Indexed OCR Text
Pages 1-20
كَامِ القُرآن القامع لـ وَالمُبَيِّنُ لَمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَي القُقَانِ تَأليفُ أَبِ عَبْدِ اللَّهِ مُحَقَدِيْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِالقُرُِّيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحقِيْق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء محمّد رضوان عرفيوسي خَالد العوّاد محمّمعتز كريم الذين الْجُزْعُ الثّانيُ عَشْرْ مؤسسة الرسالة جميع الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت-لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460 Email: Resalah@Cyberia.net.1b PUBLISHERS ٠٠ . 2 ـة بِسْمِ اللَّهِ الرَّضْنِ أ سورة الرعد مكيَّةٌ في قول الحسنِ وعِكْرمةً وعطاء وجابر، ومدنيةٌ في قول الكَلْبِيِّ ومقاتل. وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا آيتين منها نزلتا بمكة؛ وهما قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبَالُ﴾ [إلى آخرهما](١). قوله تعالى: ﴿اَلَّمَّرَّ تِلْكَ مَايَتُ اَلْكِتَبِّ وَالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿الْمُرَّ تِلْكَ مَايَتُ الْكِتَبْ﴾ تقدَّم القولُ فيها (٢). ﴿وَالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني: وهذا القرآنُ الذي أُنزل إليك. ((مِنْ رَبِّكَ)) هو (٣) ((الْحَقُّ))، لا كما يقول المشركون: إنك تأتي به من تلقاء نفسِك، فاعتصِمْ به، واعمَلْ بما فيه. قال مقاتل: نزلتْ حين قال المشركون: إنَّ محمداً أتى بالقرآن من تلقاء نفسِه (٤). ((والذي)) في موضع رَفْع عطفاً على ((آيَاتُ))، أو على الابتداء، و((الحقُّ» خبره؛ ويجوز أنْ يكون موضعُه جرًّا على تقدير: وآياتُ الذي أنزل إليك، وارتفاع ((الحقّ)) على هذا على إضمار مبتدأ، تقديره: ذلك الحقُّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ. اَلْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٤٦-١٤٧]. يعني: ذلك الحقُّ(٥). (١) النكت والعيون ٣/ ٩١، وما بين حاصرتين منه، وينظر زاد المسير ٢٩٩/٤ . (٢) ٢٣٧/١ وما بعدها. (٣) قوله: هو، ليس في (م). (٤) تفسير البغوي ٥/٣ . (٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٤٩/٢، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٣٩٦/١. ٦ سورة الرعد: الآيتان ١ - ٢ قال الفرَّاء(١): وإن شئت جعلت ((الذي)) خفضاً نعتاً للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما يقال: أتانا هذا الكتابُ عن أبي حفص والفاروق [وأنت تريد عمر بن الخطاب]؛ ومنه قول الشاعر: إلى الملِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ وَلَيْثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ(٢) يريد: إلى المَلِكِ القَرْمِ ابنِ الهُمَامِ ليهِ الكتيبة. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ اُلتَّمَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَّرُّ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَتَّىَّ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِقَلِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ قوله تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى رَفْعَ التََّوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَّرَوْنَا﴾ الآية. لمّا بَيِّن تعالى أنَّ القرآن حقٌّ، بَيَّن أن مَن أنزله قادرٌ على الكمال؛ فانظروا في مصنوعاته لِتعرفوا كمالَ قُدرتِه. وقد تقدَّم هذا المعنى. وفي قوله: ((بغيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها)) قولان: أحدهما: أنها مرفوعةٌ بغير عَمَدٍ ترونها، قاله قتادة وإياس بن معاوية وغيرهما. الثاني: لها عَمَدٌ، ولكنا لا نراه(٣). قال ابن عباس: لها عَمَدٌ على جبل(٤) قاف؛ ويمكنُ أنْ يقالَ على هذا القول: العَمَد قُدرتُه التي يُمسِك بها السماواتِ والأرضَ، وهي غيرُ مرئية لنا، ذكره الزجّاج(٥). (١) في معاني القرآن ٥٨/٢ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) سلف هذا البيت ٢/ ٨٥، وقوله: القَرْم: السيِّد. (٣) أخرج هذين القولين