Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة الحجر: الآيات ٤٩ - ٥٤
أحدٌ)). أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وقد تقدّم في الفاتحة(١). وهكذا ينبغي
للإنسان أن يذكِّر نفسَه وغيرَه، فيخوِّفَ ويرجِّيَ، ويكون الخوفُ في الصحة أغلبَ عليه
منه في المرض(٢). وجاء في الحديث أن النبيَّ # خرج على الصحابة وهم
يضحكون، فقال: ((أتضحكون وبين أيديكم الجنَّةُ والنَّارُ؟!)). فشقَّ ذلك عليهم،
فنزلت الآية(٣). ذكره الماورديُّ والمهدويُّ.
ولفظ الثعلبيِّ عن ابنِ عمرَ قال: اطّلع علينا النبيُّ# من البابِ الذي يَدخُل منه
بنو شَيْبةَ ونحن نضحكُ، فقال: ((ما لكم تضحكون؟ لا أراكم تضحكون»، ثم أدبر
حتى إذا كان عند الحِجْر رجع القَهْقَرى، فقال: ((إني لمَّا خرجتُ؛ جاءني جبريلُ
فقال: يا محمَّد لم تُقنِّطُ عبادي من رحمتي؟ ﴿بَيِّئْ عِبَادِىٌ أَنْ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ
عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾))(٤). فالقُنوطُ إِياسٌ، والرجاءُ إهمالٌ، وخيرُ الأمور
أوساطُها.
قوله تعالى: ﴿وَنَبِئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٨ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمًا قَالَ إِنَّا
﴿﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ عَلَى أَنْ
مِنْكُمْ وَِلُونَ (٥) قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيٍ
مَّسَّتِىَ الْكِبَرُ فَهِمَ تُبَشِّرُونَ (@)
قوله تعالى: ﴿وَنَبِئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِنْزَهِيمَ﴾ ضيفُ إبراهيم: هم الملائكةُ الذين
(١) ٢١٥/١ .
(٢) ينظر تفسير الرازي ١٩٥/١٩.
(٣) أخرجه البزار (٢٢١٦) من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وأورده الهيثمي في مجمع
الزوائد ٤٦/٧ ونسبه للطبراني وقال: رواه الطبراني، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. اهـ، ولم
نقف عليه عند الطبراني، وأورده أيضاً البغوي في معالم التنزيل ٥٢/٣ ، والمنذري في الترغيب
والترهيب (٥٣٥٧) وقال: وليس في إسناده من تُرك ولا اُّهم. اهـ
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٩٢)، والطبري في التفسير ٨٢/١٤ عن رجل من أصحاب النبي ﴾،
وفي إسناده: مصعب بن ثابت، وعاصم بن عبيد الله، وهما ضعيفان، كما في تقريب التهذيب. وأورده
الواحدي في أسباب النزول ص ٢٨٢ ، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٤/٣ ، وابن الجوزي في زاد
المسير ٤ /٤٠٤ - ٤٠٥ .

٢٢٢
سورة الحجر: الآيات ٥١ - ٥٤
بشَروه بالولد وبهلاك قوم لوط، وقد تقدّم ذكرهم(١). وكان إبراهيمُ عليه السلام يُكْنَى
أبا الضُّيْفان، وكان لقَصْرِه أربعةُ أبواب؛ لكيلا يفوتَه أحدٌ(٢). وسمِّي الضيفُ ضيفاً؛
لإضافته إليك، ونزوله عليك(٣). وقد مضى من حكم الضيف في ((هود)) ما يكفي،
والحمد لله.
﴿إِذْ دَخَلُواْ عَيْهِ﴾ جُمع الخبَرُ؛ لأنَّ الضيفَ اسمٌ يصلُح للواحد والجمْع والتثنية،
والمذكَّر والمؤنَّث، كالمصدر(٤). ضافَه: مال إليه(٥) وأضافَه: أَماله(٦)؛ ومنه
الحديثُ: ((حين تَضيَّف الشمسُ للغروبِ))(٧)، وضيفوفة السهم(٨)، والإضافة النحوية.
﴿فَقَالُواْ سَلَمًا﴾ أي: سلَّموا سلاماً (٩).
﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَِلُونَ﴾ أي: فزعونَ خائفونَ، وإنما قال هذا بعد أن قرَّب العجلَ
ورآهم لا يأكلون، على ما تقدَّم في هود(١٠). وقيل: أنكر السلامَ، ولم يكن في
بلادهم رَسْمُ السلام.
(١) في سورة هود، الآية (٦٩).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ يحيى بن معين (برواية الدوري ١٥٦٢)، وأبو نعيم في الحلية ٣٣٦/٣، والبيهقي
في شعب الإيمان (٩٦١٨)، وأخرجه - أيضاً - يحيى بن معين (برواية الدوري ١٥٦٣)، وابن سعد في
الطبقات ٤٧/١، وهناد في الزهد (٦٥٠)، وأبو نعيم في الحلية ٣٣٥/٣ ، والبيهقي في شعب الإيمان
(٩٦١٧)، والبغوي في التفسير ١/ ٤٨٤ مقتصرين على القسم الأول، وهو من قول عكرمة ﴾.
(٣) تهذيب اللغة ١٢/ ٧٣ .
(٤) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ٨٣، والمحرر الوجيز ٢٢١/٣ .
(٥) قوله: مال إليه، من (ظ).
(٦) ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ١٧/١ - ١٨، والصحاح (ضيف) وتهذيب اللغة ٧٣/١٢ .
(٧) قطعة من حديث عقبة بن عامر الجهني ﴾. أخرجه مسلم (٨٣١)، وأوله: ((ثلاث ساعات كان
رسول الله # ينهانا أن نصليّ فيهن ...
(٨) ضاف السهم يضيف: إذا عدل عن الهدف. تهذيب اللغة ١٢/ ٧٣ .
(٩) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٨٠.
(١٠) عند تفسير الآية (٧٠) منها.

٢٢٣
سورة الحجر: الآيات ٥١ - ٥٥
﴿قَالُواْ لَا نَوْجَلْ﴾ أي: قالت الملائكةُ: لا تخف. ﴿إِنَّا نُبَشِرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ﴾ أي:
حليم؛ قاله مقاتل. وقال الجمهور: عالم. وهو إسحاق(١).
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَنِىَ الْكِبَرُ﴾ ((أنْ)) مصدرية، أي: على مسِّ الكِبَرِ إيَّايَ
وزوجتي، وقد تقدَّم في هود وإبراهيم(٢). [و] حيث يقول: ((فَِمَ تُبَشِّرُونَ)) استفهامُ
تعجّب. وقيل: استفهامٌ حقيقيٌّ (٣). وقرأ الحسنُ: ((تُوجل)) بضمُّ التاء(٤). والأعمش:
((بشرتموني)) بغير ألف(٥)، ونافع وشيبة: ﴿تُبَشِّرونٍ﴾ بكسر النون والتخفيف؛ مثل
((أتحاجُوني)) وقد تقدّم تعليله(٦). وقرأ ابنُ كَثير وابنُ محيصن: (تُبَشِّرونٌ)) بكسر النونِ
مشدّدة، تقديره: تبشرونني، فأدغم النونَ في النونِ. الباقون: ((تُبشرونَ)) بنصبِ النونِ
بغير إضافة(٧).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ بَشَرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْقَيِطِينَ
٥٥
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ بَشَتْنَكَ بِآلْحَقِّ﴾ أي: بما لا خُلْفَ فيه، وأنَّ الولدَ لابُدَّ منه.
﴿فَلَا تَكُنْ مِّنَ اُلْقَيِطِينَ﴾ أي: من الآيسين مِن الولدِ، وكان قد أَيِسَ من الولد؛ لفَرْط
الكِبَر. وقراءةُ العامَّة: ((مِن القانِطِين)) بالألف. وقرأ الأعمشُ ويحيى بنُ وَثَّاب: ((من
القَنِطين)) بلا ألفٍ. وروي عن أبي عمرٍو. وهو مقصورٌ من ((القانطين)). ويجوز أن يكون
من لغةٍ مَن قال: قَنِطِ يَقْنَط؛ مثل حذِر يحذَر (٨). وفتحُ النون وكسرُها مِن ((يقنط)) لغتان
(١) النكت والعيون ١٦٣/٣، وقوله: وهو إسحاق. أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٥٧ من قول قتادة.
(٢) عند الآية ٧١ من سورة هود، والآية ٣٩ من سورة إبراهيم.
(٣) ينظر النكت والعيون ١٦٤/٣، والوسيط ٤٧/٣.
(٤) القراءات الشاذة ص٧١ ، والمحتسب ٤/٢ .
(٥) نسبها أبو حيان في البحر المحيط ٤٥٨/٥ للأعرج.
(٦) ٨/ ٤٤٣ .
(٧) السبعة ص٣٦٧، والتيسير ص١٣٦، وقراءة ابن محيصن في إتحاف الفضلاء ص٣٤٧ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٣/٢ - ٣٨٤، والبحر المحيط ٤٥٩/٥ .

٢٢٤
سورة الحجر: الآيات ٥٥ - ٦٠
قُرئ بهما (١). وحكي فيه ((يقنُطْ)) بالضمِّ(٢). ولم يأتِ فيه ((قنُط يقنُط)). ومن فتَح النونَ
في الماضي والمستقبل فإنه جمعَ بين اللغتَين، فأخذ في الماضي بلغة مَن قال: قَنَط
يقنِط، وفي المستقبل بلغة مَن قال: قَنِطِ يقنَط(٣). ذكره المهدويُّ.
قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ، إِلَّا الضَّالُونَ
٥٦)
أي: المكذِّبون الذاهبون عن طريقِ الصواب. يعني أنه استبعدَ الولدَ؛ لِكِبَر سنِّه،
لا أنه قنط من رحمة الله تعالی.
قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (@)
إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَبُوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا
تُجْرِمِينَ (
لَمِنَ الْغَيِينَ
فيه مسألتان:
الأولى: لما علم أنَّهم ملائكةٌ - إذا أخبروه بأمرٍ خارقٍ للعادة، وهو بُشراهم بالولد -
قال: فما خطبكم؟ والخطب: الأمرُ الخطيرُ. أي: فما أمرُكم وشأنُكم، وما الذي
جئتم به؟ ﴿قَالُواْ إِنَّ أُزْسِنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ﴾ أي: مشركين ضالِّين. وفي الكلام
إضمارٌ، أي: أُرسلنا إلى قومٍ مجرمين؛ لنهلكهم.
﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾: أتباعَه وأهلَ دينه. ﴿إِنَّا لَمُتَبُوهُمْ﴾ وقرأ حمزةُ والكسائيُّ:
﴿لَمُنْجُوهُم﴾ بالتخفيف، من ((أَنْجى)). الباقون: بالتشديد، من ((نَجَّى))(٤)، واختاره أبو
عبيد وأبو حاتم. والتنجية والإنجاءُ: التخليصُ.
﴿إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ استثنى مِن آلٍ لوط امرأتَه، وكانت كافرةً، فالتحقَتْ بالمجرمين في
(١) قرأ أبو عمرو والكسائي من السبعة بكسر النون، والباقون بفتحها. السبعة ص٣٦٧، والتيسير ص١٣٦.
(٢) وهي قراءة زيد بن علي والأشهب. البحر المحيط ٤٥٩/٥، والمحتسب ٥/٢ .
(٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/٢، والمحتسب ٥/٢، والصحاح، وتهذيب اللغة ٢٧٩/١٦.
(٤) السبعة ص ٣٦٧، والتيسير ص١٣٦ .

٢٢٥
سورة الحجر: الآيات ٥٧ - ٦٠
الهلاك. وقد تقدَّمت قصةُ قوم لوطٍ في ((الأعراف))(١) وسورة ((هود))(٢) بما فيه كفايةٌ.
﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِينَ﴾ أي: قضينا وكتبنا إنها لمنَ الباقين في العذاب.
والغابر: الباقي.
قال(٣):
إِنَّك لا تدري مَنِ النَّاتِجُ
لا تَكْسَعِ (٤) الشَّوْلَ(٥) بأَغْبارِها
الأَغبار: بقايا اللَّبن.
وقرأ أبو بكرٍ والمفضَّل: ((قَدَرنا)) بالتخفيف هنا (٦) وفي النمل(٧)، وشدَّد الباقون.
الهَرَوِيُّ: يقال: قدَّر وقَدَر، بمعنَّى.
الثانية: لا خلافَ بين أهلِ اللسان وغيرِهم أنَّ الاستثناءَ من النفي إثباتٌ، ومن
الإثباتِ نفيّ؛ فإذا قال رجل: له عليَّ عشرةُ دراهمَ إلا أربعةً إلا درهماً؛ ثبت الإقرارُ
بسبعة؛ لأنَّ الدرهمَ مستثنّى من الأربعة، وهو مثبت؛ لأنه مستثنى من منفيٍّ، وكانت
الأربعة منفيَّةً؛ لأنها مستثناةٌ من موجب، وهو العشرةُ، فعاد الدرهمُ إلى السنَّةِ،
فصارت سبعةً.
وكذلك لو قال: عليَّ خمسةُ دراهمَ إلا درهماً إلا ثُلثَيْه؛ كان عليه أربعةُ دراهمَ
(١) ٢٧٣/٩ .
(٢) ١٧٣/١١ وما بعدها .
(٣) الحارث بن حلِّزة، والبيت في ديوانه ص١١١، وكُسَع الناقةً بغُبرها: تَرَك في خِلْفها بقيَّةٌ من اللبن،
يريد بذلك تغزيرها، والشول: الناقة التي لم يبقَ في ضرعها إلا بقية من اللبن، والمعنى: لا تُبْقِ ذلك
اللبنَ لتسمنَ الأولاد، فإنك لا تدري من ينتجها فلعلك تموت، فتكون للوارث، أو يُغار عليها. الكامل
للمبرد ٤٨٤/١، واللسان: (شول) و(كسع).
(٤) في (د): تكشع، وفي (ظ): تلسع.
(٥) في (د): النار.
(٦) قراءة أبي بكر - وهو شعبة بن عياش الراوي عن عاصم - في السبعة ص٣٦٧، والتيسير ص١٣٦.
(٧) في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَذَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِنَ﴾ الآية (٥٧).

