Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة يوسف: الآيات ٢٦ - ٢٩
المحبِّ إيثارَ المحبوب - قال: ﴿هِىَ رَوَدَتْنِ عَن نَّفْسِىَّ﴾ نطق يوسفُ بالحقِّ في مقابلةٍ
بَهْتِها وكذبها عليه. قال نوفٌ الشاميُّ وغيره: كان يوسف عليه السلام لم يَبِنْ عن(١)
كشف القضية، فلما بَغَت غضب فقال الحق(٢).
الثانية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ لأنَّهما لمَّا تَعارَضا في القول، احتاج
الملك إلى شاهدٍ ليعلم الصادق من الكاذب، فشهد شاهدٌ من أهلها، أي: حَگم
حاكمٌ من أهلها؛ لأنَّه حُكْمٌ منه، وليس بشهادة (٣).
وقد اختلف في هذا الشاهد على أقوال أربعة:
الأوّل: أنه طفلٌ في المهد تكلّم. قال السُّهيلي: وهو الصحيح؛ للحديث الوارد
فيه عن النبيِّ #؛ وهو قوله: ((لم يتكلَّمْ في المهد إلا ثلاثةٌ)) وذكر فيهم شاهدَ
يوسف(٤). وقال القُشيريُّ أبو نصر: قيل: كان صبيًّا في المهد في الدار وهو ابن
خالتها. وروى سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبيِّ # أنه قال: ((تكلّم أربعةٌ
وهم صغار» فذكر منهم شاهد یوسف(٥)، فهذا قول.
الثاني: أنَّ الشاهد قَدُّ القميص؛ رواه ابن أبي نَجيح عن مجاهد(٦). وهو مَجازٌ
صحيح من جهة اللغة؛ فإنَّ لسان الحال أبلغُ من لسان المقال. وقد تضيف العرب
الكلامَ إلى الجمادات، وتُخبر عنها بما هي عليه من الصفات، وذلك كثيرٌ في
أشعارها وكلامها، ومن أحلاه قولُ بعضهم: قال الحائط للوتد: لِمَ تَشَقُّني؟ قال له:
سَلْ مَن يَدَقُّني. إلّا أن قول الله تعالى بعدُ: ﴿مِّنْ أَهْلِهَاْ﴾ يُبْطِلُ أن يكون القميص(٧).
(١) في (د) والمحرر الوجيز ٢٣٦/٣ (والكلام منه): على.
(٢) المحرر الوجيز ٢٣٦/٣، وأخرجه الطبري ١٠٤/١٣ بنحوه.
(٣) النكت والعيون ٢٧/٣ - ٢٨ .
(٤) التعريف والإعلام ص ٨٠ - ٨١، والحديث سلف ١٣٩/٥.
(٥) أخرجه أحمد (٢٨٢٢)، والبزار (٥٤ - كشف)، والطبري ١٠٦/١٣، والحاكم ٤٩٦/٢ - ٤٩٧
مرفوعاً، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٨٢١) موقوفاً.
(٦) أخرجه الطبري ١٣/ ١١١ .
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٧٢/٣، ووقع فيه: ومن أجلاه، بدل: ومن أحلاه.

٣٢٢
سورة يوسف: الآيات ٢٦ - ٢٩
الثالث: أنه خَلْقٌ مِن خَلْقِ الله تعالى ليس بإنسيٍّ ولا بجنيٍّ. قاله مجاهدٌ أيضاً (١).
وهذا يردُّه قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِهَا﴾.
الرابع: أنه رجلٌ حكيم ذو عقل، كان الوزير يستشيره في أموره، وكان من جملة
أهل المرأة، وكان مع زوجها فقال: قد سمعتُ الاستِبْدارَ(٢) والجَلَبة من وراء الباب،
وشَقَّ القميص، فلا يُدرى أيُّكما كان قدَّامَ صاحبه؛ فإن كان شقّ القميص من قدَّامه
فأنتِ صادقة، وإن كان من خلفه فهو صادق، فنظروا إلى القميص فإذا هو مشقوقٌ من
خلف. هذا قول الحسن وعِكرمة وقتادةَ والضَّحَّاك ومجاهد أيضاً والسدّي. قال
السدّي: كان ابنَ عمها. وروي عن ابن عباس، وهو الصحيح في الباب. والله أعلم.
وروي عن ابن عباس - رواه عنه إسرائيل، عن سماك، عن عِكرمة - قال: كان
رجلاً ذا لحية. وقال سفيان، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال:
كان من خاصَّة الملك. وقال عكرمة: لم يكن بصبيٍّ، ولكن كان رجلاً حكيماً. وروى
سفيان عن منصور، عن مجاهد قال: كان رجلاً(٣).
قال أبو جعفر النحاس(٤): والأشبهُ بالمعنى - والله أعلم - أن يكون رجلاً عاقلاً
حكيماً شاوره الملك، فجاء بهذه الدلالة، ولو كان طفلاً لكانت شهادته ليوسف 8%
تُغني عن أن يأتيَ بدليل من العادة؛ لأنَّ كلام الطفل آيةٌ معجزة، فكانت أوضحَ من
الاستدلال بالعادة، وليس هذا بمخالفٍ للحديث: ((تكلّم أربعةٌ وهم صغار)) منهم
صاحب يوسف. يكون المعنى: صغيراً ليس بشيخ، وفي هذا دليلٌ آخَرُ، وهو أنَّ ابن
عباس رضي الله عنهما روى الحديث عن النبيِّ﴾، وقد تَواترت الروايةُ عنه أنَّ
صاحب یوسفَ لیس بصبيّ.
(١) النكت والعيون ٢٨/٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢١٢٨/٧ (١١٥٠٦). قال ابن كثير عند تفسير هذه
الآية: هذا قول غريب.
(٢) في (ظ): الاستباق، ووقع في الوسيط ٦٠٩/٢، وزاد المسير ٢١١/٤: الاشتداد.
(٣) أخرج جميع ما سلف من أخبار في القول الرابع الطبري ١٣/ ١٠٧ - ١١٠.
(٤) في إعراب القرآن ٣٢٤/٢ .