الطبري ٤٠٩/١٣ - ٤١١، وقال القول الأول أولى الأقوال بالصحة. (٤) قوله: جبل، من (م)، وقاف: جبل محيط بالدنيا، كما في معاجم اللغة. والأثر أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٣٠١/٤ . وهو بنحو القول الثاني السالف. قال الرازي في تفسيره ٢٣٢/١٨: وهذا التأويل في غاية السقوط. (٥) في معاني القرآن ١٣٦/٣. ٧ سورة الرعد: الآيتان ٢ - ٣ وقال ابن عباس أيضاً: هي توحيدُ المؤمن. أُعْمِدَت السماءُ حين كادت تَنفطِر من كفر الكافرِ، ذكره الغَزْنَويّ(١). والعَمَد جمعُ عمود؛ قال النابغة: وخَيِّسٍ الجِنَّ إِني قد أَذِنْتُ لهم يَبْنُون تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ(٢) ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَ الْعَرْشِ﴾ تقدَّم الكلامُ فيه(٣). ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمِّرُّ﴾، أي: ذَلَّلَهما المنافع خَلْقِه ومصالح عبادِهِ، وكلُّ مخلوقٍ مُذلَّلٌ للخالق. ﴿كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَنَّىَ﴾، أي: إلى وقت معلوم، وهو فَناءُ الدنيا وقيامُ الساعة التي عندها تُكَوَّرُ الشمس، ويَخْسِفُ القمر، وتَنكِرُ النُّجوم، وتنتثر الكواكب(٤). وقال ابن عباس: أراد بالأجل المسمَّى درجاتِهما ومنازلَهما التي ينتهيان إليها لا يُجاوزانها(٥). وقيل: معنى الأجلِ المُسمَّى أنَّ القمر يَقطّع فَلَكه في شهر، والشمسَ في سنة (٦). ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرِّ﴾، أي: يصرفه على ما يريد. ﴿يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾، أي: يُبيّنها، أي: من قدَر على هذه الأشياء يقدر على الإعادة(٧)؛ ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ بِقَآٍ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى مَّ اُلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَرَّا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ ﴾ جَعَلَ فِيَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِّ يُغْشِى الَّيْلَ النَّرَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى مَذَّ الْأَرْضَ﴾ لمّا بَيّن آياتِ السّماوات بَيَّن آياتِ الأرض، (١) صاحب كتاب عيون المعاني، كما ذكر المصنف ٢٧٤/٢، وتنظر ترجمته ثمة. (٢) ديوان النابغة الذبياني ص ٣٣. وقوله: خيّس، أي: ذَلِّل. والصُّفَّاح: حجارةٌ رقاقٌ عِراضٌ، واحدتها: صُفَّاحة. اللسان (خيس) و(صفح). (٣) ٢٣٨/٩ - ٢٤٠. (٤) ينظر تفسير الطبري ٤١١/١٣ - ٤١٢ . (٥) تفسير البغوي ٦/٣ . (٦) ينظر تفسير الرازي ٢٣٣/١٨، ومجمع البيان ١٣٨/١٣. (٧) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٣٦/٣. ٨ سورة الرعد: الآية ٣ أي: بَسط الأرضَ طولاً وعرضاً. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ﴾، أي: جبالاً ثوابتَ؛ واحدُها راسية؛ لأنَّ الأرضَ ترسو بها، أي: تثبتُ، والإرساء الثُّبوت(١)؛ قال عَنْتَرةٍ (٢): فَصَبَرْتُ عَارِفةً لذلك حُرَّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ وقال جميل(٣): أُحِبُّه(٤) والذي أَرْسَى قواعِدَهُ حُبَّا إذا ظَهَرَت آياتُه بَطَنَا وقال ابن عباس وعطاء: أوّلُ جبلٍ وُضع على الأرض أبو قُبَيْس(٥). مسألة (٦): في هذه الآية رةٍّ على من زعم أنَّ الأرضَ كالكرة، وردٌّ على من زعم أنَّ الأرضَ تهوي أبداً بما عليها(٧)؛ وزعم ابن الرَّاونديّ(٨) أنَّ تحتَ الأرضِ جسماً صَعَّاداً كالرِّيحِ الصَّادة؛ وهي منحدرةٌ فاعتدل الهاوي والصعادي في الجِرْم والقوّة فتوافقا. وزعم آخرون أنَّ الأرضَ مُركبةٌ من جسمين، أحدهما منحدر، والآخَرُ مصعد، (١) تفسير الطبري ٤١٣/١٣ - ٤١٤، والنكت والعيون ٩٢/٣. (٢) في ديوانه ص٤٩، وسلف ٢/ ٦٥ . (٣) كذا نسبه الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٩٢ ، ونقله المصنف عنه، ولم نقف عليه في ديوانه، ونسب في الأزمنة والأمكنة للمرزوقي ٣٢٦/٢، ومعجم البلدان ٣٧٤/٤ لأعرابيٍّ. (٤) في النسخ: أحبُّها، والمثبت من المصادر السابقة، والضمير في قوله: ((أحبُّه)) يعود على ما في البيت الذي قبله : سلامَ مَنْ كان يهوى مرةً قَطَنا سلِّم على قَطَن إن كنت نازِلَه وقَطّن: جبلٌ كثير النخل والمياه لبني عبس. (٥) النكت والعيون ٩٣/٣، وتفسير البغوي ٦/٣. وأبو قُبيس: جبل مشرف على مسجد مكة. معجم البلدان ٣٠٨/٤ . (٦) كلام المصنف في هذه المسألة لا يُلتَفّت إليه. ووقع في (ظ): قلت، بدل: مسألة. (٧) في (د) و(ز) و(م): تهوي أبوابها عليها. والمثبت من (ظ). (٨) أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين الزنديق الشهير، كان أولاً من متكلمي المعتزلة، ثم تزندق، واشتهر بالإلحاد، صنف كتباً كثيرة يطعن فيها على الإسلام. مات سنة (٢٩٨ هـ) لسان الميزان ٣٢٣/١. ٩ سورة الرعد: الآيتان ٣ - ٤ فاعتدلا، فلذلك وقفت. والذي عليه المسلمون وأهلُ الكتاب القولُ بوقوفِ الأرض وسكونها ومدِّها، وأنَّ حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبُها. وقوله تعالى: ﴿وَهَرًا﴾ أي: مياهاً جاريةً في الأرض، فيها منافعُ الخلق. ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّعَرَتِ جَعَلَ فِيَا زَوْبَيْنِ آَثْنَيْنِ﴾ يعني(١) صنفين. قال أبو عُبيدة (٢): الزوج واحدٌ، ويكون اثنين. الفراء (٣): يعني بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى. وهذا خلافُ النصّ. وقيل: معنى ((زَوْجَين)) نوعان، كالحُلْو والحامض، والرَّطبِ واليابس، والأبيضِ والأسود، والصغير والكبير (٤). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ﴾، أي: دلالاتٍ وعلاماتٍ ﴿لِقَوْمٍ يَفَكَّرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَوِرَتٌ وَجَثَّتٌ مِّنْ أَعْتَبٍ وَزَرْعٌ وَخِيِلٌ صِنْوَانٌ وَغَيِّرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَتُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (! فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ﴾ في الكلام حذفٌ، المعنى: وفي الأرض قِطَعٌ متجاوراتٌ وغيرُ متجاورات، كما قال: ﴿سَرَبِيلَ تَقِكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١]، والمعنى: وتقيكم البَرْدَ، ثم حذف لعلم السَّامع. والمتجاوراتُ: المدنُ وما كان عامراً، وغيرُ متجاورات: الصحارى وما كان غيرَ عامر(٥). (١) في (د) و(م): بمعنى. (٢) في مجاز القرآن ٣٢٣/١. (٣) في معاني القرآن ٥٨/٢ . (٤) زاد المسير ٣٠٢/٤ . (٥) معاني القرآن للنحاس ٤٦٩/٣ . ١٠ سورة الرعد: الآية ٤ الثانية: قوله تعالى: ﴿مُتَجَوِرَتٌ﴾، أي: قُرَى متدانياتٌ، ترابُها واحدٌ، وماؤها واحد، وفيها زروعٌ وجنات، ثم تتفاوتُ في الثّمار والتَّمر؛ فيكون البعض حُلْواً، والبعض حامضاً، والغصنُ الواحد من الشجرة قد يختلف الثّمرُ فيه من الصِّغَر والكِبر واللون والطّعم، وإن انبسط الشمسُ والقمر على الجميع على نَسَقٍ واحد، وفي هذا أدلُّ دليلٍ على وحدانيته وعِظم صَمَدِيَّته، والإرشادُ لمن ضلَّ عن معرفته، فإنه نَبَّه سبحانه بقوله: ((تُسْقَى بِماءٍ واحدٍ)) على أنَّ ذلك كلَّه ليس إلا بمشيئته وإرادتِه، وأنه مقدورٌ بقدرته؛ وهذا أدلّ دليلٍ على بطلان القول بالطّبع؛ إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعلُ له الطبيعةُ لمَا وقع الاختلاف. وقيل: وجهُ الاحتجاج أنه أثبت التفاوتَ بين البِقاع، فمِن تربة عَذْبة، ومن تربة سَبِخة مع تجاورهما (١)، وهذا أيضاً من دلالات كمال قُدرته، جلَّ وعزَّ؛ تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون عُلُوًّا كبيراً(٢). الثالثة: ذهبت الكفرةُ ـلعنهم الله - إلی أنَّ كلَّ حادثِ یَحدُث بنفسه لا من صانع، واذَّعَوا ذلك في الثمار الخارجةِ من الأشجار، وقد أقرُّوا بحدوثها، وأنكروا مُحدِثَها، وأنكروا الأعراضَ. وقالت فرقة بحدوث الثمار لا من صانع، وأثبتوا للأعراض فاعلاً. والدليلُ على أنَّ الحادثَ لابدَّ له مِن مُحدِث أنه يَحدُث في وقت، ويَحدُث ما هو من جِنسه في وقت آخرٍ، فلو كان حدوثُه في وقته لاختصاصه به؛ لوجب أنْ يَحدُث في وقته كلُّ ما هو من جِنسه، وإذا بطل اختصاصُه بوقته؛ صحَّ أنَّ اختصاصه به لأجل مُخصِّصٍ خَصَّصه به، ولولا تخصيصُه إيَّاه به لم يكن حدوثُه في وقته أولى من حدوثه قبلَ ذلك أو بعده، واستيفاءُ هذا في علم الكلام. (١) في النسخ الخطية: تجاورها، والمثبت من (م). (٢) ينظر تفسير الرازي ٦/١٩ - ٧، وزاد المسير ٣٠٣/٤ - ٣٠٤. ١١ سورة الرعد: الآية ٤ الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَجَثَّتٌ مِنْ أَعْتَهٍ﴾ قرأ الحسن: ((وَجَنَّاتٍ))(١) بكسر التاء على تقدير (٢): وجعل فيها جناتٍ، فهو محمولٌ على قوله: ((وجَعَلَ فيها رَوَاسِيَ)). ويجوز أنْ تكونَ مجرورةً على الحمل على ((كلِ)). التقدير: ومن كلِّ الثمرات، ومن جَنَّات (٣). الباقون: ((جَنَّاتٌ)) بالرفع على تقدير: وبينهما جناتٌ (٤). ﴿وَزَدَعٌ وَغِلُ صِنْوَانٌ وَغَيُِّ صِنْوَانٍ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وحفص عطفاً على الجَنَّات، أي: على تقدير: وفي الأرض زَرْعٌ ونخيل. وخَفَضَها الباقون نَسَقاً على الأعناب(٥)، فيكون الزرع والنخيلُ من الجَنّات، ويجوز أنْ يكونَ معطوفاً على ((كُلّ)) حسب ما تقدَّم في ((جنّات)). وقرأ مجاهد والسُّلَميُّ وغيرهما: ((صُنْوَانٌ))(٦) بضم الصاد، الباقون بالكسر، وهما لغتان، وهما جمع صِنْو، وهي النَّخَلات والنَّخلتان، يجمعهنَّ أصلٌ واحدٌ، وتتشغَّب منه رؤوسٌ فتصير نخيلاً، نظيرُها قِنْوان، واحدُها قِنو(٧). وروى أبو إسحاق عن البَرَاء قال: الصِّنْوان: المُجتَمِع، وغيرُ الصِّنْوان: المُتَفرِّق(٨)، النحاس(٩): وكذلك هو في اللغة، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلةٌ أخری أو أکثر: صِنْوان. (١) القراءات الشاذة ص٦٦ . (٢) في (ظ): وتقدير، وفي (م): على التقدير. (٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٥٠. (٤) أو بالعطف على (قطع). (٥) السبعة ص٣٥٦، والتيسير ص١٣١، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٥٠، والحجة لأبي علي الفارسي ٦/٥. (٦) القراءات الشاذة ص٦٦، والمحتسب ٣٥١/١. (٧) ينظر تفسير الطبري ٤٢١/١٣، وتهذيب اللغة ٢٤٣/١٢ . (٨) أخرجه الطبري ٤٢١/١٣ . وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي. (٩) في معاني القرآن ٤٧٠/٣ . وما قبله منه. ١٢ سورة الرعد: الآية ٤ والصِّنو: المِثلُ؛ ومنه قولُ النبيِّ ﴾: ((عَمُّ الرَّجُلِ صِنْؤُ أبيه))(١). ولا فرقَ فيها بين التّثنية والجمع، إلا بالإعراب (٢)، فتعربُ نون الجمع، وتكسر نون التّثنية؛ قال الشاعر: للمرءِ زَينٌ إذا هُمَا اجْتَمَعا العلمُ والحلمُ خَلَّتَا كَرَمِ صِنْوانٍ لا يُسْتَتَمُّ حُسنُهُما إِلَّا بجمع لِذا(٣) وذاكَ مَعا الخامسة: قولُه تعالى: ﴿تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ كصالح بني آدمَ وخَبيثهم، أبوهم ٤(٤) واحد؛ قاله البخاري وقرأ عاصمٌ وابنُ عامر: ((يُسْقَى)) بالياء، أي: يُسقى ذلك كلُّه. وقرأ الباقون بالتاء(٥)، لقوله: ((جَنَّاتٌ))، واختاره أبو حاتم وأبو عُبيد (٦)؛ قال أبو عمرو: والتأنيثُ أحسن؛ لقوله: ﴿وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ﴾ ولم يقل: بعضه(٧) .. وقرأ حمزةُ والكسائيّ وغيرهما: ((وَيُفَضِّلُ)) (٨) بالياء ردًّا على قوله: ((يُدَبِّرُ الأَمْرَ))، و((يُفَصِّلُ))، و(يُغْشِي)). الباقون بالنون على معنى: ونحن نُفضِّل(٩). وروى جابر بن عبد الله قال: سمعتُ النبيَّ # يقول لعليّ﴾: ((الناسُ من شجرٍ (١) أخرجه أحمد (٨٢٨٤)، ومسلم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة ، وفيه قصة مَنْع ابن جَميل وخالد بن الوليد والعبَّاس ﴾ الصدقةً، وهي عند البخاري (١٤٦٨) دون قوله: ((عم الرجل صنو أبيه)). (٢) في (د) و(ز) و(م): ولا بالإعراب. وينظر تفسير الطبري ٤٢١/١٣ . (٣) في (د) و(ز) و(م): بجمع ذا، وهو كذلك في النكت والعيون ٩٣/٣ (والبيتان فيه) والمثبت من (ظ)، والبيتان أيضاً في عيون الأخبار ١٢١/٢، وتاريخ دمشق ٦/٧، ونسبهما ابن عساكر لسابق بن عبد الله اليزيدي. (٤) في (م): قاله النحاس والبخاري. وعلَّقه البخاري عن مجاهد في أول تفسير سورة الرعد. (٥) السبعة ص٣٥٦، والتيسير ص١٣١ . (٦) في (م): وأبو عبيدة، وبعده في (ز): قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو ... (٧) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٣٥١/٢ . (٨) وقرأ بها خلف من العشرة. النشر ٢٩٧/٢ . (٩) السبعة ص٣٥٦، والتيسير ص١٣١. وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٥١/٢، وتفسير