٢٢٦
سورة الحجر: الآيات ٥٧ - ٦٥
وثلثٌ. وكذلك إذا قال: لفلانٍ عليَّ عشرةٌ إلا تسعةً إلا ثمانيةً إلا سبعةً؛ كان الاستثناءُ
الثاني راجعاً إلى ما قَبْلَه، والثالثُ إلى الثاني، فيكون عليه درهمان؛ لأن العشرةَ
إثباتٌ، والثمانيةَ إثباتٌ، فيكون مجموعها ثمانيةَ عشَر، والتسعةُ نفيٌ، والسبعةُ نفيٌّ،
فيكون ستّة عشَر، تسقط من ثمانيةَ عشر، ويبقى درهمان، وهو القَدْر الواجبُ بالإقرار
لا غير .
فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْرٍ تُجْرِمِينَ. إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَبُوهُمْ أَجْمَعِينَ.
إِلَّا أَقْرَأَتَهُ﴾ فاستثنى آلَ لوطٍ من القوم المجرمين، ثم قال: ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ فاستئناها
من آلٍ لوط، فرجعت في التأويل إلى القوم المجرمين كما بيَّنَّا.
وهكذا الحُكم في الطلاقِ، لو قال لزوجته: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين إلا
واحدةً، طلقت ثنتين؛ لأن الواحدةَ رجعت إلى الباقي من المستثنى منه، وهي
الثلاث. وكذا كلُّ ما جاء من هذا، فتفهَّمه(١).
٦٢
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكُرُونَ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ
وَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِّقُونَ
قَالُواْ بَلْ جِثْنَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣)
٦٤
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِّنَ الَتْلِ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَنَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ
تُؤْمَرُونَ (®
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ أَلْمُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ﴾ أي: لا
أعرفكم. وقيل: كانوا شباباً ورأى جمالاً، فخاف عليهم من فتنةٍ قومه؛ فهذا هو
الإنكار.
﴿قَالُواْ بَلْ جِثْنَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يشكُّون أنه نازلٌ بهم، وهو العذابُ.
﴿وَأَيْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق. وقيل: بالعذاب. ﴿وَإِنَّا لَصَدِفُونَ﴾ أي: في هلاكهم.
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٨٥/٢، والنكت والعيون ١٦٤/٣، وأحكام القرآن ١١١٦/٣ - ١١١٧،
والمحصول لابن العربي ص ٨٢ - ٨٥ .

٢٢٧
سورة الحجر: الآيات ٦١ - ٧١
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِّنَ الَّلِ﴾ تقدَّم في هود (١). ﴿وَأَتَّيِعْ أَدْبَرَهُمْ﴾ أي: كن من
ورائهم؛ لئلا يتخلفَ منهم أحدٌ فينالَه العذابُ.
﴿وَلَا يَلْثَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُ﴾ نُهوا عن الالتفاتِ ليجِدُّوا في السير، ويتباعدوا عن
القريةِ قبل أن يُفاجِئَهم الصُّبح. وقيل: المعنى: لا يتخلَّف.
﴿وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابنُ عباسٍ: يعني الشَّام(٢). مقاتل: يعني صُغَر(٣)،
قريةٌ من قُرى لوطٍ (٤). وقد تقدَّم(٥). وقيل: إنه مضى إلى أرضِ الخليلِ بمكان يُقال له:
اليقينُ، وإنما سُمِّيَ اليقينَ؛ لأنَّ إبراهيمَ لما خَرجت الرسلُ شيَّعهم، فقال لجبريلَ:
من أين يُخسَف بهم؟ قال: مِن هاهنا. وحَدَّ له حَدًّا، وذهب جبريلُ؛ فلما جاء لوظٌ،
جلس عند إبراهيمَ، وارتقبا ذلك العذابَ، فلما اهتزتِ الأرضُ قال إبراهيم: أيقنتُ
باللهِ، فسُمِّيَ اليقينَ.
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوْعٌ مُصْسِحِينَ
٦٦
وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٢٧) قَالَ إِنَّ هَكُلَاءِ ضَيْفِى فَلَ نَفْضَحُونِ (٨) وَأَنَّقُواْ اللَّهَ
قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِىّ إِن كُمْ
٦٩
وَلَا تُخْزُونِ
فَعِلِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ أي: أَوحينا إلى لوطِ. ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ
مَقْطُوْعٌ مُصْسِحِينَ﴾ نظيره: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ اٌلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنعام: ٤٥].
(١) ١٨٢/١١ - ١٨٣.
(٢) الوسيط ٤٨/٣، وتفسير البغوي ٣/ ٥٤، وزاد المسير ٤/ ٤٠٧ .
(٣) في (ز) و(د): صغو، وفي (م): صفد، وفي (ظ): صَعَر، والمثبت من معجم البلدان ٣/ ٤١١ وفيه أن
صُغّر على وزن زُفَر وصُرَد، وهي زُغَر التي تقدم ذكرها عنده ١٤٢/٣، - وكذا ذكرها البغوي في تفسيره
٥٤/٣ - وأنها نَجَتْ لأن أهلها لم يكونوا يعملون الفاحشة.
(٤) زاد المسير ٤/ ٤٠٧ ونسبه إلى ابن السائب.
(٥) ١٨٥/١١ - ١٨٦.

٢٢٨
سورة الحجر: الآيات ٦٦ - ٧٢
﴿مُصْبِينَ﴾ أي: عند طلوع الصُّبح. وقد تقدَّم (١).
﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ أي: أهلُ مدينةِ لوطٍ ﴿يَسْتَبْثِرُونَ﴾: مستبشرينَ بالأضيافِ؛
طمعاً منهم في ركوبٍ الفاحشة. ﴿قَالَ إِنَّ هَكُلَاءٍ ضَيْفِى﴾ أي: أَضيافي. ﴿فَلَا نَفْضَحُونِ﴾
أي: تُخْجِلُون. ﴿وَقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ يجوز أن يكون من الخِزْي، وهو الذلُّ
والهوان، ويجوز أن يكون من الخَزاية، وهو الحياءُ والخَجَل. وقد تقدَّم في هودٍ (٢).
﴿قَالُواْ أَوَلَمَ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ أي: عن أن تضيفَ أحداً؛ لأنَّا نريدُ منهم الفاحشةَ.
وكانوا يقصدونَ بفعلهم الغرباءً؛ عن الحسن. وقد تقدَّم في الأعراف(٣). وقيل: أو لم
ننهكَ عن أن تُكلِّمنا في أحدٍ من الناسِ إذا قصدناه بالفاحشة. ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاِّ إِن كُمْ
فَعِينَ﴾ أي: فَتَزوَّجوهُنَّ ولا تَركنوا إلى الحَرَامِ. وقد تقدَّم بيانُ هذا في هود(٤).
قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
(٧٧
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قال القاضي أبو بكر بنُ العربيّ(٥): قال المفسرون بأجمعهم: أَقْسَم اللهُ
تعالى هاهنا بحياةِ محمَّدٍ ﴾ تشريفاً له، أنَّ قومَه من قريشٍ في سَكْرتهم يَعْمَهُون، وفي
حیریھم یتردَّدون.
قلت: وهكذا قال القاضي عياض: أَجمع أهلُ التفسيرِ في هذا أنه قسمٌ من اللهِ
جلَّ جلاله بمدَّة حياةٍ محمَّد ﴾. وأصله ضمُّ العينٍ؛ من العُمُر، ولكنَّها فُتحت؛ لكثرة
الاستعمالِ. ومعناه: وَبَقائِكَ يا محمَّد. وقيل: وحياتِكَ. وهذا نهايةُ التعظيم، وغايةُ
(١) ٨/ ٣٨١.
(٢) عند تفسير الآية (٧٨).
(٣) المحرر الوجيز ٤٢٤/٢، وتفسير البغوي ١٧٩/٢، وتقدم ٢٧٧/٩ .
(٤) ١١/ ١٨٥ .
(٥) في أحكام القرآن ١١١٨/٣ .

