Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة يوسف: الآيات ٣٣ - ٣٥ أحداً لا يمتنع عن معصية الله إلَّا بعون الله؛ ودلَّ أيضاً على قُبْح الجهل والذمِ لصاحبه. قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُُّ﴾ لمَّا قال: ((وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ))؛ تعرَّض للدعاء، وكأنه قال: اللهمَّ اصرِفْ عنِّ كيدهنّ؛ فاستجاب له دعاءَه، ولَطَفَ به، وعصمه عن الوقوع في الزنى. ((کَیْدَهُنَّ)» قیل: لأنهنَّ جمعٌ قد راودنَه عن نفسه. وقيل: يعني كيد النساء. وقيل: يعني كيدَ امرأة العزيز، على ما ذُكر في الآية قبلُ، والعموم أولی. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنُ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ, حَتَّ ◌ِينٍ فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَمْ﴾ أي: ظهر للعزيز وأهلِ مَشُورته ﴿مِّنُ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلََّيَتِ﴾ أي: علامات براءة يوسف - من قَدِّ القميص من دُبُر، وشهادةِ الشاهد، وحَزِّ الأيدي، وقلةٍ صبرهنّ عن لقاء يوسف - أن يسجنوه كتماناً للقصة ألَّا تشيع في العامَّة، وللحيلولة بينه وبينها. وقيل: هي البركاتُ التي كانت تنفتح عليهم ما دام یوسف فیھم. والأول أصحّ. قال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلْآَيَتِ﴾ قال: [قَدُّ] القميص من الآيات، وشهادةُ الشاهد من الآيات، وقطعُ الأيدي من الآيات، وإعظامُ النساء إياه من الآيات(١). وقيل: ألجأها الخجلُ من الناس، والوجلُ من اليأس، إلى أنْ رضيت بالحجاب مكانَ خَوْفِ الذهاب، لتشتفيَ إذا مُنعت من نظره؛ قال: مِن اللِّقاء كمشتاقٍ بِلا أَمَلٍ(٢) وما صَبابةُ مشتاقٍ على أمَلٍ (١) زاد المسير ٢٢١/٤، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢١٣٩/٧ (١١٥٨٢) من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ: من الآيات: قد القميص، وأثر السكين. (٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ص٣٣٦ . ٣٤٢ سورة يوسف: الآية ٣٥ أو كادته رجاء أن يَمَلَّ حَبْسَه فیبذل نفسه. الثانية: قوله تعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ (يَسْجُنْنَّهُ)) في موضع الفاعل، أي: ظهر لهم أن يسجنوه. هذا قول سيبويه. قال المبرِّد: وهذا غلط؛ لا يكون الفاعل جملةً، ولكن الفاعل ما دلَّ عليه ((بَدًا))، وهو مصدر، أي: بدا لهم بَدَاءٌ؛ فحذف [الفاعل] لأنَّ الفعل يدلُّ عليه، كما قال الشاعر: وحُقَّ لمن أبو موسى أبوهُ يُوَفِّقه الذي نَصبَ الجبالَا(١) أي: وحقَّ الحقُّ، فحذف. وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأيٌ لم يكونوا يعرفونه، وحُذف هذا لأنَّ في الكلام دليلاً عليه، وحذف أيضاً القول، أي: قالوا: لَيَسْجنته(٢). واللامُ جوابٌ ليمينٍ مضمَر. قاله الفرّاء(٣)، وهو فعل مذكّر لا فعل مؤنَّث، ولو كان فعلاً مؤنَّئاً لكان: لَيَسْجُنَّانِّهِ، ويدلُّ على هذا قوله: ﴿لَهُمْ﴾ ولم يقل: لهنّ، فكأنَّه أَخبر عن النسوة وأعوانهنَّ، فغلَّب المذكَّر. قاله أبو عليّ. وقال السُّدِّيّ: كان سببُ حَبْس يوسفَ أنَّ امرأة العزيز شَكَتْ إليه أنه شَهَّرها ونَشَر خبرها(٤)، فالضمير على هذا في (لَهُمْ)) للملك. الثالثة: قوله تعالى: ﴿ّ ◌ِرٍ﴾ أي: إلى مدَّةٍ غیرٍ معلومة. قالہ کثیر من المفسّرين(٥). وقال ابن عباس: إلى انقطاع ما شاع في المدينة (٦). وقال سعيد بن (١) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٥٤٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٢٩/٢، والكلام وما سلف بین حاصرتین منه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٩/٢ . (٣) في معاني القرآن ٢/ ٤٤ . (٤) أخرجه الطبري ١٣/ ١٥٠. (٥) النكت والعيون ٣٥/٣ . (٦) ذكره الرازي ١٣٣/١٨، وأورده الواحدي في الوسيط ٦١٢/٢، والبغوي ٤٢٥/٢ عن عطاء. ٣٤٣ سورة يوسف: الآية ٣٥ جُبَير: إلى ستة أشهر(١). وحكى الكِيًا أنه عَنَى ثلاثةَ عَشَر شهراً (٢). عِكْرمة: سبع سنين(٣). الكَلِبيُّ: خمس سنين(٤). مقاتل: [اثنتي عشرة سنة](٥). وقد مضى في ((البقرة))(٦) القول في الحين وما يرتبط به من الأحكام. وقال وهب: أقام في السجن اثنتي عشرة سنة(٧). و((حتى)) بمعنى إلى، كقوله: ﴿حَتَّى مَطَلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]. وجعل الله الحبسَ تطهيراً ليوسف #: من هَمِّه بالمرأة. وكأنَّ العزيز - وإن عرف براءةً يوسف - أطاع المرأة في سَجْن يوسف. قال ابن عباس: عَثَر يوسفُ ثلاثَ عثرات، حين هَمَّ بها فسُجِن، وحين قال للفتى: ﴿اذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ فلبث في السجن بضعَ سنين، وحين قال لإخوته: ﴿إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ﴾ فقالوا: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخُ لَّهُ مِنْ قَبْلٌّ﴾(٨). الرابعة: أُكره يوسف عليه السلام على الفاحشة بالسجن، وأقام [فيه] خمسة أعوام، وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريفٍ قَدْره، ولو أُكره رجلٌ بالسجن على الزِّنى ما جاز له [ذلك] إجماعاً. فإن أكره بالضرب، فقد اختلف فيه العلماء؛ والصحيح أنه إذا كان فادحاً فإنه يَسقط عنه إثمُ الزنى وحدُّه. وقد قال بعض علمائنا : إنه لا يسقط عنه الحدّ، وهو ضعيف؛ فإنَّ الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، (١) أخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤١ (١١٥٩١) وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٤/٣. (٢) كذا في النسخ، والذي في أحكام القرآن للكيا ٢٣٧/٣: ثلاث عشرة سنة. (٣) في (د) و(ز) و(م): تسع سنين، والمثبت من باقي النسخ والمصادر، وقد أخرجه الطبري ١٣/ ١٥١، وابن أبي حاتم ٢١٤١/٧ (١١٥٩٢)، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٤/٣. (٤) تفسير أبي الليث ١٦١/٢، وتفسير البغوي ٤٢٥/٢ . (٥) قوله: اثنتي عشرة سنة، سقط من النسخ الخطية، والمثبت من الوسيط ٢/ ٦١٣، وتفسير الرازي ١٣٣/١٨. (٦) ١/ ٤٧٨ - ٤٨٠ . (٧) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٢٣/٢ بلفظ: لبث يوسف في السجن سبع سنين، وكذا ذكر الجصاص في احكام القرآن ١٧٣/٣ . (٨) أخرجه الطبري ١٤٩/١٣. والحاكم ٣٤٦/٢ . وقال الذهبي في تلخيصه: وهو خبر منكر. ٣٤٤ سورة يوسف: الآيات ٣٥ - ٣٨ ولا يُصرِّفه بين بلاءين؛ فإنه من أعظم الحرج في الدين(١)، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]. وسيأتي بيانُ هذا في ((النحل)) إن شاء الله(٢). وصبرَ يوسفُ [على السجن]، واستعاذ به من الكيد(٣)، فاستجاب له على ما تقدّم. قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ الَّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَبِىّ أَعْصِرُ خَمْرًاً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّ أَرَدِّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزَا تَأْكُلُ اُلَّيْرُ مِنّْةٌ نَبِقْنَا بِتَأْوِيِ: إِنَّا نَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُزْزَقَانِ: إِلَّا نَبَأْتَكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِّيَّ إِنِّى تَرَكْثُ مِلََّ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾ وَأَتَبَّعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِتَزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا ٣٨ يَشْكُرُونَ قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانٍ﴾ ((فَتَيان)) تثنيةُ فتى، وهو من ذوات الياء، وقولهم: الفُتُوَّة، شاذ(٤). قال وَهْب وغيره: حُمل يوسف إلى السجن مقيَّداً على حمار، وطِيف به: هذا جزاءُ من يَعْصي سيدته(٥)، وهو يقول: هذا أيسرُ من مُقَطَّعات النِّيران، وسرابيلِ القَطِران، وشرابِ الحميم، وأَكْلِ الزَّقوم. فلمَّا انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتدَّ بلاؤهم، فجعل يقول لهم: اصبروا وأبشروا تُؤجروا، فقالوا له: يا فتى، ما أحسن حديثك! (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٧٤/٣، وما سلف بين حاصريتن منه، إلا أنه وقع فيه. وأقام فيه سبعة أعوام، بدل: خمسة أعوام. (٢) عند تفسير الآية (١٠٦) منها. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٧٤/٣ ، وما سلف بین حاصرتين منه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/٢، ووقع في (م): الفتو، بدل: الفتوة. والفتُوُّ - على فُعول - جمع فتى. قال سيبويه: أبدلوا الواو في الجمع والمصدر بدلاً شاذاً. الصحاح (فتا). (٥) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٢٤٢ عن ابن عباس نحوه، إلا أن فيه: ونودي عليه في أسواق مصر: إن يوسف العبراني أراد سيدته، فهذا جزاؤه أن يسجن. ٣٤٥ سورة يوسف: الآيات ٣٦ - ٣٨ لقد بورك لنا في جوارك، مَن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفيِّ الله يعقوبَ، ابنِ ذبيح الله إسحاق، ابنِ خليل الله إبراهيم(١). وقال ابن عباس: لمَّا قالت المرأة لزوجها: إن هذا العبد العبرانيَّ قد فضحني، وأنا أريد أن تسجنه، فسجنه في السجن، فكان يُعزِّي فيه الحزين، ويعود فيه المريض، ويداوي فيه الجريح، ويصلِّي الليل كلَّه، ويبكي حتى تبكي معه جُدُر البيوت وسقفُها والأبواب، وظَهُر به السجن، واستأنس به أهل السجن، فكان إذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع یوسف، وأحبّه صاحبُ السجن فوسَّع عليه فيه، ثم قال له: يا يوسف! لقد أحببتك حبًّا لم أحبَّ شيئاً حبَّك، فقال: أعوذ بالله من حبِّك! قال: ولِمَ ذلك؟ فقال: أحبَّني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه، وأحبّتني سيدتي فنزل بي ما ترى. فكان في حبسه حتى غضب الملك على خَبَّزه وصاحبٍ شرابه، وذلك أنَّ الملك عُمِّر فيهم فملُّوه، فدسُّوا إلى خَبَّازه وصاحبٍ شرابه أن يَسُمَّاه جميعاً، فأجاب الخبَّاز وأبى صاحب الشّراب، فانطلق صاحب الشّراب فأخبر الملك بذلك، فأمر الملك بحبسهما، فاستأنسا بيوسف، فذلك قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾. وقد قيل: إن الخبَّاز وضع السمَّ في الطعام، فلما حضر الطعام قال السَّاقي: أيها الملك! لا تأكل فإنَّ الطعام مسموم. وقال الخبّاز: أيها الملك لا تشرب! فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشربْ. فشرب فلم يضرَّه، وقال للخباز: كُلْ. فأبى، فجرَّب الطعام على حيوان فنفقَ مكانَه، فحبسهما سنة، وبقيا في السجن تلك المدة مع یوسف(٢). واسم الساقي منجا، والآخر مجلث؛ ذكره الثعلبيُّ عن كعب. وقال النقاش: (١) أخرجه الطبري ١٥٧/١٣ - ١٥٨ عن قتادة مطولاً، وفي هذا الخبر نظر، فالذبيح هو إسماعيل على الصحيح. (٢) ينظر عرائس المجالس ص١٢٤ - ١٢٦، وتفسير البغوي ٤٢٥/٢، والمحرر الوجيز ٢٤٣/٣، وزاد المسير ٢٢٢/٤. ٣٤٦ سورة يوسف: الآيات ٣٦ - ٣٨ اسم أحدهما شرهم، والآخر سرهم؛ الأوّل بالشين المعجمة، والآخر بالسين المهملة. وقال الطّبريُّ: الذي رأى أنه يعصر خمراً هو نبو، قال السُّهيليُّ: وذَكَر اسمَ الآخَرِ ولم أقيِّده(١). وقال ((فَتَيان)) لأنهما كانا عبدين، والعبد يسمَّى فتى، صغيراً كان أو كبيراً؛ ذكره الماورديّ(٢). وقال القُشيريّ: ولعلَّ الفتى كان اسماً للعبد في عُرْفهم؛ ولهذا قال: ﴿تُزَوِدُ فَنْهَا عَن نَّفْسِةٍ.