الرازي ٨/١٩. ١٣ سورة الرعد: الآية ٤ شتَّى، وأنا وأنت من شجرةٍ واحدةٍ))، ثم قرأ النبيُّ#: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ﴾ حتى بلغ قوله: ((يُسْقَى بِماءٍ واحِدٍ))(١). و ((الأُكُلِ)) الثمر، قال ابن عباس: يعني: الحلوَ والحامضَ، والفارسيَّ والدَّقَل(٢). ورُوي مرفوعاً من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله # قال في قوله تعالى: ﴿وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ﴾، قال: ((الفارسيُّ والدَّقَل، والحُلْو والحامضُ))(٣). ذكره الثعلبيّ. قال الحسن: المرادُ بهذه الآية المَثَل؛ ضربه الله تعالى لبني آدم، أصلُهم واحدٌ، وهم مختلفون في الخير والشرِّ والإيمانِ والكفر، كاختلاف الثمارِ التي تُسقى بماء واحد (٤)، ومنه قولُ الشاعر: ونَبْتُ الأرض ألوان(٥) بنو آدمَ كالنَّبتِ ل والكافور والبان فمنه (٦) شجرُ الصند طول الذَّهر قطران ومنه(٧) شجرٌ ينضحُ (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٤١/٢، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه، وتعقَّبه الذهبي في التلخيص بقوله: لا والله، هارون بن حاتم (أحد رجال الإسناد) مالك .. (٢) أخرجه الطبري ٤٣٠/١٣. وقوله: الفارسي: يعني: تمراً فارسيًّا، وهو نوع جيد. والدَّقّل: أردأ التمر. المصباح المنير (فرس) و(دقل). (٣) أخرجه الترمذي (٣١١٨) وقال: حديث حسن غريب! قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٦٥٨/٢: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله # [في إسناده] سيف بن محمد الثوري متفق على كذبه. قال أحمد: كان يضع الحديث. اهـ وأخرجه من طريق أخرى الطبري ٤٣١/١٣ . قال العقيلي في الضعفاء ١٣١/٢: وهذا الحديث إنما يعرف بسيف بن محمد. (٤) النكت والعيون للماوردي ٣/ ٩٤ . (٥) في (د) و(ز) و(م): الناس كالنبت والنبت ألوان. والمثبت من (ظ) وهو الموافق للمصادر. والأبيات في التمثيل والمحاضرة للثعالبي ص٢٧٥ ، والتدوين في أخبار قزوين ١/ ٧٠ وقائلها منصور الفقيه. (٦) في (د) و(ز) و(م): منها، وفي (ظ): فمنها، والمثبت من المصادر. (٧) في النسخ: ومنها، والمثبت من المصادر. ١٤ سورة الرعد: الآيتان ٤- ٥ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لَعلاماتٍ لمن كان له قلبٌ يَفهم عن الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُمْ أَوِذَا كُنَّا تُرَبًا أَمِنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ وَأَوْلَئِكَ الْأَغَْلُ فِىّ أَعْنَاقِهِمٌ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُمٌ﴾، أي: إنْ تعجَبْ يا محمدُ من تكذيبهم لك بعد ما كنتَ عندَهم الصادقَ الأمينَ؛ فأعجبُ منه تكذيبُهم (١) بالبَعْث؛ والله تعالى لا يَتعجّب، ولا يجوز عليه التعجُّب؛ لأنه تغيُّر النفسِ بما تخفی أسبابُه، وإنما ذَگر ذلك ليتعجّب منه نَبِيُّه # والمؤمنون(٢). وقيل: المعنى: أي: إنْ عَجِبتَ يا محمد من إنكارهم الإعادةَ مع إقرارهم بأني خالقُ السَّماواتِ والأرضِ والثمار المختلفة من الأرض الواحدة؛ فقولُهم عَجَبٌ يَعجَبُ منه الخَلْقِ؛ لأنَّ الإعادة في معنى الابتداء(٣). وقيل: الآية في مُنكري الصانع، أي: إنْ تَعْجَبْ من إنكارهم الصانعَ مع الأدلَّة الواضحة بأنَّ المتغير لا بدَّ له من مُغيِّر؛ فهو محلُّ التعجّب. ونَظْمُ الآية يدلُّ على الأوّل والثاني؛ لقوله: ﴿أَِذَا كُنَّا تُزَبًا﴾ أي: أَنُبعث إذا كنا تراباً؟ !. ﴿أَوَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٌ﴾ وقُرئ: ((إِنَّ))(٤). و﴿ اٌلْأَغْلَلُ﴾ جمع غُلّ؛ وهو طَوْقٌ تُشَدُّ به اليدُ إلى العُنُقِ، أَيْ: يُغلَّون يومَ القيامة؛ بدليل قوله: ﴿إِذِ الْأَقْلَلُ فِىَ أَعْتَقِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١-٧٢]. وقيل: الأغلالُ: أعمالُهم السيئةُ التي هي لازمٌ لهم(٥). (١) في (ظ): فاعجب من تكذيبهم. (٢) النكت والعيون ٩٤/٣ - ٩٥ . (٣) ينظر تفسير زاد المسير ٣٠٤/٤، وتفسير الرازي ٨/١٩ - ٩. (٤) قرأ بها نافع والكسائي. السبعة ص٣٥٧، والتيسير ص١٣٢ . (٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٣٩/٣، والوسيط للواحدي ٥/٣، والمحرر