٢٢٩
سورة الحجر: الآية ٧٢
البِرِّ والتشريف. قال أبو الجوزاء(١): ما أقسم اللهُ بحياةِ أحدٍ غيرِ محمَّدٍ ﴾؛ لأنه أكرمُ
البَرِيَّة عنده(٢).
قال ابنُ العربيّ(٣): ما الذي يَمنَعُ أن يُقسِم اللهُ سبحانه وتعالى بحياة لوط، ويبلغ
به من التشريفِ ما شاء؟ وكلُّ ما يُعطِيه اللهُ تعالى للوطِ من فَضْلٍ يُؤتي ضعفَيْه من
شرفٍ لمحمَّدٍ ﴾؛ لأنه أكرمُ على اللهِ منه؛ أَوَلا ترى أنه سبحانه أعطى إبراهيمَ
الخُلَّة، وموسى التكليمَ، وأَعطى ذلك لمحمَّدٍ، فإذا أَقسم بحياةٍ لوطِ، فحياةُ محمَّد
أَرْفعُ. ولا يَخرج من كلامٍ إلى كلامٍ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ لغير ضرورةٍ.
قلت: ما قاله حسنٌّ؛ فإنه كان يكون قَسَمُه سبحانه بحياةٍ محمَّد ﴿ كلاماً معترضاً
في قصة لوطٍ. قال القشيريُّ أبو نصر عبدُ الرحيمِ بنُ عبدِ الكريم في تفسيرِه: ويحتمل
أن يقال: يَرجعُ ذلك إلى قومٍ لوط، أي: كانوا في سَكْرتهم يَعْمَهون. وقيل: لما وعَظ
لوطٌ قومَه، وقال: هؤلاء بناتي. قالت الملائكةُ: يا لوطُ: ((لعَمْرُك إنَّهم لفي سَكْرتهم
يَعْمَهون)» ولا يدرون ما يَحِلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أَقسَم تعالى بالتينٍ والزيتونِ وطورٍ سِينين؛ فما في هذا؟ قيل له: ما
من شيءٍ أَقسَم اللهُ به إلا وذلك دلالةٌ على فَضْله على ما يدخل في عِدادِهِ، فكذلك
نبيّنا # يجب أن يكون أفضلَ ممن هو في عِدادِه.
والعَمْر والعُمْر - بضمِّ العينِ وفتحِها - لغتان، ومعناهما واحدٌ؛ إلا أنه لا يُستَعمل
في القَسَم إلا بالفتح؛ لكثرة الاستعمال(٤). وتقول: عَمْرَكَ اللهَ، أي: أَسألُ اللهَ
تعميرَك. و(لَعَمْرُكَ)): رفعٌ بالابتداءِ، وخبرُه محذوفٌ. المعنى: لعَمْرُك مما أُقْسِم به (٥).
(١) أوس بن عبد الله الرَّبَعي، بصري، يرسل كثيراً، ثقة، (ت ٨٣هـ). تقريب التهذيب.
(٢) الشفا للقاضي عياض ٨٦/١ .
(٣) في أحكام القرآن ١١١٨/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٦٩/٣ .
(٥) إعراب القرآن ٣٨٧/٢، ومعاني القرآن ٣٤/٤ للنحاس، وأحكام القرآن لابن العربي ١١١٨/٣ .

٢٣٠
سورة الحجر: الآية ٧٢
الثانية: كره كثيرٌ من العلماءِ أن يقول الإنسانُ: لَعَمْري؛ لأنَّ معناه: وحياتي. قال
إبراهيمُ النَّخَعِيُّ(١): يُكره للرجل أن يقول: لَعَمْري؛ لأنه حَلِفٌ بحیاةِ نفسِه، وذلك من
كلام ضَعَفةِ الرجال. ونحو هذا قال مالكٌ: إنَّ المستضعفينَ من الرجال والمؤنَّثين
يُقْسِمون بحياتِك وعَيْشِك، وليس من كلام أهلِ الذِّكْران، وإن كان اللهُ سبحانه أَقسم
به في هذه القصَّة؛ فذلك بيانٌ لشَرَف المنزلةِ والرفعةِ لمكانه، فلا يُحمَل علیه سواه،
ولا يُستَعمل في غيرِهِ. وقال ابنُ حبيبٍ: ينبغي أن يُصرف ((لعَمْرك)) في الكلام لهذه
الآيةِ. وقال قتادةُ: هو من كلام العرب. قال ابنُ العربيِّ: وبه أَقول، لكنَّ الشرعَ قد
قَطَعه في الاستعمال، وردَّ القَسَم إليه(٢).
قلت: القَسَم بـ ((لعمرك)) و((لعمري)) ونحوه في أشعارِ العربِ وفصيحِ كلامها
كثيرٌ(٣).
قال النابغة (٤):
لقد نَطقتْ بُظْلاً عَلَيَّ الأقارِعُ
لَعَمْرِي وما عَمْرِي عليَّ بهيٍِّ
آخر :
العَمْرُك إنَّ الموتَ ما أَخْطَأ الفتى
لكالطِّوَل المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بالیَدِ(٥)
آخر :
أيُّها المنكحُ الثُّرَيَّا سُهيلاً عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتقيانٍ(٦)
(١) أخرجه الطبري ٩٣/١٤، وينظر المحرر الوجيز ٣٧٠/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ٣٧٠، وأحكام القرآن لابن العربي ١١١٨/٣ - ١١١٩.
(٣) المحرر الوجيز ٣٦٩/٣ .
(٤) في ديوانه ص ٨٠ .
(٥) قائله طرفة بن العبد، والبيت في ديوانه ص٣٤ ، والطِّوَل: الحبل الذي يُطوَّل للدابة فترعى فيه.
الصحاح (طول).
(٦) قائله عمر بن أبي سلمة، وهو في ديوانه ص٢٢٩ .

