Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
و(ضعيفاً)) نصبَ على الحال. ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ رفعٌ بالابتداء(١)، ورهطُ الرجل:
عشيرتُه الذي يستندُ إليهم ويتقوَّى بهم، ومنه الرّاهِطَاء لجُخْر الْيَرْبُوع؛ لأنه يَتوثَّقُ به
ويَخْبَأُ فيه ولدَهُ(٢). ومعنى ﴿لَرَجَمْتَكٌ﴾: لقتَلْناك بالرَّجم، وكانوا إذا قَتلوا إنساناً رجَموه
بالحجارة، وكان رَهْطُه من أهل مِلَّتهم(٣). وقيل: معنى ((لَرَجَمْنَاكَ)): لَشتمناك، ومنه
قولُ الجَعْديّ:
تَراجَمْنا بمُرّ القولِ حتى
نصيرَ كأنّنا فرَسَارِهانٍ(٤)
والرَّجمُ أيضاً: اللَّعنُ، ومنه: الشيطان الرجيم(٥). ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي:
ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا مُمتنع(٦).
قوله تعالى: ﴿قَالَ بَقَوْمٍ أَرَفْطِىّ﴾ ((أرَهْطِي)) رفعٌ بالابتداء، والمعنى: أَرهطي في
قلوبكم ﴿أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ وأَعظمُ وأَجلُّ وهو يَملِكُكم؟!(٧)
﴿وَخَذْتُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ◌ِهْرِنَّ﴾ أي: انَّخذتُم ما جئتُكم به مِن أمرِ اللهِ ظِهْرِيًّا، أي:
جعلتُموه وراءَ ظهورِكم، وامتنعتُم من قَتْلي مخافةً قومي(٨)، يقال: جعلتُ أمرَه بظهرٍ
إذا قَصَّرْت فيه (٩)، وقد مضى في ((البقرة)) (١٠).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢ .
(٢) ينظر تهذيب اللغة ٦/ ١٧٥، والمحرر الوجيز ٢٠٢/٣ .
(٣) ينظر زاد المسير ١٥٣/٤.
(٤) النكت والعيون ٤٩٩/٢ - ٥٠٠، والبيت في ديوان النابغة الجعدي ص ١٦٥، وفيه: بصدر، بدل:
بمرّ.
(٥) تفسير أبي الليث ١٤٠/٢ .
(٦) ينظر الوسيط للواحدي ٢/ ٥٨٧، والنكت والعيون ٥٠٠/٢ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢ .
(٨) ينظر تفسير أبي الليث ٢/ ١٤٠، والوسيط للواحدي ٥٨٧/٢
(٩) معاني القرآن للنحاس ٣/ ٣٧٧ بنحوه.
(١٠) ٢٦٨/٢.
٢٠٢
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
ط﴾ أي: عليم. وقيل:
﴿إِنَ رَّ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: من الكُفر والمعصية . ﴿
حفيظ (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَيِِّكُمْ إِنِّ عَمِلٌّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ
ووعيد(٢)، وقد تقدَّمَ في ((الأنعام))(٣).
﴿مَنْ يَأِْيهِ عَذَابٌ يُخْزِيدِ﴾ أي: يُهلِكُه. و((مَنْ)) في موضعٍ نصب، مثل: ﴿يَعْلَمُ
الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ﴿وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ﴾ عطفٌ عليها(٤). وقيل:
أي: وسوف تعلمون مَن هو كاذبٌ مِنَّا. وقيل: في محلِّ رفع، تقديره: ويَخْزَى مَن هو
كاذب(٥). وقيل: تقديرُه: ومن هو كاذب فَسيُعلَمُ كَذِبُه، ويذوقُ وبالَ أمره(٦). وزعم
الفرّاءُ(٧) أنهم إنما جاؤوا بـ ((هو)) في ((وَمَنْ هو كاذبٌ)) لأنهم لا يقولون: مَن قائمٌ،
إنما يقولون: مَن قام، ومَن يقوم، ومَن القائم، فزادوا ((هو) ليكونَ جملةً تقوم مَقامَ
فَعَلَ ويَفْعِلُ. قال النحاس: ويدلُّ على خلاف هذا قولُه :
مَن رَسُولٌ إلى الثُّريّا بِأَنِّي
ضِفْتُ ذَرْعاً بِهَجْرِهَا والكتابِ(٨)
﴿وَآَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أي: انتظروا العذابَ والسَّخْطَةَ، فإني منتظرٌ
النصرَ والرحمة(٩).
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جََّ أَمْرُنَا﴾، قيل: صاحَ بهم جبريلُ صيحةً فخرجتْ أرواحُهم
(١) النكت والعيون ٥٠١/٢ .
(٢) النكت والعيون ٢/ ٥٠١ ، وتفسير أبي الليث ٢/ ١٤٠ .
(٣) ٣٥/٩ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢ - ٣٠٠.
(٥) ينظر النكت والعيون ٢/ ٥٠١ .
(٦) تفسير البغوي ٣٩٩/٢ .
(٧) في معاني القرآن ٢٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٠٠/٢.
(٨) قائله عمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص ٣٠، وفيه: رسولي، بدل: رسول.
(٩) ينظر تفسير البغوي ٣٩٩/٢ .
٢٠٣
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٩
من أجسادهم(١)، ﴿نَّنَا شُعَيْبًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْمَةُ﴾
أي: صيحةُ جبريلَ. وَأَنَّثَ الفِعلَ على لفظ الصيحة، وقال في صيحة صالح: ﴿وَأَخَذَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، فذكَّرَ على معنى الصياح.
قال ابن عباس: ما أهلكَ اللهُ أُمَّتين بِعذابٍ واحد إلا قومَ صالحٍ وقومَ شُعيب،
أهلكهم الله بالصيحة، غيرَ أنّ قومَ صالح أخذَتْهم الصيحةُ من تحتِهم، وقومَ شعيب
أخذتهم الصيحة من فوقِهم (٢).
﴿فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَِئِينَ. كَن لَّمْ يَغْنَوَا فِيهَاْ أَلَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾
تقدّم معناه(٣). وحكى الكسائيُّ أن أبا عبد الرحمن السُّلَميَّ قرأ: ((كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ»
بضم العين. قال النحاس(٤): المعروف في اللغة إنما يقال: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَداً ويُعْداً: إذا
هلك.
