Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة يوسف: الآية ٢١ إلا هلاكنا! ايتِنا به، فأتاه به، فقال له: يا غلام، لقد لطمك هذا العبد(١)، فجاءنا ما رأيت، فإنْ كنتَ تقتصّ فاقتصَّ ممن شئت، وإنْ كنت تعفو فهو الظنّ بك، قال: قد عفوتُ رجاءَ أن يعفوَ الله عني، فانجلت الغبرة، وظهرت الشمس، وأضاء مشارقُ الأرض ومغاربها، وجعل التاجر يزوره بالغداة والعَشيّ ويُكرمه، حتى وصل إلى مصر، فاغتسل في نيلها، وأذهب اللهُ عنه كآبةَ السفر، وردّ عليه جمالَه، ودخل به البلد نهاراً، فسطعَ نورُه على الجُدران، وأوقفوه للبيع(٢)، فاشتراه قطفير وزيرُ الملك؛ قاله ابن عباس على ما تقدَّم(٣). وقيل: إن هذا المَلِك لم يَمُتْ حتى آمنَ واتَّبع يوسفَ على دينه، ثم مات الملك ويوسفُ يومئذ على خزائن الأرض، فملك بعده قابوس وكان كافراً، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى(٤). ﴿أَكْرِى مَثْوَنُهُ﴾ أي: منزلَه ومُقَامَه بطيب المَظْعم واللُّباس الحَسَن، وهو مأخوذ من ثوى بالمكان، أي: أقام به (٥)، وقد تقدَّم في ((آل عمران))(٦) وغيره. ﴿عَسَىَّ أَنْ يَنفَعَنَا﴾ أي: يكفيَنا بعض المهمات إذا بلغ. ﴿أَوْ نَّخِذَمُ وَلَدًا﴾. قال ابن عباس: كان حَصُوراً لا يُولَد له، وكذا قال ابن إسحاق: كان قطفير لا يأتي النساء ولا يولَد له(٧). فإن قيل: كيف قال: ((أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً)) وهو مِلْكِه، والوَلَدية مع (١) قوله: هذا العبد، من (ظ). (٢) الخبر من الإسرائيليات، وينظر عرائس المجالس للثعلبي ص١١٩ - ١٢٠، والوسيط للواحدي ٦٠٥/٢ ٠ (٣) ص٢٩٩ من هذا الجزء. (٤) تفسير الرازي ١٠٨/١٨ . (٥) تفسير الرازي ١٠٩/١٨ . (٦) ٣٥٧/٥. (٧) قول ابن عباس ذكره الواحدي في الوسيط ٦٠٥/٢، والرازي في تفسيره ١٠٩/١٨ دون نسبة. وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري ١٣/ ٦٣ . ٣٠٢ سورة يوسف: الآية ٢١ العَبْدِيّة(١) تتناقض؟ قيل له: يُعْتِقُه ثم يتَّخذه ولداً بالتَّبنِّي، وكان الثَّبِّي في الأُمَم معلوماً عندهم، وكذلك كان في أوّل الإسلام، على ما يأتي بيانه في ((الأحزاب))(٢) إن شاء الله تعالى. وقال عبد الله بن مسعود: أحسنُ الناس فِراسةً ثلاثة، العزيزُ حين تفرَّس في يوسف، فقال: ﴿عَسَىّ أَنْ يَنَفَعَنَّآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَّأْ﴾، وبنتُ شُعيب حين قالت لأبيها في موسى: ﴿أَسْتَشْجِرَةٌ إِّ خَيْرَ مَنِ أَسْتَفْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر حين .(٣) استخلفَ عمرَ(٣). قال ابن العربي(٤): عجباً للمفسرين في اتّفاقهم على جلب هذا الخبر! والفِراسةُ هي علم غيب(٥)، على ما يأتي بيانه في سورة الحجر(٦)، وليس كذلك فيما نقلوه؛ لأن الصدِّيق إنما ولَّى عمرَ بالتجربة في الأعمال والمواظبة على الصُّحبة وطُولها، والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمِنَّة، وليس ذلك من طريق الفِراسة، وأما بنتُ شعيب؛ فكانت معها العلامةُ البينة على ما يأتي بيانُه في ((القَصَص))(٧). وأما أمرُ العزيز فيمكن أن يُجعلَ فِراسةً؛ لأنه لم يكن معه علامةٌ ظاهرةٌ. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الكاف في موضع نصب، أي: وكما أنقذناه من إخوته ومن الجُبِّ؛ فكذلك مكنًا له، أي: عطّفنا عليه قلبَ الملك الذي اشتراه حتى تمكَّن من الأمر والنهي في البلد الذي الملِكُ مستولٍ عليه(٨). (١) في (ظ): والوالدية مع العبودية. (٢) في تفسير الآيتين (٤) و(٣٧). (٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٤ . (٤) في أحكام القرآن ١٠٦٨/٣، وقول ابن مسعود ﴾ السالف فيه. (٥) في (م): غريب، وفي أحكام القرآن لابن العربي: غريبٌ حدُّه. (٦) في تفسير الآية (٧٥). (٧) في تفسير الآية (٢٦). (٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٠/٢. ٣٠٣ سورة يوسف: الآية ٢١ ﴿وَلِنُعَلِمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ﴾ أي: فعلنا ذلك تصديقاً لقول يعقوب: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]. وقيل: المعنى مكّاه لِنُوحِيَ إليه بكلام منَّا، ونعلِّمه تأويلَه وتفسيره، وتأويل الرؤيا، وتمَّ الكلام(١). ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهٍ﴾ الهاء راجعةٌ إلى الله تعالى، أي: لا يغلِبُ الله شيءٌ، بل هو الغالبُ على أمر نفسه فيما يُريده أن يقول له: كُنْ، فَيَكُونُ. وقيل: ترجع إلى يوسف، أي: الله غالبٌ على أمر يوسف يُدبِّره ويَحوطه ولا يَكِلُه إلى غيره، حتى لا يصِلَ إليه كَيْدُ كائد(٢). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يطَّلعون على غَيِه. وقيل: المراد بالأكثر الجميع؛ لأن أحداً لا يعلم الغيب. وقيل: هو مُجرى على ظاهره، إذْ قد يُطلِعُ من يُريد على بعض غَيبه. وقيل: المعنى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الله غالبٌ على أمره، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقَدَر (٣). وقالت الحكماء في هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ حيث أمره يعقوبُ ألَّ يقصّ رؤياه على إخوته، فغلب أمرُ الله حتى قَصَّ، ثم أراد إخوته قتلَه، فغلبَ أمرُ الله حتى صار مَلِكاً وسجدوا بين يديه، ثم أراد الإخوة أنْ يَخْلُوَ لهم وجهُ أبيهم، فغلب أمرُ الله حتى ضاق عليهم قلبُ أبيهم وافتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة، فقال: ﴿يَأَسَفَ عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، ثم تدبَّروا أن يكونوا من بعده قوماً صالحين، أي: تائبين، فغلب أمرُ الله حتى نسوا الذنبَ وأصرُّوا عليه حتى أقرّوا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة، وقالوا لأبيهم: إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص، فغلب أمرُ الله، فلم ينخدع، وقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣]، ثم احتالوا في أنْ تزولَ محبته من قلب أبيهم، فغلب أمرُ الله (١) المصدر السابق. (٢) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٢/ ٤١٧، وينظر النكت والعيون ٢٠/٣ . (٣) ينظر الوسيط للواحدي ٦٠٦/٢ . ٣٠٤ سورة يوسف: الآيتان ٢١ - ٢٢ فازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم دَبَّرت امرأةُ العزيز أنها إن ابتدرته بالكلام غلبته، فغلب أمرُ الله حتى قال العزيز: ((اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِك إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) [يوسف: ٢٩]، ثم دَبَّر يوسف أن يتخلّص من السجن بذكر الساقي، فغلب أمرُ الله فَنَسِيَ الساقي، ولَبِثَ يوسفُ في السجن بضع سنين(١). قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ((أَشُدَّهُ)) عند سيبويه جمع، واحده شِدَّة. وقال الكسائي: واحده شَدُّ، كما قال الشاعر: عَهْدِي به شَدَّ الثَّهارِ كأنَّمّا خُضِبَ البَنانُ(٢) ورأسُه بالعِظْلِمِ(٣) وزعم أبو عُبيدة(٤) أنه لا واحدَ له من لفظه عند العرب، ومعناه استكمال القوَّة، ثم يكون النقصان بعد. وقال مجاهد وقتادة: الأَشُدُّ ثلاثٌ وثلاثون سنة. وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأَشُدُّ بلوغ الحُلُم(٥)، وقد مضى ما للعلماء في هذا في (النساء)) و((الأنعام)) مستوفّى(٦). ﴿مَاتَيْنَهُ حَكْمًا وَعِلْمًا﴾ قيل: جعلناه المُستولي على الحُكْم، فكان يحكم في سلطان الملك، أي: وآتيناه عِلماً بالحُكْم(٧). وقال مجاهد: العقل والفهم والنبوَّةُ(٨). (١) الكلام بنحوه في زاد المسير ١٩٩/٤. (٢) في (م): اللَّبان، وهي رواية كما في الخزانة ٩/ ٤٩٢، واللَّبان: الصدر. (٣) قائله عنترة العبسي، وهو في ديوانه ص٢٧، وفيه: مدَّ النهار، بدل: شدَّ النهار - وهما روايتان كما في الخزانة - وقد أورد البيت بلفظ المصنف النحاس في إعراب القرآن ٣٢١/٢، والكلام منه، والعظلم: صبغ أحمر. اللسان (عظلم). (٤) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): أبو عبيد، والمثبت من (ف) وإعراب القرآن للنحاس، وقول أبي عبيدة في كتابه مجاز القرآن ٣٠٥/١ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٢١/٢، والأقوال السالفة أخرجها الطبري ٦٧/١٣ ، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢١١٨/٧ - ٢١١٩ . (٦) ٦٠/٦ - ٦١ (النساء) و١١١/٩ - ١١٢ (الأنعام). (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٢١ . (٨) أخرجه الطبري ٦٨/١٣ وابن أبي حاتم في تفسيره ٢١١٩/٧، بلفظ: العقل والعلم قبل النبوة. ٣٠٥ سورة يوسف: الآيات ٢٢ - ٢٤ وقيل: الحُكْم النبوّة(١)، والعِلم علم الدين، وقيل: علم الرؤيا (٢)، ومن قال: أوتي النبوّة صِيًّا قال: لمَّا بلغ أَشُدَّه زِدْناه فهماً وعلماً. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني المؤمنين. وقيل: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف، قاله الضحاك(٣). وقال الطبريّ(٤): هذا وإن كان مخرجُه ظاهراً على كل مُحسِن؛ فالمراد به محمد #، يقول الله تعالى: كما فعلتُ هذا بيوسف بعد أن قاسی ما قاسى ثم أعطيتُه ما أعطيتُه، كذلك أُنجيك من مُشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأُمكِّن لك في الأرض. قوله تعالى: ﴿وَرَوَدَتْهُ أَلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبٍ أَحْسَنَ مَثْوَىِّ ◌ِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلْنَّالِمُونَ (*) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهُهُ وَهَمَّ بِهَا لَقْلَا أَنْ رَّمَا بُرْهَنَ رَيِّدٍ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَةُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ قوله تعالى: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَِّى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ وهي امرأة العزيز، طلبت منه أن يواقعها. وأصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين. والرَّوْد والرِّیاد طلب الكلأ؛ وقيل: هي من رُويد؛ يقال: فلان يمشي رُوَيْداً، أي: برفق؛ فالمراودة: الرفق في الطلب؛ يقال في الرجل: راوَدَها عن نفسها، وفي المرأة: راودته عن نفسه. والرُّوْد: التأنِّي؛ يقال: أزْوَدَني: أمهلني. ﴿وَظَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ﴾ غلَّق للتكثير، ولا يقال: غلَقَ البابَ، وأَغلقَ يقع للكثير والقليل، كما قال الفَرَزْدق في أبي عمرو بن العلاء: حتى أتيتُ أبا عمرو بن عمَّارِ(٥) ما زلتُ أُغلقُ أبواباً وأفتحُهَا (١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٠ عن السدي. (٢) ينظر النكت والعيون ٢١/٣، وزاد المسير ٢٠١/٤ . (٣) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢٠١/٤ دون نسبة. (٤) في تفسيره ٦٩/١٣ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٢١/٢، والبيت في أدب الكاتب ص٤٦١، والبيان والتبيين ٣٢١/١ وهو = ٣٠٦ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ يقال: إنَّها كانت سبعةَ أبواب غلَّقَتْها ثم دعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي: هَلُمَّ وأقْبِلْ وتَعالَ، ولا مصدرَ له ولا تصريف(١). قال النحاس(٢): فيها سبعُ قراءات، فمِن أَجلِّ ما فيها وأصحِّه إسناداً ما رواه الأعمش عن أبي وائِل قال: سمعتُ عبدَ الله بن مسعود يقرأ: ((هَيْتَ لَكَ)) قال: فقلت: إنَّ قوماً يقرؤونها: ((هِيتُ لك))، فقال: ((إنَّما أَقرأُ كما عُلِّمت))(٣). قال أبو جعفر(٤): وبعضهم يقول: عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ #، ولا يبعُدُ ذلك؛ لأنَّ قوله: إنَّما أقرأ كما علِّمت، يدلُّ على أنه مرفوع. وهذه القراءةُ بفتح التاء والهاء هي الصحيحةُ من قراءة ابن عباس وسعيد بن جُبير والحسن ومجاهد وعكرمة. وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصمٌ والأعمشُ وحمزةُ والكسائيّ(٥). قال عبد الله بن مسعود: لا تَنَّعوا(٦) في القرآن؛ فإنما هو مِثْلُ قول أحدِكم: هَلَمَّ وتَعالَ(٧). وقرأ ابن أبي إسحاق النَّحْويُّ: ((وقَالَتْ هَيْتٍ لَكَ))؛ بفتح الهاء وكسر التاء. وقرأ = فيهما برواية: ما زلت أفتح أبواباً وأغلقها. وقد يأتي غلَّق مع المفرد، فيقال: غلَّقْتُ الباب، وذلك إذا أغلقت باباً واحداً مراراً، أو أحكمت إغلاق باب. مفردات الراغب (غلق). (١) الوسيط ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧ . (٢) في إعراب القرآن ٣٢٢/٢ . (٣) أخرجه أبو داود (٤٠٠٤) و(٤٠٠٥)، وقد قيد صاحب بذل المجهود ٣٣٢/١٦ (هيت)) الثانية في إحدى الروايتين بكسر الهاء وسكون الياء وضم التاء، والرواية الثانية مثلها ولكن بهمزة بدل الياء، أي: ((مِثْتُ)). وقد أخرجه مختصراً البخاري (٤٦٩٢). (٤) في إعراب القرآن ٢/ ٣٢٢. (٥) السبعة ص٣٤٧، والتيسير ص١٢٨ عن أبي عمرو وحمزة وعاصم والكسائي. (٦) في (د) و(م): تقطعوا. (٧) معاني القرآن للنحاس ٢١٠/٣، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٣٢٠، وابن أبي شيبة ٤٨٨/١٠، والطبري ٧٧/١٣. قال ابن الأثير في النهاية (نطع): أراد النهي عن الملاحاة في القراءات المختلفة، وأنَّ مرجعها إلى وجه واحد من الصواب، كما أن هلم بمعنى تعال. ٣٠٧ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ وابن كثير: ((هَيْتُ لَكَ))؛ بفتح الهاء وضمِّ التاء (١)؛ قال طَرَفة : ليس قومي بالأبْعَدِينَ إذا ما قال داع من العَشيرة هَيْتُ(٢) فهذه ثلاثُ قراءاتٍ الهاءُ فيهنَّ مفتوحة. وقرأ أبو جعفر وشيبةُ ونافعٌ: ((وَقَالَتْ هِيتَ لَكَ)) بكسر الهاء وفتح التاء (٣). وقرأ يحيى بن وثَّاب: ((وَقَالَت هِيْتُ لَكَ)) بكسر الهاء وبعدها ياءٌ ساكنة والتاءُ مضمومة. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب ﴾ وابن عباس ومجاهد وعكرمة: ((وَقَالَتْ مِثْتُ لَكَ)) بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة (٤). وعن ابن عامر وأهلِ الشام: ((وَقَالَتْ هِنْتَ)) بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح التاء(٥). قال أبو جعفر(٦): ((هيتَ لَكَ)) بفتح التاء لالتقاء الساكنين؛ لأنه صوتٌ نحو: مَهْ وصَهْ، يجب ألَّا يُعْرَب، والفتح خفيف (٧)؛ لأنَّ قبلَ التاء ياءً مثل: أيْنَ وكيفَ. ومَن كَسَر التاء فإِنَّمَا كَسَرها لأنَّ الأصل الكسر؛ لأنَّ الساكن إذا حرِّك حرِّك إلى الكسر، ومَن ضمَّ فلِأنَّ فيه معنى الغاية، أي: قالت: دعائي لك، فلما حُذفت الإضافة بُني على الضم، مثل: حيثُ وبعدُ. وقراءة أهل المدينة فيها قولان: أحدهما: أن يكون الفتحُ لالتقاء الساكنين كما (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٢/٢، وقراءة ابن كثير في السبعة ص٣٤٧، والتيسير ص١٢٨، وقراءة ابن أبي إسحاق في المحتسب ٣٣٧/١ . (٢) ديوان طرفة ص ١٤٣ . (٣) السبعة ص ٣٤٧، والتيسير ص١٢٨، والنشر ٢/ ٢٩٣ عن نافع وأبي جعفر وابن ذكوان راوي ابن عامر. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٢١/٢، وقراءة علي وابن عباس - - في المحتسب ٣٣٧/١. (٥) السبعة ص٣٤٧ ، والتيسير ص١٢٨ وهي من رواية هشام عن ابن عامر. (٦) هو النحاس، وكلامه في إعراب القرآن ٣٢٢/٢، وما قبله منه. (٧) إلى هذا الموضع كلام النحاس، وما بعده من معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٠٠ . ٣٠٨ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ مرَّ. والآخَر: أن يكون فعلاً من: هَاءَ يَهِيء، مثل: جاء يجيء. فيكون المعنى في ((هِيتَ)) أي: حَسُنَتْ هَيئتُك [وخفف الهمزة]، ويكون ((لَكَ)) من كلام آخر، كما تقول: لكَ أعني(١). ومَن هَمَزَ وضمَّ التاء فهو فِعْلٌ بمعنى: تهيَّتُ لك، وكذلك مَن قرأ: ((هِيتُ لَكَ)). وأنكر أبو عمرو هذه القراءة؛ قال أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى(٢): سئل أبو عمرو عن قراءةٍ مَن قرأ بكَسْر الهاء وضمِّ التاء مهموزاً، فقال أبو عمرو: باطل، جَعَلَها مِن تهيَّتُ، اذهب فاستَعْرِض العربَ حتى تنتهيَ إلى اليمن؛ هل تعرفُ أحداً يقول هذا؟ وقال الكسائيُّ أيضاً: لم تُحكَ ((هِئتُ)) عن العرب. قال عِكرمة: ((هِئتُ لَكَ)) أي: تَهِيَّتُ لك وتَزِيَّنْتُ وتحسَّنْتُ(٣)، وهي قراءةٌ غيرُ مَرْضِيَّة؛ لأنَّها لم تُسمع في العربية. قال النحاس(٤): وهي جيّدة عند البَصْرِيِّين؛ لأنه يقال: هَاءَ الرجلُ يَهاءُ ويَهِيُ هيئةً، فهاء يهيء مثلُ جاء يجيء، وهِنتُ مثل: جئت. وكَسْرُ الهاء في ((هِيت)) لغةٌ لقوم يُؤْثِرون كَسْرَ الهاء على نَتْحِها. قال الزجَّاج(٥): أجودُ القراءات: ((هَيْتَ)) بفتح الهاء والتاء. قال طَرَفة: ليس قومي بالأَبْعدِينَ إذا ما قال داع من العشيرة هَيْتُ(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٢/٢ - ٣٢٣، وما سلف بين حاصرتين منه. وكذلك القول في ((هئتَ)) التي بالهمز وفتح التاء. الدر المصون ٦/ ٤٦٤ - ٤٦٥ . (٢) في مجاز القرآن ٣٠٦/١ - ٣٠٧ . (٣) قول عكرمة وقول الكسائي أخرجهما الطبري ٧٥/١٣ و ٧٦ . (٤) في معاني القرآن ٣/ ٤١٠ . (٥) في معاني القرآن ٣/ ١٠٠ . (٦) سلف هذا البيت قريباً، ووقع بعده في (م): بفتح الهاء والتاء. ولكن ذكر هذا البيت في هذا الموضع وهم من المصنف رحمه الله، فقد ذكر الزجاج في هذا الموضع البيتين اللذين سيردان بعده في علي ﴾، ثم قال: وحكى قطرب أنه أنشده بعض أهل الحجاز لطرفة ... ، شاهداً على قراءة ((هيتُ)) بضم التاء، ويدل على ذلك أنه قرن به بيتاً آخر من نفس القصيدة والتي هي بضم التاء في القافية. ٣٠٩ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ وقال الشاعر في علي بن أبي طالب ﴾: ينَ أخا العراقِ إذا أَتيثًا أَبلغْ أميرَ المؤمنــ أنَّ العراقَ وأهلَهُ سِلْمٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتًا(١) قال ابن عباس والحسن: ((هيت)) كلمة بالسريانية؛ تَدْعوه إلى نفسها(٢). وقال السُّدِّيُّ: معناها بالقبطية: هلمّ لك(٣). قال أبو عبيد: كان الكسائيُّ يقول: هي لغةٌ لأهل حَوْران وقعت إلى أهل الحجاز، معناه: تعالَ. قال أبو عبيد: فسألت شيخاً عالماً من حَوْرَان، فذَكَر أنها لغتهم(٤). وبه قال عكرمة(٥). وقال مجاهد وغيره: هي لغةٌ عربيةٌ تدعوه بها إلى نفسها، وهي كلمةُ حثٌّ وإقبالٍ على الأشياء(٦). قال الجوهريّ(٧): يقال: هَوَّتَ به وهَيَّتَ به: إذا صاح به ودعاه. قال: قد رَابَني أنَّ الْكَرِيَّ أَسْكَتَا لو كان مَعْنِيًّا بها لَهَيَّتًا (٨) (١) مجاز القرآن ٣٠٥/١ ومعاني القرآن للزجاج ١٠٠/٣، وتفسير الطبري ٧٠/١٣ ، والحجة للفارسي ٤١٧/٤، والصحاح (هيت)، ونسبه الطبري في التاريخ ٥٦٤/٤ لرجل من أهل العراق، وروايته في المصادر: عُنُق، بدل: سلم. ومعنى عُنُق، أي: أقبلوا إليك بجماعتهم، وقيل: هم مائلون إليك ومنتظرون. اللسان (عنق)، والبيتان فيه. (٢) النكت والعيون ٢٣/٣، وزاد المسير ٢٠٣/٤، وأخرجه الطبري ٧٢/١٣ ، جميعهم عن الحسن، ولم نقف علیه عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٢ . (٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٤ . (٥) علقه البخاري قبل الحديث (٤٦٩٢)، ووصله الطبري ١٣/ ٧٢ من طريق عكرمة عن ابن عباس. (٦) تفسير البغوي ٤١٧/٢، وأخرجه الطبري ٧٣/١٣ . (٧) في الصحاح (هيت). (٨) الحجة للفارسي ٤١٨/٤، والصحاح (هيت)، والفائق ٣١٥/٢ . ونسبه الفارسي لبعض البغداديين. ٣١٠ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ أي: صاحَ. وقال آخر: يَحْدوبها كلُّ فِتَّى هَيَّاتٍ(١) قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي: أعوذ بالله وأستجير به مما دعوتِني إليه، وهو مصدر، أي: أعوذ بالله مَعاذاً، فيُحذف المفعول(٢) وينتصِبُ المصدر بالفعل المحذوف، ويضاف المصدر إلى اسم الله كما يضاف المصدر إلى المفعول، كما تقول: مررتُ بزيد مرور عمرو، أي: کمروري بعمرو. ﴿إِنّهُ رَټ﴾ يعني زوجها، أي: هو سيّدي، أكرمني فلا أخونه؛ قاله مجاهد وابن إسحاق والسُّدّيّ(٣). وقال الزجَّاج: أي إنَّ الله ربِّي تَوَلَّاني بلُظْفِه؛ فلا أركب ما حرَّمه (٤). ﴿إِنَُّ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. وفي الخبر أنها قالت له: يا يوسفُ، ما أَحْسَنَ صورةَ وَجْهِكَ! قال: في الرَّحِم صوَّرني رَبِّي. قالت: يا يوسفُ، ما أحسَنَ شَعْرك! قال: هو أولُ شيءٍ يَبْلَى مِنِّي في قبري. قالت: يا يوسف، ما أحْسَنَ عَيْنَيْك! قال: بهما أنظر إلى ربِّي. قالت: یا يوسف، ارفع بصرك فانظر في وجهي، قال: إنِّي أخاف العَمَى في آخِرتي. قالت: يا يوسف، أدنو منكَ وتتباعَدُ منِّي؟! قال: أريد بذلك القربَ من ربِّي. قالت: يا يوسف، القَيْطَون فرشتُه لك فادخل معي، قال: القَيْطُونُ لا يسترني من ربِّي. قالت: یا يوسف، فراش الحرير قد فرشتُه لك، قم فاقضٍ حاجتي، قال: إذاً يذهب من الجنة نصيبي. إلى غير ذلك من كلامها وهو يُراجعها إلى أنْ همَّ بها(٥). (١) هو في الصحاح (هيت)، وأساس البلاغة (هيت). (٢) في (ظ): فيحذف الفعل. (٣) النكت والعيون ٢٣/٣، وأخرج قولهم الطبري ٧٨/١٣ - ٧٩. قال البغوي ٤١٨/٢: هذا قول أكثر المفسرين. (٤) كذا ذكر المصنف وكذلك نقل الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٢٣ عن الزجاج، والذي في معاني القرآن للزجاج ١٠١/٣: ﴿إِنَّهُ رَبِّ﴾ أي: إن العزيز صاحبي ... فيكون هذا القول كالذي قبله. (٥) نوادر الأصول ص٢٤٩، والوسيط ٦٠٧/٢، وأخرجه الطبري ١٣/ ٨٠ مختصراً عن السدي . = ٣١١ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ وقد ذكر بعضُهم: ما زال النساء يَمِلْنَ إلى يوسف مَيْلَ شهوةٍ حتى نبَّأه الله، فألقى عليه هيبةَ النبوّة، فشَغَلت هیبتُه کلَّ مَن رآه عن حُسْنه. واختلف العلماء في همِّه، ولا خلافَ أنَّ همَّها كان المعصيةَ، وأمَّا يوسفُ فهمَّ بها ﴿لَوْلَآ أَنْ رَّمَا بُرْهَنَ رَيِّدٍ﴾ ولكنْ لمَّا رأى البرهانَ ما همّ؛ وهذا لوجوبِ العصمةِ للأنبياء؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنَّهُ السُّوَهَ وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فإذاً في الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: لولا أنْ رأى برهانَ ربِّه همَّ بها(١). قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريبَ القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيتُ على قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا﴾ الآية، قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير. كأنه أراد: ولقد همَّت به، ولولا أنْ رأى برهان ربِّه لهمَّ بها [أي: لم يهمَّ بها](٢). وقال أحمد بن يحيى: أي: همَّت زليخاء بالمعصية وكانت مُصِرَّةً، وهمَّ يوسف ولم يواقِعْ ما همَّ به؛ فبينَ الْهَمَّيْنِ فرق(٣)، ذكر هذين القولين الهرويُّ في كتابه. قال جمیل : شَفيتُ غلَيلاتِ الھوَى من فُؤاديًا(٤) هَمَمْتُ بِهَمِّ من بُثَينةَ لو بَدَا آخر: تركتُ على عثمانَ تبكي حلائله(٥) هَمَمْتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتني = والقيطون: المخدع بلغة أهل مصر. الصحاح (قطن). وقوله آخر الخبر: همَّ بها، لا يلتفت إليه، لأن الله تعالى قال: ﴿وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه﴾. فامتنع الهمُّ لوجود البرهان، كما سيرد. (١) إيضاح الوقف والابتداء لأبي بكر الأنباري ٢/ ٧٢١، والأضداد له ص ٤١٢، والمكتفى في الوقف والابتداء للداني ص ٣٢٥، وتفسير البغوي ٤١٨/٢. قال ابن الأنباري: فالوقف في هذا المذهب على: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهُ﴾. (٢) القطع والائتناف للنحاس ٣٣١/١، وما بين حاصرتين منه. (٣) تهذيب اللغة ٣٨٢/٥، والوسيط ٦٠٨/٢، وأحمد بن يحيى هو ثعلب. (٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٤/٣ . (٥) قائله ضابئ بن الحارث البُرْجُميُّ، كما في الأضداد لأبي بكر الأنباري ص٤١١ ، وطبقات فحول الشعراء ١٧٤/١، والخزانة ٣٢٣/٩. وكان قد هم بقتل عثمان ﴾، فأعلم بذلك، فضربه وحبسه وفي ذلك قال الأبيات التي منها هذا البيت الخزانة ٣٢٦/٩ . ٣١٢ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ فهذا كلُّه حديثُ نفسٍ من غير عَزم. وقيل: هَّ بها: تمنَّى زَوْجِيَّتها(١). وقيل: همَّ بها، أي: بضَرْبها ودَفْعِها عن نفسه، والبرهانُ كفُّه عن الضَّرْب؛ إذ لو ضَرَبها لأَوْهَم أنه قَصَدَها بالحرام، فامتنعت، فضَرَبها(٢). وقيل: إنَّ همَّ يوسفَ كان معصيةً، وأنه جلس منها مجلسَ الرجل من امرأته. وإلى هذا القول ذهب معظّمُ المفسِّرين وعامَّتُهم، فيما ذكر القُشيريُّ أبو نصر، وابنُ الأنباريِّ والنحاسُ والماورديُّ وغيرهم (٣)؛ قال ابن عباس: حلَّ الهِمْيَان وجلس منها مجلس الخاتن، وعنه: استلقت على قفاها، وقعد بين رجليها ينزع ثيابه. وقال سعيد ابن جُبير: أطلق تِأَّةَ سراويله. وقال مجاهد: حلَّ السراويل حتى بلغ الأليتين، وجلس منها مجلسَ الرجل من امرأته(٤). قال ابن عباس: ولمَّا قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنَّهُ بِالْغَيْبٍ﴾ قال له جبريل: ولا حين هَمَمْتَ بها يا يوسف؟ فقال عند ذلك: ﴿وَمَآ أُبَّرُِّ نَفْسِىَّ﴾(٥). قالوا: والانكفافُ (١) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ١٢٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) الأضداد لابن الأنباري ص٤١١ . (٣) الأضداد ص ٤١٢، ومعاني القرآن للنحاس ٤١١/٣، والنكت والعيون ٢٥/٣. (٤) أخرج هذه الأقوال الطبري ٨٢/١٣ - ٨٥ وكلها من الإسرائيليات المكذوبة. قال أبو حيان في البحر ٢٩٥/٥: طوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّين، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفسَّاق، والذي أختاره أن يوسف لم يقع منه هم البتة، بل هو منفيٍّ لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفتَ لولا أن عصمك الله ... وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة، والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنهم قدَّروا جواب ((لولا)) محذوفاً ولا يدل عليه دليل ... إلى آخر كلامه. وذكر الألوسي في روح المعاني ٢١٥/١٢ عن الطيبيِّ قوله: وجلُّ هذه الروايات بل كلها مأخوذ من مسألة أهل الكتاب. (٥) أخرجه الحارث (٧١٦) (بغية الباحث)، والطبري ٢١٠/١٣، والبيهقي في الشعب (٧٢٩٠). قال الحارث: لا يصح، والأنبياء معصومون قبل البعثة وبعدها. اهـ. ثم إن سياق الآية يردُّ الخبر فإن قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ لَهُّنْهُ بِالْغَيْبٍ﴾ ... ﴿وَمَآ أَبَرِيقُ نَفْسِىَّ﴾ ... مما حكاه الله تعالى عن امرأة العزيز وليس هو من كلام يوسف، إذ لم يكن يوسف عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك. ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره. ٣١٣ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ في مثل هذه الحالة دالٌّ على الإخلاص، وأعظمُ للثواب. قلت: وهذا كان سببَ ثناء الله تعالى على ذي الكِفل، حَسْبَ ما يأتي بيانه في (ص) إن شاء الله تعالى(١). وجوابُ (لولا)) على هذا محذوف، أي: لولا أنْ رأى برهان ربِّه لَأمضَی ما همَّ به(٢)، ومثله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] وجوابُه: لم تتنافسوا. قال ابن عطية (٣): روي هذا القول عن ابن عباس وجماعةٍ من السَّلَف، وقالوا: الحكمةُ في ذلك أن يكون مَثَلاً للمذنبين ليروا أن توبتَهم ترجع [بهم] إلى عفو الله تعالى، كما رجعت بمن(٤) هو خيرٌ منهم، ولم يُؤْبِقْه القُرْبُ من الذنب، وهذا كلُّه على أنَّ همَّ يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقةُ إلى أنْ جلس بين رجلَيْ زليخاء، وأخذ في حلِّ ثيابه وتِكَّته ونحو ذلك، وهي قد استَلْقَتْ له. حكاه الطبريّ(٥). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وابنُ عباس ومَن دونَه لا يختلفون في أنه همَّ بها، وهُمْ أعلمُ بالله وبتأويل كتابه، وأشدُّ تعظيماً للأنبياء من أن يتكلَّموا فيهم بغير علم. وقال الحسن: إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يذكر معاصيَ الأنبياء ليعيِّرهم بها، ولكنَّه ذَگرها لکیلا تيأسوا من التوبة(٦). قال الغَزْنَويُّ: مع أنَّ لزلَّة الأنبياء حِكمَاً: زيادةَ الوَجَل، وشدَّةَ الحياء بالخجل، والتخلِّيَ عن عُجْبٍ العمل، والتلذَّذَ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونَهم أئمةَ رجاءٍ أهل الزلل. (١) لم يذكر المصنف في قصته شيئاً في (ص)، وذكرها في تفسير سورة الأنبياء، الآية (٨٥). (٢) معاني القرآن للزجاج ١٠١/٣. (٣) في المحرر الوجيز ٢٣٣/٣ - ٢٣٤، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في (ظ) و(ف): من، وفي باقي النسخ: ممن، والمثبت من المحرر الوجيز. (٥) ينظر تفسير الطبري ٨٠/١٣ - ٨٦ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٤١٣/٣ - ٤١٤، وكلام أبي عبيد، يمكن أن يسلّم به؛ فيما لو صحت تلك الروايات، وهيهات هيهات! ٣١٤ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ قال القُشيريُّ أبو نصر: وقال قوم: جرى من يوسفَ همٌّ، وكان ذلك الهمُّ حركةَ طَبْعٍ من غير تصميمٍ للعَقْد على الفعل، وما كان من هذا القَبِيل لا يؤاخذ(١) به العبد، وقد يخطر بقلب المرء وهو صائمٌ شربَ الماء البارد، وتناولَ الطعام اللذيذ، فإذا لم يأكل ولم يشرب، ولم يصمِّم عَزْمَه على الأكل والشرب، لا يؤاخذ بما هَجَس في النفس، والبرهانُ صَرَفَه عن هذا الهمِّ حتى لم يَصِرْ عَزْماً مصمماً. قُلت: هذا قولٌ حسن. وممَّن قال به الحسن. قال ابن عطية (٢): الذي أقول به في هذه الآية: إنَّ كونَ يوسفَ نبيًّا في وقتٍ هذه النازلة لم يصحّ، ولا تظاهرت به روايةٌ، وإذا كان كذلك، فهو مؤمنٌ قد أوتيَ حُكماً وعلماً، ويجوز عليه الهمُّ الذي هو إرادةُ الشيء دون مُواقَعتِهِ، وأن يستصحب الخاطرَ الرديء على ما في ذلك من الخطيئة، وإن فرضناه نبيًّا في ذلك الوقت، فلا يجوز عليه عندي إلَّا الهمُّ الذي هو خاطر، ولا يصحُّ عليه شيءٌ مما ذُكر من حلِّ تِكَّته ونحوِهِ؛ لأنَّ العصمة مع النبوّة. وما روي من أنَّه قيل له: تكونُ في ديوان الأنبياء وتَفْعَلُ فِعْلَ السفهاء؟!(٣) فإنما معناه العِدَةُ بالنبوَّة فيما بعد. قلت: ما ذكره من التفصيل صحيح، لكنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآَ إِلَيْهِ﴾ يدلُّ على أنه كان نبيًّا على ما ذكرناه، وهو قولُ جماعة من العلماء، وإذا كان نبيًّ فلم يَبْقَ إلّا أن يكون الهُّ الذي همَّ به ما يَخْطُر في النفس ولا يَثْبُتُ في الصدر، وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذةَ عن الخلق؛ إذ لا قدرةَ للمكلَّف على دَفْعِه، ويكون قولُه: ﴿وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىٌّ﴾ - إنْ كان من قول يوسفَ - أي: مِن هذا الهمّ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضعُ والاعتراف بمخالفة(٤) النفس لمَا زِّي به قبلُ وبُرِّئ؛ وقد أخبر الله تعالى (١) في (م): يؤخذ. (٢) في المحرر الوجيز ٢٣٤/٣ . (٣) أخرجه الطبري ٨٩/١٣ - ٩٠ عن قتادة، وأخرجه الثعلبي في العرائس ص١٢٢ عن ابن عباس مطولاً، وسيذكره المصنف قريباً في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوَلَا أَنْ زَّمَا بُرْهَنَ رَيْدٍ﴾. (٤) في النسخ: لمخالفة، والمثبت من الشفا للقاضي عياض ٣٧٥/٢ ، والكلام منه. ٣١٥ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ عن حال يوسف من حين بلوغه فقال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ, ءَاتَّيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] على ما تقدَّم بيانه، وخَبَرُ الله تعالى صِدْقٌ، ووَصْفُه صحيح، وكلامُه حقٌّ، فقد عمل يوسف بما علَّمه الله من تحريم الزِّنى ومقدِّماته، وخيانةِ السيد والجار والأجنبي في أهله، فما تعرَّض لامرأة العزيز، ولا أجاب إلى المُراودة، بل أدبر عنها وفرَّ منها؛ حكمةً خُصَّ بها، وعملاً بمقتضى ما علَّمه الله(١). وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((قالت الملائكةُ: ربِّ ذاك عبدُك يريد أن يعمل سيئةً، وهو أَبْصَرُ به، فقال: ارقُبُوه، فإنْ عَمِلَها فاكتبوها له بمِثْلِها، وإنْ تَرَكَها فاكتبوها له حَسَنةً؛ إنَّما تَرَكّها من جَرَّاي))(٢). وقال عليه الصلاة والسلام مُخْبِراً عن ربِّه: (إذا همَّ عبدي بسيئةٍ فلمْ يَعْمَلْها ، ◌ُتبتْ حسنة))(٣) فإنْ كان ما يَهُمُّ به العبد من السيئة يُكتب له بتركها حسنة؛ فلا ذنب. وفي الصحيح: ((إنَّ الله تَجاوَزَ لأمتي عما حدَّثتْ به أَنْفُسَها ما لم تَعْمَل أو تَكلَّمُ به)) وقد تقدَّم(٤). قال ابن العربي(٥): كان بمدينة السلام إمامٌ من أئمة الصوفية - وأيُّ إمام - يُعرف بابن عطاء، تكلّم يوماً على يوسفَ وأخبارِه حتى ذكر تَبْرِئته مما نُسب إليه من مكروه، (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٧٠. وقال أيضاً: وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس، والغّفَلة من العلماء في نسبتهم إليه ما لا يليق به، وأقل ما اقتحموا من ذلك أنه هتك السراويل، وهم بالفتك فيما رأوه من تأويل، وحاش لله ما علمت عليه من سوء، بل أبرّئه مما برَّأه الله منه ... فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفقهون حديثاً، ويقولون: فعل وفعل، والله إنما قال: همَّ بها. اهـ. وقد استفاض الإمام الرازي رحمه الله في تفسيره ١١٥/١٨ - ١٢٠ في الكلام على هذه المسألة، وفي إثبات العصمة ليوسف عليه السلام مما نسب إليه، وذكر أن أصحاب هذه المقالة ما ذكروا آية يحتج بها، ولا حديثاً صحيحاً يعوّل عليه في تصحيح مقالتهم. (٢) صحيح مسلم (١٢٩)، وهو عند أحمد (٨٢١٩). قوله: ((من جرَّاي)) أي: من أجلي. المفهم ١/ ٣٤٢. (٣) أخرجه مطولاً أحمد (٧٢٩٦)، والبخاري (٧٥٠١) من حديث أبي هريرة﴾. وأخرجه مسلم (١٣١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) ٤ / ٤٨٧ . (٥) في أحكام القرآن ٣/ ١٠٧٠ - ١٠٧١ . ٣١٦ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ فقام رجلٌ من آخِر مجلسه ۔ وهو مشحون بالخلیقة من کلِّ طائفةٍ - فقال: يا شيخ، یا سيدنا، فإذاً يوسفُ همَّ وما تَمَّ؟ قال: نعم، لأنَّ العناية مِن ثَمَّ. فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلِّم، وانظر إلى فِظْنة العامِّيِّ في سؤاله، وجوابٍ العالم في اختصاره واستيفائه؛ ولذلك قال علماء الصوفية: إنَّ فائدة قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ, مَاتَيْنَهُ حَكْمًا وَعِلْمًا﴾ إنَّما أعطاه ذلك إيَّان غَلَبة الشهوة لتكون له سبباً للعصمة. قلت: وإذا تقرَّرتْ عصمتُه وبراءتُه بثناءِ الله تعالى عليه، فلا يصحُّ ما قال مُصْعَب ابن عثمان: إنَّ سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجهاً، فاشتاقته امرأة، فسَامَتْه نَفْسَها، فامتنع عليها وذكَّرها، فقالت: إن لم تفعل لأُشهِّرنَّك. فخرج وتركها، فرأى في منامه يوسفَ الصّديقَ عليه السلام جالساً فقال: أنت يوسف؟ فقال: أنا يوسف الذي هممتُ، وأنت سليمانُ الذي لم تَهمّ (١). فإنَّ هذا يقتضي أن تكون درجةُ الولاية أرفعَ من درجة النبوّة، وهو مُحال؛ ولو قدَّرنا يوسف غيرَ نبيَّ فدرجتُه الولاية، فيكون محفوظاً كهو، ولو غلِّقت على سليمان الأبوابُ، وروجع في المقال والخطاب، والكلامِ والجواب، مع طول الصُّحبة، لخِيفَ عليه الفتنةُ وعظيمُ المحنة، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ زَّهَا بُرْهَانَ رَبٍِّ﴾ (أن)) في موضع رفع؛ أي: لولا رؤيةٌ برهانِ ربِّه، والجوابُ محذوفٌ لِعِلْم السامع(٢)، أي: لكان ما كان. وهذا البرهانُ غيرُ مذكور في القرآن؛ فرُوي عن عليّ بن أبي طالب ﴾ أنَّ زليخاء قامت إلى صنمٍ مكلَّلٍ بالدُّرِّ والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال: ما تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة، فقال يوسف: أنا أَوْلَى أن أستحي من الله(٣). (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ١٩٠ - ١٩١، والبيهقي في الشعب (٧١١١) و(٧٢٨٠)، وإسناده منقطع كما ذكر الذهبي في السير ٤ / ٤٤٤ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٣/٢. (٣) أخرجه عن علي أبو نعيم في الحلية ١٨١/٣. وأخرجه الثعلبي في العرائس ص١٢٣ عن علي بن الحسين، وكذا ذكره البغوي في التفسير ٤٢٠/٢ - ٤٢١ ، عن علي بن الحسين. ٣١٧ سورة يوسف: الآيتان ٢٣ - ٢٤ وهذا أحسن ما قيل فيه؛ لأنَّ فيه إقامةً الدليل. وقيل: رأى مكتوباً في سقف البيت ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِنٌ إِنَّهُ كَنَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢](١). وقال ابن عباس: بَدَتْ كفِّ مكتوبٌ عليها: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠](٢). وقال قوم: تذكَّرَ عهدَ الله ومیثاقَه. وقيل: نودي يا يوسف! أنت مكتوبٌ في ديوان الأنبياء، وتعملُ عملَ السفهاء؟!(٣) وقيل: رأى صورةً يعقوبَ على الجدران(٤) عاضًّا على أُنملته يتوَّدُه، فسكن، وخرجت شهوتُه من أنامله. قاله قَتادةُ ومجاهد والحسن والضَّحاك وأبو صالح وسعيد ابن جُبير(٥). وروى الأعمش عن مجاهد قال: حلَّ سراويله، فتَمثَّل له يعقوبُ فقال له: يا يوسف! فولَّى هارباً. وروى سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبير قال: مَثَلَ له یعقوبُ، فضرب صدره، فخرجت شهوته من أنامله(٦). قال مجاهد: فولد لكلِّ واحدٍ من أولاد يعقوبَ اثنا عشر ذكراً، إلَّا يوسفَ لم يولد له إلَّا غلامان، ونقص بتلك (١) أخرجه الطبري ٩٨/١٣ عن محمد بن كعب القرظي. (٢) أخرجه مطولاً الثعلبي في العرائس ص١٢٢، والواحدي في الوسيط ٦٠٨/٢ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) سلف ص٣١٤ من هذا الجزء عن ابن عباس وقتادة. (٤) في (ز) و(ظ): الجدار. (٥) أخرج قولهم الطبري ١٣/ ٩٠ - ٩٧ . (٦) ذكر الخبرين النحاس في معاني القرآن ٣/ ٤١٢، وخبر سعيد بن جبير أخرجه الطبري ١٣/ ٩١ و٩٢ . قال أبو حيان في البحر ٢٩٥/٥: والبرهان الذي رآه يوسف هو ما آتاه الله من العلم الدال على تحريم ما حرمه الله. ٣١٨ سورة يوسف: الآيات ٢٣ - ٢٥ الشهوة ولده(١). وقيل غير هذا. وبالجملة: فذلك البرهانُ آيةٌ من آيات الله، أراها اللهُ يوسفَ حتى قويَ إيمانه، وامتنع عن المعصية. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الشّوْءَ وَالْفَحْشَآءُ﴾ الكاف من («كَذَلِكَ)) يجوز أن تكون رفعاً، بأن يكون خبرَ ابتداءٍ محذوف، التقدير: [أَمْرُ] البراهين كذلك، و[يجوز أن] يكون نعتاً لمصدر محذوف؛ أي: أريناه البراهين رؤيةً كذلك(٢). والسوء: الشَّهوة، والفحشاءُ: المباشرة. وقيل: السوء: الثناء القبيح، والفحشاءُ: الزنى. وقيل: السوءُ: خيانةُ صاحبه، والفحشاء: ركوبُ الفاحشة. وقيل: السوء: عقوبةُ الملك العزيز(٣). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿المُخْلِصِينَ﴾ بكسر اللام، وتأويلُها: الذين أَخْلَصوا طاعةَ الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلُها: الذين أَخْلَصهم اللهُ لرسالته، وقد كان يوسف # بهاتين الصفتين؛ لأنه كان مخلصاً في طاعة الله تعالى، مُسْتَخلَصاً لرسالة الله تعالى (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَبَقَا أَلْبَابَ وَقَّدَتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا أَلْبَابٍ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَفَذَتْ قَمِيصَهُ مِن دُبْرٍ﴾. فيه مسألتان: (١) النكت والعيون ٢٦/٣ . (٢) مشكل إعراب القرآن ٣٨٥/١، وبنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٣٢٣/٢، وما سلف بين حاصرتين منهما. (٣) تنظر هذه الأقوال في معاني القرآن للزجاج ١٠٢/٣ ومعاني القرآن للنحاس ٤١٦/٣، والنكت والعيون ٢٦/٣ . (٤) النكت والعيون ٢٦/٣، والقراءتان في السبعة ص٣٤٨، والتيسير ص١٢٨. ٣١٩ سورة يوسف: الآية ٢٥ الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ قال العلماء: وهذا من اختصار القرآن المعجِز الذي يجتمع فيه المعاني؛ وذلك أنه لمَّا رأى برهان ربِّه؛ هرب منها، فَتَعادَيا؛ هي لتردَّه إلى نفسها، وهو ليهرب عنها، فأدركته قبل أن يخرج، فقَدَّتْ قميصَه من دُبُرٍ - أي: من خَلْفه - قبضت في أعلى قميصِه فتخرَّق القميص عند طَوْقه، ونزل التَّخريقُ إلى أسفلِ القميص(١). والاستباقُ: طَلَبُ السَّبْقِ إلى الشيء، ومنه السّباق. والقَدُّ: القطع، وأكثرُ ما يستعمل فيما كان طولاً؛ قال النابغة: تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ(٢) والقَظُ: بالطاء يُستعمل فيما كان عَرْضاً(٣). وقال المفضَّل بن حرب: قرأتُ في مصحف: ((فَلَمَّا رأى قميصَهُ عُظَّ من دُبُرٍ))(٤) أي: شُقَّ. قال يعقوب (٥): العَظُّ: الشَّقُّ في الجلد الصحيح والثوبِ الصحيح. وحذفت الألف من ((اسْتَبَقَا)) في اللفظ؛ لسكونها وسكونِ اللام بعدها، كما يقال: جاءني عبدَ الله؛ في التثنية، ومِن العرب مَن يقول: جاءني عبدا الله؛ بإثبات الألف بغير همزٍ، يَجمع بين ساكنين؛ لأنَّ الثاني مُدْغَم، والأوّل حرف مدٍّ ولين. ومنهم مَن يقول: عبدا ألله بإثبات الألف والهمز، كما تقول في الوقف(٦). الثانية: في الآية دليلٌ على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة؛ لمَا ذُكر (١) المحرر الوجيز ٢٣٥/٣ . (٢) ديوان النابغة الذبياني ص١١، وسلف ص٢١٨ من هذا الجزء برواية: تَجُذُّ السَّلوقيَّ ... (٣) المحرر الوجيز ٢٣٥/٣ . (٤) ذكرها الزمخشري في أساس البلاغة (عطط)، والصَّغَاني في العباب الزاخر (عطط) عن المفضل، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣٦/٣ دون نسبة. قال الصغاني: لم أعلم أحداً من أهل الشَّوَاةٌ قرأ بها. اهـ ولم نقف على المفضل بن حرب. (٥) هو ابن السكيت، وكلامه في تهذيب الألفاظ ١٠٤/١ مختصر بلفظ: العط: الشق، وينظر تهذيب اللغة ٨٦/١ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٣/٢ - ٣٢٤. ٣٢٠ سورة يوسف: الآيات ٢٥ - ٢٩ من قدِّ القميص مُقْبِلاً ومُذْبِراً، وهذا أمرٌ انفرد به المالكية في كتبهم، وذلك أنَّ القميص إذا جُبِذ من خلف، تمزَّق من تلك الجهة، وإذا جُبِذْ من قدَّام، تمزَّق من تلك الجهة، وهذا هو الأغلب(١). قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَّدَا الْبَابٍ﴾ أي: وجدا العزيزَ عند الباب، وعُنيَ بالسيِّد الزوجُ، والقبطُ يسمُون الزوجَ سيِّداً(٢). يقال: أَلْفاه وصادفه ووارَطَه ووالَطَّه ولاظَه، كلُّه بمعنَى واحد. فلمَّا رأت زوجها طلبت وجهاً للحيلة وكادت، فـ ﴿قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي: زنّى ﴿إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تقول: يُضرب ضرباً وجيعاً. و ((ما جَزَاءُ)) ابتداء، وخبرُه: ((أنْ يُسْجَنَ)). ((أَوْ عَذَابٌ)) عطف على موضعٍ ((أَنْ يُسْجَنَ))؛ لأنَّ المعنى: إلَّا السجنُ. ويجوز: أو عذاباً أليماً، بمعنى: أو يعذَّب عذاباً أليماً؛ قاله الكسائيّ(٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ هِىَ زَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن التّ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ يُوسُفُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْكِّ إِنَّكِ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَلَكُنَ عَظِيمٌ (٢٩) كُنْتٍ مِنَ الْخَاطِمِينَ قوله تعالى: ﴿قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِى عَنْ نَفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال العلماء: لمَّا برَّأت نفسها، ولم تكن صادقةً في حبِّه - لأنَّ من شأن (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٧١/٣ و١٠٧٣. (٢) النكت والعيون ٢٧/٣ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٤/٢، وقرأ: ((أو عذاباً أليماً)) زيد بن علي، كما في البحر ٢٩٧/٥.