٣٢٣
سورة يوسف: الآيات ٢٦ - ٢٩
قلت: قد رُوي عن ابن عباس وأبي هريرة وابنٍ جُبير وهلال بن يَساف والضّحاك
أنه کان صبيًّا في المهد(١). إلَّا أنه لو کان صبيًّا تكلّم، لكان الدلیلُ نفسَ كلامه، دون
أن يحتاج إلى استدلالٍ بالقميص، وكان يكون ذلك خرقَ عادة، ونوعَ معجزة. والله
أعلم. وسيأتي مَن تكلّم في المهد من الصبيان في سورة البروج (٢) إن شاء الله.
الثالثة: إذا تَنزَّلْنا على أنْ يكون الشاهد طفلاً صغيراً، فلا يكون فيه دلالةٌ على
العمل بالأمارات كما ذكرنا، وإذا كان رجلاً، فيصِحُّ أن يكون حجةً بالحُكم بالعلامة
في اللُّقَطة وكثير من المواضع، حتى قال مالك في اللصوص: إذا وُجدت معهم
أمتعة، فجاء قوم فاذَّعَوْها وليست لهم بيِّنة، فإنَّ السلطان يَتَلَوَّم لهم في ذلك، فإن لم
يأت غيرُهم دفعها إليهم(٣). وقال محمد في متاع البيت إذا اختلفت فيه المرأة
والرجل: إنَّ ما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما كان للرجل
والمرأة فهو للرجل(٤). وكان شُرَيح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في
الحكومات، وأصل ذلك هذه الآية(٥). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ((كان)) في موضع جزمٍ بالشرط،
وفيه من النَّحو ما يُشْكِل؛ لأنَّ حروف الشرط تَردُّ الماضي إلى المستقبل، وليس هذا
في ((كان))؛ فقال المبرِّد محمد بنُ يزيد: هذا لقوَّةِ ((كان))، وأنه يعبَّر بها عن جميع
الأفعال. وقال الزجَّاج(٦): المعنى: إن يكن، أي: إن يُعلَم، والعلم لم يقع، وكذا
الكونُ؛ لأنَّه يؤدِّي عن العلم. ((قُدَّ مِنْ قُبُلٍ)) فخبّر عن ((كان)) بالفعل الماضي، كما قال
زهیر:
(١) المحرر الوجيز ٢٣٦/٣، وأخرج قولهم الطبري ١٠٥/١٣ - ١٠٧ .
(٢) عند تفسير الآيات (٤ - ٧) منها.
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٣١/٣. والتلوُّم: الانتظار والتمكُّث. الصحاح (لوم).
(٤) أحكام القرآن للجصاص ١٧١/٣، ومحمد هو ابن الحسن الشيباني.
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٣١/٣.
(٦) في معاني القرآن ١٠٤/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٢٤/٢ وما قبله
منه.

٣٢٤
سورة يوسف: الآيات ٢٦ - ٢٩
فلا هو أبداهَا ولم يَتقدَّم (١)
وكان طَوَى كَشْحاً على مُسْتَكِنَّةٍ
وقرأ يحيى بن يعمر وابنُ أبي إسحاق: ((مِن قُبُلُ)) بضم القاف والباء واللام، وكذا
(دُبُ)) (٢)؛ قال الزجاج(٣): يجعلهما غايتين كقَبْلُ وبَعْدُ، كأنه قال: من قُبُلِه ومن دُبُرِه،
فلما حذف المضاف إليه - وهو مرادٌ - صار المضافُ غايةَ نفسه بعد أن كان المضاف
إليه غايةً له.
ويجوز: ((من قُبُلَ)) و((من دُبُرَ)) بفتح الراء واللام تشبيهاً بما لا ينصرف؛ لأنَّه
معرفةٌ ومزالٌ عن بابه (٤).
وروى محبوبٌ عن أبي عمرو: ((من قُبُلٍ)) و((من دُبْرٍ)) مخفَّفان مجروران(٥).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَةُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ قيل: قال لها
ذلك العزيزُ عند قولها: ((ما جَزَاءُ مَن أَرَادَ بأَهْلِكَ سُوءاً))(٦). وقيل: قاله لها الشاهد.
والكيد: المكر والحيلة. وقد تقدَّم في ((الأنفال))(٧). ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَ عَظِيمٌ﴾ وإنَّما قال:
((عَظِيمٌ)) لِعِظَم فتنتهنَّ واحتيالهنَّ في التخلّص من ورطتهنّ.
وقال مقاتل عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ
كيدَ النساء أعظمُ من كيد الشيطان؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ
ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقال: ﴿إِنَّ كَدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾))(٨).
(١) ديوان زهير ص ٢٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/٢ (والكلام منه)، والخزانة ١٤/٣، و٣/٤. قال
البغدادي: يقال: طوى كشحه على فعلة: إذا أضمرها في نفسه. والمستكنَّة: المستترة، أي: أضمر على
غَدْرة مستترة. والكشح: الجنب، وقيل: الخاصرة.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/٢، والقراءات الشاذة ص٦٣، والمحتسب ٣٣٨/١.
(٣) في معاني القرآن ١٠٣/٣، وذكره أيضاً النحاس في إعراب القرآن ٣٢٥/٢.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٠٣/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/٢.
(٥) ذكرها عن أبي عمرو ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣٦/٣، وهي في القراءات الشاذة ص٦٣ عن
الحسن.
(٦) كذا قال المصنف رحمه الله، وقد ذكر الزجاج في معاني القرآن ١٠٣/٣ أن المعنى: إن قولك: ما
جزاء من أراد بأهلك سوءاً ... ، من كيدكن .
(٧) ٤٧٩/٩ .
(٨) لم نقف عليه. وإسناده في غاية الضعف، مقاتل - وهو ابن سليمان - كذبوه وهجروه ورُمي بالتجسيم، =

٣٢٥
سورة يوسف: الآيات ٢٦ - ٣٢
قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَا﴾ القائلُ هذا هو الشاهد. و((يوسف)) نداءٌ
مفرَد، أي: يا يوسف. فحذف. ((أَغْرِضْ عن هذا)) أي: لا تَذْكُره لأحدٍ واكْتُمْه. ثم
أقبل عليها فقال: وأنتِ استغفري لذنبكِ يقول: استغفري زوجَك من ذنبك؛ لا
يعاقبك.
﴿إِنَّكِ كُنْتٍ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ولم يقل: من الخاطئات؛ لأنَّه قَصَدَ الإخبار عن
المذكَّر والمؤنَّث، فغلَّب المذكَّر، والمعنى: من الناس الخاطئين، أو من القوم
الخاطئين، مثل: ﴿إِنَّا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَلِينَ﴾
[التحريم: ١٢] (١).
وقيل: إنَّ القائلَ ليوسف: أعرض، ولها: استغفري، زوجُها الملك؛ وفيه
قولان: أحدهما: أنه لم يكن غَيُوراً؛ فلذلك كان ساكتاً. وعدمُ الغَيرة في كثير من أهل
مصرَ موجود. الثاني: أنَّ الله تعالى سَلَبَه الغَيرةَ، وكان فيه لطفٌ بيوسف حتى كُفي
بادِرتَه وحَلُم عنها(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُزَوِّدُ فَنَهَا عَنْ نَفْسِةٍ، قَدْ
شَغَفَهَا حُبَّا إِنَّا لَهَا فِ ضَلِ تُبِينٍ (٤٥) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ أَزْسَلَتْ إِلَيِْنَّ وَأَغْتَدَتْ
لَنَّ مُتَكَا وَءَاتَتْ كُلَّ وَحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِينًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَتِهِنَّ فَمَّا رَيْتَهُ: أَكْبُنَهُ وَقَطَّعْنَ
أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّ مَلَكُ كَرِيمٌ ﴾ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى
لُمْتُنَِّى فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدَنُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْضَمّ وَلَيِنِ لَّمَّ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُؤُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَا
﴾
(٣٧)
مِنَ الصَّغِرِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ﴾ ويقال: ((نُسوة)) بضمِّ النون، وهي قراءةُ
= كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب، ثم إن يحيى بن أبي كثير لا يروي عن الصحابة.
(١) تفسير البغوي ٤٢٢/٢ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): وعفا عنها، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٢٩/٣،
والكلام منه عدا قوله: وعدم الغيرة في كثير من أهل مصر موجود، وما كان ينبغي للمصنف رحمه الله
أن يقول هذا!