وقال المهدويّ: مَن ضمَّ العين من ((بَعُدتْ)) فهي لغةٌ تُستعمل في الخير والشرّ،
ومصدُرها البُعد، وبَعِدت تُستعمل في الشرِّ خاصةً، يقال: بَعِدَ يَبْعَد بَعَداً، فالبُعد على
قراءة الجماعة بمعنى اللَّعنة، وقد يجتمع معنى اللُّغتين لِتقاربهما في المعنى، فيكون
مما جاء مصدرُه على غير لفظهِ لتقارب المعاني.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَإِيْهِ فَنَّهُوَاْ أَغَ فِرْعَوْنَّ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ
فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِّ وَبِئْسَ الْوِرْدُ اَلْمَوْرُودُ ﴾ وَأَتْبِعُواْ فِى هَذِهِ، لَغْنَهُ وَيَوْمَ الْقِيَّمَةِ
بِأْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَزْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَتِنَا﴾ بَيَّن أنه أَتْبع النبيَّ النبيَّ لإقامة الحُجَّة،
(١) تفسير الطبري ٥٥٩/١٢ - ٥٦٠، وتفسير البغوي ٤٠٠/٢ .
(٢) تفسير الرازي ١٨/ ٥١ .
(٣) تقدم معنى قوله: ((فأصبحوا في ديارهم جاثمين)) في ص١٥٧ من هذا الجزء، وقوله: ((كأن لم يغنوا
فيها)) في ٢٨٦/٩، وقوله: ((ألا بعداً) في ص ١٤٧ من هذا الجزء.
(٤) في إعراب القرآن ٢/ ٣٠٠، وما قبله منه، وقراءة السُّلمي في القراءات الشاذة ص٦١.
.'
٢٠٤
سورة هود: الآيات ٩٦ - ٩٩
وإزاحةٍ كلِّ عِلَّة. ((بِآيَاتِنَا)) أي: بالتوراة، وقيل: بالمعجزات. ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي:
حُجَّة بيِّنة، يعني العصا(١). وقد مضى في ((آل عمران)) معنى السلطانِ واشتقاقُه(٢)، فلا
معنى للإعادة.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِ فَنَّعُواْ أَغَ فِرْعَوْنٌ﴾ أي: شأنَه وحالَه، حتى اتخذوه إلهاً،
وخالفوا أمر الله تعالى. ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: بسديدٍ يؤدِّي إلى صواب.
وقيل: ((بِرشيدٍ)) أي: بمرشدٍ إلى خير(٣).
قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني أنه يتقدَّمهم إلى النار، إذ هو رئيسهم.
يقال: قَدَمهم يقدُمُهم قُدْماً وقُدُوماً: إذا تقدَّمهم(٤). ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِ﴾ أي: أدخلهم
فيها. ذُكِر بلفظ الماضي، والمعنى: فيوردهم النار، وما تحقَّق وجودُه فكأنه كائن،
فلهذا يُعبّر عن المستقبل بالماضي(٥). ﴿وَبِثْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أي: بئس المدخل
المدخول، ولم يقل: بئست؛ لأن الكلام يرجع إلى الوِرْد(٦)، وهو كما تقول: نِعْمَ
المنزلُ دارُك، ونعمت المنزلُ دارُك. والوِرْد(٧): الماء الذي يُورَد، والموضع الذي
يُورد، وهو بمعنى المفعول.
قوله تعالى: ﴿وَأُتّبِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغَنَةٌ﴾ أي: في الدنيا. ﴿وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ﴾ أي:
ولعنةً يوم القيامة، وقد تقدَّم هذا المعنى(٨).
﴿يَفْسَ الْرِفَدُ الْمَرْفُودُ﴾ حکی الکِسائيُّ وأبو عُبيدة: رَفَدْتُه أَرْفِدُه رَفْداً، أي: أَعنتُه
(١) ذكره الواحدي في الوسيط ٥٨٨/٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) ٣٥٧/٤ .
(٣) الوسيط للواحدي ٥٨٨/٢.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٠٠ .
(٥) ينظر المحرر الوجيز ٢٠٥/٣ .
(٦) في (م): المورود. والكلام بنحوه في تفسير الرازي ٥٤/١٨.
(٧) في (م): والمورود.
(٨) ص١٤٧ من هذا الجزء.
٢٠٥
سورة هود: الآيات ٩٦ - ١٠٩
وأعطيته. واسم العَطِيَّة: الرِّفْد (١)، أي: بئس العطاءُ والإعانة. والرِّفْد والرَّفْد(٢) أيضاً:
القَدَح الضخم؛ قاله الجوهري(٣)، والتقدير: بئس الرِّفد رِفدُ المرفود. وذكر
الماوردي: أنَّ الرَّفْد بفتح الراء: القَدَح، والرِّفْد بكسرها: ما في القدح من الشراب،
حكى ذلك عن الأصمعي، فكأنه ذَّ بذلك ما يُسقَونه في النار. وقيل: إنَّ الرِّفْد
الزيادة، أي: بئس ما يُرفدون به بعد الغَرق النارُ، قاله الكلبي (٤).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَثْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآَبِرٌ وَحَصِيدٌ )
وَمَا
ظَلَتْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَِّ يَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ
وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ
مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَعْرُ رَيْكٌ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ
اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ (3)
الْأَخِرَةَ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (١) وَمَا تُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ
مَعْدُودٍ (٢ يَوْمَ بَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُّ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ (٥) فَأَمَّا
الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقُ ﴿َ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ
وَأَمَّا أَلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ
وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ
خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءَ غَيْرَ تَجْدُونٍ (
فَلَا
تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا
لَمُوَقُّهُمْ نَصِيبَهُمْ غَرَ مَنْقُوصٍ
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَثْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ عَلَيْكَ﴾ ((ذَلِكَ)) رفعٌ على إضمار مبتدأ،
أي: الأمر ذلك. وإنْ شئت بالابتداء(٥)، والمعنى: ذلك النبأُ المتقدّم من أنباء القرى
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٠/٢. وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن له ٢٩٨/١ .
(٢) قوله: والرَّفد (الثانية)، ليس في (م).
(٣) الصحاح (رفد).
(٤) النكت والعيون ٢/ ٥٠٢ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٠/٢.
٢٠٦
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
نقصُّه عليك.
﴿مِنْهَا قَآَبِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ قال قتادة: القائم ما كان قائماً (١) على عروشه، والحصيد
ما لا أثرَ له. وقيل: القائمُ: العامر، والحصيدُ: الخراب، قاله ابن عباس(٢). وقال
مجاهد: قائم: خاويةٌ على عروشها، وحصيد: مُستأصَل، يعني محصوداً، كالزرع إذا
محُصد، قال الشاعر:
كالزَّرع منه قائمٌ وحصيدُ(٣)
والناس في قَسْم المَنيَّة بينهم .
