماؤنا: وحكم استقبال القبلة على وجهين:
أحدهما: أن يراها ويعاينها، فيلزمَه استقبالُها وإصابتُها وقصدُ جهتها بجميع بدنه.
والآخر: أن تكون الكعبة بحيث لا يراها، فيلزمه التوجُّهُ نحوها وتلقاءها
بالدلائل؛ وهي الشمسُ والقمرُ والنجومُ والرياحُ، وكلُّ ما يمكن به بمعرفة جهتها.
ومَن غابت عنه، وصلَّى مجتهداً إلى غير ناحيتها، وهو ممن يمكنه الاجتهاد؛ فلا
صلاة له. فإذا صلَّى مجتهداً مستدِلًّا، ثم انكشف له بعد الفراغ من صلاته أنه صَلَّى
إلى غير القبلة، أعاد إن كان في وقتها، وليس ذلك بواجب عليه؛ لأنه قد أَدَّى فرضَه
على ما أُمِرَ به (١). وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة))(٢) مستوفّى، والحمد لله.
W
ج
قوله تعالى: ﴿أَفَمَّنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ هو الله تعالى ﴿كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ﴾ يريد الأصنام. ﴿أَقَلَا
نَذَّكَّرُونَ﴾ أَخبر عن الأوثان التي لا تَخلقُ ولا تَضرُّ ولا تنفع، كما يُخبر عمَّن يعقلُ على
(١) الكافي لابن عبد البر ١٩٨/١، وينظر التمهيد ٥٤/١٧ .
(٢) ٢ / ٤٤٣ .

٣٠٨
سورة النحل: الآيات ١٧ - ٢١
ما تستعمله العرب في ذلك؛ فإنهم كانوا يعبدونها فذُكرت بلفظ ((مَن))، كقوله: ﴿أَلَهُمْ
[الأعراف: ١٩٥] وقيل: لاقتران الضمير فى الذكر بالخالق.
أَرْجُلٌ
قال الفراء: هو كقول العرب: اشتبه عليَّ الراكبُ وجملُه، فلا أدري مَن ذا ومَن
ذا؛ وإنْ كان أحدُهما غير إنسان(١).
قال المَهْدَوِيّ: ويُسأل بـ ((من)) عن البارئ تعالى، ولا يُسأل عنه بـ ((ما))؛ لأن ((ما))
إنما يُسأل بها عن الأجناس، والله تعالى ليس بذي جنس، ولذلك أجاب موسى عليه
السلام حين قال له: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى﴾ [طه: ٤٩]، ولم يُجب حين قال له: ﴿وَمَا
رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] إلا بجواب ((مَن))، وأَضرَب عن جواب ((ما)) حين كان
السؤالُ فاسداً. ومعنى الآية: مَن كان قادراً على خَلْقِ الأشياءِ المتقدمةِ الذِّكْرٍ، كان
بالعبادة أحقَّ مَمَن هو مخلوقٌ لا يَضرُّ ولا يَنفع؛ ﴿هَذَا خَلَقُ اَللَّهِّ فَأَرُونِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ
مِن دُونِهٍ،﴾ [لقمان: ١١] ﴿أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠].
٨ وَاللَّهُ
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
﴾
يَعْلَمُ مَا تُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُذُوا نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُخْصُوهَا﴾ تقدم في إبراهيم (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ
◌َغَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا نُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ أي: ما تُبطنونه وما تظهرونه. وقد
تقدَّم جميع هذا مستوفّى.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّنَ يُبْعَثُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ قراءة العامة: ((تدعون)) بالتاء؛ لأن
ما قبله خطاب. رَوَى أبو بكر عن عاصم وهُبيرة عن حفص: ((يدعون)) بالياء، وهي
(١) معاني القرآن للفراء ٩٨/٢. ووقع في مطبوعه: وحمله، وهو خطأ.
(٢) ص١٤٥ من هذا الجزء.

٣٠٩
سورة النحل: الآيتان ٢٠ - ٢١
قراءة يعقوب(١). فأما قوله: ﴿مَا تُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ فكلهم بالتاء على الخطاب؛
إلا ما رَوَى هُبيرةٌ، عن حفص، عن عاصم أنه قرأ بالياءِ(٢).
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ أي: لا يقدرون على خلق شيء ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
﴿أَمْوَتُّ غَيْرٌ لَغْيَلٍَّ﴾ أي: هم أموات؛ يعني الأصنامَ، لا أرواح فيها، ولا تَسمع،
ولا تُبصر، أي: هي جماداتٌ، فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها بالحياة؟ ! . ﴿وَمَا
يَشْعُرُونَ﴾ يعني الأصنام ﴿أَيََّنَ يُعَثُونَ﴾.
وقرأ السُّلَمِيُّ: ((إِيَّان)) بكسر الهمزة(٣)، وهما لغتان، وموضعه نصب بـ (يبعثون))
وهي في معنى الاستفهام؛ والمعنى: لا يدرون متى يبعثون. وعَبَّر عنها كما عَبَّر عن
الآدميين؛ لأنهم زعموا أنها تَعقل عنهم وتَعلم وتَشفع لهم عند الله تعالى، فجَرَى
خطابهم على ذلك.
وقد قيل: إنَّ اللهَ يبعث الأصنامَ يوم القيامة ولها أرواح، فتتبرأ من عبادتهم،
وهي في الدنيا جماد لا تَعلم متى تُبعث.
قال ابن عباس: تُبعث الأصنامُ، وتُركَّبُ فيها الأرواحُ ومعها شياطينها، فيتبرؤون
من عَبَدتهم(٤)، ثم يُؤمر بالشياطين والمشركين إلى النار(٥).
وقيل: إنَّ الأصنامَ تُطرح في النار مع عَبَدتها يوم القيامة؛ دليله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وقيل: تَمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُّونَ﴾ ثم ابتدأ فوصف
المشركين بأنهم أموات، وهذا الموت موت كفر. ((وما يشعرون أيان يبعثون)) أي: وما
(١) لا خلاف عن عاصم بقراءتها بالياء. ينظر السبعة ص٣٧١، والتيسير ص ١٣٧، والنشر ٣٠٣/٢ .
(٢) السبعة ص٣٧١، والقراءة المتواترة عن عاصم بالتاء، كالجماعة.
(٣) القراءات الشاذة ص ٧٢، والمحتسب ٩/٢ .
(٤) في (م): عبدتها.
(٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨ .

٣١٠
سورة النحل: الآيتان ٢٢ - ٢٣
يدري الكفارُ متى يبعثون، أي: وقت البعث؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث حتى يستعدُّوا
للقاء الله. وقيل: أي: وما يُدريهم متى الساعة، ولعلها تكون قريباً.
قوله تعالى: ﴿إِلَّهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدْ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ وَهُم
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
مُسْتَكْبِرُونَ
(٢٣)
٠
الْمُسْتَّكِْینَ
قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَمِدٌ﴾ لَمَّا بَيَّنَ استحالةَ الإشراكِ بالله تعالى، بَيَّنَ أنَّ
المعبودَ واحدٌ لا ربَّ غيره، ولا معبودَ سواه. ﴿قَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ﴾
أي: لا تقبل الوعظَ، ولا ينجع فيها الذكر، وهذا ردٌّ على القدرية. ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾
أي: متكبِّرون متعظّمون عن قبول الحق. وقد تقدَّم في ((البقرة)»(١) معنى الاستكبار.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: من القول والعمل
فیجازیھم.
قال الخليل: ((لا جرم)) كلمةُ تحقيق، ولا تكون إلا جواباً؛ يقال: فعلوا ذلك؛
فيقال: لا جَرَمَ سيندمون. أي: حقًّا أنَّ لهم النار(٢). وقد مضى القول في هذا في
((هود)(٣) مستوفّی.
﴿إِنَُّ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ﴾ أي: لا يُثيبهم ولا يثني عليهم.
وعن الحسين بن عليٍّ أنه مَرَّ بمساكين قد قدَّموا كِسَراً بينهم(٤) وهم يأكلون،
فقالوا: الغداءَ يا أبا عبد الله، فنزل وجلس معهم، وقال: ((إنه لا يحبُّ المستكبِرِين))
فلما فرغ قال: قد أجبتُكم، فأجيبوني، فقاموا معه إلى منزله، فأطعمهم، وسقاهم،
(١) ١/ ٤٤١ .
(٢) ينظر العين للخليل ١١٩/٦، وكتاب سيبويه ١٣٨/٣.
(٣) ١١/ ٩٤ - ٩٥ .