٣٢٦
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
الأعمش والمفضَّل والسُّلَميّ، والجمعُ الكثير: نساء(١). ويجوز: وقالت نسوة، وقال
نسوة، مثل: قالت الأعراب وقال الأعراب.
وذلك أنَّ القصة انتشرت في أهل مصر، فتحدَّث النساء. قيل: امرأة ساقي
العزيز، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه. وقيل: امرأة
الحاجب. عن ابن عباس وغيره(٢).
﴿تُزَوِدُ فَلَهَا عَن نَّفْسِةِ﴾ الفتى في كلام العرب: الشاب، والمرأة فتاة. ﴿قَدْ
شَغَفَهَا حُبَّ﴾ قيل: شَغَفَها: غَلَبها(٣). وقيل: دخل حبُّه في شَغافها. عن مجاهد(٤)
وغيره. وروى عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: دخل تحت
شَغافها(٥). وقال الحسن: الشَّغاف(٦): باطن القلب. السُّدِّيُّ وأبو عبيدة (٧): شَغافُ
القلب: غِلاقُه؛ وهو جلدةٌ عليه. وقيل: هو وَسَطُ القلب(٨). والمعنى في هذه الأقوال
متقارب، والمعنى: وصل حبُّه إلى شَغَافها، فغلب عليه (٩)؛ قال النابغة:
وقد حال ھمُّ دون ذلك داخلٌ
دخولَ الشَّغافِ تبتغيه الأصابع(١٠)
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/٢، دون ذكر القراءة، وذكرها العكبري في الإملاء (على هامش
الفتوحات الإلهية) ٣/ ٣٣٠ دون نسبة.
(٢) ينظر عرائس المجالس ص١٢٣ - ١٢٤، وتفسير أبي الليث ١٥٩/٢، وتفسير البغوي ٢/ ٤٢٢، وزاد
المسير ٢١٤/٤، وتفسير الرازي ١٢٦/١٨ .
(٣) أخرج الطبري ١١٦/١٣ هذا القول عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه الطبري ١١٦/١٣.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤١٨/٣، وأخرجه الطبري ١١٥/١٣ من طريق عمرو عن عكرمة قوله.
(٦) في النسخ: الشغف، والمثبت من النكت والعيون ٣٠/٣، ومفردات الراغب (شغف)، وفيهما قول
الحسن.
(٧) في (د) و(م): وأبو عبيد. وكلام أبي عبيدة في كتابه مجاز القرآن ٣٠٨/١، وذكره عن السدي
الماورديُّ في النكت والعيون ٣٠/٣ .
(٨) مفردات الراغب (شغف).
(٩) في معاني القرآن للنحاس ٤١٩/٣ (والكلام منه): فغلب على قلبها.
۔۔
(١٠) معاني القرآن للنحاس ٤١٩/٣، وللزجاج ١٠٥/٣، والبيت في ديوان النابغة الذبياني ص٧٩ =

٣٢٧
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
وقد قيل: إنَّ الشَّغاف داء. وأنشد الأصمعيُّ للراجز:
يتبعها وهي له شَغَافُ(١)
وقرأ جعفر(٢) بن محمد وابن محيصن والحسن: ((شَعَفَهَا)) بالعين غير معجمة(٣).
قال ابن الأعرابي: معناه أحرق حبُّه قلبها. قال: وعلى الأوّل العمل(٤).
قال الجوهريّ(٥): وشَعفَه الحبُّ: أحرق قلبه. وقال أبو زيد: أَمْرَضَه. وقد شُعِف
بكذا فهو مشعوف. وقرأ الحسن: ((قَدْ شَعَفَهَا)) قال: بَطَنَها حبًّا.
قال النحاس(٦): معناه عند أكثر أهل اللغة: قد ذهب بها كلَّ مذهب؛ لأنَّ شِعَاف
الجبال أعاليها، وقد شُغِف بذلك شَغْفاً بإسكان الغين(٧): إذا أُولع به، إلا أن أبا
عبيد(٨) أنشد بيت امرئ القيس:
أيقتلني(٩) وقد شَعَفْتُ فؤادَها
. كَمَا شَعَفَ الْمَهْنُوءَةَ الرّجلُ الطَّالي(١٠)
= برواية: شاغلٌّ مكان، بدل: داخل دخول. وذكره البغدادي في الخزانة ٤٥٦/٢ وقال: تبتغيه
الأصابع: أي تلتمسه أصابع المتطبّبين؛ هل انحدر نحو الطحال فيُتوقع على صاحبه الموت؟.
(١) معاني القرآن للنحاس ٤١٩/٣.
(٢) في (ف) و(م): أبو جعفر، وهو خطأ.
(٣) المحتسب ٣٣٩/١.
(٤) ياقوتة الصراط لغلام ثعلب ص٢٧٤ دون نسبة.
(٥) في الصحاح (شعف).
(٦) في معاني القرآن ٤١٩/٣ - ٤٢٠ .
(٧) في (ز) و(ف) ومطبوع معاني القرآن: شعف بذلك شعفاً بإسكان العين، والمثبت من باقي النسخ وهو
موافق لما في اللسان وتاج العروس (شغف).
(٨) في النسخ عدا (د): أبا عبيدة، والمثبت من (د) ومعاني القرآن.
(٩) في (م): لتقتلني، وفي (د) و(ز): ليقتلني، وفي (ظ): فتقتلني، والمثبت من (ف) والمصادر على ما
يأتي.
(١٠) أمالي القالي ٢٠٥/١، ومعاني القرآن للنحاس ٤٢٠/٣، وهو في الديوان برواية: شغفت ... كما
شغف، بالمعجمة، وقال شارح الديوان: ويروى: شَعَفْتُ، بالعين غير المعجمة، والمعنى: بلغتُ
الغاية حتى غَلَبْتُها على فؤادها، كما يبلغ القطران من الناقة المهنوءة، وهي المَطْليَّةُ بالقطران، وهي
تستلُّه حتی تکاد یغشی علیها.