الوجيز ٢٩٦/٣ . ١٥ سورة الرعد: الآيتان ٦ - ٧ قوله تعالى: ﴿وَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَّةِ وَقَدْ خَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَتُّ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ أَلْمِقَابِ ﴾ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ: إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَسْتَعْبِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَّةِ﴾ أي: لِفَرْط إنكارهم وتكذيبِهم يطلبون العذاب. قيل: هو قولُهم: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. قال قتادة: طلبوا العقوبةَ قبل العافية(١)، وقد حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقيل: ((قَبْلَ الحسنةِ))، أي: قبل الإيمان الذي يُرجى به الأمانُ والحسنات(٢). و﴿اٌلْمَثُكَثُّ﴾: العقوبات، الواحدة مَثْلَة. ورُوي عن الأعمش أنه قرأ: [: (المُثُلات، بضم الميم والثاء(٣)، وهذا جمع: مُثْلَة، ورُوي عنه أنه قرأ] ((المُثْلَات)) بضم الميم وإسكان الثاء(٤)، وهذا أيضاً جمعُ مُثْلَة، ويجوز: ((المَثَلَات))؛ تُبدلُ من الضمة فتحة لِثقلِها، وقيل: يُؤتى بالفتحة عوضاً من الهاء. ورُوي عن الأعمش أنه قرأ: ((المَثْلَات)) بفتح الميم وإسكان الثاء(٥)؛ فهذا جمعُ مَثْلة، ثم حَذف الضمةً لثقلها؛ ذکره جمیعه النحاسُ رحمه الله(٦). وعلى قراءة الجماعة واحده: مَثُلة، مثل: صَدُقة وصَدُقات(٧). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٥٢، وقول قتادة أخرجه الطبري ٤٣٦/١٣. (٢) ينظر النكت والعيون ٩٥/٣ . (٣) ذكرها عنه أبو حيان في البحر ٣٦٠/٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٦ لعيسى بن عمر، وذكرها ابن جني ٣٥٤/١ دون نسبة. (٤) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٦ وابن جني في المحتسب ١/ ٣٥٣ ليحيى بن وثَّاب. (٥) نسبها في القراءات الشاذة ص٦٦ ليحيى بن وثَّاب، وفي المحتسب ٣٥٣/١ لعيسى الثقفي وطلحة بن سلیمان وللأعمش عن یحیی بن وتَّاب. (٦) في معاني القرآن ٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣، وما بين حاصرتين منه. وجمع: مَثْلَة على: مَثْلات؛ على غير قياس، ينظر المحتسب ٣٥٤/١ . (٧) في (د) و(ز) و(م): نحو صدقة وصدقة، والمثبت من (ظ)، وينظر المحرر الوجيز ٢٩٦/٣. ١٦ . سورة الرعد: الآيات ٦ - ٩ وتميمٌّ تضم الثاءَ والميم جميعاً، واحدُها على لغتهم مُثْلة، بضم الميم وجزم الثاء؛ مثل: غُرْفة وغُرُفات؛ والفعلُ منه: مَثَلْتُ به أَمْثُلُ مَثْلاً، بفتح الميم وسكون الثاء(١). ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةِ﴾، أي: لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وعن المذنبين إذا تابوا. وقال ابن عباس: أرجى آية في كتاب الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾(٢). ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذا أصرّوا على الكفر. ورَوى حمّاد بنُ سَلَمَة عن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزلت: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ قال رسول الله ﴾. «لولا عفوُ اللهِ ورحمتُه وتجاوزُهُ لَما هَنَأَ أحداً عيشٌ، ولولا عقابُه ووعيدُه وعذابُه لاتَّكَل كلُّ أحد))(٣). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا﴾ أي: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَّهِ مَايَةٌ مِّن رَّبِّدٌ﴾. لما اقترحوا الآياتِ وطلبوها قال الله تعالى لنبيه ﴾: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ أي: مُعْلِم. ﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ أي: نبيٌّ يدعوهم إلى الله. وقيل: الهادي الله، أي: عليك الإنذارُ، والله هادي كل قومٍ إنْ أراد هدايتَهم(٤). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْقَ وَمَا تَفِيضُ الْأَزْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ فيه تسع(٥) مسائل: (١) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٤٣٥/١٣ . (٢) أورده النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٣٥٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٦/٣. (٣) معاني القرآن للنحاس ٤٧٣/٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٤ (١٢١٤٥)، والواحدي في الوسيط ٦/٣ ، وهو مرسل. (٤) ينظر تفسير الطبري ٤٤٠/١٣ . (٥) في (د) و(ز): ثمانية، وفي (م): ثمان، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لعدد المسائل المذكورة. ١٧ سورة الرعد: الآيتان ٨ - ٩ الأولى: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْقَى﴾ أي: من ذكر وأنثى، صبيح وقبيح، صالح وطالح؛ وقد تقدّم في سورة الأنعام(١) أنَّ اللهَ سبحانه منفردٌ · بعلم الغيبٍ وحدَه لا شريكَ له؛ وذكرنا هناك حديثَ البخاريِّ عن ابن عمر أنَّ رسولَ الله # قال: ((مفاتيحُ الغيب خمسٌ)) الحديث، وفيه: ((ولا يعلم ما تغِيض الأرحام إلا اللهُ)) (٢). واختلف العلماء في تأويل قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ آلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ فقال قَتَادة المعنى: ما تُسقِط قبل التسعة الأشهر، وما تزداد فوقَ التسعة، وكذلك قال ابن عباس. وقال مجاهد: إذا حاضت المرأة في حملها كان ذلك نقصاناً في ولدها؛ فإنْ زادت على التسعة كان تماماً لمَا نقص. وعنه: الغيضُ ما تنقصه الأرحامُ من الدم، والزيادةُ ما تزداد منه(٣). وقيل: الغيض(٤) والزيادةُ يرجعان إلى الولد، كنقصان إصبع أو غيرها، وزيادةٍ إصبع أو غيرها. وقيل: الغيض: انقطاعُ دم الحيض [في الحمل]. ((وَمَا تَزْدَادُ)): بدمِ النفاسِ بعد الوضع(٥). الثانية: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الحاملَ تحيض؛ وهو مذهبُ مالك والشافعيِّ في أحد قوليه. وقال عطاء والشَّعبيُّ وغيرُهما: لا تحيضُ. وبه قال أبو حنيفة(٦). (١) ٤٠١/٨ . (٢) صحيح البخاري (٤٦٩٧)، وسلف ٨/ ٤٠١ . (٣) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٣/ ٤٤٥ - ٤٥١ . (٤) في (ظ): النقص. (٥) النكت والعيون ٩٦/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٦) ينظر الأوسط لابن المنذر ٢٣٨/٢ - ٢٤٠، والمحرر الوجيز ٢٩٩/٣. ١٨ سورة الرعد: الآيتان ٨ - ٩ ودليلُنا (١) الآية؛ قال ابن عباس في تأويلها : إنه حيضُ الحبالى. وكذلك رُويَ عن عِكْرمة ومجاهد(٢). وهو قولُ عائشةَ، وأنها كانت تفتي النِّساء الحواملَ إذا حِضْن أن يتركنَ الصَّلاةُ(٣)؛ والصحابةُ إذ ذاك متوافرون، ولم يُنكِر منهم أحدٌ عليها، فصار كالإجماع؛ قاله ابن القصَّار. وذكر أنَّ رجلين تَنازعًا ولداً، فَتَرافَعا إلى عمرَ ﴾، فعرضه على القَافَة، فألحقه القائِفُ بهما، فَعَلاه عمر بالدِّرَّة، وسأل نِسوةً من قريش فقال: انظُرْنَ ما شأنُ هذا الولد؟ فقُلْنَ: إنَّ الأوّل خلا بها وخلَّاها، فحاضت على الحمل، فظنَّت أنَّ عِدَّتَها انقضت، فدخل بها الثاني، فانتعش الولد بماء الثاني. فقال عمر: الله أكبر! وأَلحقه بالأول(٤)، ولم يقل: إنَّ الحاملَ لا تحيض، ولا قال ذلك أحدٌّ من الصحابة؛ فدلَّ على أنه إجماعٌ، والله أعلم. احتجَّ المخالف بأن قال: لو كانت الحاملُ تحيض، وكان ما تراه من الدم(6) حيضاً لمَا صَحَّ استبراءُ الأمةِ بحيض(٦)؛ وهو إجماعٌ(٧). ورُوي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض(٨). (١) في (د) و(ز) و(م): ودليله. (٢) خبر مجاهد تقدم في المسألة الأولى، وخبر عكرمة أخرجه الطبري ٤٤٨/١٣، وينظر عن ابن عباس ما أخرجه الطبري ٤٤٤/١٣، وابن أبي حاتم ٢٢٢٦/٧ (١٢١٦١)، وينظر أيضاً أحكام القرآن للجصاص ١٨٠/٣ - ١٨٢. (٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢٣٩/٢ - ٢٤٠، وهو في المدونة ٥٥/١، وأخرج الدارمي (٩٢٤) عن يحيى بن سعيد قال: أمر لا يختلف فيه عندنا عن عائشة: المرأة الحبلى إذا رأت الدم أنها لا تصلي حتى تطهر. (٤) أخرجه بنحوه مالك في الموطأ ٢/ ٧٤٠ - ٧٤١، وعبد الرزاق (١٣٤٥٠) و(١٣٤٥١). (٥) في (م): ما تراه المرأة من الدم. (٦) في (ظ): بحيضة، وهو أشبه. وينظر ما سلف ٢٠١/٦ . (٧) المحرر الوجيز ٢٩٩/٣، وينظر أحكام القرآن للجصاص ١٨١/٣، والأوسط ٢٤٠/٢ . وذكر ابن المنذر عن بعض أصحاب هذا القول قوله: إن في إجماعهم على أن الأَمَّة إذا حاضت حلَّ وَطْؤها، مع إجماعهم على أن الحامل لا يحل وطؤها حتى تضع، دليل