(٤) في (ز) و(ظ) و(ف): لهم.

٣١١
سورة النحل: الآيات ٢٢ - ٢٤
وأعطاهم، وانصرفوا(١). قال العلماء: وكلُّ ذنبٍ يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكِبرَ؛
فإنه فسقٌ يلزمه الإعلان، وهو أصلُ العصيانِ كلِّه. وفي الحديث الصحيح: ((إنَّ
المتكبرينَ يُحشرون أمثالَ الذَّرٌ يومَ القيامة، یطؤهم الناسُ بأقدامهم لتکیُّرهم» أو كما
قال﴾(٢). تَصْغُر لهم أجسامُهم في المحشر حتى يضرّهم صِغَرُها، وتَعْظُم لهم في
النار حتى يضرّهم عِظَمُها.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنَزَلَ رَّكُمْ﴾ يعني: وإذا قيل لمن تقدَّم ذكرُه ممن
لا يؤمن بالآخرة، وقلوبهم منكرة بالبعث: ((ماذا أنزل ربكم؟))(٣).
قيل: القائل النضر بن الحارث، وأن الآية فيه نزلت، وكان خرج إلى الحيرة
فاشتَرى أحاديث («كَلِيلة ودِمْنة)» فكان يقرأ على قريش ويقول: ما يقرأُ محمدٌ على
أصحابه إلا أساطيرَ الأولين، أي: ليس هو من تنزيل ربِّنا (٤). وقيل: إنَّ المؤمنين هم
القائلون لهم اختباراً(٥)، فأجابوا بقولهم: ((أساطِير الأوّلِين)). فأقرُّوا بإنكار شيء هو
أساطير الأوَّلین.
والأساطير: الأباطيل والُّرَّهات. وقد تقدَّم في الأنعام(٦).
والقول في ((ماذا أنزل ربكم)) كالقول في ((ماذا ينفقون))(٧).
(١) أخرج نحوه مختصراً أحمد في الزهد ص٢١٣، والطبري في تفسيره ١٩٨/١٤، وابن العديم في بغية
الطلب ٦/ ٢٥٩٠ .
(٢) أخرج نحوه أحمد (٦٦٧٧)، والترمذي (٢٤٩٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولفظه:
(يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا
سجناً في جهنم ... )). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) النكت والعيون ١٨٤/٣.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٣٨٧/٣. وتقدم ٤٩٥/٩ .
(٥) النكت والعيون ١٨٤/٣.
(٦) ٣٤٦/٨.
(٧) تقدم ٣/ ٤١٣ .

٣١٢
سورة النحل: الآيتان ٢٤ - ٢٥
وقوله: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ خبرُ ابتداءٍ محذوف؛ التقدير: الذي أنزله أساطير
الأولين(١).
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ
يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَآَ مَا يَزِرُونَ
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ﴾ قيل: هي لام كَي، وهي متعلقةٌ بما قبلها.
وقيل: لام العاقبة؛ كقوله: ﴿ِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]؛ أي: قولُهم في
القرآن والنبيِّ أدَّاهم إلى أن حملوا أوزارهم، أي: ذنوبَهم. ﴿ كَامِلَةٌ﴾ لم يتركوا منها
شيئاً لنكبةٍ أصابتهم في الدنيا بكفرهم. وقيل: هي لام الأمر، والمعنى التهدّد(٢).
﴿وَ مِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال مجاهد: يحملون وِزْرَ مَن أضلُّوه،
ولا يَنْقُص من إِثْمِ المُضَلِّ شيءٍ(٣).
وفي الخبر: ((أَيُّما دَاعِ دَعًا إلى ضَلالٍ فَاتُّبِعَ، فإنَّ عليه مِثْلَ أَوْزارٍ مَنِ اتَّبَعَهُ، مِنْ
غير أنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزارِهم شيءٌ، وأَيُّما داعٍ دَعَا إلى هُدّى فَاتُّبِعَ، فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهم،
مِنْ غير أنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهم شيءٌ)) خرَّجه مسلم بمعناه(٤).
و((مِن)) للجنس لا للتبعيض؛ فدُعاة الضلالة عليهم مثلُ أوزارِ مَنِ اتَّبعهم.