٣٢٨
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
قال: فشبِّهت لوعةُ الحبّ وجَوَاه بذلك. ورُوي عن الشَّعْبيِّ أنه قال: الشَّغف
بالغين المعجمَة حُبُّ، والشَّعف بالعين غيرِ المعجمة جنونٌ (١).
قال النحاس(٢): وحُكي: ((قد شَغِفَها)) بكسر الغين، ولا يُعرف في كلام العرب
إلا (شَغَفها)) بفتح الغين، وكذا ((شَعَفها))، أي: تركها مشعوفة.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن الحسن: الشَّغاف حجاب القلب(٣)، والشَّعاف
سويداء القلب، فلو وصل الحبُّ إلى الشَّعاف لماتت. وقال الحسن: ويقال: إنَّ
الشَّغاف الجلدةُ اللاصقة بالقلب التي لا ترى، وهي الجلدةُ البيضاء(٤)، فلصق حبُّه
بقلبها كلُصُوق الجلدة بالقلب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَهَا فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ﴾ أي: في هذا الفعل. وقال قَتَادة: ((فَتَاهَا))
وهو فتى زوجها؛ لأنَّ يوسف كان عندهم في حكم المماليك، وكان يَنْفُذ أمرُها فيه.
وقال مقاتلٌ، عن أبي عثمان النَّهْديِّ، عن سلمان الفارسيِّ قال: إنَّ امرأة العزيز
استوهبت زوجها يوسف، فوهبه لها وقال: ما تصنعين به؟ قالت: أنَّخذه ولداً، قال:
هو لك، فربَّته حتى أَيْفَعَ وفي نفسها منه ما في نفسها، فكانت تنكشف له وتتزيّن
وتدعوه من وجه اللطف، فعصمه الله(٥).
قوله تعالى: ﴿فَلَا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ﴾ أي: بغيبتهنَّ إياها، واحتيالهنَّ في ذمها. وقيل:
إنها أطلعتهنَّ واستكْتَمتهنَّ (٦) فأفشَيْنَ سرَّها، فسمِّي ذلك مكراً.
(١) النكت والعيون ٣١/٣، وأخرجه الطبري ١١٦/١٣ - ١١٧.
(٢) في إعراب القرآن ٣٢٥/٢ .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٢١٣١/٧ (١١٥٢٣) عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولم نقف عليه عن الحسن،
فقد سلف قول الحسن: الشغاف باطن القلب.
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٣٠ عن السدي وسفيان بنحوه، ولم نقف عليه عن الحسن.
(٥) لم تقف عليه.
(٦) في (م): استأمنتهن، وفي (د): استمكنتهن، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في معاني
القرآن للنحاس ٤٢٠/٣ ، والكلام منه.

٣٢٩
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
وقوله: ﴿أَرَّسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ في الكلام حذف، أي: أرسلت إليهن تدعوهنَّ إلى وَليمةٍ
لتُوقِعَهنَّ فيما وقعت فيه (١)؛ فقال مجاهد عن ابن عباس: إنَّ امرأة العزيز قالت
لزوجها: إني أريد أن أنَّخذ طعاماً فأدعوَ هؤلاء النِّسوة. فقال لها: افعلي. فاتخذت
طعاماً، ثم نَجَّدت لهنَّ البيوت - نَجَّدت، أي: زيَّنت، والنَّجْد: ما يُنجَّد به البيت من
المتاع، أي: يُزيَّن، والجمعُ: نُجُود؛ عن أبي عُبيد، والتَّنجيد: التزيين(٢) - وأرسلت
إليهنَّ أن يحضُرن طعامَها، ولا تتخلَّفْ منكنَّ امرأةٌ ممن سمَّيتُ.
قال وهب بن مُنَبِّه: إنهنَّ كنَّ أربعين امرأةً(٣)، فجئن علی کَرْهٍ منهنّ، وقد قال
فيهنَ أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْت:
حتَّى إذا جثْنَها قسراً ومهَّدت لهنّ أنضاداً وكبابا (٤)
ويُروى: أنماطاً.
قال وهب: فجئن وأخذنَ مجالسهنّ. ﴿وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكَئًا﴾ أي: هيَّأْت لهنَّ
مجالسَ يتَّكِثْنَ عليها. قال ابن جُبير: في كلِّ مجلس جَامٌ فيه عسل وأُتْرُجُ وسگِّين حادّ.
وقرأ مجاهد وسعيد بن جُبير: ((مُتْكاً)) مخفَّفاً غيرَ مهموز(٥)، والمُتْك هو الأُتْرُجّ
بلغة القبط. وكذلك فسره مجاهد؛ روى سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: المُتَّكأ
مثقَّلاً: الطعام، والمُتْك مخفَّفاً: الأتْرُجّ(٦)؛ وقال الشاعر:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/٢.
(٢) الصحاح (نجد).
(٣) ذكره البغوي ٢/ ٤٢٣ .
(٤) كذا في النسخ، ولم نقف عليه. وأنضاداً جمع نَضَد، وهو ما نُضِد من متاع، أو خياره. ونَضَدْتُ المتاع
ونضَّدْتُه: ضممت بعضه إلى بعض مثَّسِقاً أو مركوماً. ينظر أساس البلاغة والقاموس (نضد).
(٥) عرائس المجالس ص١٢٤ عن مجاهد، وذكرها ابن جني في المحتسب ٣٣٩/١ عن ابن عباس وابن
عمر وقتادة وغيرهم.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٣/ ٤٢٠ - ٤٢١، وأخرجه الطبري ١٢٧/١٣ . والأترج: من فصيلة
الحمضيات، يسمى بالشام الكُبَّاد، واحدته أُتْرُّة. معجم متن اللغة (ترج).

٣٣٠
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
وتَرَى المُتْكِ بَيْنَنَا مُسْتَعَارًا(١)
نَشْربُ الإِثْمَ بالصُّواعِ جِهَاراً
وقد تقول أَزْدُ شَنُوءة: الأُترجَّة: المُتْكَّة.
قال الجوهريُّ: المُتْكُ: ما تُبقيه الخاتنة، وأصل المُتْك: الزُّماوَرْد. والمَتْكَاء من
النّساء: التي لم تُخْفَض. قال الفرّاء: حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أنَّ المُتْك
مخفَّفاً: الزُّماوَرْد. وقال بعضهم: إنه الأترجّ. حكاه الأخفش(٢). ابن زيد: أترجًا
وعسلاً يؤكل به(٣)؛ قال الشاعر:
فَظلِلْنا(٤) بنعمةٍ واتَّكَأُنا وشَرِبْنا الحلالَ من قُللِه(٥)
أي: أكلنا.
النحاس: قوله تعالى: ((وَأَعْتَدَتْ)) من العَتَاد، وهو كلُّ ما جعلته عُدَّة لشيء.
(مُتَكَأَ)) أصح ما قيل فيه، ما رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: مجلساً. وأمَّا
قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام، فيجوز على تقدير: طعامَ متكأ، مثل:
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ودلَّ على هذا الحذف: ((وآتَتْ كُلَّ واحدةٍ منهنَّ سِكِيناً))؛ لأنَّ
حضور النساء معهنَّ سكاكينُ إنَّما هو لطعامِ يُقطع بالسکاکین. کذا قال في کتاب
(إعراب القرآن))(٦) له.
(١) سلف ٩/ ٢١١.
(٢) الصحاح (متك)، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٤٢. قوله: الزَّمَاوَزْد، هو طعام من البيض
واللحم، معرب. اللسان (ورد). وقوله: لم تخفض، الخفض: ختان الجارية. اللسان (خفض).
(٣) أخرجه الطبري ١٢٩/١٣ .
(٤) في (م): فظلنا.
(٥) قائله جميل بثينة، وهو في ديوانه ص١٨٩، والمعاني الكبير لابن قتيبة ١/ ٤٥٧، والخزانة ٢١/١٠.
قوله: الحلال، ذكر البغدادي عن الشيرازي أنه قال: هو النبيذ، وسماه حلالاً على وجه الخلاعة. قال
البغدادي: ولا يَخْفَى أَنَّ حَمْلَه على ظاهره أَنْسب؛ لأن قائله مؤمن، وكان في عرفة في موسم الحج.
والقلل جمع قلة، وهو إناء للعرب كالجرة.
(٦) ٣٢٦/٢.