وقال آخر:
إنما نحن مثلُ خامَةٍ زرعٍ فمتى يأنِ يأتِ مُحتَصِدٌُ(٤)
قال الأخفش سعيد(٥): حصيد، أي: محصود، وجمعه: حَضْدَى وحِصاد،
مثل: مرضى ومِراض، قال: يكون فيمن يعقِل: حَصْدَى، مثل: قَتِيل وقَتْلى(٦).
﴿وَمَا ظَتَنَهُمْ﴾ أصلُ الظلم في اللغة: وضعُ الشيء في غير موضعه، وقد تقدَّم
في (البقرة)) مستوفّى(٧). ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي. وحكى سيبويه أنه
يقال: ظلم إياه(٨) ﴿قَمَآ أَغْنَتْ﴾ أي: دَفَعت. ﴿عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن
شَىءٍ﴾ في الكلام حذف، أي: التي كانوا يعبدون، أي: يدعون. ﴿لََّا جَاءَ أَتْهُ رَيٌِّ وَمَا
زَادُوهُمْ غَيّرَ تَنْبِيبٍ﴾ أي: غيرَ تخسير، قاله مجاهدٌ وقتادة(٩). وقال لبيد:
(١) في (د) و(ز) و(ف) و(م): خاوياً، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما أخرجه الطبري ١٢ / ٥٦٧ .
(٢) أخرجه الطبري ١٢ / ٥٦٧ بنحوه.
(٣) النكت والعيون ٥٠٣/٢ .
(٤) قائله الطُّرِمَّاح، وهو في ديوانه ص١٩٨، والشطر الأول فيه: إنما الناس مثل نابتة الزرع. وأورده بلفظ
المصنف ابن فارس في معجم مقاييس اللغة ٢/ ٧١ .
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٥٨٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٠١/٢ .
(٦) في إعراب القرآن: ويجوز فيمن يعقل: حُصداء مثل: قبيل وقُبَلاء. وينظر الدر المصون ٦/ ٣٨٤.
(٧) ١/ ٤٦٠ - ٤٦١ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٠١/٢.
(٩) أخرجه الطبري ١٢ / ٥٦٩ - ٥٧٠ .
٢٠٧
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
لِبِلّى يعود وذاكُمُ الشَّتْبِيبُ(١)
فلقد بَلِيتُ وكلُّ صاحبٍ چِدَّةٍ
والتَّبَاب: الهلاك والخسران، وفيه إضمار، أي: ما زادتهم عبادةُ الأصنام،
فحذف المضاف، أي: كانت عبادتهم إياها قد خسَّرتهم ثوابَ الآخرة(٢).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى﴾ أي: كما أخذ هذه القرى التي
كانت لنوحٍ وعادٍ وثمودَ يأخذ جميعَ القرى الظالمة.
وقرأ عاصمٌ الجحدريُّ وطلحة بنُ مصرِّف: ((وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى))(٣).
وعن الجحدريِّ أيضاً: ((وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ)) كالجماعة ((إِذْ أَخَذَ القُرَى)) (٤).
قال المهدويّ: من قرأ: ((وكذلك أَخَذَ ربُّك إِذْ أَخَذَ)) فهو إخبارٌ عما جَرَتْ(٥) به
العادةُ في إهلاك مَن تقدَّم من الأُمم، والمعنى: وكذلك أَخَذَ ربُّك مَن أخذه من
الأمم(٦) المُهلَكة إذْ أخذهم.
وقراءة الجماعة على أنه مصدر، والمعنى: كذلك أخذُ ربِّك مَن أراد إهلاگه متی
أخذه، فـ ((إذْ)) لِما مضَى، أي: حين أَخَذَ القرى، و((إذا)) للمستقبل.
﴿وَهِىَ ظَالِيَّةُ﴾ أي: وأهلُها ظالمون، فحذف المضاف، مثل: ﴿وَسْثَلِ اُلْقَرْبَةَ﴾
[يوسف: ٨٢](٧).
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ديوان لبيد، والكلام في النكت والعيون ٢/ ٥٠٣، وقد ذكر البيت
الزجاجي في أماليه ص١٢٧ ضمن قصيدة لِنُويفع بن نُفيع الفقعسي، ولفظه:
لِبلّى يعود وذلك التقبيب
قالت: كَبِرتَ، وكل صاحب لذّة
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٠١/٢ .
(٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥٧٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠١/٢ عن عاصم الجحدري. والمحرر الوجيز
٢٠٦/٣ عن أبي رجاء العطاردي والجحدري، وفيه: إذا، بدل: إذ.
(٤) من قوله: وعن الجحدري إلى هذا الموضع ليس في (ظ).
(٥) في (م): جاءت.
(٦) من قوله: والمعنى إلى هذا الموضع ليس في (ظ).
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٠١/٢ .
٢٠٨
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ أي: عقوبته لأهل الشرك مُوجِعةٌ غليظة.
وفي ((صحيح)) مسلم والترمذيٌّ(١) من حديث أبي موسى: أنَّ رسول اللـه :﴿ قال:
((إنَّ الله تعالى يُملي للظالم، حتى إذا أَخَذَه لم يُقْلِتْهُ))، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيْكَ إِذَاآ
أَخَذَ الْقُرَى﴾ الآية. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ﴾ أي: لَعبرةً وموعظة. ﴿لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ
الْآَخِرَؤُ﴾. ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾، ابتداءٌ وخبر. ﴿َّحْمُوٌ﴾ مِن نعته، ﴿لَّهُ النَّاسُ﴾ اسم ما لم يُسمَّ
فاعله، ولهذا لم يقل: مجموعون؛ فإن قدَّرت ارتفاعَ ((الناس)) بالابتداء، والخبر
((مجموعٌ له))، فإنما لم يقل: مجموعون، على هذا التقدير؛ لأن ((له)) يقوم مقامَ
الفاعل(٢). والجمع: الحشر، أي: يحشرون لذلك اليوم. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ أي:
يشهده البَرُّ والفاجر، ويشهده أهلُ السماء. وقد ذكرنا هذين الاسمين مع غيرهما من
أسماء القيامة في كتاب ((التذكرة))(٣) وبيَنَّاهما، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُؤَخِرُهُ﴾ أي: ما نؤخِّر ذلك اليوم. ﴿إِلَّا لِأَبَلٍ مَعْدُورٍ﴾ أي:
لِأَجَلٍ سبقَ به قضاؤنا، وهو معدودٌ عندنا. ﴿يَوْمَ يأتي﴾، وقرئ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾؛ لأن
الياء تُحذف إذا كان قبلَها كسرة، تقول: لا أدرٍ، ذكره القشيري.
قال النحاس(٤): قرأه أهلُ المدينة وأبو عمرٍو والكسائيُّ بإثبات الياء في الإدراج،
وحذفِها في الوقف، ورُوي أنَّ أُبَيًّا وابنَ مسعود قرأا: ((يومَ يأتِي)) بالياء في الوقف
والوصل(٥). وقرأ الأعمش وحمزة: ((يَوْمَ يَأْتِ)) بغير ياءٍ في الوقف والوصل(٦).
(١) صحيح مسلم (٢٥٨٣)، وسنن الترمذي (٣١١٠)، وهو عند البخاري (٤٦٨٦).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٠١/٢.
(٣) ص٢٢٠ و ٢٢٩ .
(٤) في إعراب القرآن ٣٠١/٢ - ٣٠٢.
(٥) وهي قراءة ابن كثير ويعقوب. السبعة ص٣٣٨ - ٣٣٩، والتيسير ص١٢٧، والنشر ٢٩٢/٢.
(٦) قراءة حمزة في السبعة ص٣٣٩، ووافقه ابن عامر وعاصم.
٢٠٩
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
قال أبو جعفر النحاس(١): الوجه في هذا ألَّ يوقفَ عليه، وأن يُوصل بالياء،
لأن جماعةً من النحويين قالوا: لا تحذف الياء، ولا يجزم الشيءُ بغير جازم، فأما
الوقفُ بغير ياءٍ ففيه قولٌ للكسائيّ، قال: لأنَّ الفعلَ السالمَ يُوقَفُ عليه كالمجزومِ،
فحذف الياء، كما تحذف الضمة. وأما قراءةُ حمزة فقد احتجَّ أبو عُبيد لحذف الياء في
الوصل والوقف بحجّتين: إحداهما: أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له إنه
مصحف عثمانَ ﴾ بغير ياء. والحجَّة الأخرى: أنه حكى أنها لغةُ هُذَيل، تقول:
ما أدرِ.
قال النخَّاس(٢): أما حُجَّته بمصحف عثمان﴾ فشيءٌ يردُّه عليه أكثرُ العلماء،
قال مالك بن أنس رحمه الله: سألتُ عن مصحف عثمان ﴾ فقيل لي: ذَهَب. وأما
حُجَّته بقولهم: ((ما أَدرِ)) فلا حُجَّة فيه؛ لأن هذا الحرفَ(٣) قد حكاه النحويُّون
القدماء، وذكروا عِلَّته، وأنه لا يُقاس عليه. وأنشد الفراء في حذف الياء:
كَفَّاكَ كَفّ ما تُلِيقُ دِرهماً
مُجُوداً وأخرى تُعْطِ بالسيفِ الدَّمَا(٤)
أي: تعطي. وقد حكى سيبويه والخليلُ أنّ العرب تقول: لا أدرٍ، فتحذف الياءَ
وتجتزئ بالكسر، إلا أنهم يزعمون أنَّ ذلك لِكَثْرة الاستعمال. قال الزجَّاج (٥):
والأجود في النحو إثباتُ الياء، قال: والذي أراه اتِّباعُ المصحف وإجماعِ القرَّاء؛
لأن القراءة سُنَّة، وقد جاء مثلُه في كلام العرب.
﴿لَا تَعَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ الأصل: تتكلم، حُذفت إحدى التاءين تخفيفاً(٦).
(١) في إعراب القرآن ٣٠٢/٢ .
(٢) في إعراب القرآن ٣٠٢/٢، وما قبله منه.
(٣) في (د) و(م): الحذف، والمثبت من (ز) و(ظ) و(ف)، وهو الموافق لإعراب القرآن.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٧/٢، والأضداد للأنباري ص٢٦٤، ودرة الغواص للحريري ص١٦٥ . وقوله:
ما تُليق درهماً، أي: ما تحبسه ولا تلصّق به. اللسان (ليق).
(٥) في معاني القرآن ٧٧/٣ ، وما قبله منه.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٢/٢ .
٢١٠
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
وفيه إضمار، أي: لا تتكلّم فيه نفسٌ إلَّا بالمأذون فيه مِن حسن الكلام؛ لأنهم
مُلجَؤون إلى ترك القبيح. وقيل: المعنى: لا تكلَّمُ بحجّة ولا شفاعةٍ إلا بإذنه. وقيل :
إنَّ لهم في الموقف وقتاً يُمتَعون فيه من الكلام إلا بإذنه(١).
وهذه الآية أكثرُ ما يّسأل عنها أهلُ الإلحاد في الدِّين. فيقول: لمَ قال: ﴿لَا
تَكَلَمُ نَفْسُ إِلَّا إِذْنِهِ.﴾ و﴿هَذَا يَؤُ لَا يَطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥].
وقال في موضعٍ مِن ذكر القيامة: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠]. وقال:
﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُّجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوُْ إِنَّهُمْ مَسْتُولُونَ﴾
[الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَؤْمَيِذٍ لَّا يُكَلُ عَن ذَلْبِهِ إِسْرُ وَلَا جَانٍّ﴾(٢) [الرحمن: ٣٩].
والجواب ما ذكرناه، وأنهم لا ينطقون بحجّة تجب لهم، وإنما يتكلَّمون بالإقرار
بذنوبهم، ولَوْمِ بعضِهم بعضاً، وطرحِ بعضِهم الذنوبَ على بعض، فأما التكلُّم والنُّطق
بحجة لهم فلا، وهذا كما تقول للذي يُخاطبك كثيراً وخطابُه فارٌ عن الحجة: ما
تكلَّمتَ بشيء، وما نطقتَ بشيء، فسُمَِّ مَن يتكلم بلا حُجَّة فيه له غيرَ متكلِّم. وقال
قوم: ذلك اليوم طويل، وله مواطنُ ومواقفٌ، في بعضها يُمنعون من الكلام، وفي
بعضها يُطلق لهم الكلام، فهذا يدلُّ على أنه لا تتكلّم نفسٌ إلَّا بإذنه(٣).
﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أي: من الأنفُس، أو من الناس، وقد ذَكرَهم في قوله:
﴿يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ﴾. والشقيُّ الذي كُتبت عليه الشَّقاوة، والسَّعيد الذي كتبت عليه
السَّعادة، قال لَبيد (٤):
فمنهمْ سعيدٌ آخذٌّ بنصيبهِ ومنهم شَقيٍّ بالمعيشةِ قانعُ
وروى الترمذيُ(٥) عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب قال: لمَّا نزلت هذه الآية
(١) النكت والعيون ٥٠٣/٢ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٧٧/٣ - ٧٨ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٧٨/٣ - ٧٩.
(٤) دیو انه ص ١٧٠ .
(٥) في سننه (٣١١١)، وهو عند أحمد (١٩٦).
٢١١
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ سألتُ رسول اللـه ﴾، فقلت: يا نبيَّ الله، فعلامَ نعمل؟ على
شيءٍ قد فُرِغَ منه، أو على شيءٍ لم يُفرَغ منه؟ فقال: ((بَلْ على شيءٍ قد فُرِغَ منه،
وجرَتْ به الأقلامُ يا عُمر، ولكن كلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له)). قال: هذا حديثٌ حسن
غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر، وقد تقدَّم في
((الأعراف))(١).
قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابتداء. ﴿فَفِى النَّارِ﴾ في موضع الخبر، وكذا ﴿لَمْ
فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِينٌ﴾ قال أبو العالية: الزفير من الصدر، والشهيق من الحلق(٢)، وعنه
أيضاً ضدُّ ذلك(٣). وقال الزجَّاج(٤): الزَّفير من شدّة الأنين، والشَّهيق من الأنين
المرتفع جدًّا، قال: وزعَم أهلُ اللغة من الكوفيين والبصريين أنَّ الزفير بمنزلة ابتداءِ
صوت الحمير في النَّهيق، والشَّهيقَ بمنزلة أُخرِ صوت الحمار في النَّهيق. وقال ابن
عباس ﴾ عكسَه؛ قال: الزفير: الصوتُ الشديد، والشَّهيق: الصوت الضعيف(٥).
وقال الضَّّاك ومقاتل: الزفير مثلُ أوَّلِ نهيق الحمار، والشهيقُ مثلُ آخرِه حين فرغ من
صوته(٦)، قال الشاعر:
حَشَرَجَ في الجوف سَحِيلاً أو شَهَقْ
حتى يُقالَ ناهقٌ وما نَهَقْ(٧)
وقيل: الزَّفير: إخراج النَّفَس، وهو أن يمتلئَ الجوفُ غمًّا فيخرج بالنَّفَس،
والشَّهيق: ردُّ النَّفَس(٨).
(١) ٣٧٦/٩ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٢٠٧/٣.
(٣) أخرجه الطبري ١٢ / ٥٧٧ .
(٤) في معاني القرآن ٧٩/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/٢.
(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٥٧٧ .
(٦) تفسير البغوي ٢/ ٤٠٢ .
(٧) الرجز لرؤية بن العجاج، وهو في ديوانه ص١٠٦، والسحيل: الصوت الذي يدور في صدر الحمار.
اللسان (سحل).
(٨) ينظر تهذيب اللغة ١٩٣/١٣ .
٢١٢
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
وقيل: الزَّفير ترديد النَّفَس من شدّة الحزن، مأخوذٌ من الزَّفْر، وهو الحَمْل على
الظهر لشِكَّته. والشهيق: النفَس الطويل المُمتدّ، مأخوذٌ من قولهم: جبلٌ شاهق، أي:
طويل(١). والزفير والشهيق من أصوات المحزونين(٢).
قوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ﴾ ((ما دامَتِ)) في موضع
نصبٍ على الظرف، أي: دوامَ السماوات والأرض، والتقدير: وقتَ ذلك(٣).
واختلف في تأويل هذا، فقالت طائفةٌ؛ منهم الضحَّاك: المعنى: ما دامت
سماواتُ الجنة والنار وأرضُهما، والسماءُ كلُّ ما علاكَ فأَظلَّك، والأرضُ ما استقرَّ
عليه قدمُك(٤)، وفي التنزيل: ﴿وَقَثَّنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَأَءُ﴾
[الزمر : ٧٤].
وقيل: أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا، وأجرى ذلك على عادة
العرب في الإخبار عن دوام الشيءٍ وتأبيدِه، كقولهم: لا آتيك ما جَنَّ لیلٌ، أو سال
سيلٌ، وما اختلف الليلُ والنهار، وما ناح الحمام، وما دامت السماواتُ والأرض،
ونحوِ هذا مما يريدون به طولاً من غير نهاية، فأَفهمهم اللهُ تخليدَ الكَفَرة بذلك، وإنْ
كان قد أَخبر بزوال السماوات والأرض(٥).
وعن ابن عباس: أنَّ جميع الأشياء المخلوقةِ أصلُها من نور العرش، وأنَّ
السماواتِ والأرضَ في الآخرة تُردَّان إلى النور الذي أُخذتا منه، فهما دائمتان أبداً
في نور العرش(٦).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ في موضع نصب، لأنه استثناءٌ ليس من
(١) النكت والعيون ٥٠٤/٢ .
(٢) تهذيب اللغة ٣٨٩/٥ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/٢ .
(٤) الوسيط للواحدي ٢/ ٥٩١، وتفسير البغوي ٢/ ٤٠٢ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٠٨/٣ .
(٦) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٨/٣ بنحوه مختصراً.
٢١٣
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
الأوَّل(١)، وقد اختلف فيه على أقوال عشرة:
الأول: أنه استثناءٌ من قوله: ﴿فَفِى النَّارِ﴾ كأنه قال: إلَّا ما شاء ربُّك مِن تأخير
قومٍ عن ذلك. وهذا قولٌ رواه أبو نَضْرة عن أبي سعيد الخُذْريِّ أو جابرٍ (٢) رضي الله
عنهما(٣). وإنما لم يقل: مَن شاء؛ لأنَّ المرادَ العددُ لا الأشخاص، كقوله: ﴿مَا طَابَ
[النساء: ٣]. وعن أبي نَضْرة، عن رسول الله﴾: ((إلَّا من شاء ألَّا يُدخلَهم وإن
شَقُوا بالمعصية))(٤).
الثاني: أنَّ الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدَّةٍ من
النار، وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ عامًّا في الكَفَرة والعصاة، ويكون
الاستثناءُ من (خَالِدِينَ))؛ قاله قتادة والضَّخَّاك وأبو سِنان وغيرُهم(٥).