وقوله: ﴿يِغَيْرِ عِلَّمْ﴾ أي: يُضلُّون الخلقَ جهلاً منهم بما يلزمهم من الآثام؛ إذ لو
علموا لَمَا أَضلُّوا. ﴿أَلَا سَّ مَا يَزِرُونَ﴾ أي: بئس الوزرُ الذي يحملونه. ونظير هذه
الآية: ﴿وَلَيَحْيُكَ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًاً مَّعَ أَتْقَالِمٌ﴾ [العنكبوت: ٣١]. وقد تقدَّم في آخر
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٩٤/٢.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٣٨٧/٣ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٦٣/٤. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٢٥٠٦)، والطبري ٢٠٠/١٤.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ الطبري ١٤/ ٢٠١ عن الربيع مرفوعاً. وأخرجه مسلم (٢٦٧٤) بنحوه من حديث أبي
هريرة ﴾، وهو في مسند أحمد (٩١٦٠).

٣١٣
سورة النحل: الآيتان ٢٥ - ٢٦
((الأنعام)) (١) بيان قوله: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾.
قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اَللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ
فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: سبقهم بالكفر أقوامٌ مع الرسل
المتقدِّمين، فكانت العاقبةُ الجميلة للرسل. ﴿فَ اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ
السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ قال ابن عباس وزيد بن أسلم وغيرهما: إنه النُّمْرود بن كنعان
وقومُه، أرادوا صعودَ السماء وقتالَ أهله، فبَنَوا الصرحَ؛ ليصعَدوا منه بعد أن صَنَعَ
بالنسورِ ما صنع، فخرَّ؛ كما تقدَّم بيانُه في آخر سورة إبراهيم (٢). ومعنى ((فَأَتَى اللهُ
بنيانَهُم)) أي: أتى أمرُه البنيانَ، إمّا زلزلةً أو ريحاً، فخرَّبته.
قال ابن عباس ووهب: كان طولُ الصَّرْح في السماء خمسةَ آلاف ذراعِ، وعرضُه
ثلاثةَ آلاف. وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين، فهبَّت ريحٌ فألقت رأسه في
البحر وخرَّ عليهم الباقي. ولمَّا سقط الصرح، تبلبلت أَلسُنُ الناس من الفزع يومئذٍ،
فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سُمِّيَ بابل، وما كان لسانٌ قبل ذلك إلَّا
السُّزْيانية(٣). وقد تقدَّم هذا المعنى في (البقرة))(٤).
وقرأ ابن هُرْمز وابن مُحَيْصن ((السُّقُف)) بضم السين والقاف جميعاً(٥). وضمّ
مجاهد السين وأسكن القاف تخفيفاً(٦)، كما تقدَّم في ((وبالنجم)) في الوجهين(٧).
(١) ٩ / ١٤٥.
(٢) النكت والعيون ١٨٥/٣ - ١٨٦، وأخرجه الطبري ٢٠٤/١٤ - ٤٠٥ عنهما. وهي أخبار غير صحيحة
وسلف الكلام ٩/ ٣٨٠ - ٣٨١.
(٣) تفسير البغوي ٦٦/٣، وينظر تفسير الطبري ١٤/ ٢٠٤ . وردًّ ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٤٤٠ سبب
تسمية بابل بهذا الاسم.
(٤) ١/ ٤٢٣ .
(٥) القراءات الشاذة ص٧٢، وينظر البحر المحيط ٤٨٥/٥ .
(٦) المحتسب ٩/٢ .
(٧) يعني عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَمَتٍّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ الآية ١٦ من هذه السورة.

٣١٤
سورة النحل: الآية ٢٦
والأشبهُ أن يكون جمع سقف. والقواعدُ أصولُ البناء، وإذا اختلَّت القواعد، سقط
البناء.
وقوله: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ قال ابن الأعرابي: وُكِّد (١) ليُعلمَك أنَّهم كانوا حالِين تحته.