٣٣١
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
وقال في كتاب ((معاني القرآن))(١): وروى مَعْمَر عن قَتّادة قال: ((المنَّكا)):
الطعام. وقيل: ((المتكأ)»: كلُّ ما اتُّكِئَ عليه عند طعام أو شرابٍ أو حديث، وهذا هو
المعروفُ عند أهل اللغة، إلّا أنَّ الروايات قد صحت بذلك. وحكى القُتبيّ(٢) أنه
يقال: اتكأنا عند فلان، أي: أكلنا.
والأصل في ((متكأ)): موتكأ، ومثله: مُتَّزن ومُتَّعد؛ لأنه من وَزَنْتُ ووَعَدْتُ
ووَكَأْتُ، ويقال: اتَّكأَ يَتَّكئ اتِّكاءً(٣).
﴿كُلَّ وَجِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِيْنًا﴾ مفعولان. وحكى الكسائيُّ والفراء أنَّ السِّكِّين يذكَّر
ويؤنَّث؛ وأنشد الفراء:
فَعَيَّثَ في السَّنَامِ غَدَاةَ قُرِّ بسكِينٍ مُؤَثَّقَةِ النِّصَابِ(٤)
الجوهريُّ: والغالبُ علیه التذكير؛ وقال:
يُرى ناصحاً فيما بَدَا فإذا خَلَا فذلك سكِّينٌ على الحَلْقِ حَاذقُ(٥)
الأصمعي لا يَعْرِفُ في السكِّين إلا التذكير (٦).
قوله تعالى: ﴿وقالتُ اخرج عليهن﴾ بضمِّ التاء لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ الكسرة
تَثْقُلُ إذا كان بعدها ضمة، وكَسْوُ(٧) التاء على الأصل(٨).
(١) ٤٢١/٣ .
(٢) في تفسير الغريب ص٢١٦، وتأويل المشكل ص١٣٨.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/٢.
(٤) المذكر والمؤنث للفراء ص٢٧، وإعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/٢ (والكلام منه)، والمذكر والمؤنث
لأبي بكر الأنباري ٣٨٨/١، ومجالس العلماء للزجاجي ص١٠١ ، والمخصص لابن سيده ١٦/١٧ ،
واللسان (عيث) و(سكن)، وقال ابن منظور: عيَّث في السنام بالسكين: أثَّر.
(٥) الصحاح (سكن)، والبيت لأبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين ١/ ١٥١ . وقال شارح الديوان.
ويروى: على الحلق حالق.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/٢، وينظر المذكر والمؤنث لأبي بكر الأنباري ٣٨٩/١.
(٧) في (م): وكسرت.
(٨) قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر التاء، والباقون من السبعة بضمها. السبعة ص٣٤٨ والتيسير
ص٧٨ .

٣٣٢
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
قيل: إنَّها قالت لهنَّ: لا تقطعنَ ولا تأكلن حتى أُعْلِمَكُنّ، ثم قالت لخادمها: إذا
قلت لك: ادعُ لي إيلا، فادعُ يوسف. وإيل: صنمٌ كانوا يعبدونه. وكان يوسف عليه
السلام يعمل في الطين، وقد شدَّ مِئزره وحسَرَ عن ذراعيه، فقالت للخادم: ادعُ لي
إيلا، أي: ادعُ لي الربَّ، وإِيل بالعبرانية: الربُّ. قال: فعَجِبَت النسوة وقلن: كيف
يجيء؟! فصعدت الخادمُ فدعت يوسفَ، فلمَّا انحدر قالت لهنّ: اقطَعْنَ ما معكنّ.
﴿فَلَا رَأَيْتَهُ: أَكْبُرْنَهُ وَقَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ بالمُدَى، حتى بلغت السكاكين إلى العظم؛ قاله وهب
ابن مُنَبِّه.
سعيد بن جُبير: لم يخرج عليهنَّ حتى زيَّنته، فخرج عليهم فجأةً فدهشن فيه،
وتحيَّرن لحسن وجهه وزينته وما عليه، فجعلن يقطِّعْنَ أيديهنّ، ويحسبن أنَّهن يقطّعن
الأترجّ.
واختلف في معنى: ((أَكْبَرْنَهُ))؛ فروی جُویبر، عن الضَّحاك، عن ابن عباس:
أَعْظَمْنَه وهِبْنَهَ(١).
وعنه أيضاً: أَمْنَيْنَ وَأَمْذَين من الدَّهَش؛ وقال الشاعر:
إذا ما رأين الفحلَ من فوق قارَةٍ صَهَلْنَ وأَكْبَرْنَ المنيَّ المدقَّقَا(٢)
وقال ابن سمعان عن عِدَّةٍ من أصحابه أنهم قالوا: أَمْذَيْن عشقاً.
وَهْب بن مُنبّه: عشقته حتى مات منهنّ عشرةٌ في ذلك المجلس دَهَشاً وحيرة
ووَجْداً بيوسف (٣).
(١) أخرجه الطبري ١٣١/١٣ - ١٣٢ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم
٧/ ٢١٣٥ (١١٥٥٣) من طريق أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس. قال ابن عطية في المحرر
الوجيز ٢٣٩/٣ : هذا قول الجمهور.
(٢) أخرج الشعر والقول قبله أبو الشيخ عن الكميت، كما في الدر المنثور ١٦/٤، ولم نقف عليه عن ابن
عباس. والقارة: الجُبَيْل الصغير المنقطع عن الجبال، أو الصخرة العظيمة. القاموس (قار).
(٣) عرائس المجالس ص١٢٤ .

٣٣٣
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
وقيل: معناه: حِضْن من الدَّهش؛ قَاله قتادة ومقاتل والسُّديّ(١). قال الشاعر:
نأتي النّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكْبَارَا(٢)
نأتي النّساءَ على أطهارهنّ ولا
وأنكر ذلك أبو عبيدة (٣) وغيره، وقالوا: ليس ذلك في كلام العرب، ولكنه يجوز
أن يكنّ حِضْنَ من شدّة إعظامهنَّ له، وقد تفزع المرأة، فتُسقط ولدها أو تَحِيض.
قال الزجاج(٤): يقال: أكبرنه، ولا يقال: حِضْنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض.
وأجاب الأزهري(٥) فقال: يجوز أَكْبَرَتْ بمعنى حاضت؛ لأنَّ المرأة إذا حاضت
في الابتداء خرجت من حَيِّز الصغر إلى الكبر، قال: والهاءُ في ((أَكْبَرْنَهُ)) يجوز أن
تكون هاءَ الوقف لا هاءَ الكناية.
وهذا مزيَّف؛ لأن هاء الوقف تسقط في الوصل، وأَمْثَلُ منه قولُ ابن الأنباريِّ:
إنَّ الهاء كنايةٌ عن مصدرِ الفعل، أي: أكبرن إكباراً، بمعنى حِضْن حَيْضاً. وعلى قول
ابن عباس الأولِ تعود الهاء إلى يوسف؛ أي: أعظمن يوسف وأجْلَلْنه.
قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قال مجاهد: قطّعنها حتى أَلقينها(٦). وقيل:
خَدَشْنها. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حزًّا بالسكِّين؛ قال النحاس(٧): يريد
٠٠٠
(١) لم نقف عليه عنهم، وأخرجه الطبري ١٣١/١٣، وابن أبي حاتم ٢١٣٥/٧ (١١٥٥١) و(١١٥٥٢) من
طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ابن عباس. قال ابن عطية في
المحرر الوجيز ٢٣٩/٣: هذا قول ضعيف من معناه منكور، وليس عبد الصمد من رواة العلم رحمه
الله. اهـ وينظر تهذيب اللغة ٢١٢/١٠.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٠٦/٣، وتفسير الطبري ١٣٢/١٣، والمحرر الوجيز ٢٣٩/٣. قال الطبري:
لا أحسب له أصلاً؛ لأنه ليس بالمعروف عند الرواة. وقال ابن عطية: البيت مصنوع مختلق.
(٣) في مجاز القرآن ٣٠٩/١.
(٤) في معاني القرآن ١٠٦/٣.
(٥) في تهذيب اللغة ٢١١/١٠ - ٢١٢ .
(٦) المحرر الوجيز ٢٣٩/٣ وأخرجه الطبري ١٣٥/١٣. قال ابن عطية: فظاهِرُ هذا أنه بانت الأيدي،
وذلك ضعيف من معناه.
(٧) في معاني القرآن ٣/ ٤٢٢، وما قبله منه، وأخرج قول مجاهد الطبري ١٣٣/١٣.