وفي الصحيح من حديث أنس بنِ مالك قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾: ((يَدخلُ ناسٌ
جهنمَ، حتى إذا صاروا كالحُمَمَة؛ أُخرجوا منها ودخلوا الجنة، فيقال: هؤلاء
الجَهَنَّميُّون))(٦) وقد تقدَّم هذا المعنى في ((النساء))(٧) وغيرها.
الثالث: أنَّ الاستثناء من الزَّفير والشَّهيق، أي: لهم فيها زفيرٌ وشهيق إلَّا ما شاء
ربُّك من أنواع العذاب الذي لم يذكره، وكذلك لأهل الجنة من النعيم، ما ذكر وما لم
یذکر. حكاه ابن الأنباري(٨).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/٢.
(٢) في النسخ: وجابر، والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣١٣/٢، والطبري ١٢/ ٥٨١، وأبو نضرة: هو المنذر بن مالك.
(٤) كذا ذكره الماوردي هكذا في النكت والعيون ٥٠٥/٢ مرسلاً.
(٥) أخرجه الطبري ٥٧٩/١٢ - ٥٨١، وينظر المحرر الوجيز ٢٠٨/٣ وأبو سنان: هو ضرار بن مرة
الشيباني.
(٦) أخرجه بنحوه أحمد (١٢٢٥٨)، والبخاري (٦٥٥٩). والحُمَّمَة: الفحمة. النهاية (حمم).
(٧) ٧/ ٤٠ وما بعدها.
(٨) النكت والعيون ٥٠٥/٢ - ٥٠٦، وهو قول الزجاج في معاني القرآن ٨٠/٣.
٢١٤
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
الرابع: قال ابن مسعود: ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾: لا يموتون
فيها، ولا يُخرجون منها ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ وهو أن يأمرَ النارَ فتأكلُهم وتُفنيهم، ثم
يُجدّد خلقهم(١).
قلت: وهذا القول خاصٌّ بالكافر والاستثناء له في الأكل وتجديدِ الخَلْق.
الخامس: أنَّ ((إلا)) بمعنى ((سوى))، كما تقول في الكلام: ما معي رجلٌ إلَّا زيد،
ولي عليك ألفا درهم إلا الألفَ التي لي عليك(٢).
قيل: فالمعنى: ما دامت السماواتُ والأرض سوى ما شاء ربُّك من الخلود.
السادس: أنه استثناءٌ من الإخراج، وهو لا يريد أن يُخرجَهم منها. كما تقول في
الكلام: أردت أن أفعلَ ذلك إلَّا أن أشاءَ غيرَه، وأنت مقيمٌ على ذلك الفعل،
فالمعنى أنه لو شاء أن يُخرجهم لأخرجهم، ولکنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها. ذَگر
هذين القولين الزَّجاجُ(٣) عن أهل اللغة، قال: ولأهل المعاني قولان آخران:
فأحد القولين: ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ مِن مقدار
موقفهم على رأس قبورهم، وللمحاسبة، وقدرِ مُكْثهم في الدنيا، والبرزخِ، والوقوف
للحساب.
والقول الآخر: وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره:
﴿خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَثُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ من زيادة النعيم لأهل النعيم،
وزيادةِ العذاب لأهل الجحيم (٤).
قلت: فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مُدَّة كون السماءِ والأرض
(١) زاد المسير ١٦٠/٤.
(٢) المحرر الوجيز ٢٠٨/٣ .
(٣) في معاني القرآن ٧٩/٣ - ٨٠ .
(٤) هذا القول ليس في معاني الزجاج، والقول الآخر الذي ذكره الزجاج هو القول الثالث الذي ذكره
المصنف آنفاً.
٢١٥
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
المعهودتين في الدنيا، واختاره الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله محمد بنُ علي(١)، أي:
خالدين فيها مقدارَ دوام السماوات والأرض، وذلك مدَّة العالَم، وللسماء والأرض
وقتٌّ يتغيَّران فيه، وهو قولُ سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَذَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]،
فخلق اللهُ سبحانه الآدميِّين وعامَلَهم، واشترى منهم أنفسَهم وأموالهم بالجنة، وعلى
ذلك بايَعهم يومَ الميثاق، فمن وفَى بذلك العهدِ فله الجنة، ومن ذهب برقبته يُخلَّد في
النار بمقدار دوام السماوات والأرض، فإنما دامتا للمعاملة، وكذلك أهلُ الجنة؛
خلودٌ في الجنة بمقدار ذلك، فإذا تمَّت هذه المعاملةُ، وقع الجميع في مشيئة الله،
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ مَا خَلَقْتَهُمَّ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
[الدخان: ٣٨]، فيخلَّد أهلُ الدارين بمقدار دوامهما، وهو حقُّ الرُّبوبية بذلك المقدارِ
من العَظَمة، ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين؛ لحقِّ الأَحَديَّة، فمن لَقِيه مُوحِّداً
لأحدِيَّته، بقي في داره أبداً، ومَن لَقِيَه مُشركاً بأحديَّته إلهاً، بقي في السِّجن أبداً،
فأعلمَ اللهُ العبادَ مقدارَ الخلود، ثم قال: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبِّكَ﴾ مِن زيادة المدَّة التي
تعجِزُ القلوبُ عن إدراكها؛ لأنه لا غايةً لها؛ فبالاعتقاد دام خلودُهم في الدارين أبداً.
وقد قيل: إنَّ((إلا)) بمعنى الواو، قاله الفرَّاء(٢) وبعضُ أهل النظر. وهو
الثامن(٣)، والمعنى: وما شاء ربُّك من الزيادة في الخلود على مدَّة دوام السماوات
والأرض في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أي:
ولا الذين ظلموا. وقال الشاعر:
وكلُّ أخٍ مُفَارقُه أخوه لعَمرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ(٤)
أي: والفرقدان. وقال أبو محمد مكِّيّ: وهذا قولٌ بعيد عند البصريين أن تكونَ
(١) لم نقف عليه.
(٢) في معاني القرآن ٢٨/٢.
(٣) لم يذكر المصنف السابع.
(٤) سلف ص٥٤ من هذا الجزء.
٢١٦
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
((إلا)) بمعنى الواو، وقد مضى في ((البقرة)) بيانُه(١).
وقيل: معناه: كما شاء ربُّك، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُمْ مِنَ
اَلِسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَّ﴾ [النساء: ٢٢] أي: كما قد سلف، وهو التاسع(٢).