والعرب تقول: خرَّ علينا سقفٌ، ووقع علينا حائطً إذا كان يملكه وإن لم يكن وقعَ
عليه، فجاء بقوله: ((مِن فوقِهِم)) ليخرجَ هذا الشك الذي في كلام العرب، فقال: ((من
فوقهم))، أي: عليهم وقع وكانوا تحتَه، فهلكوا وما أُفلتوا(٢). وقيل: إنَّ المراد
بالسقفِ السماءُ؛ أي: إن العذابَ أتاهم من السماء التي هي فوقهم، قاله ابن
عباس(٣). وقيل: إن قوله: ((فأتى اللهُ بنيانَهم من القواعدِ)) تمثيل، والمعنى: أهلکھم،
فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه(٤). وقيل: المعنى أحبط الله أعمالهم، فكانوا بمنزلة
من سقط بنيانه(٥). وقيل: المعنی أبطل مکرهم وتدبيرهم، فهلكوا كما هلك من نزل
عليه السقف من فوقه(٦). وعلى هذا اختُلِفَ في الذين خرَّ عليهم السقف، فقال ابن
عباس وابن زيد ما تقدَّم(٧). وقيل: إنه بُخْتَنَصَّر وأصحابه، قاله بعضُ المفسرين.
وقيل: المرادُ المقتسمون الذي ذكرهم الله في سورة الحجر، قاله الكلبيُّ. وعلى هذا
التأويل يخرجُ وجهُ التمثيل، والله أعلم.
﴿وَأَتَنَّهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث ظَنُّوا أنهم في أمان(٨).
(١) في (د) و(ظ): وكذا.
(٢) ينظر زاد المسير ٤٤٠/٤ - ٤٤١ .
(٣) النكت والعيون ١٨٥/٣، وأخرجه الطبري ٢٠٦/١٤ .
(٤) قاله ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص ٢٤٢ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ١٩٥/٣ .
(٦) تفسير أبي الليث ٢٣٣/٢ .
(٧) كذا قال، والذي سلف أنه زيد بن أسلم، وكذلك هو في النكت والعيون ١٨٦/٣ .
(٨) تفسير البغوي ٦٦/٣، والوسيط ٣/ ٦٠، وزاد المسير ٤٤١/٤.

٣١٥
سورة النحل: الآيات ٢٦ - ٢٨
وقال ابن عباس: يعني البعوضةَ التي أَهْلكَ الله بها نُمْروداً (١).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَةِ بُخْزِيِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَلِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَّقُونَ
فِهِمَّ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوْءَ عَلَى الْكَفِرِينَ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ أُزِيهِمْ﴾ أي: يفضحهم بالعذاب، ويُذلُّهم به
ويهينهم . ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَلِىَ﴾ أي: بزعمكم وفي دعواكم، أي: الآلهة التي عبدتُم
دوني، وهو سؤالُ توبيخ(٢). ﴿الَّذِينَ كُتُمْ تُشَقُّونَ فِهِمْ﴾ أي: تعادون أنبيائي
بسببهم، فَلْيدفعوا عنكم هذا العذاب. وقرأ ابن كَثِير: ((شُركَايَ)) بياءٍ مفتوحةٍ من غير
همز، والباقون بالهمز(٣). نافع: ((تُشَاقُونٍ)) بكسر النون على الإضافة، أي: تعادونني
فيهم. وفتحها الباقون(٤). ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ قال ابن عباس: أي: الملائكة.
وقيل: المؤمنون(٥). ﴿إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ﴾ أي: الهوان والذل يوم القيامة. ﴿وَلُّوَءَ﴾
أي: العذاب(٦). ﴿عَلَى الْكَفِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِيّ أَنْفُسِهِمْ فَلْقَواْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ
مِن سُوَهُم بَلَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمٌ﴾ هذا من صفةِ الكافرين.
و(ظَالمِي أَنْفُسِهِم)) نَصبٌ على الحال، أي: وهم ظالمون أنفسَهم إذ أَوردوها مواردَ
الهلاك. ﴿فَلَقَواْ السَّلَمَ﴾ أي: الاستسلام(٧). أي: أقرُّوا لله بالربوبية، وانقادوا عند
(١) نُمروذ بالذال، وأهل البصرة يقولون: نمرود بالدال. مجالس ثعلب ص١٨١ .
(٢) الوسيط ٦٠/٣، والمحرر الوجيز ٣٨٨/٣.
(٣) السبعة ص٣٧١، والتيسير ص١٣٧، وقراءة ابن كثير هذه هي من رواية البزي بخلاف عنه.
(٤) السبعة ص٣٧١ - ٣٧٢، والتيسير ص١٣٧.
(٥) زاد المسير ٤٤١/٤، وتفسير الرازي ٢١/٢٠، ونسبَ ابن عطية القول الثاني في المحرر الوجيز
٣٨٨/٣ إلى يحيى بن سلام.