٣٣٤
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
مجاهدٌ أنه ليس قطعاً تَبِينُ منه اليد، إنَّما هو خَدْشٌ وحزّ، وذلك معروفٌ في اللغة أنْ
يقال إذا خدش الإنسان ید صاحبه: قطع يده.
وقال عِكرمة: ((أَيْدِيَهُنّ)): أكمامَهنّ، وفيه بُعْد. وقيل: أناملَهنّ، أي: ما وجدن
ألماً في القطع والجرح، أي: لشغلٍ قلوبهنَّ بيوسف.
والتقطيع يشير إلى الكثرة، فيمكن أن ترجع الكثرة إلى أنَّ كلَّ واحدةٍ(١) جرحت
يدها في مواضع، ويمكن أن يرجع إلى عددهنّ.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَشَ لِلّهِ﴾ أي: معاذَ الله. وروى الأصمعيُّ عن نافع أنه قرأ
كما قرأ أبو عمرو بن العلاء: ﴿وقُلْنَ حاشا لله﴾ بإثبات الألف وهو الأصل(٢)، ومَن
حَذَفها جعل اللام في (لله) عوضاً منها. وفيها أربع لغات، يقال: حَاشَاكَ، وحَاشَا
لَكَ، وحاشَ لَكَ، وحَشَا لَكَ. ويقال: حَاشَا زيدٍ وحاشا زيداً؛ قال النحاس(٣):
وسمعت عليَّ بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: النَّصْبُ أَوْلى؛ لأنه قد
صحَّ أنها فعلٌ؛ لقولهم: حاشَ لزيد، والحرفُ لا يُحذف منه(٤)، وقد قال النابغة:
وَلَا أُحاشِي من الأقوامِ من أَحَدٍ(٥)
وقال بعضهم: حاشَ حرفٌ، وأُحاشي فعل. ويدلُّ على كون حاشا فعلاً وقوعُ
حرف الجرِّ بعدها(٦). وحكى أبو زيد عن أعرابيّ: اللهمَّ اغفر لي ولمن يَسمع، حاشا
(١) في (م): أن يرجع الكثرة إلى واحدة، وفي (د) و(ز) و(ظ): إلى كل واحدة، والمثبت من (ف).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/٢، وقراءة أبي عمرو في السبعة ص٣٤٨، والتيسير ص١٢٨، ورواية
الأصمعي عن نافع أخرجها ابن مجاهد في السبعة ص٣٤٨ ، وليست هي المشهورة عنه.
(٣) في إعراب القرآن ٣٢٦/٢، وما قبله منه.
(٤) يعني حذف الألف من ((حاشا»، والحذف إنما يكون في الفعل. أسرار العربية لأبي البركات الأنباري
ص١٩١.
(٥) وصدره: ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه، وهو في ديوان النابغة ص٣٣، والخزانة ٤٠٣/٣ . قال
البغدادي: قوله: ولا أحاشي، أي: لا أستثني أحداً ممن يفعل الخير. والشاهد فيه: تصرُّف الفعل
حاشا، والتصرُّف من خصائص الأفعال. أسرار العربية ص١٩١ .
(٦) ينظر أسرار العربية ص ١٩٠ - ١٩٢. وقال أبو البركات: وحرف الجر إنما يتعلق بالفعل؛ لأن الحرف
لا يتعلق بالحرف.

٣٣٥
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
الشيطانَ وأبا الأصبغ، فَتَصَبَ بها(١).
وقرأ الحسن: (وَقُلْنَ حَاشْ لِلهِ)) بإسكان الشين، وعنه أيضاً: ((حاشَ الإله)). ابن
مسعود وأُبَيِّ: ((حَاشَى(٢) اللهِ)) بغير لام، ومنه قول الشاعر:
حاشا أبي ثَوْيانَ إنَّ بِهِ
ضَنَّا عنِ الْمَلْحَاةِ والشَّتْم (٣)
قال الزجَّاج: وأصلُ الكلمة من الحاشية، والحَشَا بمعنى الناحية، تقول: كنت
في حَشَا فلانٍ، أي: في ناحيته، فقولك: حاشا لزيدٍ، أي: تَنْخَّى زيدٌ من هذا وتَبَاعَدَ
عنه، والاستثناء إخراجٌ وتنحيةٌ عن جملة المذكورين (٤).
وقال أبو عليٍّ: هو ((فاعَلَ)) من المحاشاة؛ أي: حاشا يوسفُ وصار في حاشيةٍ
وناحيةٍ مما قُرِف به(٥)، أو مِن أن يكون بشراً؛ فحاشا وحاشَ في الاستثناء حرفُ جرِّ
عند سيبويه(٦)، وعلى ما قال المبرِّد وأبو عليٍّ فعل.
قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ قال الخليل وسيبويه: ((ما)) بمنزلة ليس؛ تقول: ليس
زيدٌ قائماً، و﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ و﴿مَّا هَُ أُمَّهَتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]. وقال الكوفيون: لمَّا
(١) المحتسب ٣٤٢/١، وشرح المفصل ٨٥/٢، والمغني ص ١٦٥ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): حاش، وكذلك وقعت في القراءات الشاذة ص٦٣، والمثبت موافق لما في
المحتسب ٣٤١/١، والمحرر الوجيز ٢٣٩/٣، والبحر ٣٠٣/٥، والدر المصون ٤٨٦/٦. وينظر ما
سلف من القراءات في هذه المصادر.
(٣) مجاز القرآن ٣١٠/١، والحجة للفارسي ٤٢٢/٤، والمحتسب ٣٤١/١، والمحرر الوجيز ٢٤٠/٣.
وهو في المفضليات ص٣٦٧، والأصمعيات ص٢١٨ ، منسوب للجميح الأسدي برواية:
حاشا أبا ثوبانَ إنَّ أبا
ثوبان ليس ببُكمةٍ قَدْمِ
ضنَّا عن المَلْحاة والشَّتْمَ
عمرو بن عبد الله إن به
(٤) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ١٠٧/٣ .
(٥) بنحوه في الحجة للفارسي ٤٢٢/٤ - ٤٢٣، وينظر مشكل إعراب القرآن ٣٨٦/١، وتقدير الكلام
على ما ذكر في هذين المصدرين: ((حاش لله)) أي: بَعُد يوسف عن هذا الذي رمي به لله، أي: لخوفه
الله ومراقبته له. وسيذكر المصنف نحوه عن أبي نصر القشيري.
(٦) الكتاب ٣٤٩/٢.