﴾. ويحتمل أن يكون الفتى اسماً للخادم وإن لم يكن مملوكاً، ويمكن أن یکون حَبْسُهما مع حَبْس یوسف أو بعده أو قبله، غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه. ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: عنباً. كان يوسف قال لأهل السجن: إني أعبرُ الأحلام، فقال أحد الفتّين لصاحبه: تعال حتى نجرِّب هذا العبد العبرانيّ، فسألاه من غير أن يكونا رَأَيا شيئاً. قاله ابن مسعود (٣). وحكى الطّبريّ(٤): أنهما سألاه عن علمه، فقال: إنّ أعبُرُ الرؤيا، فسألاه عن رؤیاهما. قال ابن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدقٍ رَأَياها وسألاه عنها؛ ولذلك صَدَق تأويلها(٥). وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبيِّ #: ((أصدقُكم رؤيا أصدقُكم حديثاً))(٦). (١) التعريف والإعلام ص٨١، وعنه نقل المصنف قول الطبري والنقاش. وقول الطبري في تفسيره ١٥١/١٣ - ١٥٢؛ أخرجه عن ابن إسحاق، وذكر فيه أن اسم الآخَر: مجلث. (٢) في النكت والعيون ٣٦/٣ . (٣) أخرجه الطبري ١٣/ ١٥٣ و ١٦٧ - ١٦٨. (٤) في تفسيره ١٥٢/١٣ - ١٥٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٣٦/٣. (٥) النكت والعيون ٣٦/٣، إلا أنه وقع فيه: ابن إسحاق، بدل: ابن عباس، وكذلك أخرجه الطبري ١٣/ ١٥٣ - ١٥٤ عن مجاهد و ابن إسحاق. (٦) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٦٤٢)، ومسلم (٢٢٦٣) عن أبي هريرة ﴾. ٣٤٧ سورة يوسف: الآيات ٣٦ - ٣٨ وقيل: إنَّها كانت رؤيا كذبٍ سألاه عنها تجريباً، وهذا قولُ ابن مسعود والسُّديّ(١). وقيل: إنَّ المصلوب منهما كان كاذباً، والآخَر صادقاً. قاله أبو مِجْلَز (٢). وروى الترمذيُّ عن ابن عباس عن النبيِّ # قال: ((مَن تَحلَّمَ كاذباً؛ كُلِّف يومَ القيامة أن یعقِد بین شَعِیرتین [ولن یعقِد بینهما]». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن (٣) صحیح(٣). وعن عليٍّ عن النبيِّ﴾ قال: ((مَن كَذَبَ في حُلْمه؛ كُلِّف يومَ القيامة عَقْد شَعِيرة)). قال: حديث حسن(٤). قال ابن عباس: لمَّا رأيا رؤياهما أصبحا مَكْروبَيْن، فقال لهما يوسف: ما لي أراكما مكروبَين؟ قالا: يا سيدنا، إنَّا رأينا ما كَرِهْنا، قال: فقُصًا عليَّ، فقَصًا عليه، قالا: نَبِّئْنا بتأويل ما رأينا. وهذا يدلُّ على أنها كانت رؤيا منام(٥). ﴿إِنَّا نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإحسانُه أنَّه كان يَعود المرضى ويُداويهم، ويُعزِّي الحَزَانَى(٦). قال الضّحاك: كان إذا مرض الرجل من أهل السجن قام به، وإذا ضاق وسَّع له، وإذا احتاج جَمَع له، وسأل له(٧). وقيل: (مِنَ الْمُحْسِنِينَ)) أي: العالِمِين الذين أحسنوا العلم؛ قاله الفرَّاء(٨). (١) أخرجه عن السدي الطبري ١٥٣/١٣، وسلف عن ابن مسعود. (٢) النكت والعيون ٣٦/٣. (٣) سنن الترمذي (٢٢٨٣)، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٦٦)، والبخاري (٧٠٤٢). وأخرجه أحمد (١٠٥٤٩) من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) سنن الترمذي (٢٢٨١)، وهو عند أحمد (٥٦٨). (٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٢٣/٤ من طريق أبي صالح عن ابن عباس. (٦) ذكره ابن الجوزي ٤/ ٢٢٣ من طريق مجاهد عن ابن عباس. (٧) عرائس المجالس ص١٢٥ - ١٢٦، وفيه: وسأله ربه، بدل: وسأل له، وأخرجه الطبري ١٥٦/١٣ -١٥٧ . (٨) في معاني القرآن ٢/ ٤٥ . ٣٤٨ سورة يوسف: الآيات ٣٦ - ٣٨ وقال ابن إسحاق: مِن الْمُحْسِنِينَ لنا إن فَسَّرته(١)، كما تقول: افعل كذا وأنت مُخْسِن. قال: فما رأيتما؟ قال الخبّاز: رأيت كأني اختَبزْتُ في ثلاثة تنانيرَ، وجعلته في ثلاث سِلالٍ، فوضعتُه على رأسي، فجاء الطير فأكل منه. وقال الآخر: رأيتُ كأنِّي أخذت ثلاثةَ عناقيدَ من عنبٍ أبيضَ، فعصرتُهن في ثلاث أوانٍ، ثم صفَّيته فسقيتُ الملك كعادتي فيما مضى (٢)، فذلك قوله: ﴿إِنِّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: عنباً، بلغة عُمان؛ قاله الضَّحاك(٣). وقرأ ابن مسعود: ((إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَباً))(٤). وقال الأصمعي: أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيًّا ومعه عنبٌ فقال له: ما معك؟ قال: خمر، وقيل: معنى ((أَعْصِرُ خَمْراً)) أي: عنبَ خمرٍ، فحذف المضاف(٥). ويقال: خَمْرةٌ وخَمْر وخُمُور، مثل تمرةٍ وتمرٍ وتُمور(٦). ﴿قَالَ﴾ لهما يوسف: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُزَقَانِ،﴾ يعني لا يجيئكما غداً طعامٌ من منزلكما ﴿إِلَّا تَبَأْتَكُمَا بِتَأْوِيلِ.﴾ لتعلما أنِّي أعلم تأويلَ رؤياكما، فقالا: افعل! فقال لهما: يجيئكما كذا وكذا، فكان على ما قال، وكان هذا من علم الغيب خُصَّ به يوسف. وبيَّن أنَّ الله خصَّه بهذا العلم؛ لأنه ترك ملَّة قوم لا يؤمنون بالله، يعني دين الملك. ومعنى الكلام عندي: العلم بتأويل رؤياكما، والعلم بما يأتيكما من طعامكما، والعلم بدين الله، فاسمعوا أوّلاً ما يتعلَّق بالدين لتهتدوا، ولهذا لم يعبِّر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام، فقال: ﴿يَصَحِ اَلْسِّجْنِ ◌َ أَرْبَابٌ مُتَّفَرِفُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ الْوَجِدُ (١) أخرجه الطبري ١٥٨/١٣، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٧/٣ . (٢) عرائس المجالس ص١٢٥، وتفسير البغوي ٤٢٥/٢، وزاد المسير ٢٢٣/٤ . (٣) أخرجه الطبري ١٥٥/١٣. (٤) المحتسب ٣٤٣/١ . (٥) الوسيط ٦١٣/٢، وخبر الأصمعي عن المعتمر ذكره أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٣/٣. (٦) الصحاح (خمر). ٣٤٩ سورة يوسف: الآيات ٣٦ - ٣٨ اُلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآية كلّها، على ما يأتي. وقيل: علم أنَّ أحدهما مقتولٌ، فدعاهما إلى الإسلام ليَسْعَدا به. وقيل: إنَّ يوسف كره أن يعبّر لهما ما سألاه؛ لِمَا عَلِمه من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما، وأخذ في غيره فقال: ﴿لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُزْزَقَانِهِ،﴾ في النوم ﴿إِلَّ بَبَأْتَكُمَا﴾ بتفسيره في اليقظة؛ قاله السُّديّ(١). فقالا له: هذا من فِعْل العَرَّافين والكَهَنة! فقال لهما يوسف عليه السلام: ما أنا بكاهن، وإنما ذلك مما علَّمنيه ربِّي(٢)، إنِّي لا أخبركما به تكهُّناً وتنجيماً، بل هو بوحي من الله عزَّ وجلَّ. وقال ابن جُرَيج: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معروفاً، فأرسل به إليه، فالمعنى: لا يأتيكما طعامٌ ترزقانه في اليقظة، فعلى هذا: ((تُرْزَقَانِهِ))، أي: يجري عليكما من جهة الملك أو غيره(٣). ويحتمل: يرزقكما الله. قال الحسن: كان يخبرهما بما غاب، كعيسى عليه السلام(٤). وقيل: إنما دعاهما بذلك إلى الإسلام، وجعل المعجزة التي يستدلَّان بها إخبارَهما بالغيوب. قوله تعالى: ﴿وَأَّعْتُ مِنَّةَ ءَابَآءِىّ إِتَزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ﴾ لأنَّهم أنبياءُ على الحقّ ﴿مَا كَانَ﴾ أي: ما ينبغي ﴿لَنَّ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ ((مِنْ)) للتأكيد، كقولك: ما جاءني من أحد. وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا﴾ إشارةٌ إلى عصمته من الزنى ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي: على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك. وقيل: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ إذ جَعَلنا أنبياء، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ إذ جَعلَنا الرسلَ إليهم . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ على نعمه بالتوحيد(٥) والإيمان. (١) بنحوه في المحرر الوجيز ٢٤٤/٣ . (٢) عرائس المجالس ص١٢٦، وتفسير البغوي ٤٢٦/٢. (٣) تفسير الطبري ١٣/ ١٦١ - ١٦٢ . (٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٧/٣ . (٥) في (م): على نعمة التوحيد. ٣٥٠ سورة يوسف: الآيتان ٣٩ - ٤٠ قوله تعالى: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَغَرِّقُونَ خَيْرُّ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ إِلَّ أَسْمَاءُ سَمَّبْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ ◌َِّهُّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّ إِيَّهُ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ﴾ أي: يا ساكنَي السجن، وذَكَر الصُّحبة لطول مُقامهما فيه، كقولك: أصحاب الجنة، وأصحاب النار(١). ﴿َ أَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ﴾ أي: في الصغر والكبر والتوسُّط، أو متفرِّقون في العدد. ﴿خَيْرُ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ اٌلْقَهَّارُ﴾ وقيل: الخطاب لهما ولأهل السِّجن، وكان بين أيديهم أصنامٌ يعبدونها من دون الله تعالى، فقال ذلك إلزاماً للحجة، أي: آلهةٌ شَتَّى لا تضرُّ ولا تنفع «خيرٌ أم اللهُ الواحدُ القَهَّارُ)) الذي قهر كلَّ شيء، نظيره: ﴿مَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُتْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. وقيل: أشار بالتفرق إلى أنه لو تعدَّد الإله، لتفرَّقوا في الإرادة ولَعَلَا بعضُهم على بعض، وبيَّن أنها إذا تفرَّقت لم تكن آلهة. قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ إِلَّ أَسْمَاءُ﴾ بَّن عجزَ الأصنام وضعفَها، فقال: ((مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِه)) أي: من دون الله، إلا ذواتَ أسماءٍ لا معانيَ لها. ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ من تلقاء أنفسكم. وقيل: عنى بالأسماء المسمَّيات، أي: ما تعبدون إلا أصناماً ليس لها من الإلهية شيءٌ إلَّا الاسم؛ لأنها جمادات. وقال: ((مَا تَعْبُدُونَ)) وقد ابتدأ بخطاب الاثنين؛ لأنه قَصَدَ جميعَ من هو على مِثْلٍ حالهما من الشّركِ(٢). ﴿إِلَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ﴾ فحذف المفعول الثاني للدلالة، والمعنى: سمَّيتموها آلهةً من عند أنفسكم . ﴿مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ ذلك في كتاب. قال سعيد بن جُبير: (١) تفسير البغوي ٢/ ٤٢٧، والمحرر الوجيز ٢٤٥/٣ . (٢) تفسير البغوي ٢/ ٤٢٧ . ٣٥١ سورة يوسف: الآيات ٣٩ - ٤١ ﴿مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة(١). ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِّوْ﴾ الذي هو خالقُ الكلّ ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّهُ﴾. ﴿ذَلِكَ الذِيْنُ اَلْقَيِّمُ﴾. أي: القويم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرَاً وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ اَلَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَغْتِيَانِ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿أَمَآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: قال للسَّاقي: إنك تُردُّ على عملك الذي كنت عليه مِن سَقْي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأمَّا أنت فتُدعَى إلى ثلاثة أيام، فتصلبُ فتأكل الطيرُ من رأسك، قال: والله ما رأيتُ شيئاً؛ قال: رأيتَ أَوْ لم تَرَ ﴿قُضِىَ اٌلْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾(٢). وحكى أهل اللغة أنَّ سَقَى وأَسْقَى لغتان بمعنى واحد، كما قال الشاعر: سقَى قومي بَني مَجْدٍ وأَسْقَى نُمَيْراً والقبائلَ من هلالٍ(٣) قال النحاس(٤): الذي عليه أكثرُ أهل اللغة أنَّ معنى سقاه: ناولَه فشرب، أو صبَّ الماء في حَلْقِه. ومعنى أَسقاه: جَعَل له سُقْيا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْتَكُمْ مََّ قُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]. الثانية: قال علماؤنا(٥): إن قيل: مَن كَذَبَ في رؤياه ففسَّرها العابِرُ له، أيلزمه حُكْمُها؟ قلنا: لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبيّ، وتعبيرُ النبيِّ حُكْم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا، فأَوْجَدَ اللهُ تعالى ما أَخْبَر كما قال، تحقيقاً لنبوَّته. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٠/٢. (٢) أخرج هذا الكلام بنحوه الطبري ١٦٧/١٣ - ١٦٩ عن عبد الله بن مسعود ﴾ وغيره. (٣) قائله لبيد، وقد سلف البيت ١٣٥/٢ . (٤) في إعراب القرآن ٢/ ٣٣٠، وما قبله منه. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٧٥/٣ . ...... ٣٥٢ سورة يوسف: الآيتان ٤١ - ٤٢ فإن قيل: فقد رَوى عبد الرزاق(١)، عن مَعْمَر، عن قَتَادة قال: جاء رجل إلى عمر ابنِ الخطاب فقال: إنِّي رأيتُ كأنِّي أعْشَبْتُ، ثم أجْدبتُ، ثم أعْشَبْتُ، ثم أجْدبتُ، فقال له عمر: أنت رجلٌ تؤمن ثم تكفر، ثم تؤمن ثم تكفر، ثم تموت كافراً؛ فقال الرجل: ما رأيت شيئاً! فقال له عمر: قد قُضي لك ما قُضي لصاحب يوسف. قلنا: ليست لأحدٍ بعد عمر؛ لأن عمر كان محَدَّثاً، وكان إذا ظنَّ ظنًّا كان، وإذا تكلّم به وقع، على ما ورد في أخباره، وهي كثيرة؛ منها: أنه دخل عليه رجلٌ، فقال له: أظنُّك كاهناً، فكان كما ظنّ. خرَّجه البخاريّ(٢). ومنها: أنه سأل رجلاً عن اسمه، فقال له فيه أسماءَ النار كلَّها(٣)، فقال له: أَذْرِكْ أهلَك فقد احترقوا، فكان كما قال. خرَّجه «الموطأ))(٤). وسيأتي لهذا مزيدُ بيان في سورة الحجر(٥) إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِىِ ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَنُهُ ٤٣ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ فيه خمسُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِ ظَنَّ﴾ ((ظن)) هنا بمعنى أَيْقَن، في قول أكثرِ المفسرين. وفسَّره قتادة على الظنِّ الذي هو خلافُ اليقين؛ قال: إنما ظنَّ يوسفُ نجاته؛ لأنَّ العابِرَ يظنُّ ظنًّا، وربُّك يخلق ما يشاء. والأوّل أصحُ، وأشبهُ بحال (١) في مصنفه (٢٠٣٦٢). (٢) في صحيحه (٣٨٦٦) مطولاً. (٣) في أحكام القرآن: فقال له أسماء فيها النار كلها. (٤) ٢/ ٩٧٣ عن يحيى بن سعيد عن عمر، وهو منقطع، وأخرجه عبد الرزاق (١٩٨٦٤) عن معمر، عن رجل، عن ابن المسيب. وعزاه ابن حجر في الإصابة ١٢٨/٢ لعبد الرزاق ولكنه قال: عن الزهري، عن ابن المسيب. وأخرجه أبو القاسم بن بشران من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما كما في الإصابة ١٢٨/٢ . (٥) عند تفسير الآية (٧٥) منها. ٣٥٣ سورة يوسف: الآية ٤٢ الأنبياء، وأنَّ ما قاله للفَتَيَيْن في تعبير الرؤيا كان عن وحي، وإنما يكون ظنًّا في حكم الناس، وأما في حقِّ الأنبياء فإنَّ حكمهم حقٌّ كيفما وقع(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَيِّكَ﴾ أي: سيِّدِك، وذلك معروفٌ في اللغة أن يقال للسيِّد: ربّ؛ قال الأعشى: رَبِّي كريمٌ لا يكدِّرُ نعمةً وإذا تُنوشِد بالمَهارِق أنشدا (٢) أي: اذكر ما رأيتَه، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملِك، وأخبره أنِّي مظلومٌ محبوسٌ بلا ذنب. وفي ((صحيح)) مسلم وغيرِه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((لا يَقُلْ أحدُكم: اسقِ ربَّك، أطعم ربَّك، وضِّئ ربَّك، ولا يقل أحدُكم: ربِّي، وليقل: سيِّدي، مولاي، ولا يقل أحدُكم: عبدي أَمتي، وليقل: فتايَ فتاتي غلامي))(٣). وفي القرآن: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ ﴿إِلَى رَبَّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿إِنَّهُ رَبِىِّ أَحْسَنَ مَنْوَىٌ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: صاحبي، يعني العزيز. ويقال لكلِّ مَن قام بإصلاح شيءٍ وإتمامه: قد رَبَّهُ یَرُبُّهُ، فهو رَبّ له(٤). قال العلماء: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا يَقُلْ أحدُكم)) ((وليقلْ)) من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أنَّ إطلاق ذلك الاسم محرَّم؛ ولأنه قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا))(٥) أي: مالكَها وسيِّدَها، وهذا موافقٌ (١) ينظر تفسير الطبري ١٧١/١٣، والمحرر الوجيز ٢٤٦/٣ - ٢٤٧، وقول قتادة أخرجه الطبري ١٧١/١٣. (٢) معاني القرآن للنحاس ٤٢٨/٣، والبيت في ديوان الأعشى ص٢٧٩ برواية: يناشد. ووقع في (ظ) و(م): في المهارق، وكذا ذكره ابن قتيبة في المعاني الكبير ١/ ٥٤٧ وقال: في بمعنى الباء، وقال في شرحه: لا يكدِّر نعمة بالمنّ، وإذا ناشدوه بالمهارق - وهي كتب الأنبياء - أنشدهم، أي: أجابهم. (٣) صحيح مسلم (٢٢٤٩): (١٥)، وأخرجه أحمد (٨١٩٧) والبخاري (٢٥٥٢)، وسلف ١٨٨/٥ مختصراً. (٤) ينظر تهذيب اللغة ١٧٧/١٥، وإكمال المعلم ١٨٨/٧. (٥) قطعة من حديث جبريل الطويل، أخرجه أحمد (٩٥٠١)، والبخاري (٥٠)، ومسلم (٩): (٥) عن أبي هريرة ، وسلف ٢١١/١ برواية: ربتها. ٣٥٤ سورة يوسف: الآية ٤٢ للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، فكان محلُّ النَّهي في هذا الباب ألَّ نتَّخذَ هذه الأسماءَ عادةً فنترك الأولى والأحسن. وقد قيل: إنَّ قول الرجل: عبدي وأمتي، يجمع معنيين : أحدهما: أنَّ العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه: عبدي وأمتي، تعظيمٌ عليه، وإضافةٌ له إلى نفسه بما أضافه اللهُ تعالى به إلى نفسه؛ وذلك غيرُ جائز. والثاني: أنَّ المملوك يدخله من ذلك شيءٌ في استصغاره بتلك التسمية، فيَحْمِلُه ذلك على سوء الطاعة. وقال ابن شعبان في ((الزاهي)): لا يقل السيِّد: عبدي وأَمتي، ولا يقل المملوك: رِّي ولا ربَّتي(١). وهذا محمولٌ على ما ذكرناه. وقيل: إنما قال النبيُّ#: ((لا يقل العبدُ: ربِّي، وليقل: سيِّدي))؛ لأنَّ الربَّ من أسماء الله تعالى المستعملةِ بالاتفاق، واختُلف في السيِّد؛ هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسماء الله، فالفرقُ واضح؛ إذ لا التباسَ ولا إشكال [يلزم من إطلاقه]. وإذا قلنا: إنه من أسمائه، فليس في الشُّهرة والاستعمال كلفظ الربِّ، فيحصل الفرق(٢). وقال ابن العربي(٣): يحتمل أن يكون ذلك جائزاً في شرع يوسف عليه السلام. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَسَنُهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الضمير في ((فَأَنْسَاهُ)) فيه (١) إكمال المعلم ٧/ ١٨٧، وقال القاضي عياض بعد أن ذكر قول ابن شعبان: وذكر حديثاً في ذلك، وهو نحوٌ مما في كتاب مسلم. اهـ وابن شعبان هو محمد بن القاسم بن شعبان العمَّاري المصري، أبو إسحاق، شيخ المالكية، من ولد عمار بن ياسر، ويعرف بابن القُرْطي نسبة إلى بيع القرط. توفي سنة (٣٥٥هـ). السير ٧٨/١٦ . (٢) المفهم ٥٥٤/٥، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في أحكام القرآن ١٠٧٧/٣ . ٣٥٥ سورة يوسف: الآية ٤٢ قولان : أحدهما: أنه عائدٌ إلى يوسف عليه السلام، أي: أنساه الشيطان ذِكرَ الله عزَّ وجلَّ؛ وذلك أنه لمَّا قال يوسف لساقي الملك - حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك -: ((اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)) نسيَ في ذلك الوقتِ أن يشكوَ إلى الله ويستغيثَ به، وجَنَحَ إلى الاعتصام بمخلوق(١)؛ فعوقب باللَّبث. قال عبد العزيز بنُ عُمير الكِنديُّ(٢): دخل جبريل على يوسف النبيِّ عليه السلام في السجن، فعرفه يوسف، فقال: يا أخا المنذِرين! ما لي أراك بين الخاطئين؟! فقال جبريل عليه السلام: يا طاهِرَ الطَّاهِرِين(٣)! يُقرئك السلامَ ربُّ العالمين ويقول: أُمَا اسْتَحَيْتَ إذ استغثْتَ بالآدميِّين؟! وعزَّتي لأُلبثنَّك في السجن بِضْعَ سنين؛ فقال: يا جبريل! أهو عنّي راضٍ؟ قال: نعم! قال: لا أبالي الساعة (٤). ورُوي أنَّ جبريل عليه السلام جاءه فعاتَبَه عن الله تعالى في ذلك وطوَّل سَجْنَه، وقال له: يا يوسف! مَن خلَّصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجُبّ؟ قال: الله تعالى، قال: فمن عَصَمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صَرَفَ عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف وَثِقْتَ بمخلوقٍ وتركت ربَّك فلم تسأله؟! قال: يا ربِّ، كلمةٌ زلَّت مني، أسألك يا إلهَ إبراهيمَ وإسحاق والشيخِ يعقوبَ عليهم السلام أن ترحمَني؛ فقال له جبريل: فإنَّ عقوبتك أن تلبثَ في السجن بِضْعَ سنين(٥). (١) المحرر الوجيز ٢٤٧/٣ . (٢) ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة ٢٣٤/٤ في الطبقة السادسة من أهل الشام، وقال: أصله من خُراسان، لكنه سکن دمشق. (٣) في (م): ابن الطاهرين. (٤) تفسير أبي الليث ١٦٣/٢، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص١٢٧، والواحدي في الوسيط ٦١٤/٢ دون نسبة. وذكره البغوي ٤٢٨/٢ عن الحسن. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٢١٤٩/٧ - ٢١٥٠ (١١٦٤٢) عن أنس بنحوه، وذكره بنحوه أيضاً مختصراً الثعلبي في عرائس المجالس ص ١٢٧ . ٣٥٦ سورة يوسف: الآية ٤٢ وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((رَحِمَ الله يوسف، لولا الكلمةُ التي قال: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ ما لبث في السجن بضعَ سنين))(١). وقال ابن عباس: عوقب يوسفُ بطول الحبس بضع سنين لمَّا قال للذي نجا منهما: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾، ولو ذَكَر يوسفُ ربَّه لخلَّصه(٢). وروى إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله ﴾: (لولا كلمةُ يوسفَ - يعني قوله: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَيِّكَ﴾ - ما لبث في السجن ما لبث)) قال: ثم يبكي الحسنُ ويقول: نحن يَنزل بنا الأمرُ فتشكو إلى الناس(٣). وقيل: إنَّ الهاء تعود على النَّاجي، فهو الناسي، أي: أنسى الشيطانُ الساقيّ أن يذكرَ يوسفَ لربِّه، أي: لسيِّده. وفيه حذف، أي: أنساه الشيطانُ ذِكْرَه لربه(٤). وقد رجَّح بعض العلماء هذا القولَ فقال: لولا أنَّ الشيطان أنسى يوسف ذِكْرَ الله لَّمَا استحقَّ العقابَ باللَّبثِ في السجن؛ إذ الناسي غيرُ مؤاخّذ. وأجاب أهل القول الأوَّلِ: بأنَّ النسيان قد يكون بمعنى التَّرْك، فلمَّا ترك ذِكْرَ الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب. ردّ عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِىِ نَا مِنْهُمَا وَأَذَكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، فدلَّ على أنَّ الناسيَ هو الساقي لا يوسفُ، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى ◌َسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]، فكيف يصحُّ أن يضاف نسيانُه إلى الشيطان، وليس له على الأنبياء سلطنة؟! قيل: أمَّا النسيان فلا عصمةَ للأنبياء عنه إلا في وجهٍ واحد، وهو الخبرُ عن الله (١) أخرجه ابن حبان (٦٢٠٦)، وابن أبي حاتم ٢١٤٨/٧ (١١٦٣٤). (٢) النكت والعيون ٤٠/٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٠ (١١٦٤٣) دون قوله: ولو ذكر يوسف ربه لخلصه. (٣) أخرجه أحمد في الزهد ص ١٠٣، والطبري ١٣/ ١٧٣ . (٤) تفسير البغوي ٤٢٨/٢ . ٣٥٧ سورة يوسف: الآية ٤٢ تعالی فیما یبلِّغونه، فإنهم معصومون فیه، وإذا وقع منهم النسيانُ حیث یجوز وقوعه؛ فإنه يُنسَب إلى الشيطان إطلاقاً، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم [أو يخبرون به عن أنفسهم]، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم(١)؛ قال ﴿: ((نَسِيَ آدمُ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُه)). وقال: ((إنَّما أنا بشرٌ أنسى كما تَنْسَوْن)). وقد تقدَّم (٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البِضعُ: قطعةٌ من الذَّهر مختلَفٌ فيها؛ قال يعقوبُ عن أبي زيد: يقال: بَضْع وبِضْع، بفتح الباء وكسرِها(٣)، قال أكثرهم: ولا يقال: بضعٌ ومئة، وإنما هو إلى التسعين (٤). وقال الهَرَويُّ: العرب تستعمل البِضع فيما بين الثلاث إلى التسع. والبِضعُ والبِضْعةُ واحد، ومعناهما: القطعة من العدد. وحَكّى عن أبي عبيدة أنه قال(٥): البضع ما دون نصفِ العَقد. يريد ما بين الواحد إلى أربعة، وهذا ليس بشيء. وفي الحديث أنَّ رسول اللـه ﴾ قال لأبي بكر الصدِّيق ﴾: ((وكم البِضعُ؟)) فقال: ما بين الثلاث إلى السبع، فقال: ((اذهبْ فزايِدْ في الخَطَر))(٦). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٧٦/٣ - ١٠٧٧، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) تقدم الحديث الأول ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والحديث الثاني ٤٢١/٨. (٣) بنحوه في إصلاح المنطق ص٣٦، وتهذيب اللغة ٤٨٨/١ . (٤) هو في تفسير الطبري بنحوه ١٣/ ١٧٧ . (٥) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: وحكى أبو عبيدة أنه قال، وينظر تهذيب اللغة ٤٨٨/١، والمحرر الوجيز ٢٤٧/٣ . (٦) الخَطَر: الذي يوضع في النضال والرهان، فمن سبق أخذه. تهذيب اللغة ٢٢٤/٧ . وقال ذلك رسول الله # لأبي بكر * عند مراهنته المشركين في غَلْب الروم لفارس. وقد أخرجه الطبري ٤٥٥/١٨-٤٥٦ من حديث ابن مسعود ، بلفظ: ((اذهب فزايدهم وازدد سنتين)) وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند تفسير أول آيات سورة الروم من حديث البراء بن عازب بلفظ: ((تعرَّضْ لهم وأَعْظِم الخطر ... )). وأخرجه بنحوه أحمد (٢٤٩٥)، والترمذي (٣١٩١) و(٣١٩٣)، والنسائي في الكبرى (١١٣٢٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه بنحوه = ٣٥٨ سورة يوسف: الآية ٤٢ وعلى هذا أكثرُ المفسرين، أنَّ البضع سبع؛ حكاه الثعلبيّ (١). قال الماورديُّ: وهو قولُ أبي بكر الصديق ﴾ وقُطْرُب. وقال مجاهد: من ثلاثٍ إلى تسع. وقاله الأصمعيّ. ابن عباس: من ثلاث إلى عشرة(٢). وحكى الزَّجَّاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس. قال الفرَّاء: والبِضع لا يُذْكر إلا مع العشرة والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر بعد المئة (٣). وفي المدة التي لبث فيها يوسفُ مسجوناً ثلاثةُ أقاويل: أحدها: سبع سنين؛ قاله ابنُ جُرَيج وقتادةُ ووهب بنُ مُنَبِّه؛ قال وهب: أقام أيوبُ في البلاء سبعَ سنين، وأقام يوسف في السجن سبع سنين. الثاني: اثنتا عَشْرَ سنةً؛ قاله ابن عباس. الثالث: أربعَ عَشْرةَ سنة؛ قاله الضخَّاكِ (٤). وقال