العاشر: وهو أنَّ قوله تعالى: ((إِلَّا ما شاء ربُّكَ)) إنما ذلك على طريق الاستثناء
الذي ندب الشرعُ إلى استعماله في كل كلام، فهو على حدٍّ قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُنَّ
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فهو استثناءٌ في واجب، وهذا
الاستثناء في حكم الشرط كذلك، كأنه قال: إن شاء ربُّك، فليس يوصف بمثَّصلٍ ولا
منقطع، ويُؤيِّده ويقوِّيه قولُه تعالى: ((عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُونٍ))(٣)، ونحوه عن أبي عُبيد قال:
تقدَّمت عزيمةُ المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين، فوقع لفظ
الاستثناء، والعزيمة قد تقدَّمت في الخلود، قال: وهذا مثلُ قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ﴾ وقد علم أنهم يدخلونه حتماً، فلم يوجب
الاستثناءُ في الموضعين خياراً، إذ المشيئة قد تقدَّمت بالعزيمة في الخلود في الدارين
والدخولِ في المسجد الحرام، ونحوُه عن الفرَّاء(٤).
وقولُ حادي عشر: وهو أنَّ الأشقياء هم السُّعداء، والسعداء هم الأشقياء لا
غيرهم، والاستثناء في الموضعين راجعٌ إليهم، وبيانه: أنَّ ((ما)) بمعنى ((مَن)) استثنى اللهُ
عزَّ وجلَّ من الداخلين في النار المخلَّدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمدٍ {# بما
معهم من الإيمان، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلَّدين فيها الذين يدخلون النارَ
بذنوبهم قبل دخول الجنة، ثم يخرجون منها إلى الجنة، وهم الذين وقع عليهم
الاستثناء الثاني، كأنه قال تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ
(١) ٢ /٤٥٥ - ٤٥٦ .
(٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٦١/٤ ونسبه للثعلبي.
(٣) المحرر الوجيز ٢٠٨/٣.
(٤) في معاني القرآن ٢٨/٢.
٢١٧
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١٠٩
خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ التَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ ألَّ يُخلِّدَه فيها، وهم الخارجون
منها من أمة محمدٍ # بإيمانهم وبشفاعة محمدٍ ﴾، فهم بدخولهم النارَ يُسمَّون
الأشقياء، وبدخولهم الجنةَ يُسمَّون السُّعداء، كما روى الضَّحَّاك عن ابن عباس إذ
قال: الذين سُعِدوا شَقُوا بدخول النار، ثم سُعِدوا بالخروج منها ودخولهم الجنةً(١).
وقرأ الأعمش وحفصٌّ وحمزة والكِسائي: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ بضمِّ السين. وقال
أبو عمرو: والدليل على أنه سَعِدوا أنَّ الأول شَقُوا، ولم يقل أُشقوا. قال
النحاس(٢): ورأيت عليَّ بنَ سليمان يتعجب من قراءة الكسائي: ((سُعِدوا)) مع علمه
بالعربية! إذ كان هذا لحناً لا يجوز؛ لأنه إنما يقال: سَعِد فلانٌ وأسعده الله، وأُسعد
مثل أُمرِض، وإنما احتجَّ الكسائيُّ بقولهم: مسعود، ولا حجَّة له فيه؛ لأنه يقال:
مکان مسعودٌ فیه، ثم يُحذف فيه ویسمَّی به.
قال المهدوي: ومَن ضمَّ السين مِن ((سُعدوا)) فهو محمولٌ على قولهم: مسعود،
وهو شاذٌّ قليل؛ لأنه لا يقال: سعده الله، إنما يقال: أسعده الله(٣). وقال الثعلبي:
(سُعِدوا)) بضم السين، أي: رُزقوا السَّعادة، يقال: سُعِد وأُسعِد بمعنى واحد.
وقرأ الباقون: ((سَعِدوا)) بفتح السين قياساً على ((شَقُوا)) واختاره أبو عُبيد وأبو
حاتم. وقال الجوهري(٤): والسعادة خلافُ الشَّقاوة، تقول: سَعِد الرجلُ - بالكسر -
فهو سعيد، مثل: سَلِم فهو سليم، وسُعِد فهو مسعود، ولا يقال فيه: مُسْعَد، كأنهم
استغنَوا عنه بمسعود. وقال القشيريُّ أبو نصر عبدُ الرجيم: وقد ورد: سَعَده اللهُ فهو
مسعود، وأَسعده اللهُ مُسْعَد، فهذا يقوِّي قولَ الكوفيين. وقال سيبويه: لا يقال: سُعِد
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٥٠٥ بنحوه.
(٢) في إعراب القرآن ٣٠٣/٢، وما قبله منه. وقراءة حفص وحمزة والكسائي في السبعة ص٣٣٩ ،
والتيسير ص١٢٦ .
(٣) ينظر مشكل إعراب القرآن ٣٧٤/١، والمحرر الوجيز ٢٠٩/٣ .
(٤) في الصحاح (سعد).
٢١٨
سورة هود: الآيات ١٠٠ - ١١٠
فلانٌ، كما لا يقال: شُقي فلان؛ لأنه مما لا يتعدّى(١).
﴿عَطَاءُ غَيّرَ بَجْذُوفٍ﴾ أي: غيرَ مقطوع، مِن جَذَّه يَجُذُّه، أي: قطعه، قال النابغة:
تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ المضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُبَّاحِبِ(٢)
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ﴾ جزم بالنهي، وحذفت النونُ لكثرة الاستعمال. ﴿فِى
مِيَقِ﴾ أي: في شكّ. ﴿مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ مِن الآلهة أنها باطل. وأحسنُ مِن هذا: أي:
قل يا محمد لكلِّ مَن شكَّ: ((لا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤلاءِ» إنَّ الله عزَّ وجلَّ ما
أمرهم به، وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون؛ تقليداً لهم (٣).
﴿وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيَّ مَنقُوصٍ﴾ فيه ثلاثةُ أقوال:
أحدها: نصيبهم من الرِّزق؛ قاله أبو العالية (٤).
الثاني : نصیبهم من العذاب؛ قاله ابن زید.
الثالث: ما وُعِدوا به من خيرٍ أو شرِّ؛ قاله ابن عباس رضي الله عنهما(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَّيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأَخْتُلِّفَ فِيَةٍ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن
زَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَهُمْ لَفِى شٍَّ مِنْهُ مُرِبٍ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَيِّكَ﴾ الكلمة: أنَّ الله عزَّ وجلَّ حكم
(١) ينظر الحجة للقراء السبعة ٣٧٨/٤ .