٢٣١
سورة الحجر: الآية ٧٢
آخر:
إذا رَضيتْ عليَّ بنو تُشَيْرٍ لعَمْرُ اللهِ أَغْجبني رضَاها(١)
وقال بعض أهل المعاني: لا يجوز هذا؛ لأنه لا يُقال: للهِ عُمْرٌ، وإنما هو تعالى
أزليّ. ذكره الزهراويُّ.
الثالثة: قد مضى الكلامُ فيما يُحلَف به وما لا يجوز الحَلِفُ به في ((المائدة))(٢)،
وذكرنا هناك قولَ أحمدَ بنِ حنبل فيمن أَقْسَم بالنبيِّ ﴾ لزمته الكفَّارةُ.
قال ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَاد: من جوَّز الحَلِفَ بغير اللهِ تعالى مما يجوز تعظيمُهُ بحقٌّ من
الحقوقِ، فليس يقول إنَّها يمينٌ تتعلَّق بها كفَّارة؛ إلا أنه من قصَد الكذبَ كان ملوماً؛
لأنه في الباطن مستخِفِّ بما وجبَ عليه تعظيمُه.
قالوا: وقوله تعالى: ﴿لَعَتْرُكَ﴾ أي: وحياتِكَ. وإذا أَقسَم اللهُ تعالى بحياة نبيِّه فإنَّما
أرادَ بيانَ التصريح لنا أنه يجوزُ لنا أن نَحْلِفَ بحياتِهِ. وعلى مذهب مالك معنى قوله:
﴿لَعَمْرُكَ﴾، ﴿وَأَلِّيْنِ وَالزَُّونِ﴾ [التين: ١]، ﴿وَلُُّورِ. وَكَتَبٍ قَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١- ٢]،
﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ﴿وَالشَّمْسِ وَثُعَنَهَا﴾ [الشمس: ١]، ﴿لَآَ أَقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ
◌ٌِّ ◌َِذَا الْبَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ١-٣] كل هذا معناه: وخالقِ التينِ والزيتونِ، وبربِّ
الكتابِ المَسْطُور، وبربِّ البلدِ الذي حَلَلْتَ به، وخالقِ عیشِكَ وحياتِكَ، وحقِّ
محمَّدٍ؛ فاليمينُ والقَسَم حاصلٌ به سبحانه لا بالمخلوقِ.
قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: ومن جَوَّز اليمين بغير اللهِ تعالى تأوَّل قولَهِ﴾: ((لا تحلفوا
بآبائكم))(٣). وقال: إنَّما نَهى عن الحَلِفِ بالآباء الكفَّارِ، أَلَا ترى أنه قال لما حَلَفوا
بآبائهم: (لَلْجَبَلُ عند اللهِ أكرمُ من آبائكم الذين ماتوا في الجاهليةِ)»(٤). ومالك حَمَلَ
(١) القائل هو القحيف العقيلي، وهو في أدب الكاتب ص٥٠٦، والخصائص ٣١١/٢.
(٢) ١٣١/٨ - ١٣٢ وما بعدها.
(٣) أخرجه البخاري (٦٦٤٨)، ومسلم (١٦٤٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٤) لم نقف عليه.

٢٣٢
سورة الحجر: الآيات ٧٢ - ٧٥
الحديثَ على ظاهرِه.
قال ابن خُوَيْزِ منداد: واستدل أيضاً من جوَّز ذلك؛ بأنَّ أَيمانَ المسلمين جَرَتْ منذ
عهدِ النبيِّ# إلى يومِنا هذا أن يَخلفوا بالنبيِّ ﴾، حتى إنَّ أهلَ المدينة إلى يومنا هذا
إذا حاكم أحدهم صاحبَه قال: احْلِفْ لي بحقِّ ما حواه هذا القبرُ، وبحقِّ ساكنٍ هذا
القبرِ، يعني النبيَّ ﴾، وكذلك بالحرَمَ، والمشَاعِر العظام، والرُّكنِ، والمَقام،
والمِخْراب، وما يُتْلى فيه(١).
فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
٢٧٤
حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتَهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ نصبٌ على الحال، أي: وقتَ شُروقٍ
الشمس، يقال: أَشرقتِ الشمسُ، أي: أَضاءت، وشَرقت: إذا طَلَعت. وقيل: هما
لغتان بمعنّى. وأشرقَ القومُ، أي: دخلوا في وقتٍ شُروقِ الشمسِ. مثل: أَصبحوا
وأَمْسَوْا، وهو المرادُ في الآية. وقيل: أرادَ شروقَ الفَجْر. وقيل: أوّلُ العذابِ كان
عند الصبحِ، وامتدَّ إلى شُروق الشمسِ، فكان تمامُ الهلاكِ عند ذلك، والله أعلم (٢).
و((الصيحة): العذابُ(٣). وتقدّم ذكر ((سِجِّيل)) (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتْ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿لِلْمُوَسِِّينَ﴾ روى التّر مذيُّ الحكيمُ في ((نوادر الأصول)»(٥)
(١) أكثر الفقهاء على عدم جواز الحلف بغير الله. وينظر تفصيل المسألة في فتح الباري ١١/ ٥٣١.
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٨٧/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٨٤/٣، والوسيط ٤٩/٣، وزاد
المسير ٤٠٩/٤، والصحاح (شرق).
(٣) الوسيط ٤٩/٣ .
(٤) ١٨٦/١١ - ١٨٧ .
(٥) لم تقف عليه في المطبوع منه.

٢٣٣
سورة الحجر: الآية ٧٥
من حديث أبي سعيد الخُذْرِيِّ عن رسول الله﴿ أنه قال: (للمتفرِّسِين))، وهو قولُ
مجاهدٍ(١).
وروى أبو عيسى الترمذيُّ عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ قال: قال رسولُ الله﴾: ((اتَّقُوا
فِراسَةَ المؤمنِ؛ فإنَّه يَنْظُرُ بنورِ اللهِ) ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَّوْسِينَ﴾. قال: هذا
حديثٌ غريبٌ(٢). وقال مقاتلٌ وابنُ زيدٍ: للمتوسمين: للمتفكِّرين(٣). الضحاك:
للناظرين(٤). قال الشاعر(٥):
أوَ كلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلةٌ بعثُوا إليَّ عريفَهم يتوسَّمُ
وقال قتادة: للمعتبرين(٦). قال زهير(٧):
وفيهنَّ مَلْهَى للصديقِ ومنظَرٌ أنيقٌ لِعَيْنِ الناظرِ المتوسِّمِ
وقال أبو عبيدة(٨): للمتبصّرين. والمعنى متقارب.
وروى الترمِذيُّ الحكيمُ (٩) من حديثٍ ثابتٍ عن أنس بن مالك قال: قال
(١) تفسير مجاهد ٣٤٢/١، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٩٤/١٤ - ٩٥ . وهو عند ابن عطية في
المحرر الوجيز ٣٧٠/٣ .
(٢) سنن الترمذي (٣١٢٧).
(٣) معاني القرآن للفراء ٩١/٢، والوسيط ٤٩/٣، والنكت والعيون ١٦٧/٣، وتفسير البغوي ٥٥/٣،
وزاد المسير ٤/ ٤١٠ .
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ٩٥ و٩٧، وأورده الماوردي في النكت والعيون ١٦٧/٣.
(٥) القائل هو طريف بن تميم العنبري، وهو في الأصمعيات ص ١٢٧، والبيان والتبيين ١٠١/٣ .
(٦) أخرجه عبد الرزاق ٣٤٩/٢، والطبري في تفسيره ٩٦/١٤، وأبو الشيخ في العظمة (٥٠)، وأورده
الماوردي في النكت والعيون ١٦٧/٣، والواحدي في الوسيط ٤٩/٣ .
(٧) ديوانه ص ١٠ (بشرح ثعلب).
(٨) في مجاز القرآن ٣٥٤/١ .
(٩) نوادر الأصول ص٢٧١، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٩٣٥)، والبزار (٣٦٣٢ كشف الأستار).
وفي إسناده: بكر بن الحكم أبو بشر المُزَلَّق، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٤٤/١: روى خبراً
منكراً، وذكر الحديث.

٢٣٤
سورة الحجر: الآية ٧٥
رسولُ اللهِ ﴾: ((إنَّ لِلهِ عزَّ وجلَّ عباداً يَعرِفونَ الناسَ بالتوسُم)».
قال العلماءُ: التوسُمُ: تفغُّل؛ من الوَسْم، وهي العَلَامةُ التي يُستدلُّ بها على
مطلوبٍ غيرِها. يقال: توسَّمتُ فيه الخيرَ: إذا رأيتَ مِيسَم ذلك فيه(١)، ومنه قولُ
عبدِ الله بنِ رَوَاحةً للنبيِّ ﴾:
إني توسَّمتُ فيكَ الخيرَ أعرِفُهُ واللهُ يَعْلَمُ أنِّي ثابتُ البَصَرِ (٢)
آخر:
توسَّمْتُهُ لما رأيتُ مهابةً عليه وقُلتُ المرءُ مِن آلِ هاشم(٣)
واتَّسم الرجلُ: إذا جعَل لنفسِه عَلَامة يُعرف بها. وتوسَّم الرجلُ: طلَب كلاً
الوَسْمِيِّ(٤). وأنشد:
وأَصْبَحْنَ كالدَّوْم النّواعِم غُذْوةً على وِجْهةٍ من ظاعنٍ مُتَوَسِّمِ(٥)
وقال ثعلب: الواسمُ: الناظرُ إليك مِن فَرْقك إلى قَدَمِك. وأصل التوسُّم: التثبّت
والتفكّر؛ مأخوذ من الوَسْم، وهو التأثيرُ بحديدةٍ في جِلْد البعير وغيرِهِ، وذلك يكون
بجودةِ القَريحة، وحِدَّة الخاطر، وصفاءِ الفِكْر. زاد غيرُه: وتفريغ القلبٍ من حَشْو
الدنيا، وتطهيرِه من أدناسِ المعاصي، وكدُورةِ الأخلاقِ، وفُضُولِ الدنيا. روى نَهْشَلُ
عن ابنِ عباس: (للمتوسمين)) قال: لأهلِ الصلاحِ والخير. وزعمت الصوفيَّةُ أنَّها
:
(١) ينظر لسان العرب (وسم).
(٢) دیو انه ص٩٤ ، والبيت فيه:
فراسةً خالَفَتْهم في الذي نظروا
إنّي تفرَّستُ فيكَ الخيرَ أعرفه
(٣) البيت لأعرابي أضاف عبيدَ اللهَ بنَ العباس، وكان عند الأعرابي شاة لا يملك غيرها فذبحها له، وقدَّمها
بين يديه، فكافأه عليها خمس مئة دينار، فقال فيه قصيدة هذا مطلعها، وذكر تتمتها المبرد في الفاضل
ص٣٢، والبغدادي في خزانة الأدب ٢٨٢/٨ .
(٤) الصحاح ولسان العرب (وسم)، وأرض موسومة: أصابها الوسميُّ، وهو مطر يكون بعد الخَرَفيِّ في
البرد.
(٥) ذكره نشوان الحميري في الحور العين ص٤١ .
:

٢٣٥
سورة الحجر: الآية ٧٥
كرامةٌ. وقيل: بل هي استدلالٌ بالعلاماتِ، ومن العلاماتِ ما يبدو ظاهراً لكلِّ أحدٍ،
وبأوَّل نَظْرة، ومنها ما يَخفى فلا يبدو لكلِّ أحدٍ، ولا يُدرَك ببادئٍ النظر. قال الحسن:
المتوسِّمون: هم الذين يتوسَّمون الأمورَ فيعلمونَ أنَّ الذي أهلَك قومَ لوطِ قادرٌ على
أن يُهلِك الكفّارَ؛ فهذا من الدلائلِ الظاهرة.
ومثله قولُ ابنِ عباس: ما سأَلَني أحدٌ عن شيء إلا عَرَفْتُ أفقيةٌ هو أو غيرُ فقيهٍ.
وروي عن الشافعي ومحمد بنِ الحسنِ أنَّهما كانا بفناء الكعبةِ، ورجلٌ على بابٍ
المسجد، فقال أحدهما: أراه نجاراً، وقال الآخَرُ: بل حدَّاداً، فتبادَرَ من حضَر إلى
الرجلِ فسأله، فقال: كنت نجَّاراً، وأنا اليوم حدَّادُ(١).
وروي عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ الله البَجَليَّ أنه أَتَى على رجلٍ يَقرأُ القرآنَ فوقف،
فقال: من سَمَّع سمَّع اللهُ به، ومن راءى راءى اللهُ به. فقلنا له: كأنَّكَ عرَّضْتَ بهذا
الرجل، فقال: إنَّ هذا يَقرأ عليكَ القرآنَ اليوم، ويخرج غداً حَرُورِيًّا؛ فكان رأسَ
الحُرُورِيَّة، واسمه مِرْداس(٢).
وروي عن الحسن البصري أنه دخَل عليه عمرو بنُ عبيدٍ فقال: هذا سيِّدُ فتيانٍ
البَصرةِ إن لم يُحدِث، فكان من أمرِه من القَدَر ما كان، حتى هجرَه عامَّةُ إخوانِهِ. وقال
لأيوبٍ: هذا سيِّدُ فتيانِ أهل البصرةِ؛ ولم يستثنٍ، وروي عن الشَّغْبيِّ أنَّه قال لداودَ
الأوديّ(٣) وهو يُماريه: إنَّك لا تموتُ حتى تُكْوَى في رأسِك، وكان كذلك(٤).
وروي أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﴾ دخل عليه قومٌ من(٥) مَذْحِجْ فيهم الأشترُ، فصعَّد
(١) الرسالة القشيرية ١٧٦/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١١١٩/٣.
(٢) لم نقف عليه، ومرداس: هو ابن أُدَيّة - وهي أمه - ابن حُدير، أبو بلال التميمي. ينظر الكامل لابن
الأثير ٢/ ٥١٧ و٥٨٢ حوادث سنتي (٥٨) و(٦١) هـ .
(٣) في (ز) و(د) و(م): الأزدي، والمثبت من (ظ) ومصدر التخريج.
(٤) نوادر الأصول ص٢٧١ .
(٥) بعدها في (ظ): بني.