(٦) تفسير الطبري ٢٠٨/١٤، وتفسير البغوي ٦٦/٣ .
(٧) المحرر الوجيز ٣٨٩/٣ .

٣١٦
سورة النحل: الآية ٢٨
الموت، وقالوا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوعُ﴾ أي: من شرك. فقالت لهم الملائكة:
﴿بَلَ﴾ قد كنتم تعملون الأسواء(١)، ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقال عكرمة: نزلت هذه الآيةُ بالمدينة في قومٍ أسلموا بمكة ولم يهاجروا،
فأخرجتهم قريش إلى بدر كُرهاً فقُتِلوا بها، فقال: ﴿الَّذِينَ تَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ﴾ بقبض
أرواحِهم (٢). ﴿ظَالِيّ أَنْفُسِهِمْ﴾ في مُقامهم بمكةً وتركِهم الهجرة. ﴿فَلَقَواْ السَّلَمَ﴾ يعني:
في خروجهم معهم. وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها : أنه الصلح؛ قاله الأخفش.
الثاني: الاستسلام؛ قاله قُطْرُب.
الثالث: الخضوع؛ قاله مقاتل.
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوْءٍ﴾ يعني: من كفر. ﴿بَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
يعني: أنَّ أعمالكم أعمالُ الكفار(٣). وقيل: إنَّ بعض المسلمين لمَّا رأوا قلةَ المؤمنين
رجعوا إلى المشركين، فنزلت فيهم(٤). وعلى القولِ الأول، فلا يخرج كافرٌ ولا منافق
من الدنيا حتى ينقادّ ويستسلِم، ويخضعَ ويَذِل، ولا تنفعهم حينئذٍ توبةٌ ولا إيمان، كما
قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. وقد تقدَّم هذا المعنى، وتقدّم
في ((الأنفال)) أن الكفارُ يُتوفّون بالضرب والهوان، وكذلك في ((الأنعام))(٥). وقد
ذكرناه في كتاب ((التذكرة))(٦).
(١) زاد المسير ٤٤٢/٤ .
(٢) تفسير الطبري ٢٠٨/١٤، والمحرر الوجيز ٣٨٩/٣.
(٣) النكت والعيون ١٨٦/٣ .
(٤) تفسير أبي الليث ٢٣٣/٢.
(٥) الأنفال ٤٤/١٠ - ٤٥، والأنعام ٩/ ١٢٧.
(٦) ص١٧ و٢٠ و ٢٧ .

٣١٧
سورة النحل: الآيات ٢٩ -٣٢
قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَىَ الْمُتَكَِّينَ
قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ أي: يُقال لهم ذلك عندَ الموت. وقيل: هو
بِشارةٌ لهم بعذاب القبر؛ إذ هو بابٌ من أبواب جهنَّم للكافرين. وقيل: لا تصلُ أهلُ
الدركة الثانية إليها مثلاً إلَّا بدخول الدركة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة هكذا. وقيل:
لكل دركةٍ بابٌ مفرد، فالبعضُ يدخلون من بابٍ، والبعض يدخلون من بابٍ آخر.
فاللهُ أعلم. ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها(١). ﴿فَيْسَ مَثْوَى﴾ أي: مقام
﴿الْمُتَكَّرِينَ﴾: الذين تكبَّروا عن الإيمان، وعن عبادة الله تعالى(٢)، وقد بيَّنهم بقوله
الحقّ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ﴾ [الصافات: ٣٥].
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرَاً لِلَذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ
الذُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْأَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٥) جَنَّثُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى
مِن تَمْنِهَا الْأَنْهَِّ لَمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَْ كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ (٣)
الَّذِينَ نَّهُمُ
اٌلْمَلَئِكَةُ ◌َتِبِينٌ يَقُولُونَ سَلَهُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَقِلَ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرأْ﴾ أي: قالوا: أَنزل
خيراً(٣)، وتَمَّ الكلام. و((ماذا)) على هذا اسمٌ واحد(٤). وكان يَرِدُ الرجلُ من العرب
مكّةَ في أيام الموسم، فيسألُ المشركين عن محمدٍ عليه الصلاة والسلام، فيقولون:
ساحرٌ أو شاعرٌ، أو كاهنٌ أو مجنون، ويسأل المؤمنين فيقولون: أنزلَ الله عليه الخيرَ
والهدى(٥)، والمرادُ القرآن(٦). وقيل: إنَّ هذا يُقال لأهل الإيمانِ يوم القيامة. قال
(١) تفسير الطبري ٢٠٩/١٤ .