٣٣٦
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
حذفت الباء نصبت، وشرحُ هذا - فيما قاله أحمد بن يحيى - أنك إذا قلت: ما زيدٌ
بمنطلق، فموضعُ الباء موضعُ نصب، وهكذا سائرُ حروف الخفض، فلما حذفت الباء
نصبت لتدلَّ على محلِّها، قال: وهذا قولُ الفرّاء، قال: ولم تعمل ((ما)) شيئاً،
فألزمهم البصريون أن يقولوا: زيدٌ القمرَ؛ لأنَّ المعنى: كالقمر. فردًّ أحمد بن یحیی
بأن قال: الباء أَذْخَلُ في حروف الخفض من الكاف؛ لأنَّ الكاف تكون اسماً.
قال النحاس(١): لا يصحُّ إلَّا قولُ البصريين، وهذا القول يتناقض؛ لأنَّ الفرَّاء
أجاز نصًّا: ما بمنطلقٍ زيدٌ، وأنشد:
أَمَا واللهِ أَنْ لو كنتَ حُرَّا
وما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيقِ(٢)
ومَنَعَ نصَّا النصبَ، ولا نعلم بين النَّحْويين اختلافاً أنه جائرٌ: ما فيك براغبٍ
زيدٌ، وما إليك بقاصدٍ عمرٌو، ثم يحذفون الباء ويرفعون. وحكى البصريون
والكوفيون: ما زيدٌ منطلقٌ بالرفع، وحكى البصريون أنها لغةُ تَميم، وأنشدوا:
أَقيماً تَجعلون إليَّ نِدَّا وما تَيْمٌ لِذِي حَسَبِ نَدِيدُ(٣)
النِّدُّ والنَّديد والنَّدِيدةُ: المِثْلُ والنَّظير(٤). وحكى الكسائي أنها لغةُ تِهامةَ ونَجْد.
وزعم الفرَّاء أنَّ الرفع أقوى الوجهين. قال أبو إسحاق: وهذا غلط؛ كتابُ الله عزَّ
وجلَّ ولغةُ رسول الله ﴾ أقوى وأولى(٥).
قلت: وفي مصحف حَفصةَ رضي الله عنها: ((مَا هَذَا بِبَشَرٍ)) ذكره الغَزْنويّ.
(١) في إعراب القرآن ٣٢٧/٢ - ٣٢٨، وينظر قول سيبويه في الكتاب ١/ ٥٧ - ٦٩ و١٢٢، وقول الفراء
في معاني القرآن له ٤٢/٢ .
(٢) معاني القرآن للفراء ٤٤/٢، والخزانة ١٤١/٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/٢، والبيت لجرير، وهو في ديوانه ٣٣١/١، والخزانة ٢٧/٣، ورواية
الديوان: أتیمِّ، بدل: أتيماً.
(٤) الصحاح (ندد).
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/٢، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٤٢، وكلام أبي إسحاق وهو
الزجاج في معاني القرآن له ١٠٨/٣ .

٣٣٧
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٢
قال القُشَيريُّ أبو نصر: وذكرت النِّسوة أنَّ يوسفَ أحسنُ من صورة البشر، بل هو
في صورة مَلَك، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] والجمعُ
بين الآيتين أنَّ قولهنّ: ﴿حَشَ لِلَّهِ﴾ تبرئةٌ ليوسف (١) عمَّا رمته به امرأة العزيز من
المراودة، أي: بَعُدَ يوسف عن هذا، وقولهنّ: (الله) أي: لخوفه، أي براءةٌ لله من
هذا، أي: قد نجا يوسف من ذلك، فليس هذا من الصورة في شيء، والمعنى: أنه
في التبرئة عن المعاصي كالملائكة؛ فعلى هذا لا تناقُض.
وقيل: المرادُ تنزيهُه عن مُشابَهة البشر في الصورة؛ لفَرْطِ جماله، وقولُه: ﴿اللَّهِ﴾
تأكيدٌ لهذا المعنى، فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظنًّا منهنَّ أنَّ صورةَ المَلَك
أحسن، وما بلغهنَّ قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِّ ◌َحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، فإنه من
كتابنا. وقد ظنَّ بعضُ الضَّعَفَةِ أنَّ هذا القولَ لو كان ظنًّا باطلاً منهنّ، لوَجَبَ على الله
أن يردَّ عليهنّ، ويبيِّن كذبهنّ، وهذا باطلٌ؛ إذ لا وجوبَ على الله تعالى، وليس كلُّ
ما يخبر به الله سبحانه من كُفْر الكافرين وكذبِ الكاذبين يجب عليه أن يَقْرُنَ به الردَّ
عليه، وأيضاً أهلُ العرف قد يقولون في القبيح: كأنَّه شيطان، وفي الحَسَن: كأنه
مَلَك، أي: لم يُرَ مِثْلُه؛ لأنَّ الناس لا يَرَوْن الملائكة، فهو بناءً على ظنٍّ في أنَّ صورة
الملَك أحسن، أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبُعْدِهِ عن التُّهَم.
﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا مَلَكٌ﴾ أي: ما هذا إلا مَلَك، وقال الشاعر:
فلستَ لإِنْسيِّ ولكنْ لِمَلْأَكٍ تَنْزَّلَ مِن جَوِّ السماءِ يَصُوبُ(٢)
وروي عن الحسن: ((ما هذا بِشِرَى))؛ بكسر الباء والشين، أي: ما هذا عبداً
مُشترَى، أي: ما ينبغي لِمِثْلِ هذا أن يُباعِ، فوضع المصدر موضعَ اسم المفعول، كما
قال: ﴿أُعِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] أي: مَصِيدُه، وشِبْهُه كثير. ويجوز أن
يكون المعنى: ما هذا بثمن، أي: مثلُه لا يثمنُ ولا يقوَّم، فيراد بالشراء على هذا:
(١) في (ظ): أن قوله حاش لله تنزيه ليوسف.
(٢) سلف ٣٩٣/١.