٢٣٦
سورة الحجر: الآيات ٧٥ - ٧٩
فيه النظرَ وصوَّبه وقال: أيُّهم هذا؟ قالوا: مالكُ بنُ الحارثِ. فقال: ما له قاتَلَه اللهُ؟!
إني لأرى للمسلمين منه يوماً عصيباً؛ فكان منه في الفتنةِ ما كان (١).
وروي عن عثمانَ بنِ عفان ﴾: أنَّ أنسَ بنَ مالك دخل عليه، وكان قد مَرَّ
بالسُّوق، فنظر إلى امرأةٍ، فلما نظرَ إليه، قال عثمانُ: يَدخُل أحدُكم عليَّ وفي عينيه
أَثَرُ الزِّنى؟! فقال له أنسٌ: أوَحْياً بعدَ رسولِ اللهِ ﴾؟! فقال: لا! ولكن برهانٌ وفِراسةٌ
وصِدْقٌ(٢). ومثلُه كثيرٌ عن الصحابة والتابعين ﴾ أجمعين.
الثانية: قال أبو بكر بن العربي: إذا ثبت أنَّ التوسُم والتفرُّس من مداركِ المعاني؛
فإنَّ ذلك لا يترتَّب عليه حُكْم، ولا يُؤْخَذ به موسومٌ ولا متفرِّس. وقد كان قاضي
القضاةِ الشاميُّ المالكيُّ ببغدادَ أيام كوني بالشام يَحكُم بالفِراسةِ في الأحكام، جَرْياً
على طريق إياسٍ بنِ معاويةً أيام كان قاضياً، وكان شيخُنا فخرُ الإسلام أبو بكر
الشاشيُّ صنَّف جزءاً في الردِّ عليه، كتبه لي بخطّه وأعطانِيْه. وذلك صحيحٌ؛ فإن
مدارِكَ الأحكام معلومةٌ شرعاً، مُدرَكة قطعاً، وليست الفِراسةُ منها.
(٨) وَإِن كَانَ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ تُقِيمٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُِّينٍ
أَصْحَبُ الْأَبْكَةِ لَظَلِينَ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا﴾ يعني: قرى قومٍ لوطٍ. ﴿لَيِسَبِيلٍ تُقِيمٍ﴾ أي: على طريقٍ
قومِكَ يا محمَّد إلى الشام(٣). ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لَعَبْرةً للمصدِّقِيْن(٤).
﴿وَإِنِ كَانَ أَمْهَبُ الْأَيْكَةِ لَظَلِينَ﴾ یرید قومَ شعیب، كانوا أصحابَ غِیاضٍ وریاضٍ
(١) أخرجه أحمد في العلل ٣١٥/١، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١١٩/٧ - ١٢٠، وابن عساكر
في تاريخ مدينة دمشق ٣٧٧/٥٦ - ٣٧٨ .
(٢) الرسالة القشيرية ١٨٣/٣.
(٣) الوسيط ٣/ ٥٠ وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٨٥.

٢٣٧
سورة الحجر: الآيات ٧٦ - ٨٠
وشجرٍ مثمرٍ (١). والأَيْكةُ: الغَيْضةُ(٢)، وهي جماعةُ الشجر، والجَمْعُ: الأَيْك(٣).
ويُروى أنَّ شجرَهم كان دَوْماً، وهو المُقْل(٤). قال النابغة:
تَجْلُو بِقَادِمَتَيْ حمامةِ أَيْكَةٍ بَرَداً أُسِفَّ لِثَاتُه بِالإِثْمِدِ (٥)
وقيل: الأيكة: اسمُ القرية. وقيل: اسمُ البَلْدة(٦). وقال أبو عبيدة: الأَيْكَة ولَيْكة:
مدينتُهم، بمنزلة بَكّة من مكّة(٧). وتقدّم خبرُ شعيبٍ وقومِه (٨). ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾
أي: بطريقٍ واضحٍ في نفسِه، يعني مدينةً قوم لوطٍ وبقعةَ أصحابِ الأَيْكة، يَعْتَبِرُ بهما
من يَمرُّ عليهما(٩).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ اَلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
٨٠
الحِجْر ينطلق على معانٍ: منها حِجْرُ الكعبة. ومنها: الحَرَام؛ قال الله تعالى:
﴿وَحِجْرَا تَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: حراماً محرَّماً. والحِجْرُ: العَقْلُ؛ قال الله تعالى:
﴿الَّذِى حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] والحِجْر: حِجْرُ القميص؛ والفتح أفصحُ. والحِجْرُ: الفرس
(١) ينظر الوسيط ٣/ ٥٠.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٩١، وتفسير الطبري ١٠٠/١٤ وعزاه إلى الضحاك، وعزاه الماوردي في
النكت والعیون ١٦٨/٣ إلى مجاهد.
(٣) تفسير الرازي ٢٠٤/١٩، ولسان العرب (أيك).
(٤) تفسير الطبري ١٠٠/١٤، والنكت والعيون ١٦٨/٣، وزاد المسير ٢٠٤/١٩، وعزاه الطبري إلى
قتادة، وابن الجوزي إلى ابن عباس رضي الله عنهما. والمُقْلُ: ثَمَر شجر الدَّوْم، مُقَوِّ للمعدة. القاموس
(مقل)، وينظر المحرر الوجيز ٣٧١/٣، وتهذيب اللغة ٤١٥/١٠ .
(٥) ديوان النابغة ص٤٠، والقادمة؛ جمعها قوادم، وهي أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح، شبَّه
الشاعر الشفتين لرقتهما بقادمتي حمامة، وشبَّه الأسنان بالبَرَد لشدة بياضه. القاموس المحيط (قدم)،
وديوان المعاني للعسكري ٢٣٨/١ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٥/٢، والصحاح (أيك).
(٧) النكت والعيون ١٦٨/٣، ولسان العرب (أيك).
(٨) ٢٨٠/٩ - ٢٨١.
(٩) تفسير الطبري ٩٨/١٤، وتفسير السمر قندي ٢٢٣/٢، والوسيط ٥٠/٣، وزاد المسير ٤١٠/٤ .

٢٣٨
سورة الحجر: الآية ٨٠
الأُنثى. والحِجْر: ديار ثمودَ، وهو المراد هنا، أي: المدينة؛ قاله الأزهريُّ(١). قتادة:
وهي ما بين مكّة وتَبُوك، وهو الوادي الذي فيه ثمود (٢). الطبريُّ: هي أرضٌ بين
الحجازِ والشام، وهم قومُ صالح(٣). وقال: ﴿ٌلْمُرْسَلِينَ﴾ وهو صالحٌ وحْدَه، ولكن من
كذَّب نبيًّا؛ فقد كذَّب الأنبياءَ كلَّهم؛ لأنَّهم على دينٍ واحدٍ في الأصول، فلا يجوز
التفريقُ بينهم. وقيل: كذَّبوا صالحاً ومَن تَبِعَه ومَن تقدَّمه من النبيِّين أيضاً (٤). والله أعلم.
روى البخاريُّ(٥) عن ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ لما نزل الحِجْرَ في غزوةٍ تَبُوك
أَمَرَهم ألَّا يشربوا من بئرِها، ولا يَسْتَقُوا منها. فقالوا: قد عَجَنَّا واستقَينا. فَأَمَرَهم
رسولُ اللـه﴿ أن يُهَرِيْقُوا الماء، وأن يَظْرحوا ذلك العجينَ.
وفي ((الصحيح)) (٦) عن ابنِ عمرَ أنَّ الناسَ نزلوا مع رسولِ الله ﴿ على الحِجْرِ
أرضٍ ثمودَ، فاسْتَقَوْا مِن آبارِها وعَجنوا به العجينَ، فَأَمَرَهم رسولُ اللهِ﴾ أن يُهَرِيقوا
ما استقَوْا، ويَعلِفوا الإبلَ العجينَ، وأَمَرَهم أن يَسْتَقُوا مِن البئرِ التي تَرِدها الناقةُ.
ورَوى أيضاً عن ابنِ عمرَ قال: مَرَرْنا مع رسولِ اللهِ ﴾ على الحِجْرِ، فقال لنا
رسولُ اللهِ ﴾: ((لا تَدخلوا مساكنَ الذين ظلموا أنفسَهم إلا أَنْ تكونوا باكِيْنَ؛ حَذَراً
أن يُصِيبَكم مثلُ ما أَصابَهُم)». ثم زَجَرَ فَأَسْرَع(٧).
قلت: ففي هذه الآيةِ التي بيَّن الشارعُ حكمَها وأوضحَ أَمْرَها ثمان مسائلَ،
استنبطها العلماءُ واختلف في بعضِها الفقهاءُ:
(١) تهذيب اللغة ١٣٠/٤ - ١٣٣، وينظر الصحاح (حجر).
(٢) ينظر النكت والعيون ١٦٩/٣، والمحرر الوجيز ٣٧٢/٣، وزاد المسير ٤١١/٤.
(٣) تفسير الطبري ٢٨٢/١٠، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير ٤٤١/٤ ونسبه إلى ابن عباس رضي الله
عنهما.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٣٧٢/٣، وتفسير البغوي ٥٥/٣، والكشاف ٣٩٦/٢، وزاد المسير ٤١١/٤ .
(٥) في صحيحه (٣٣٧٨).
(٦) البخاري (٣٣٧٩)، ومسلم (٢٩٨١) واللفظ له.
(٧) البخاري (٣٣٨٠)، ومسلم (٢٩٨٠): (٣٩) واللفظ له.