(٢) الوسيط ٦١/٣ .
(٣) تفسير الطبري ١٤/ ٢١٠، والكشاف ٢/ ٤٠٧، وزاد المسير ٤٤٣/٤ .
(٤) معاني القرآن وإعرابه للزجاج ١٩٦/٣ .
(٥) الوسيط ٦١/٣، وتفسير الرازي ٢٣/٢٠.
(٦) ينظر المحرر الوجيز ٣٩٠/٣.

٣١٨
سورة النحل: الآيات ٣٠ - ٣٢
الثعلبي: فإن قيل: لِمَ ارتفع الجوابُ في قوله: ((أساطِيرُ الأوّلِين)) وانتصبَ في قوله:
((خيراً))؟ فالجوابُ: أنَّ المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنَّهم قالوا: الذي يقوله
محمدٌ هو أساطيرُ الأوَّلين. والمؤمنون آمنوا بالنزول فقالوا: أنزل خيراً (١). وهذا
مفهوم معناه من الإعراب، والحمدُ لله.
قوله تعالى: ﴿لََّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ قيل: هو من كلامِ اللـه
عزَّ وجلَّ. وقيل: هو من جملة كلام الذين اتقوا(٢). والحسنةُ هنا: الجنة، أي: مَن
أطاع الله فله الجنةُ غداً. وقيل: ((للذين أحسنوا)) اليومَ حسنةٌ في الدنيا من النصرِ
والفتح والغَنِيمة(٣): ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيرٌ﴾ أي: ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة
خيرٌ وأعظم من دار الدنيا (٤)؛ لفنائها وبقاءِ الآخرة. ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ فيه وجهان:
قال الحسن: المعنى: ولنِعمَ دارُ المتقين الدنيا؛ لأنهم نالوا بالعملِ فيها ثوابَ الآخرة
ودخولَ الجنة. وقيل: المعنى: ولنعم دارُ المتقين الآخرة(٥). وهذا قول الجمهور،
وعلى هذا تكون ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ بدلاً من الدار، فلذلك ارتفع(٦). وقيل: ارتفعَ على
تقديرٍ: هي جنات، فهي مبيِّنةٌ لقوله: ((دَارُ المتّقِين))، أو تكون مرفوعةً بالابتداء،
التقدير: جناتُ عدنٍ نِعمَ دارُ المتقين (٧). ﴿يَتَغُونَ﴾ في موضع الصفة، أي: مدخولة.
وقيل: ((جنات)) رُفع بالابتداء، وخبرُه ((يدخلونها))(٨) وعليه يُخرَّج قولُ الحسن.
(١) ينظر تفسير الطبري ٢١٠/١٤، والكشاف ٤٠٧/٢، وتفسير الرازي ٢٣/٢٠.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٠/٣ .
(٣) تفسير البغوي ٦٧/٣، وزاد المسير ٤٤٣/٤ .
(٤) ينظر تفسير الطبري ٢١٠/١٤ .
(٥) النكت والعيون ١٨٧/٣، وزاد المسير ٤٤٣/٤ .
(٦) ذكره ابن كثير في تفسير هذه الآية.
(٧) ينظر معاني القرآن للفراء ٩٩/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٩٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٩٥/٢،
والمحرر الوجيز ٣٩٠/٣.
(٨) المحرر الوجيز ٣٩٠/٣.

٣١٩
سورة النحل: الآيات ٣٠ - ٣٢
والله أعلم. ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرْ﴾ تقدَّم معناه في ((البقرة))(١). ﴿لَّمْ فِيهَا مَا
يَشَآءُّونَ﴾ أي: مما تمنّوه وأرادوه(٢). ﴿كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ أي: مثل هذا
الجزاءٍ يجزي الله المتقين.
﴿الَّذِينَ نَفَُّهُمُ الْمَلَكَةُ طَيِِّينٌ﴾ قرأ الأعمش وحمزة: ((يتوفاهم الملائكة)) في
الموضعين بالياء، واختاره أبو عبيد؛ لما رُوي عن ابنٍ مسعود أنه قال: إنَّ قريشاً
زعموا أنَّ الملائكة إناثٌ فذكِّروهم أنتم. الباقون بالتاء(٣)؛ لأن المرادَ به الجماعةُ من
الملائکة. و﴿لَتِينٌ﴾ فیه ستةُ أقوال:
الأوّل: ((طَيِِّين)): طاهرين من الشرك.