بيِّن على أن الحامل مُحالٍّ وجود الحيض فيها. (٨) المحرر الوجيز ٢٩٩/٣. وقد ثبت علمياً أن الحامل لا تحيض، وأما الدم الذي يخرج أثناء الحمل = ١٩ سورة الرعد: الآيتان ٨ - ٩ الثالثة: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الحاملَ قد تضع حملَها لأقلَّ من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أنَّ أقلَّ الحملِ سنَّةُ أشهر، ورُوي أنَّ عبدَ الملك(١) بنَ مروان وُلد لستة أشهر. الرابعة: وهذه السِّتَةُ الأشهر هي بالأهِلَّة كسائر أشهرِ الشريعة؛ ولذلك قد رُوي في المذهب عن بعضٍ أصحاب مالك - وأظنُّه في كتاب ابنٍ حارث(٢) - أنه إنْ نقص من(٣) الأشهر الستة ثلاثةُ أيام، فإنَّ الولدَ يلحق لعلة نقص الشهورِ وزيادتها؛ حكاه ابن عطية(٤). الخامسة: واختلف العلماء في أكثر الحمل؛ فروى ابن جُرَيج عن جَمِیلة بنت سعد، عن عائشة قالت: لا يكونُ الحملُ أكثرَ من سنتين قَدْرَ ما يتحوَّل ظِلُّ المِغْزَل؛ ذكره الدَّارَ قُطْنِي(٥). وقال(٦): جَميلة بنتُ سعد أختُ عُبيد بنِ سعد(٧). = فإنه راجع إلى أسباب مرضية مختلفة، تطول مدة خروجه أو تقصر على حسب أسبابه، وليس هو بدم حیض. (١) في (د) و(ز) و(م): وإن عبد الملك، بدل: وروي أن عبد الملك، والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز ٢٩٩/٣ ، والكلام منه. (٢) لعله محمد بن حارث بن إسماعيل الخشني، أبو عبد الله، تفقَّه بالقيروان، كان حافظاً للفقه عالماً بالفتيا، ألف كتابه في الاتِّفاق والاختلاف في مذهب مالك، وكتاب الفتيا، وكتاب فقهاء المالكية، وغير ذلك، توفي سنة (٣٦١ هـ). ترتيب المدارك ٤/ ٥٣١ . (٣) في (م): عن. (٤) في المحرر الوجيز ٢٩٩/٣ . (٥) في سننه (٣٨٧٥)، وأخرجه بنحوه سعيد بن منصور في سننه (٢٠٧٧)، قال ابن حزم في المحلَّى ٢١٦/١٠: جميلة بنت سعد مجهولة، لا يُدرى من هي، فبطل هذا القول. اهـ. قوله: ظل المغزل: هو مَثَل لقلته؛ لأن ظله حالة الدوران أسرع من جميع الظلال، وهو على حذف مضاف تقديره: ولو بقدر ظل المغزل. ينظر البحر الرائق ٤/ ١٧٧ . (٦) في النسخ: وقالت، والمثبت هو الصواب، وقاله الدارقطني إثر الحديث السالف. (٧) الدَّيلي، طائفي، أبو امرأة ابن جريج، سمع عبد الله بن عمر، قال فيه ابن معين: مشهور. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤٠٧/٥ . ٢٠ سورة الرعد: الآيتان ٨ - ٩ وعن الليث بن سعد: إنَّ أكثرَه ثلاثُ سنين. وعن الشافعيِّ: أربعُ سنين؛ ورُوي عن مالك في إحدى روايتيه، والمشهورُ عنه خمسُ سنين، ورُوي عنه: لا حدَّ له ولو زاد على العشرة الأعوام، وهي الرواية الثالثةُ عنه. وعن الزهريِّ: ستٍّ وسبع(١). قال أبو عمر(٢): [فمالك یجعله خمس سنين] ومِن أصحابه(٣) مَن يجعله إلى سبع. والشافعيُّ مُدَّتُه(٤) [عنده] الغايةُ فيها (٥) أربع سنين. والكوفيون يقولون: سنتان لا غير. ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر. وداود يقول: تسع أشهر، لا يكون عنده حملٌ أکثر منها. قال أبو عمر: وهذه مسألةٌ لا أصل لها إلا الاجتهاد، والردُّ إلى ما عُرِفَ من أمر النّساءِ، وبالله التوفيق. رَوى(٦) الدَّارَقُظْني(٧) عن الوليد بن مسلم قال: قلتُ لمالك بن أنس: إني حُدِّثتُ عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قَدْرَ ظِلِّ المِغْزَل، فقال: سبحان الله! مَن يقول هذا؟! هذه جارتُنا امرأةٌ محمد بنِ عَجْلان امرأةٌ صِدْقٍ، وزوجُها رجلُ صدقٍ، حملت ثلاثةً أَبْطُنٍ في اثنتي عَشْرةَ سنةً، تحمل كلَّ بطنٍ أربعَ سنین. وذَكّر عن المبارك بنِ مجاهد قال: مشهورٌ عندنا كانت امرأةُ محمد بنِ عَجْلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تُسمَّى حاملةَ الفيل(٨). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٩٧/٣ . (٢) في الاستذكار ١٧٨/٢٢ - ١٧٩، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) في النسخ: ومن الصحابة، والمثبت من الاستذكار. (٤) في (د) و(ز) و(م): مدة، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في الاستذكار. (٥) في (د) و(ز) و(م): منها، وفي (ظ): فيه، والمثبت من الاستذكار. (٦) قبلها في (ظ): قلت. (٧) في سننه (٣٨٧٧). (٨) سنن الدار قطني (٣٨٧٨).