مقاتل، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس قال: مكثَ يوسف في السجن خمساً وبِضْعاً. واشتقاقُه من بضعتُ الشيء، أي: قطعته، فهو قطعةٌ من العدد، فعاقب الله يوسفَ بأن حُبِس سبعَ سنين، أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت، فالبضعُ مدَّةُ العقوبة، لا مدَّةُ الحبس كلِّه(٥). = أيضاً الترمذي (٣١٩٤) من حديث نِيّار بن مُكْرَم الأسلمي، وقال: صحيح حسن غريب. ولم يقع في أيٍّ من هذه الروايات أن البضع من الثلاث إلى السبع، وإنما وقع في بعضها أنه من الثلاث إلى التسع، وفي بعضها أنه مادون العشر. وكذا استدل به ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٧/٣ على أن البضع من الثلاث إلى التسع. (١) في عرائس المجالس ص١٢٧، وكذلك حكى الواحدي في الوسيط ٦١٤/٢، والبغوي ٤٢٨/٢ . (٢) النكت والعيون ٤٠/٣، وقول مجاهد أخرجه الطبري ١٧٦/١٣، وأخرج عن ابن عباس أن البضع ما دون العشرة، وكذا ذكره عنه البغوي ٤٢٨/٢ . (٣) النكت والعيون ٤٠/٣، وكلام الزجاج في معانيه ١١٢/٣، وقد رجح فيه قول مجاهد والأصمعي. (٤) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٠ - ٤١، عدا قول وهب بن منبه، وسيأتي تخريج خبره. (٥) ذكر الثعلبي في عرائس المجالس ص١٢٧ نحوه عن الكلبي. ٣٥٩ سورة يوسف: الآيتان ٤٢ - ٤٣ قال وكُتب بن مُنَبِّه: حُبس يوسف في السجن سبعَ سنين، ومكث أيوبُ في البلاء سبعَ سنين، وعُذِّب بُخْتُنَصَّر بالمسخ سبعَ سنين(١). وقال عبد الله بن راشد البصريُّ(٢) عن سعيد بن أبي عَرُوبة: إنَّ البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرةَ سنةً. الخامسة: في هذه الآيةِ دليلٌ على جواز التعلُّق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلاً، فإنَّ الأمور بید مُسبِّبها، ولكنَّه جعلها سلسلة، ورگَّبَ بعضها على بعض، فتحريكُها سُنَّة، والتعويلُ على المنتهى یقین. والذي يدلُّ على جواز ذلك نسبةُ ما جرى من النسيان إلى الشيطان، كما جرى لموسى في لُقْيا الخَضِر؛ وهذا بيِّنٌ فتأمَّلوه(٣). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُتْلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَاِسَتٍ بَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُءْيَىَ إِن كُنتُمْ لِلِرُِّيَا تَعْبُرُونَ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتِ سِمَانٍ﴾ لمَّا دنا فَرَجُ يوسف عليه السلام، رأى الملكُ رؤياه، فنزل جبريل، فسلَّم على يوسف، وبشَره بالفرَج وقال: إنَّ الله مُخْرِجُك من سجنك، ومُمكِّنٌ لك في الأرض، يَذِلُّ لك ملوكُها، ويطيعك جبابرتُها، ومُعطيك الكلمةَ العليا على إخوتك، وذلك بسبب رؤيا رآها الملك، وهي كَيْتَ وكيت، وتأويلُها كذا وكذا. فما لبث في السجن أكثرَ مما رأى الملكُ الرؤيا حتى خرج، فجعل الله الرؤيا أوَّلاً ليوسف بلاءً وشدَّة، وجَعَلَها آخِراً بشرى ورحمة. وذلك أنَّ الملك الأکبر الریّان بن الوليد رأى في نومہ کأنما خرج من نھر یابسٍ سبعُ بقراتٍ سِمَان، في أثرهنَّ سبعٌ عِجاف - أي: مهازيل - وقد أقبلت العِجَاف على (١) أخرجه عبد الرزاق ٣٢٣/١، والطبري ١٧٥/١٣، ووقع عند عبد الرزاق: وعذب بختنصر حُوِّل في السباع سبع سنين، وعند الطبري مثله إلا أنه قال: يجول، بدل: حوَّل. (٢) لم نقف على ترجمته. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٧٧ . ٣٦٠ سورة يوسف: الآية ٤٣ السِّمان، فأخذن بآذانهنَّ فأكَلْنَهنّ، إلَّا القَرنين، ورأى سبعَ سنبلاتٍ خُضْرٍ قد أقبل عليهن سبعٌ يابِساتٌ، فأكلنهنَّ حتى أتين عليهنّ، فلم يبقَ منهنَّ شيءٌ وهنَّ يابسات، وكذلك البقرُ كنَّ عِجافاً، فلم يزد فيهنّ شيءٌ من أَكْلِهِنَّ السِّمان، فهالَتْه الرؤيا، فأرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والبَصَرِ بالكّهَانة والنّجَامة والعَرَافة والسِّحر، وأشرافٍ قومه، فقال: ((ياأَيُّهَا المَلَا أَفْتُوني في رُؤْيَايَ))، فقصَّ عليهم، فقال القوم: أَضْغَاثُ أَحْلَام))(١). قال ابن جريج: قال لي عطاء: إنَّ أضغاث الأحلام: الكاذبةُ المخطئةُ من الرؤيا. وقال جُوَيبر، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس قال: إن الرؤيا: منها حقّ، ومنها أضغاث أحلام، يعني بها الكاذبة(٢). وقال الهَرَويّ: قوله تعالى: ﴿أَضْغَثُ أَعْلَمْ﴾ أي: أخلاط أحلام(٣). والضُّغث في اللغة: الحُزْمة من الشيء، كالبَقْل والكلأ وما أَشْبَههما، أي: قالوا: ليست رؤياك بيّنة، والأحلام: الرؤيا المختلطة (٤). وقال مجاهد: أضغاث الرؤيا: أهاويلُها. وقال أبو عبيدة: الأضغاث: ما لا تأويلَ له من الرؤيا (٥). قوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ﴾ حذفت الهاء من ((سبع)) فرقاً بين المذكّر والمؤنث. ((سِمَانٍ) مِن نَعْتِ البقرات، ويجوز في غير القرآن: سبعَ بقراتٍ سِماناً، (١) بنحوه في عرائس المجالس ص١٢٧، والوسيط ٦١٥/٢، وتفسير البغوي ٤٢٨/٢. (٢) لم نقف عليه عن ابن عباس، وأخرج الطبري ١٣/ ١٨٠، من طريق جويبر وغيره نحوه عن الضحاك قوله. (٣) ذكر الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤١ هذا القول عن معمر وقتادة. (٤) ينظر معاني القرآن للنحاس ٤٣١/٣، وتهذيب اللغة ٤/٨ - ٦. (٥) النكت والعيون ٤٢/٣، وقول أبي عبيدة في كتابه مجاز القرآن ٣١٢/١ . وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٢٦/١٦ .