الثاني: صالحين.
الثالث: زاكيةً أفعالهم وأقوالهم.
الرابع: طَيِّية (٤) الأنفس ثقةً بما يَلقَونَه من ثواب الله تعالى.
الخامس: طيبةً نفوسُهم بالرجوعِ إلى الله.
السادس: ((طيبين)) أن تكون وفاتهم طيِّةً سهلةً لا صعوبةً فيها ولا ألمَ، بخلافٍ
ما تُقبض به روحُ الكافر والمُخلِّط(٥). والله أعلم.
﴿يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكونَ السلامُ إنذاراً لهم
بالوفاة. الثاني: أن يكون تبشيراً لهم بالجنة؛ لأنَّ السلامَ أمان(٦). وذكر ابنُ المبارك
(١) ٣٥٩/١ - ٣٦٠.
(٢) تفسير أبي الليث ٢٣٤/٢ .
(٣) السبعة ص٣٧٢، والتيسير ص١٣٧، والمحرر الوجيز ٣/ ٣٩٠، وذكر أثر ابن مسعود مكي بن أبي
طالب في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٧/٢ ، وسلف نحوه ٥/ ١١٢ .
(٤) في (ظ) و(م): طيبين.
(٥) النكت والعيون ١٨٧/٣، وزاد المسير ٤٤٣/٤ - ٤٤٤ .
(٦) النكت والعيون ١٨٧/٣.

٣٢٠
سورة النحل: الآيات ٣٠ - ٣٣
قال: حدَّثني حَيْوَة قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ قال: إذا
اسْتَنْقَعَتْ نفسُ العبدِ المؤمن؛ جاءه مَلَك الموت فقال: السلامُ عليك وَليَّ الله، الله
يقرأُ عليك السلام. ثم نزعَ بهذه الآية: ((الذين تتوفاهم الملائكة طيِّبِين يقولونَ سلام
عليكم)) (١).
وقال ابن مسعود: إذا جاء ملكُ الموت يقبض روحَ المؤمن قال: ربُّك يُقرِئكَ
السلام. وقال مجاهد: إنَّ المؤمن ليُبَشَّرُ بصلاح ولده من بعده لِتَقَرَّ عينُه. وقد أتينا على
هذا في ((كتاب التذكرة))(٢) وذكرنا هناك الأخبارَ الواردة في هذا المعنى، والحمد لله.
وقوله: ﴿أَدْخُلُواْ اَلْنَّةَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: أَبْشِروا
بدخولِ الجنة. الثاني: أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة. ﴿بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني: في
الدنيا من الصَّالحات(٣).
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٣
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَكَةُ﴾ هذا راجعٌ إلى الكفار، أي: ما
ينتظرون إلَّا أن تأتيَهُم الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسِهم. وقرأ الأعمشُ
وابن وَثَّاب وحمزة والكسائيُّ وَخَلَف: ((يأتيهم الملائكة)» بالياء، والباقون بالتاء على
ما تقدَّم(٤). ﴿أَوْ بَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: بالعذاب من القتل، كيوم بدر، أو الزلزلةٍ
والخَسْفِ في الدنيا. وقيل: المرادُ يومُ القيامة(٥). والقومُ لم ينتظروا هذه الأشياءَ؛
(١) الزهد لابن المبارك ص١٤٩، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ٢٠٢ ، وهو مقطوع، وسلف
١٧/١١ - ١٨ ٠
(٢) ص٥٠، وأخرج أثرَ مجاهد أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٥ ، وأخرج أثرَ ابن مسعود المروزيُّ، وابنُ أبي
الدنيا، وأبو الشيخ كما في الدر المنثور ٢٠٦/٥ .
(٣) النكت والعيون ١٨٧/٣.
(٤) السبعة ص ٣٧٢، والتيسير ص١٠٨، والمحرر الوجيز ٣٩١/٣.
(٥) ينظر تفسير الطبري ٢١٤/١٤، وتفسير أبي الليث ٢٣٤/٢، وتفسير البغوي ٦٨/٣، وزاد المسير ٤٤٤/٤ .