٢٣٩
سورة الحجر: الآية ٨٠
فأوَّلها: كراهةُ دخولِ تلك المواضع، وعليها حَمل بعضُ العلماء دخولَ مقابرٍ
الكفَّار؛ فإن دَخل الإنسانُ شيئاً من تلك المواضعِ والمقابرِ فعلى الصفةِ التي أَرْشَد
إليها النبيُّ من الاعتبارِ والخَوْفِ والإسراعِ. وقد قال رسولُ اللهِ ﴾: ((لا تَدخُلوا
أرضَ بابلَ؛ فإنَّها ملعونةٌ))(١).
مسألة: أَمَرَ النبيُّ # بهَرْقِ ما استَقَّوْا مِن بئرِ ثمودَ، وإلقاءِ ما عُجِنَ وخُبِزَ به؛
لأجلِ أنَّه ماءُ سُخْطٍ، فلم يجزِ الانتفاعُ به؛ فراراً من سَخَطِ اللهِ. وقال: ((اعلفُوه
الإبلَ))(٢).
قلت: وهكذا حكمُ الماءِ النَّجِسِ وما يُعجَن به.
وثانيها: قال مالكٌ: إنَّ ما لا يجوز استعمالُه مِن الطعام والشرابِ يجوز أن تَعْلِفَه
الإبلَ والبهائمَ؛ إذ لا تكليفَ عليها؛ وكذلك قال في العسلِ النَّجِسِ: إنَّه يَعلِفُه
النحلَ(٣).
وثالثها: أَمَرَ رسولُ اللهِع ◌َ﴿ بَعَلْفِ ما عُجن بهذا الماءِ الإبلَ، ولم يَأْمُرْ بطَرْحِه كما
أَمَرَ في لحومِ الحُمُر الإنسيَّة يومَ خَيْبر (٤)؛ فدلَّ على أنَّ لحمَ الحُمُر أشدُّ في التحريمِ
وأَغلظُ في التنجيسِ. وقد أَمَرَ رسولُ اللهِ ﴾ بكَسْبِ الحجَّام أن يُعلَف الناضحَ
والرقيقَ، ولم يكن ذلك لتحريم ولا تنجيسٍ. قال الشافعيُّ: ولو كان حراماً لم يأمره
أن يُطعِمَه رقيقه؛ لأنه متعبَّد فيه كما تُعبِّد في نفسه(٥).
(١) المفهم ٣٥٢/٧، ولم نقف عليه بهذا اللفظ، بل الوارد ما أخرجه أبو داود (٤٩٠) عن علي ﴾ قال:
إن حبيبي # نهاني أن أصلِّيَ في المقبرة، ونهاني أن أصلِّيَ في أرض بابل فإنها ملعونة. وضعف إسناده
الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١/ ٥٣٠ . وسيرد ص ٢٤٥ من هذا الجزء وعلقه البخاري في الصلاة،
باب ٥٣ ، بلفظ: ويُذكر أن علياً ﴾ كره الصلاة بخسف بابل.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١١٢/٣، ولم نقف عليه بهذا اللفظ، ولعله ذكره بالمعنى، وسلف
الحدیث قريباً.
(٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٢١/٣.
(٤) أخرجه البخاري (٤٢١٥)، ومسلم (٥٦١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٥) ينظر اختلاف الحديث للشافعي (بهامش الأم) ٣٤٤/٧ - ٣٤٥.

٢٤٠
سورة الحجر: الآية ٨٠
ورابعها: في أَمْرِهِ # بعَلْف الإبلِ العجينَ دليلٌ على جواز حَمْلِ الرجلِ النجاسةَ
إلى كلابِه ليأكلوها؛ خلافاً لمن منَع ذلك مِن أصحابنا، وقال: تُطلَق الكلابُ عليها
ولا يَحمِلُها إليهم(١).
وخامسها: أَمْرُهُ ﴾ أن يَسْتَقُوا من بئرِ الناقةِ دليلٌ على التبرُّك بآثارِ الأنبياءِ
والصالحينَ، وإن تقادمتْ أعصارُهم، وخَفِيَتْ آثارُهم؛ كما أنَّ في الأوَّل دليلاً على
بُغْضِ أهلِ الفسادِ، وذمِّ ديارِهم وآثارِهم. هذا، وإن كان التحقيقُ أنَّ الجماداتِ غيرُ
مؤاخذاتٍ، لكنَّ المقرونَ بالمحبوبِ محبوبٌ، والمقرونَ بالمكروهِ المبغوضِ
مبغوضٌ؛ كما قال ◌ُثَيِّ(٢):
أحبُّ لحبِّها السودانَ حتى
أحبُّ لحبِّها سودَ الكلابِ
وكما قال آخر :
أقبِل ذا الجدارَ وذا الجدارا
أَمُرُّ على الدِّيارِ ديارٍ لَيْلَى
ولكنْ حِبُّ مَن سَكِنَ الديارا(٣)
وما تلك الديارُ شَغَفْنَ قلبي
وسادسها: منَع بعضُ العلماءِ الصلاةَ بهذا الموضع، وقال: لا تجوز الصلاةُ
فيها؛ لأنَّها دارُ سُخْطٍ، وبقعةُ غَضَب(٤). قال ابنُ العربيِّ: فصارت هذه البقعةُ مستثناةً
مِن قوله: ((جُعلت ليّ الأرضُ مسجداً وطهوراً))(٥) فلا يجوز التيمُّم بترابِها، ولا
الوضوءُ من مائِها، ولا الصلاةُ فيها.
وقد روى الترمذيُّ عن ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ نهى أن يُصلَّى فِي سَبْعة مواطنَ:
في المَزْبلة، والمَجْزَرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّام، وفي معاطِنِ الإبل،
(١) المفهم ٧/ ٣٥٥ .
(٢) المفهم ٧/ ٣٥٥، وسلف ٦/٣ .
(٣) الشعر لقيس بن الملوّح، وهو في ديوانه ص ١٧٠ ، وفيه: وما حبُّ الديار، بدل: وما تلك الديار.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢١/٣ .
(٥) سلف ٢/ ٢٨٣ .