٣٣٨
سورة يوسف: الآيتان ٣٠ - ٣٢
الثَّمنُ المشتَرَى به، كقولك: ما هذا بألفٍ، إذا نفيتَ قولَ القائل: هذا بألف. فالباءُ
على هذا متعلِّقةٌ بمحذوفٍ هو الخبر(١)، كأنه قال: ما هذا مقدَّراً بشراء.
وقراءة العامة أشبهُ؛ لأنَّ بعده: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ مبالغةً في تفضيله في
جنس الملائكة تعظيماً لشأنه، ولأنَّ مثلَ ((بِشِرَى)) يُكتب في المصحف بالياء(٢).
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِى فِيَةٍ﴾ لمَّا رأت اقْتِتَانَهنَّ بيوسف أظهرت
عُذْرَ نفسها بقولها: ((لُمْتُنَّنِي فِيه)) أي: في حبِّه.
و((ذلك)) بمعنى ((هذا))، وهو اختيارُ الطَّريّ(٣). وقيل: الهاء للحُب، و((ذلك)) على
بابه(٤)، والمعنى: ذلكنَّ الحُبُّ الذي لُمتنَّني فيه، أي: حبُّ هذا هو ذلك الحبّ.
واللومُ: الوصف بالقبيح. ثم أقرَّت وقالت: ﴿وَلَقَدْ رَوَتُ عَن نَّفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمّ﴾ أي:
امتنع.
وسمِّيت العصمةُ عصمةً لأنَّها تمنع من ارتكاب المعصية. وقيل: ((استعصم)) أي:
استعصى(٥)، والمعنى واحد.
﴿وَلَيْنِ لَّْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ عاودَتْه المراودةَ بمحضَرٍ منهنّ، وهتكتْ جِلبابَ
الحياء، ووعدتْ بالسجن إن لم يفعل، وإنما فعلت هذا حين لم تخشَ لَوْماً ولا
مقالاً ، خلافَ أوّلٍ أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها.
﴿وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَِّغِينَ﴾ أي: الأزِلَّاء. وخطُّ المصحف: ((وليكونا)) بالألف،
وتقرأ بنون مخفَّفة للتأكيد، ونونُ التأكيد تثقَّل وتخفَّف، والوقفُ على قوله: (لَيُسْجَنَنَّ))
بالنون لأنها مثقَّلة، وعلى ((ليكوناً)) بالألف لأنها مخفّفة، وهي تشبه نون الإعراب في
(١) المحتسب ٣٤٢/١.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤٢٣/٣، وينظر النكت والعيون ٣٣/٣.
(٣) في تفسيره ١٣/ ١٤١ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٤١/٣، وقوله: على بابه، أي: في الإشارة إلى غائب، كما ذكر ابن عطية.
(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ١٤٢ عن قتادة. ووقع في (ظ): استعف، بدل: استعصى.

٣٣٩
سورة يوسف: الآيات ٣٠ - ٣٤
قولك: رأيت رجلاً، وزيداً، وعمراً، ومثلُه قولُه: ﴿لَنَشْفَمَا بِالنَّاسِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]
ونحوها، الوقفُ(١) عليها بالألف، كقول الأعشى:
وَلَا تَعبدِ الشيطانَ واللهَ فاعبدا(٢)
أراد: فاعبداً (٣)، فلمَّا وقف عليه كان الوَقفُ بالألف.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهٍ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى
كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَكُنُ مِّنَ الَْهِلِينَ (٨) فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنُّ إِنَّهُ
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(٣٤)
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ﴾ أي: دخولُ السجن،
فحذف المضاف؛ قاله الزَّجَّاج والنخَّاس(٤). ((أَحَبُّ إليَّ)) أي: أسهلُ عليَّ وأهونُ من
الوقوع في المعصية، لا أنَّ دخول السجن مما يُحَبُّ على التحقيق.
وحُكي أنَّ يوسف عليه السلام لمَّا قال: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَى﴾ أوحى الله إليه: ((یا
يوسف! أنت حَبَسْتَ نفسك حيث قلتَ: السجنُ أحبُّ إليَّ، ولو قلتَ: العافيةُ أحبُّ
إليَّ، لعُوفِيْتَ))(٥).
وحكى أبو حاتم أنَّ عثمان بن عفان ﴾ قرأ: ((السَّجْن)) بفتح السين، وحكى أنَّ
ذلك قراءةُ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن الأعرجِ ويعقوبَ، وهو مصدرُ: سَجَنه
سَجْناً (٦).
(١) في (ظ): والوقف. والمثبت من باقي النسخ. وتفسير الطبري ١٤٢/١٣ - ١٤٣، والكلام منه.
(٢) تفسير الطبري ١٤٣/١٣، وصدره عنده: وصلٍّ على حين العشيَّات والضحى، وهو في الديوان
ص١٨٧ برواية:
وذا النُّصُب المنصوب لا تنسكنَّه
ولا تعبد الشيطان ...
(٣) في تفسير الطبري: فاعبُدَنْ.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٠٨/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/٢.
(٥) عيون الأخبار لابن قتيبة ٧٩/١ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/٢، وقراءة يعقوب في النشر ٢٩٥/٢، وهو من العشرة.

٣٤٠
سورة يوسف: الآيتان ٣٣ - ٣٤
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّ كَيْدَهُنَّ﴾ أي: كيدَ النّسوان. وقيل: كيدَ النّسوة اللاتي رأينه؛
فإنهنَّ أَمَرْنه بمطاوعةِ امرأةٍ العزيز، وقلن له: هي مظلومةٌ، وقد ظلمتَها. وقيل: طلبت
كلُّ واحدةٍ أن تخلوَ به للنصيحة في امرأة العزيز، والقصدُ بذلك أن تَعذِلَه في حقٌّها،
وتأمره بمساعدتها، فلعلَّه يُجیب، فصارت کلُّ واحدةٍ تخلو به على حِدَةٍ فتقول له: يا
يوسف، اقضٍ لي حاجتي فأنا خيرٌ لك من سيدتك. تدعوه كلُّ واحدةٍ لنفسها وتُراودُه،
فقال: يا ربّ كانت واحدةً فصِرْنَ جماعة.
وقيل: كيد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة، وكَنَى عنها بخطاب الجمع؛
إمَّا تعظيماً لشأنها(١) في الخطاب، وإمَّا ليعدل عن التصريح إلى التعريض. والكيدُ:
الاحتيال والاجتهاد؛ ولهذا سمِّيت الحربُ كيداً؛ لاحتيال الناس فيها؛ قال عمر بن
لَجأ:
نَراءتْ كَيْ تكيدَكَ أمُّ بِشْرٍ وكيدٌ بِالثَّبَرُّجِ مَا تَكِيدُ(٢)
﴿َأَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾ جواب الشرط، أي: أَمِلْ إليهنَّ؛ من صبا يصبو: إذا مال
واشتاق، صُبُوَّا وصَبْوة(٣)؛ قال:
إلى هندٍ صَبَا قَلْبي
وهِنْدٌ مِثْلُها يُضِي(٤)
أي: إن لم تَلْطُف بي في اجتناب المعصية وقعتُ فيها(٥). ﴿وَأَكُنُ مِّنَ اُلْجَهِلِينَ﴾ أي:
ممن يرتكب الإثمَ ويستحقُّ الذَّمّ، أو ممن يعمل عَمَلَ الجُهَّال؛ ودلَّ هذا على أنَّ
(١) في (د) و(ز) و(م): لتعظيم شأنها، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق لما في النكت والعيون
٣٤/٣، والكلام منه.
(٢) الموشَّى لأبي الطيب الوشَّاء ص ١١٢ برواية : ... أم عمرو وكيدك ... ، ومنتهى الطلب ٢٩٩/٧ برواية:
وكيداً بالتبرج ...
بدتْ فتبرَّجَتْ لك أمُّ بدرٍ
(٣) تفسير البغوي ٤٢٤/٢ .
(٤) قائله يزيد بن ضبة، كما في مجاز القرآن ١/ ٣١١، والأغاني ١٠٢/٧، وهو في تفسير الطبري
١٤٥/١٣ دون نسبة.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/٢ .