(٢) ديوان النابغة الذبياني ص١١، وفيه: تقدّ، بدل: تَجُذُّ، وسيرد ص٣١٩ من هذا الجزء. قوله:
السلوقي؛ نسبةً إلى سَلُوق؛ قرية باليمن تنسب إليها الدروع والكلاب. والصُّفَّاح: حجارة عِراض رِقاق.
والحُباحب: ذبابٌ يطير بالليل له شعاع كالسراج، ومنه: نار الحُباحب، أو هي ما اقتدح من شرر النار
في الهواء من تصادم الحجارة. القاموس (سلق) (صفح) (حبب). ويصف النابغة في هذا البيت السيوف
أنها تقدُّ الدروعَ التي ضوعف نسجُها والفارس والفرس حتى تبلغ الأرض، فتنقدح النار بها من
الحجارة. الشعر والشعراء ١/ ١٧٠ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٤/٢ .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٢٥٠) ٢٠٨٩/٦ .
(٥) أخرج هذا القول والذي قبله الطبري ١٢/ ٥٩١ - ٥٩٢ .
ا به
٢١٩
سورة هود: الآيتان ١١٠ - ١١١
أنْ يؤخّرَهم إلى يوم القيامة لِمَا عَلِمَ في ذلك من الصلاح، ولولا ذلك لَقَضى بينهم
أجلَهم بأن يُئيبَ المؤمن ويُعاقبَ الكافر(١). قيل: المراد بين المختلفِين في كتاب
موسى، فإنهم كانوا بين مُصَدِّقٍ به ومُكَذِّب. وقيل: بين هؤلاء المختلفين فيك يا
محمدُ بتعجيل العقاب، ولكن سبق الحكمُ بتأخير العقاب عن هذه الأمَّة إلى يوم
القيامة(٢). ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِى شَلِّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ إن حُملت على قوم موسى، أي: لفي شكٌّ من
كتاب موسى، فهم في شكٌّ من القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلُّاَ لَّمَّا لَيُّوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلَّا لَّمَا لَيُؤَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ﴾ أي: إنَّ كلَّا من الأُمم التي
عددناهم یرون جزاءً أعمالهم، فكذلك قومُك یا محمد.
واختلف القرَّاء في قراءة ﴿وَإِنَّ كُلَّا لَّمًا﴾ فقرأ أهل الحرمين؛ نافعٌ وابنُ كثير وأبو
بكر معهم: ((وَإِنْ كُلَّا)) بالتخفيف(٣)، على أنها ((إنْ)) المخفَّفةُ من الثقيلة مُعْمَةً، وقد
ذكر هذا الخليلُ وسيبويه (٤)، قال سيبويه(٥): حدَّثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول:
إن زيداً لَمنطلقٌ، وأنشد قولَ الشاعر:
كأنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَمْ(٦)
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٤/٢ .
(٢) ينظر تفسير الطبري ٥٩٢/١٢، والمحرر الوجيز ٢١٠/٣.
(٣) السبعة ص٣٣٩، والتيسير ص١٢٦ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٥/٢ .
(٥) الكتاب ١٤٠/٢ .
(٦) هذا عجز بيت، وصدره: ويوماً تُوافينا بوجهٍ مُقسّم. وقد اختلف في قائله، فنسبه سيبويه في الكتاب
١٣٤/٢ لابن صَريم اليَشكري، ونسبه الأصمعي في الأصمعيات ص ١٧٥، والأخفش الأصغر علي بن
سليمان في الاختيارين ص ٢٠٥ لعلباء بن أرقم اليشكري. وقد نُسب لغيرهما. ينظر شرح أبيات المغني
للبغدادي ١٥٩/١ - ١٦٠. تعطو، أي: تتناول أوراق الشجر مُرتعية. والوارق: المُورق. والسَّلَّم: شجر
بعينه. تحصیل عين الذهب ص٢٨٥ .
٢٢٠
سورة هود: الآية ١١١
أراد: كأنها ظبية، فخفّف ونصب ما بعدها، والبصريون يُجوِّزون تخفيفَ ((إنّ))
المشدَّدةِ مع إعمالها، وأنكر ذلك الكسائيُّ وقال: ما أدري على أيِّ شيءٍ قرئ: ﴿وَإِنْ
كُلَّا﴾! وزعم الفراء أنه نُصب ((كلََّ)) في قراءة مَن خفَّف بقوله: ((لَيُوفينَّهم)) أي: وإن
لَيوفينَّهم كلَّ، وأنكر ذلك جميعُ النحويين، وقالوا: هذا من كبير الغَلَط، لا يجوز عند
أحد: زيداً لَأَضربنَّه(١).
وشدَّد الباقون ((إنَّ)) ونصبوا بها ((كلَّا)) على أصلها.
وقرأ عاصمٌ وحمزةُ وابن عامر: ﴿لَّمَا﴾ بالتشديد. وخفَّفها الباقون(٢) على معنى:
وإن كلَّا لَيوفينَّهم، جعلوا ((ما)) صلة. وقيل: دخلت لِتَفْصِلَ بين اللامين اللتين تتلقَّيان
القَسَم، وكلاهما مفتوح، ففصل بينهما بـ ((ما)(٣).
وقال الزجاج: لام ((لمَا)) لام ((إنَّ)) و((ما)) زائدة مؤكّدة (٤)، تقول: إنَّ زيداً
المنطلق، فإنَّ تقتضي أن يدخلَ على خبرها أو اسمها لامٌ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر: ٢١]. واللام في ((لَيوفِينَّهم))
هي التي يُتَلقَّى بها القسم، وتدخل على الفعل، ويلزمها النون المُشدَّدَةُ أو المُخفَّفة،
ولمَّا اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ ((ما))، و((ما)) زائدة مؤكِّدة(٥).
وقال الفرَّاء(٦): ((ما)) بمعنى ((مَن))، كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُرْ لَمَنْ لَّبَطَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]،
أي: وإنّ كلَّا لَمَن لَيوفِينِهم، واللام في ((لَيوفِِّنَّهم» للقسم. وهذا يرجع معناه إلى قول
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٥/٢. وكلام الفراء في معاني القرآن ٢٩/٢ - ٣٠ وقال فيه: وهو وجهٌ لا
اشتھیه.
(٢) السبعة ص٣٣٩، والتيسير ص١٢٦ .
(٣) مشكل إعراب القرآن ٣٧٤/١ - ٣٧٥.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٨١/٣ .
(٥) ينظر الحجة للقراء السبعة ٣٨٥/٤.
(٦) في معاني القرآن ٢٨/٢ - ٢٩ .